احتفلت اليونسكو يوم الثلاثاء 18 دجنبر 2012، باليوم العالمي للغة العربية، وهو الاحتفال الأول الذي قرره المجلس التنفيذي للمنظمة الأممية، خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو قبل أسابيع، وذلك بطلب من المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية. وهي المناسبة التي سيتم فيها الاختفاء بلغة يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة، وأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب لقرون وهي بالتأكيد ليست مجرد أداة للاتصال، بل هي إحدى مقومات الهوية والقيم، والحاضنة للتنوع الثقافي وللحوار بين الحضارات. نتوقف اليوم بالتزامن مع هذا الاحتفال الأول من نوعه، عند أهم وأكبر مشروع للنهوض باللغة العربية ولاستشراف مستقبل اللغة العربية في ظل وضع أقل ما يمكن أن توصف به أنه "غير صحي" ويدعو للقلق. "لننهض بلغتنا" مشروع أعلن بدبي، من طرف مؤسسة الفكر العربي، وهو عبارة عن دراسة ميدانية نفذت في 11 دولة عربية، تلتها قراءة تحليلية، ثم وضع رؤية مستقبلية لحماية اللغة العربية وتنميتها والنهوض بها، ويحاول المشروع الذي يقع في 640 صفحة، أن يجيب عن عدد من الأسئلة منها، على من تقع مسؤولية الدفاع عن العربية حصننا الأخير؟ وكيف السبيل لاستعادة رمز هويتنا وأحد الدلائل الباقية على وجودنا الحضاري؟ ثم ما دور المدرسة ووسائل الإعلام والمجامع اللغوية والمؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية؟ وأين تتجلى مظاهر القلق، وأي واقع للغة العربية في عالمنا العربي؟
لماذا مشروع "لننهض بلغتنا"، وما سماته؟
يعتبر المشروع أن اللغة العربية في العقود الأخيرة شارفت حدود الأزمة، التي لم يعد ممكنا تجاوزها، والتي تجلت في مظاهر شتى، لم تعد مقلقة فقط للخبراء والتربويين وعلماء اللغة، بل تفشت وتفاقمت بحيث يمكن رصدها في كل مناحي الحياة اليومية، فأصبحت اللغة العربية اليوم قضية "أمن قومي"، في وقت تثبت فيه تجارب التاريخ أنه لم تحدث نهضة علمية في أي دولة في العالم بغير لغتها الوطنية.
ويرى القائمون على المبادرة، أنها تتيح لأهل العلم والخبرة والرأي، أن يضعوا رؤية مستقبلية للنهوض بواقع اللغة العربية في شتى المجالات، ويأملون أن يتوافر لهذه الرؤية الرعاية والمؤازرة من أعلى مستوى سياسي، لتكون في نهاية المطاف بين يدي صناع القرار التعليمي والتربوي والثقافي في دول الوطن العربي.
يركز مشروع لننهض بلغتنا العربية على دراسة ميدانية قوامها تسعة استطلاعات للرأي، اشتملت في مجملها على 265 سؤالا، تم تنفيذها في إحدى عشرة دولة عربية، وهي الأردن والمغرب والسعودية وسورية وفلسطين وقطر وموريتانيا ومصر وتونس واليمن ولبنان، وذلك انطلاقا من الاقتناع بأهمية تشخيص جوانب أزمة لغة الضاد على الأرض ولدى مختلف الأطراف المعنية بها، قبل وضع أي رؤية نظرية أو توصيات إصلاحية، وقد تم التعاون مع رؤساء المجامع اللغوية العربية ومع خبراء لغة الضد على امتداد دول الوطن العربي، من خلال قيامهم بوضع رؤية مستقبلية تتضمن مجموعة من المقترحات والإصلاحات للنهوض باللغة العربية، على ضوء ما أظهرته الدراسات الميدانية من نتائج ومؤشرات، وتتعلق الدراسات الميدانية التسع، بالشباب والمبدعين والطلاب الجامعيين وأساتذة اللغة العربية وطلاب التعليم ما قبل الجامعي والإعلاميون وأعضاء المجامع اللغوية والباحثين وعموم المواطنين ومعلمو اللغة العربية في التعليم ما قبل الجامعي.
وأقدم فريق تقني بتفريغ نتائج استطلاع الرأي، ليقوم بعد ذلك الخبراء بإجراء قراءة تحليلية لخمس عشرة قضية أساسية يثيرها الواقع الراهن للغة العربية، لتتم صياغة رؤية مستقبلية، عبارة عن خارطة طريق للنهوض باللغة العربية في ضوء نتائج استطلاع الرأي في كل قضية من القضايا الخمس عشرة الأساسية.
