أصل اللغة
د. بليل عبدالكريم
مفهوم اللغة:
تعريف اللغة: قال أبو الفتح ابن جني (ت 391هـ): حدُّ اللغةِ: أصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم، ثم قال: وأما تَصْريفها، فهي فُعْلة من لَغَوْت؛ أي: تكلَّمت، وأصلها لغوة، ككُرَة وقُلَة وثُبَة، كلُّها لاماتها واوات؛ لقولهم كروت بالكرة، وقلوت بالقلة، ولأنَّ ثبة كأنَّها من مقلوب ثاب يثوب، وقالوا فيها: لُغاتٌ ولُغُون، كثُبَات وثُبُون، وقيل منها لَغِيَ يَلْغَى إذا هَذَى... وكذلك اللَّغو؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]؛ أي: بالباطل، وفي الحديث: ((مَن قال في الجمعة: صَهْ، فقد لَغَا))؛ أي: تكلَّم[1].
وقال إمامُ الحرمين في "البرهان": اللغةُ من لَغِي يَلْغَى، من باب رَضِي، إذا لهِج بالكلام، وقيل: مِن لَغَى يَلْغَى[2].
قال الإسنوي في شرح "منهاج الأصول": اللغاتُ: عبارةٌ عن الألفاظ الموضوعةِ للمعانِي[3].
قال ابن خلدون: اعلم أنَّ اللغةَ في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بُدَّ أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم، وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات، وأوضحها إبانة عن المقاصد؛ لدلالةِ غير الكلمات فيها على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعيِّن الفاعل من المفعول من المجرور؛ أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال - أي: الحركات - إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى، وليس يوجد ذلك إلاَّ في لغة العرب، وأما غيرها من اللغات، فكل معنى أو حال لا بُدَّ له من ألفاظ تَخصه بالدلالة؛ ولذلك نجد كلامَ العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدره بكلام العرب، وهذا هو معنى قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أوتيت جوامعَ الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا)).
فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيئات - أي: الأوضاع - اعتبارٌ في الدلالة على المقصود، غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها، إنَّما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول، كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا، فلما جاء الإسلام، وفارقوا الحجاز لطلب المُلك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيَّرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمعُ من المخالفات التي للمستعربين، والسمعُ أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها؛ لجنوحها إليه باعتياد السمع، وخَشِيَ أهل العلوم منهم أن تفسدَ تلك الملكة رأسًا، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائرَ أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه؛ مثل أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغيُّر الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعرابًا، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً، وأمثال ذلك[4].
طبيعة اللغة: اللغة نظام من الرموز الصوتية، يتفق عليها بين الأطراف التي تتعامل به، وقيمة الرمز اللُّغوي تقوم على علاقة بين متحدث مؤثِّر ومخاطب متلقٍّ، فهي وسيلة نقل الأفكار بين المؤثر والمتلقي.
وتتم عمليةُ الكلام بإصدار الجهاز العصبي أوامِرَه إلى الجهاز النطقي عنده، فتصدر اللغة وتَمضي على شكل موجات صوتية في الهواء، فيتلقاها المخاطب بجهازه السمعي، ثم تنتقل بعد ذلك إلى جهازه العصبي، فتترجم هذه الرموز الصوتية اللُّغوية إلى معانيها المرتبطة بها.
الطريق إلى معرفة اللغة: قال فخر الدين الرَّازي (544 - 606 هـ): الطريقُ إلى معرفة اللغة، إما النقلُ المحْضُ كأكثرِ اللغة، أو استنباطُ العقل من النَّقْل، كما إذا نُقِلَ إلينا أنَّ الجمع المعرَّف يدخله الاستثناء، ونقل إلينا أنَّ الاستثناءَ إخراجُ ما يتناوله اللفظ، فحينئذٍ يستدلُّ بهذين النَّقْلين على أن صِيَغ الجمع للعموم، وأما العقل الصِّرف فلا مجالَ له في ذلك.
قال: والنقلُ المحضُ إما تواترٌ أو آحاد[5].
وقال ابنُ فارس في "فقه اللغة": باب القول في مأْخذ اللغة: تُؤخَذ اللغة اعتيادًا، كالصبيِّ العربيِّ يسمعُ أبويه أو غيرهما، فهو يأخذ اللغةَ عنهم على ممرِّ الأوقات، وتؤخذ تلقُّنًا من مُلَقِّن، وتؤخذُ سماعًا من الرُّواة الثِّقات ذوي الصدق والأمانة، ويُتَّقَى المظنون.
وكذا كلامُ ابن الأنباري في ذلك، ويؤْخذ من كلامهما أن الضابطَ الصحيح من اللغة: ما اتَّصل سَنَدُه بنَقْل العَدْل الضابط عن مِثله إلى منتهاه، على حدِّ الصحيح من الحديث.
وقال الزَّرْكَشِيّ: قال أبو الفضل بن عبدان في "شرائط الأحكام"، وتبعه الجيلي في "الإعجاز":ولا يلزم اللغة إلا بخمس شرائط:
أحدها: ثُبُوت ذلك عن العرب بنقل صحيح بوجوب العمل.
والثَّانِي: عدالة الناقلين كما يعد عدالتهم في الشرعيات.
وَالثَّالِثُ: أن يكون النقل عمن قوله حُجَّةٌ في أصل اللغة، كالعرب العاربة، مثل: قحطان، ومعد، وعدنان، فأمَّا إذَا نقلوا عمن بعدهم بعد فساد لسانهم واختلاف المولدين، فلا.
وقال ابْنُ جِنِّي: يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِ الْمُوَلَّدِينَ فِي الْمَعَانِي، كَمَا يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِ الْعَرَبِ فِي الْأَلْفَاظِ.
وَالرَّابِعُ: أن يكون الناقل قد سمع منهم حِسًّا، وأما بغيره فلا يثبُت.
وَالْخَامِسُ: أن يسمع من الناقل حِسًّا[6].
الخلاف في أصل اللغة:
تنازع الباحثون حول أصل اللغة، فخاض في البحث الفلاسفةُ والمتكلمون والأصوليون واللغويون، ولهم في ذاك مسالك لإثباتِ آرائهم، ودَحْضِ أقوالِ غيرهم.
وهم في الغالب على ثلاثة أقوال: التوقيف، والوضع، والمحاكاة، ورابع هو الجمع بين التوقيف والوضع.
قال ابن جني: هذا موضع محوج إلى فضل تأمُّل، غير أنَّ أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنَّما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف... واحتجَّ للتوقيف بقوله - سبحانه -: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31]، وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا، وجب تلقِّيه باعتقاده، والانطواءُ على القول به[7].
قال إمام الحرمين: اختلفَ أربابُ الأصول في مأخَذ اللغات، فذهب ذاهبون إلى أنَّها توقيفٌ من اللَّه - تعالى - وصار صائرون إلى أنَّها تثبتُ اصطلاحًا وَتَوَاطُؤًا، وذهب الأستاذ أبو إسحاق في طائفة من الأصحاب إلى أن القَدْر الذي يُفْهَم منه قصدُ التواطؤ لا بدَّ أن يُفْرضَ فيه التوقيف[8].
وقال أبو الفتح ابن برهان في كتاب "الوصول إلى الأصول": اختلف العلماءُ في اللغة: هل تَثبُتُ توقيفًا أو اصطلاحًا؟
• فذهبت المعتزلةُ إلى أن اللغات بأسْرها تثبت اصطلاحًا.
• وذهبت طائفةٌ إلى أنها تثبتُ توقيفًا.
• وزعم الأستاذُ أبو إسحاق الإسفراييني: "أنَّ القَدْرَ الذي يدْعو به الإنسان غيرَه إلى التَّواضع يَثْبتُ توقيفًا، وما عدا ذلك يَجوز أن يثبت بكل واحدٍ من الطريقين".
• وقال القاضي أبو بكر: يَجوز أن يثبت توقيفًا، ويَجوز أن يثبت اصطلاحًا، ويَجوز أن يثبت بعضه توقيفًا، وبعضه اصطلاحًا، والكلُّ ممكن.
وعمدة القاضي أن الممْكن هو الذي لو قُدِّر موجودًا لم يعرض لوجوده محال، ويعلم أن هذه الوجوه لو قُدِّرَت لم يعرض لوجودها محال، فوجب قَطْعُ القول بإمكانها.
وعمدةُ المعتزلة أنَّ اللغات لا تدلُّ على مدلولاتها كالدلالة العقلية؛ ولهذا المعنى يجوزُ اختلافُها، ولو ثبتت توقيفًا من جهة اللَّه - تعالى - لكان ينبغي أن يخلقَ اللَّه العلم بالصِّيغَة، ثم يخلق العلْمَ بالمدلول، ثم يخلق لنا العلم بجَعْل الصيغة دليلاً على ذلك المدلول، ولو خلقَ لنا العلمَ بصفاته، لجاز أن يخْلُق لنا العلم بذاته، ولو خلق لنا العلم بذاته، بَطَل التكليف، وبَطَلَت المحنة.
د. بليل عبدالكريم
مفهوم اللغة:
تعريف اللغة: قال أبو الفتح ابن جني (ت 391هـ): حدُّ اللغةِ: أصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم، ثم قال: وأما تَصْريفها، فهي فُعْلة من لَغَوْت؛ أي: تكلَّمت، وأصلها لغوة، ككُرَة وقُلَة وثُبَة، كلُّها لاماتها واوات؛ لقولهم كروت بالكرة، وقلوت بالقلة، ولأنَّ ثبة كأنَّها من مقلوب ثاب يثوب، وقالوا فيها: لُغاتٌ ولُغُون، كثُبَات وثُبُون، وقيل منها لَغِيَ يَلْغَى إذا هَذَى... وكذلك اللَّغو؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]؛ أي: بالباطل، وفي الحديث: ((مَن قال في الجمعة: صَهْ، فقد لَغَا))؛ أي: تكلَّم[1].
وقال إمامُ الحرمين في "البرهان": اللغةُ من لَغِي يَلْغَى، من باب رَضِي، إذا لهِج بالكلام، وقيل: مِن لَغَى يَلْغَى[2].