على ماذا القلق بشأن اللغة العربية؟
"كثيرة هي المخاطر التي تهدد وجودنا الحضاري، لكن إحداها وربما أشدها خطورة وإثارة للقلق هي اللغة العربية"، تلك كانت إحدى خلاصات مشروع "لننهض بلغتنا"، و"صارت لغة الضاد إحدى المناطق الرخوة في الثقافة العربية وإحدى الثغرات المقلقة في آخر حصن من حصون المقاومة الحضارية للأمة". فقد بلغ تعامل العرب مع لغتهم حالة من التراجع والتدهور والامتهان الجديرة بالقلق العميق. وبلغ الأمر أن أصبحت لغة التدريس في معظم المدارس والجامعات العربية تتم في بلد مثل مصر بالعامية المصرية بدل العربية الفصيحة!، يقول التقرير، وفي الفضائيات العربية تبدو العاميات المحلية هي لغة معظم البرامج، وتكاد العربية الفصيحة تقتصر على نشرات الأخبار في مشهد لا يخلو من الدهشة، وانتشرت في الآونة الأخيرة و"إن كان على استحياء"، ظاهرة استخدام العامية في الإبداع السردي في الروايات والقصص. أما السينما العربية، التي اعتبرها المشروع، ضربا إبداعيا أكثر رواجا وإبهارا وتأثيرا، وقال أنه ليس لدينا من بين نحو 4000 فيلم سينمائي عربي، سوى ستة أو سبعة أفلام لغة الحوار فيها هي العربية الفصيحة. وفي الغناء العربي تبدو السيادة ليس للعاميات المغرقة في المحلية فقط، بل لقاموس لغوي ركيك ومشوه يبدو أشبه "بالمسخ" اللغوي الذي يروج لمفردات لقيطة مجهولة النسب. ويلاحظ المشروع واحدة من أخطر ظواهر التواصل اللغوي لدى الشباب العربي، وهي استخدامه الحروف اللاتينية بديلا من الحروف العربية في الرسائل التي يتبادلها عبر الهواتف المحمولة ومواقع التعارف على الأنترنيت.
"لدينا شباب ذكي واعد، لكنه يتأفف اليوم ويمتعض من الحديث بلغته العربية مفضلا عليها الإنجليزية والفرنسية في ظاهرة غريبة مؤلمة.. نلمس هذا في معظم بلدان المشرق العربي، في الجامعات الخاصة والمعاهد والنوادي والمراكز التجارية، الظاهرة نفسها يمكن رصدها في بلدان المغرب العربي، حيث أكمل الاستقلال نصف قرن من الزمان، لكن اللغة الفرنسية تبدو هي الأكثر انتشارا في الكثير من الأماكن"، يضيف المشروع "المفهوم والمنطقي أن تستخدم اللغة الأجنبية في الحديث مع أهلها، بينما الحاصل اليوم أن شبابنا يتحدث اللغة الأجنبية في ما بينه وداخل دياره، أي أننا أمام "عرب" يتحدثون مع "عرب" في ملتقيات وحوارات "عربية" على أرض "عربية" لكن بلغة أجنبية!، هذا مشهد عبثي يحتاج إلى تفسير". ومن مظاهر القلق التي يتحدث عنها المشروع، هو أن يصدر المعجم الوسيط منذ خمسين عاما من دون أن يتم تحديثه حتى اليوم، بينما يتم تحديث معجم robertالفرنسي أحيانا كل عام، ومعجم oxford الانجليزي كل عشرة أعوام. ثم أيضا " انتشار المدارس والجامعات الخاصة والأجنبية التي تتضاءل فيها اللغة العربية إن لم تنعدم، وتكاد العملية التعليمية كلها تتم بلغة أجنبية ليس في العلوم الصحيحة والتطبيقية فقط، بل أيضا في العلوم الإنسانية".
الازدواجية اللغوية "الفصحى والعامية"
عقد باحثون صلة سببية بين رجحان العامية بتفشي الأمية، وفواعل العامل السياسي الذي تمثل بالتتريك ثم بفرض اللغة الأجنبية الفرنسية في مرحلة الاحتلال الفرنسي لكل من المغرب والجزائر ولبنان وتونس، والإنجليزية في مصر والعراق والأردن، فتحولت السنة اللغوية إلى صراع على الهوية والتراب الوطني، وفي هذا المناخ المضطرم يلاحظ الباحث في تاريخ هذه المسألة ظهور كتابات تنتصر للعامية في مرحلة التحدي السياسي، منادية برفض الفصحى لقصورها وغربتها عن التقدم، والمناداة بإحلال العامية محلها. ومن هنا جاءت الخطورة التي عرضت الفصحى للتغييب وعرضت الأمة العربية لأعنف انقلاب ثقافي وعرضت التعبير الأدبي لأعنف أزمة عرفها خلال تاريخه الطويل.
وبلغت نسبة الذين يحبون مشاهدة الأفلام والمسلسلات بالعربية الفصحى 40 بالمائة، وسجل الارتياح إلى سماع العربية الفصحى في الأفلام والمسلسلات ذات الطابع التاريخي والتراثي ما نسبته 66 بالمائة، وانخفضت النسبة إلى 35 بالمائة في الأفلام الدرامية العاطفية. وقال المشروع أنه لابد من رصد عوامل أو أسباب مسؤولة عن ضعف الأداء اللغوي بالفصحى، أو العزوف عنها واللجوء إلى العامية غالبا، وقد قدمت نتائج الاستطلاع لائحة رقمية في هذا الصدد، كان من أبرزها أن 54.5 بالمائة يرون السبب في عدم اعتماد الفصحى لغة تواصل في المدرسة، وعزا 49.7 السبب إلى ضعف الاهتمام بمطالعة الكتب الأدبية، ورد 35.3 بالمائة السبب إلى عدم اعتماد الفصحى لغة تواصل في البيت.
اللغة العربية والإعلام
أما العلاقة بين اللغة العربية والإعلام، يترجمها المشروع لأربع قضايا، وتتمثل الأولى في مدى إنتاج اللغة العربية على صعيد المفردات كما يفي بمتطلبات الانتشار والتوسع والتداول الجماهيري؟ ثم قدرة اللغة العربية على الوفاء بمتطلبات تنوع وسائط الإعلام؟ وكذا تقييم الإعلاميين لواقع اللغة الإعلامية الراهنة؟ وأخيرا دور الإعلام والإعلاميين في تنمية عناصر استخدام اللغة العربية؟
ورأى 54 بالمائة من المستطلعة آرائهم أن اللغة العربية تتمظهر في المصطلحات والمفاهيم العلمية والتقنية والثقافية الإعلامية، وقال 72 بالمائة أن اللغة العربية تطعم في وسائل الإعلام بمفردات أجنبية أو بمفاهيم وأفكار بسبب الضرورة الفنية التقنية التي فرضت نفسها. ما يسترعي الانتباه، حسب الخبراء الذين قدموا قراءة تحليلية لنتائج الدراسات الميدانية، هو أن نسبة اقتناء المعجم الخاص بالمصطلحات الإعلامية الأحادي اللغة "العربية" بلغت 31 بالمائة، يقابلها اعتماد 91.5 بالمائة من الإعلاميين على اللغة العربية في قراءة وكتابة الخبر أو التعليق أو التحليل، مقابل اعتماد 32 بالمائة ذلك في الإنجليزية، وهو أمر يبرر الحاجة إلى وضع معجم متطور وعصري في المصطلحات الإعلامية.
وعلى صعيد واقع اللغة العربية في النص المقروء "الصحيفة"، بدا القلق في تدني نسبة من يرون هذا الواقع جيد جدا "16 بالمائة"، وجيدا "40 بالمائة"، ومقبولا "32 بالمائة"، وقد اقترن ذلك بتحديد مبعث القلق، وبيان مشاكل اللغة العربية في الكتابة الصحفية، التي تتمظهر حسب رأي المستطلع رأيهم بالخطأ النحوي "53 بالمائة"، والصرفي "36 بالمائة"، ثم ضعف تركيب الجملة "43 بالمائة"، وأخيرا استخدام مفردات وتراكيب عامية بـ"39 بالمائة".
دور المنظومة القانونية في حماية اللغة العربية
سجل المشروع فتور المنظومتين التشريعية والإدارية وقعودها عن حماية اللغة العربية والذود عن حماها، وقال أنه باستثناء بعض النصوص القانونية هنا أو هناك، لا يوجد تشريع "ذكي" و"متكامل" و"رادع" يفرض استخدام اللغة العربية في ديارها وحمايتها من غزو اللغات الأجنبية. وأضحت اللغة العربية في احتياج شديد إلى منظومة قانونية تتسم بهذه الصفات الثلاث، أي الذكاء والكامل بمعنى الشمولية، والردع بمعنى قوة الإلزام، وذلك على غرار ما تفعله دول أخرى شديدة الغيرة على لغاتها الوطنية، مثل فرنسا وألمانيا والصين. ويرى المشروع أن واقع اللغة العربية في الدساتير والقوانين في البلدان العربية يتميز بسمات مشتركة، وأكد أنه على الرغم من وجوده بصيغ مختلفة، فهناك درجات الالتزام أو الإلزام بالنص التشريعي الذي أقره بسيادة اللغة العربية ووجوب استخدامها في المعاملات الرسمية للدولة، وفي وثائقها، وهناك درجات في التحلل من أحكام ذلك الالتزام أو الإلزام عبر مراسيم تبريرية، تستند في كثير من أسبابها إلى دوافع غير واضحة من الوجهة التشريعية، أحيانا أخرى. كما أن اللغة العربية من حيث راهنيتها الدستورية لغة مقررة في النص التشريعي، لكنها تلقى عنتا في إلزامية النشر والتطبيق، أو أنها لا تلقى من المشرع إلا ازدواجية الموقف، فالمناهج التعليمية تعاني ثنائية اللغة، إلى حد تقديم الأجنبية واعتمادها لغة أثيرة في تدريس العلوم والرياضيات، ويقترن ذلك بما تعلنه "وظائف القطاعين العام والخاص من شروط تجعل الأجنبية وإتقانها مدخلا إلى القبول والرضا، ما جعل سوق العمل مبررا مشروعا لسريان مفاعيل الانقضاض على اللغة العربية الرسمية.
والجدير بالاهتمام هو ما عكسه رأي المستطلع رأيهم في مسألة الاعتراف باللغة العربية رسميا في معظم البلدان العربية، وأن لها الأولوية على باقي اللغات، فقد أفاد بذلك 95.3 بالمائة، معتقدين أنت العربية هي اللغة الأولى ولها السيادة في النص الدستوري، ولعل الكثيرين منهم لا يعرفون أن النص على هذا الحق القانوني لم يمنع العديد من الدول العربية من إعطاء الدستورية للغات أخرى، جنبا إلى جنب مع اللغة العربية، ولاسيما التشريع الظاهر منه والمضمر للإنجليزية أو الفرنسية في التعليم والإدارة والتشريع وحتى في الإعلام والإعلان والتواصل.
المشهد العام لواقع اللغة العربية
يرى 95.3 بالمائة من المستطلعة آرائهم أن العربية هي اللغة الرسمية في بلدهم، ويرون من جانب آخر أن تداولها الإجباري في المؤسسات والدوائر الحكومية، له شأن آخر، وهو ما عبر عنه 66 بالمائة من المستجوبين، واعتبر 69.8 بالمائة أن العربية متداولة نسبيا في الوسط الاجتماعي مع لغة أجنبية أخرى، ثم تدنت النسبة قليلا، إذ يرى 58.5 بالمائة أن العربية في وسطهم الاجتماعي هي المستخدمة من دون غيرها.
واللغة العربية برأي 86.8 بالمائة هي لغة التواصل مع الآخرين، و51.9 بالمائة يلحظون تراجع العربية في اعتمادها لغة المرجع الذي يدخل في الاختصاص الثقافي والمهني، وهي حالة مقلقة، يقول المشروع، حتى لو رأى 60.4 منهم أنها لغة الاطلاع على جديد الفكر العربي والعالمي. بمعنى آخر، يتمثل القلق في اعتماد اللغة الأجنبية في تلك المجالات، فالإنجليزية أو الفرنسية التي تتسع فرص استخدامها، باتت من منظور 36.8 بالمائة لغة التواصل مع الآخرين، وهي برأي 43.3 بالمائة تزداد توسعا في اعتمادها لغة المراجع المختصة، ويعتقد 30.2 بالمائة من خلال ثقافتهم واختصاصهم أن العربية باتت ضعيفة التداول أمام الأجنبية.
هذه النسب تطرح سؤالا مشروعا، حسب خبراء مجامع اللغة العربية، هل اللغة العربية والأجنبية هما سواء من حيث المفاضلة؟ أم أن للعربية حظوة خاصة لدى المواطن العربي؟ بمعنى آخر، ما قدمته نتائج الاستطلاع من أن 82.1 بالمائة يرجعون رغبتهم في دراسة اللغة العربية إلى كونها لغة القرآن الكريم والتراث، وأنها عند 83 بالمائة منهم اللغة القومية والوطنية، وأن 76.4 بالمائة منهم يعزون ذلك إلى شعورهم بأهميتها في عملهم وحياتهم، هذه النتائج تصطدم برأي معاكس، فـ44.3 بالمائة يرون أن اهتمامهم بالعربية عائد إلى اهتمام المجتمع بها وحسب، وهي نسبة متدنية إلى حد النصف، إدا ما قيست بالنسب السابقة، فنحن إذا، تخلص القراءة التحليلية، أمام مشهدين الأول هو رأي الفرد في شعوره الذاتي حيث تعلو أهمية العربية، والثاني رأي الفرد من منظور جمعي، حيث تتدنى نسبة استخدام العربية. ويعتقد 75.5 بالمائة أن العربية تحتاج إلى حماية حقيقة على غرار ما يحدث للغة الفرنسية.
الثنائية اللغوية مشروطة بحماية اللغة الأم
من القضايا التي توقف عنده المشروع أيضا ما يعرف بالازدواجية اللغوية، ويرى الخبراء أن الثنائية اللغوية ضرورة حتمية في ما يبدو، إن هي مورست طبقا لحسابات موضوعية، بعيدا من السياسة الضيقة بشرط أن تدعم اللغة العربية، وتتساءل إحدى القراءات التحليلية، كيف يمكن أن يفهم بناء على هذا، أن الإنجليزية هي لغة الدراسة والعلم الدقيق والتقني في فرنسا، والفرنسية هي اللغة التي يوكل إليها هذا الدور في المغرب، وقد اقترح الميثاق المغربي للتربية والتكوين، أن يعرب تعليم المواد العلمية في التعليم العالي، على أن يكون مدعوما بلغتين أجنبيتين، إحداهما الفرنسية والثانية الإنجليزية، ومع أن هذه الثلاثية مكلفة ماديا وتعليميا، فقد تبناها ممثلو الأمة وصادقو على الميثاق، إلا أن مقتضياته الخاصة بالثلاثية اللغوية لم تطبق، ولم تعرب العلوم في التعليم الجامعي، ولم تدخل الإنجليزية فيه، لأسباب لم يوضحها أصحاب القرار، ولابد أنها تتعلق بهيمنة الفرنكفونية السياسية والاقتصادية، ثم كيف يفهم أن شركات الإشهار والإعلان والاتصال تستعمل الفرنسية بصفة كثيفة، ثم العامية، ولا تستعمل العربية إلا نادرا، فهذا الوضع لا علاقة له بلغة العلوم، بل إنه تشكيك في القدرة التواصلية للغة العربية، إرضاء للوبيات فرنكفونية وغيرها.
فمن الواضح، يقول المشروع، أن اللغة العربية لم تدعمها الثنائية اللغوية أو الثلاثية إلا إذا اتخذت التدابير القانونية لضمان التوازن، ووعى المواطنون ضرورة خوض المعركة من أجل الحفاظ على هويتهم اللغوية، فالثنائية مشروطة بأنها يجب أن تكون داعمة للغة العربية، وفي خدمتها وخدمة المتعلم، وليست مخلة بوضعها لصالح اللغة الأجنبية.
السياسة اللغوية منظومة متكاملة
لماذا مشروع "لننهض بلغتنا"، وما سماته؟
يعتبر المشروع أن اللغة العربية في العقود الأخيرة شارفت حدود الأزمة، التي لم يعد ممكنا تجاوزها، والتي تجلت في مظاهر شتى، لم تعد مقلقة فقط للخبراء والتربويين وعلماء اللغة، بل تفشت وتفاقمت بحيث يمكن رصدها في كل مناحي الحياة اليومية، فأصبحت اللغة العربية اليوم قضية "أمن قومي"، في وقت تثبت فيه تجارب التاريخ أنه لم تحدث نهضة علمية في أي دولة في العالم بغير لغتها الوطنية.
ويرى القائمون على المبادرة، أنها تتيح لأهل العلم والخبرة والرأي، أن يضعوا رؤية مستقبلية للنهوض بواقع اللغة العربية في شتى المجالات، ويأملون أن يتوافر لهذه الرؤية الرعاية والمؤازرة من أعلى مستوى سياسي، لتكون في نهاية المطاف بين يدي صناع القرار التعليمي والتربوي والثقافي في دول الوطن العربي.
يركز مشروع لننهض بلغتنا العربية على دراسة ميدانية قوامها تسعة استطلاعات للرأي، اشتملت في مجملها على 265 سؤالا، تم تنفيذها في إحدى عشرة دولة عربية، وهي الأردن والمغرب والسعودية وسورية وفلسطين وقطر وموريتانيا ومصر وتونس واليمن ولبنان، وذلك انطلاقا من الاقتناع بأهمية تشخيص جوانب أزمة لغة الضاد على الأرض ولدى مختلف الأطراف المعنية بها، قبل وضع أي رؤية نظرية أو توصيات إصلاحية، وقد تم التعاون مع رؤساء المجامع اللغوية العربية ومع خبراء لغة الضد على امتداد دول الوطن العربي، من خلال قيامهم بوضع رؤية مستقبلية تتضمن مجموعة من المقترحات والإصلاحات للنهوض باللغة العربية، على ضوء ما أظهرته الدراسات الميدانية من نتائج ومؤشرات، وتتعلق الدراسات الميدانية التسع، بالشباب والمبدعين والطلاب الجامعيين وأساتذة اللغة العربية وطلاب التعليم ما قبل الجامعي والإعلاميون وأعضاء المجامع اللغوية والباحثين وعموم المواطنين ومعلمو اللغة العربية في التعليم ما قبل الجامعي.
وأقدم فريق تقني بتفريغ نتائج استطلاع الرأي، ليقوم بعد ذلك الخبراء بإجراء قراءة تحليلية لخمس عشرة قضية أساسية يثيرها الواقع الراهن للغة العربية، لتتم صياغة رؤية مستقبلية، عبارة عن خارطة طريق للنهوض باللغة العربية في ضوء نتائج استطلاع الرأي في كل قضية من القضايا الخمس عشرة الأساسية.
على ماذا القلق بشأن اللغة العربية؟
"كثيرة هي المخاطر التي تهدد وجودنا الحضاري، لكن إحداها وربما أشدها خطورة وإثارة للقلق هي اللغة العربية"، تلك كانت إحدى خلاصات مشروع "لننهض بلغتنا"، و"صارت لغة الضاد إحدى المناطق الرخوة في الثقافة العربية وإحدى الثغرات المقلقة في آخر حصن من حصون المقاومة الحضارية للأمة". فقد بلغ تعامل العرب مع لغتهم حالة من التراجع والتدهور والامتهان الجديرة بالقلق العميق. وبلغ الأمر أن أصبحت لغة التدريس في معظم المدارس والجامعات العربية تتم في بلد مثل مصر بالعامية المصرية بدل العربية الفصيحة!، يقول التقرير، وفي الفضائيات العربية تبدو العاميات المحلية هي لغة معظم البرامج، وتكاد العربية الفصيحة تقتصر على نشرات الأخبار في مشهد لا يخلو من الدهشة، وانتشرت في الآونة الأخيرة و"إن كان على استحياء"، ظاهرة استخدام العامية في الإبداع السردي في الروايات والقصص. أما السينما العربية، التي اعتبرها المشروع، ضربا إبداعيا أكثر رواجا وإبهارا وتأثيرا، وقال أنه ليس لدينا من بين نحو 4000 فيلم سينمائي عربي، سوى ستة أو سبعة أفلام لغة الحوار فيها هي العربية الفصيحة. وفي الغناء العربي تبدو السيادة ليس للعاميات المغرقة في المحلية فقط، بل لقاموس لغوي ركيك ومشوه يبدو أشبه "بالمسخ" اللغوي الذي يروج لمفردات لقيطة مجهولة النسب. ويلاحظ المشروع واحدة من أخطر ظواهر التواصل اللغوي لدى الشباب العربي، وهي استخدامه الحروف اللاتينية بديلا من الحروف العربية في الرسائل التي يتبادلها عبر الهواتف المحمولة ومواقع التعارف على الأنترنيت.
"لدينا شباب ذكي واعد، لكنه يتأفف اليوم ويمتعض من الحديث بلغته العربية مفضلا عليها الإنجليزية والفرنسية في ظاهرة غريبة مؤلمة.. نلمس هذا في معظم بلدان المشرق العربي، في الجامعات الخاصة والمعاهد والنوادي والمراكز التجارية، الظاهرة نفسها يمكن رصدها في بلدان المغرب العربي، حيث أكمل الاستقلال نصف قرن من الزمان، لكن اللغة الفرنسية تبدو هي الأكثر انتشارا في الكثير من الأماكن"، يضيف المشروع "المفهوم والمنطقي أن تستخدم اللغة الأجنبية في الحديث مع أهلها، بينما الحاصل اليوم أن شبابنا يتحدث اللغة الأجنبية في ما بينه وداخل دياره، أي أننا أمام "عرب" يتحدثون مع "عرب" في ملتقيات وحوارات "عربية" على أرض "عربية" لكن بلغة أجنبية!، هذا مشهد عبثي يحتاج إلى تفسير". ومن مظاهر القلق التي يتحدث عنها المشروع، هو أن يصدر المعجم الوسيط منذ خمسين عاما من دون أن يتم تحديثه حتى اليوم، بينما يتم تحديث معجم robertالفرنسي أحيانا كل عام، ومعجم oxford الانجليزي كل عشرة أعوام. ثم أيضا " انتشار المدارس والجامعات الخاصة والأجنبية التي تتضاءل فيها اللغة العربية إن لم تنعدم، وتكاد العملية التعليمية كلها تتم بلغة أجنبية ليس في العلوم الصحيحة والتطبيقية فقط، بل أيضا في العلوم الإنسانية".
الازدواجية اللغوية "الفصحى والعامية"
عقد باحثون صلة سببية بين رجحان العامية بتفشي الأمية، وفواعل العامل السياسي الذي تمثل بالتتريك ثم بفرض اللغة الأجنبية الفرنسية في مرحلة الاحتلال الفرنسي لكل من المغرب والجزائر ولبنان وتونس، والإنجليزية في مصر والعراق والأردن، فتحولت السنة اللغوية إلى صراع على الهوية والتراب الوطني، وفي هذا المناخ المضطرم يلاحظ الباحث في تاريخ هذه المسألة ظهور كتابات تنتصر للعامية في مرحلة التحدي السياسي، منادية برفض الفصحى لقصورها وغربتها عن التقدم، والمناداة بإحلال العامية محلها. ومن هنا جاءت الخطورة التي عرضت الفصحى للتغييب وعرضت الأمة العربية لأعنف انقلاب ثقافي وعرضت التعبير الأدبي لأعنف أزمة عرفها خلال تاريخه الطويل.
وبلغت نسبة الذين يحبون مشاهدة الأفلام والمسلسلات بالعربية الفصحى 40 بالمائة، وسجل الارتياح إلى سماع العربية الفصحى في الأفلام والمسلسلات ذات الطابع التاريخي والتراثي ما نسبته 66 بالمائة، وانخفضت النسبة إلى 35 بالمائة في الأفلام الدرامية العاطفية. وقال المشروع أنه لابد من رصد عوامل أو أسباب مسؤولة عن ضعف الأداء اللغوي بالفصحى، أو العزوف عنها واللجوء إلى العامية غالبا، وقد قدمت نتائج الاستطلاع لائحة رقمية في هذا الصدد، كان من أبرزها أن 54.5 بالمائة يرون السبب في عدم اعتماد الفصحى لغة تواصل في المدرسة، وعزا 49.7 السبب إلى ضعف الاهتمام بمطالعة الكتب الأدبية، ورد 35.3 بالمائة السبب إلى عدم اعتماد الفصحى لغة تواصل في البيت.
اللغة العربية والإعلام
أما العلاقة بين اللغة العربية والإعلام، يترجمها المشروع لأربع قضايا، وتتمثل الأولى في مدى إنتاج اللغة العربية على صعيد المفردات كما يفي بمتطلبات الانتشار والتوسع والتداول الجماهيري؟ ثم قدرة اللغة العربية على الوفاء بمتطلبات تنوع وسائط الإعلام؟ وكذا تقييم الإعلاميين لواقع اللغة الإعلامية الراهنة؟ وأخيرا دور الإعلام والإعلاميين في تنمية عناصر استخدام اللغة العربية؟
ورأى 54 بالمائة من المستطلعة آرائهم أن اللغة العربية تتمظهر في المصطلحات والمفاهيم العلمية والتقنية والثقافية الإعلامية، وقال 72 بالمائة أن اللغة العربية تطعم في وسائل الإعلام بمفردات أجنبية أو بمفاهيم وأفكار بسبب الضرورة الفنية التقنية التي فرضت نفسها. ما يسترعي الانتباه، حسب الخبراء الذين قدموا قراءة تحليلية لنتائج الدراسات الميدانية، هو أن نسبة اقتناء المعجم الخاص بالمصطلحات الإعلامية الأحادي اللغة "العربية" بلغت 31 بالمائة، يقابلها اعتماد 91.5 بالمائة من الإعلاميين على اللغة العربية في قراءة وكتابة الخبر أو التعليق أو التحليل، مقابل اعتماد 32 بالمائة ذلك في الإنجليزية، وهو أمر يبرر الحاجة إلى وضع معجم متطور وعصري في المصطلحات الإعلامية.
وعلى صعيد واقع اللغة العربية في النص المقروء "الصحيفة"، بدا القلق في تدني نسبة من يرون هذا الواقع جيد جدا "16 بالمائة"، وجيدا "40 بالمائة"، ومقبولا "32 بالمائة"، وقد اقترن ذلك بتحديد مبعث القلق، وبيان مشاكل اللغة العربية في الكتابة الصحفية، التي تتمظهر حسب رأي المستطلع رأيهم بالخطأ النحوي "53 بالمائة"، والصرفي "36 بالمائة"، ثم ضعف تركيب الجملة "43 بالمائة"، وأخيرا استخدام مفردات وتراكيب عامية بـ"39 بالمائة".
دور المنظومة القانونية في حماية اللغة العربية
سجل المشروع فتور المنظومتين التشريعية والإدارية وقعودها عن حماية اللغة العربية والذود عن حماها، وقال أنه باستثناء بعض النصوص القانونية هنا أو هناك، لا يوجد تشريع "ذكي" و"متكامل" و"رادع" يفرض استخدام اللغة العربية في ديارها وحمايتها من غزو اللغات الأجنبية. وأضحت اللغة العربية في احتياج شديد إلى منظومة قانونية تتسم بهذه الصفات الثلاث، أي الذكاء والكامل بمعنى الشمولية، والردع بمعنى قوة الإلزام، وذلك على غرار ما تفعله دول أخرى شديدة الغيرة على لغاتها الوطنية، مثل فرنسا وألمانيا والصين. ويرى المشروع أن واقع اللغة العربية في الدساتير والقوانين في البلدان العربية يتميز بسمات مشتركة، وأكد أنه على الرغم من وجوده بصيغ مختلفة، فهناك درجات الالتزام أو الإلزام بالنص التشريعي الذي أقره بسيادة اللغة العربية ووجوب استخدامها في المعاملات الرسمية للدولة، وفي وثائقها، وهناك درجات في التحلل من أحكام ذلك الالتزام أو الإلزام عبر مراسيم تبريرية، تستند في كثير من أسبابها إلى دوافع غير واضحة من الوجهة التشريعية، أحيانا أخرى. كما أن اللغة العربية من حيث راهنيتها الدستورية لغة مقررة في النص التشريعي، لكنها تلقى عنتا في إلزامية النشر والتطبيق، أو أنها لا تلقى من المشرع إلا ازدواجية الموقف، فالمناهج التعليمية تعاني ثنائية اللغة، إلى حد تقديم الأجنبية واعتمادها لغة أثيرة في تدريس العلوم والرياضيات، ويقترن ذلك بما تعلنه "وظائف القطاعين العام والخاص من شروط تجعل الأجنبية وإتقانها مدخلا إلى القبول والرضا، ما جعل سوق العمل مبررا مشروعا لسريان مفاعيل الانقضاض على اللغة العربية الرسمية.
والجدير بالاهتمام هو ما عكسه رأي المستطلع رأيهم في مسألة الاعتراف باللغة العربية رسميا في معظم البلدان العربية، وأن لها الأولوية على باقي اللغات، فقد أفاد بذلك 95.3 بالمائة، معتقدين أنت العربية هي اللغة الأولى ولها السيادة في النص الدستوري، ولعل الكثيرين منهم لا يعرفون أن النص على هذا الحق القانوني لم يمنع العديد من الدول العربية من إعطاء الدستورية للغات أخرى، جنبا إلى جنب مع اللغة العربية، ولاسيما التشريع الظاهر منه والمضمر للإنجليزية أو الفرنسية في التعليم والإدارة والتشريع وحتى في الإعلام والإعلان والتواصل.
المشهد العام لواقع اللغة العربية
يرى 95.3 بالمائة من المستطلعة آرائهم أن العربية هي اللغة الرسمية في بلدهم، ويرون من جانب آخر أن تداولها الإجباري في المؤسسات والدوائر الحكومية، له شأن آخر، وهو ما عبر عنه 66 بالمائة من المستجوبين، واعتبر 69.8 بالمائة أن العربية متداولة نسبيا في الوسط الاجتماعي مع لغة أجنبية أخرى، ثم تدنت النسبة قليلا، إذ يرى 58.5 بالمائة أن العربية في وسطهم الاجتماعي هي المستخدمة من دون غيرها.
واللغة العربية برأي 86.8 بالمائة هي لغة التواصل مع الآخرين، و51.9 بالمائة يلحظون تراجع العربية في اعتمادها لغة المرجع الذي يدخل في الاختصاص الثقافي والمهني، وهي حالة مقلقة، يقول المشروع، حتى لو رأى 60.4 منهم أنها لغة الاطلاع على جديد الفكر العربي والعالمي. بمعنى آخر، يتمثل القلق في اعتماد اللغة الأجنبية في تلك المجالات، فالإنجليزية أو الفرنسية التي تتسع فرص استخدامها، باتت من منظور 36.8 بالمائة لغة التواصل مع الآخرين، وهي برأي 43.3 بالمائة تزداد توسعا في اعتمادها لغة المراجع المختصة، ويعتقد 30.2 بالمائة من خلال ثقافتهم واختصاصهم أن العربية باتت ضعيفة التداول أمام الأجنبية.
هذه النسب تطرح سؤالا مشروعا، حسب خبراء مجامع اللغة العربية، هل اللغة العربية والأجنبية هما سواء من حيث المفاضلة؟ أم أن للعربية حظوة خاصة لدى المواطن العربي؟ بمعنى آخر، ما قدمته نتائج الاستطلاع من أن 82.1 بالمائة يرجعون رغبتهم في دراسة اللغة العربية إلى كونها لغة القرآن الكريم والتراث، وأنها عند 83 بالمائة منهم اللغة القومية والوطنية، وأن 76.4 بالمائة منهم يعزون ذلك إلى شعورهم بأهميتها في عملهم وحياتهم، هذه النتائج تصطدم برأي معاكس، فـ44.3 بالمائة يرون أن اهتمامهم بالعربية عائد إلى اهتمام المجتمع بها وحسب، وهي نسبة متدنية إلى حد النصف، إدا ما قيست بالنسب السابقة، فنحن إذا، تخلص القراءة التحليلية، أمام مشهدين الأول هو رأي الفرد في شعوره الذاتي حيث تعلو أهمية العربية، والثاني رأي الفرد من منظور جمعي، حيث تتدنى نسبة استخدام العربية. ويعتقد 75.5 بالمائة أن العربية تحتاج إلى حماية حقيقة على غرار ما يحدث للغة الفرنسية.
الثنائية اللغوية مشروطة بحماية اللغة الأم
من القضايا التي توقف عنده المشروع أيضا ما يعرف بالازدواجية اللغوية، ويرى الخبراء أن الثنائية اللغوية ضرورة حتمية في ما يبدو، إن هي مورست طبقا لحسابات موضوعية، بعيدا من السياسة الضيقة بشرط أن تدعم اللغة العربية، وتتساءل إحدى القراءات التحليلية، كيف يمكن أن يفهم بناء على هذا، أن الإنجليزية هي لغة الدراسة والعلم الدقيق والتقني في فرنسا، والفرنسية هي اللغة التي يوكل إليها هذا الدور في المغرب، وقد اقترح الميثاق المغربي للتربية والتكوين، أن يعرب تعليم المواد العلمية في التعليم العالي، على أن يكون مدعوما بلغتين أجنبيتين، إحداهما الفرنسية والثانية الإنجليزية، ومع أن هذه الثلاثية مكلفة ماديا وتعليميا، فقد تبناها ممثلو الأمة وصادقو على الميثاق، إلا أن مقتضياته الخاصة بالثلاثية اللغوية لم تطبق، ولم تعرب العلوم في التعليم الجامعي، ولم تدخل الإنجليزية فيه، لأسباب لم يوضحها أصحاب القرار، ولابد أنها تتعلق بهيمنة الفرنكفونية السياسية والاقتصادية، ثم كيف يفهم أن شركات الإشهار والإعلان والاتصال تستعمل الفرنسية بصفة كثيفة، ثم العامية، ولا تستعمل العربية إلا نادرا، فهذا الوضع لا علاقة له بلغة العلوم، بل إنه تشكيك في القدرة التواصلية للغة العربية، إرضاء للوبيات فرنكفونية وغيرها.
فمن الواضح، يقول المشروع، أن اللغة العربية لم تدعمها الثنائية اللغوية أو الثلاثية إلا إذا اتخذت التدابير القانونية لضمان التوازن، ووعى المواطنون ضرورة خوض المعركة من أجل الحفاظ على هويتهم اللغوية، فالثنائية مشروطة بأنها يجب أن تكون داعمة للغة العربية، وفي خدمتها وخدمة المتعلم، وليست مخلة بوضعها لصالح اللغة الأجنبية.
السياسة اللغوية منظومة متكاملة

تعليق