قال الإسنوي في شرح "منهاج الأصول": اللغاتُ: عبارةٌ عن الألفاظ الموضوعةِ للمعانِي[3].
قال ابن خلدون: اعلم أنَّ اللغةَ في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بُدَّ أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم، وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات، وأوضحها إبانة عن المقاصد؛ لدلالةِ غير الكلمات فيها على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعيِّن الفاعل من المفعول من المجرور؛ أعني المضاف، ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال - أي: الحركات - إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى، وليس يوجد ذلك إلاَّ في لغة العرب، وأما غيرها من اللغات، فكل معنى أو حال لا بُدَّ له من ألفاظ تَخصه بالدلالة؛ ولذلك نجد كلامَ العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدره بكلام العرب، وهذا هو معنى قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أوتيت جوامعَ الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا)).
فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيئات - أي: الأوضاع - اعتبارٌ في الدلالة على المقصود، غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها، إنَّما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول، كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا، فلما جاء الإسلام، وفارقوا الحجاز لطلب المُلك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيَّرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمعُ من المخالفات التي للمستعربين، والسمعُ أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها؛ لجنوحها إليه باعتياد السمع، وخَشِيَ أهل العلوم منهم أن تفسدَ تلك الملكة رأسًا، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائرَ أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه؛ مثل أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغيُّر الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعرابًا، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً، وأمثال ذلك[4].
طبيعة اللغة: اللغة نظام من الرموز الصوتية، يتفق عليها بين الأطراف التي تتعامل به، وقيمة الرمز اللُّغوي تقوم على علاقة بين متحدث مؤثِّر ومخاطب متلقٍّ، فهي وسيلة نقل الأفكار بين المؤثر والمتلقي.
وتتم عمليةُ الكلام بإصدار الجهاز العصبي أوامِرَه إلى الجهاز النطقي عنده، فتصدر اللغة وتَمضي على شكل موجات صوتية في الهواء، فيتلقاها المخاطب بجهازه السمعي، ثم تنتقل بعد ذلك إلى جهازه العصبي، فتترجم هذه الرموز الصوتية اللُّغوية إلى معانيها المرتبطة بها.
الطريق إلى معرفة اللغة: قال فخر الدين الرَّازي (544 - 606 هـ): الطريقُ إلى معرفة اللغة، إما النقلُ المحْضُ كأكثرِ اللغة، أو استنباطُ العقل من النَّقْل، كما إذا نُقِلَ إلينا أنَّ الجمع المعرَّف يدخله الاستثناء، ونقل إلينا أنَّ الاستثناءَ إخراجُ ما يتناوله اللفظ، فحينئذٍ يستدلُّ بهذين النَّقْلين على أن صِيَغ الجمع للعموم، وأما العقل الصِّرف فلا مجالَ له في ذلك.
قال: والنقلُ المحضُ إما تواترٌ أو آحاد[5].
وقال ابنُ فارس في "فقه اللغة": باب القول في مأْخذ اللغة: تُؤخَذ اللغة اعتيادًا، كالصبيِّ العربيِّ يسمعُ أبويه أو غيرهما، فهو يأخذ اللغةَ عنهم على ممرِّ الأوقات، وتؤخذ تلقُّنًا من مُلَقِّن، وتؤخذُ سماعًا من الرُّواة الثِّقات ذوي الصدق والأمانة، ويُتَّقَى المظنون.
وكذا كلامُ ابن الأنباري في ذلك، ويؤْخذ من كلامهما أن الضابطَ الصحيح من اللغة: ما اتَّصل سَنَدُه بنَقْل العَدْل الضابط عن مِثله إلى منتهاه، على حدِّ الصحيح من الحديث.
وقال الزَّرْكَشِيّ: قال أبو الفضل بن عبدان في "شرائط الأحكام"، وتبعه الجيلي في "الإعجاز":ولا يلزم اللغة إلا بخمس شرائط:
أحدها: ثُبُوت ذلك عن العرب بنقل صحيح بوجوب العمل.
والثَّانِي: عدالة الناقلين كما يعد عدالتهم في الشرعيات.
وَالثَّالِثُ: أن يكون النقل عمن قوله حُجَّةٌ في أصل اللغة، كالعرب العاربة، مثل: قحطان، ومعد، وعدنان، فأمَّا إذَا نقلوا عمن بعدهم بعد فساد لسانهم واختلاف المولدين، فلا.
وقال ابْنُ جِنِّي: يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِ الْمُوَلَّدِينَ فِي الْمَعَانِي، كَمَا يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِ الْعَرَبِ فِي الْأَلْفَاظِ.
وَالرَّابِعُ: أن يكون الناقل قد سمع منهم حِسًّا، وأما بغيره فلا يثبُت.
وَالْخَامِسُ: أن يسمع من الناقل حِسًّا[6].
الخلاف في أصل اللغة:
تنازع الباحثون حول أصل اللغة، فخاض في البحث الفلاسفةُ والمتكلمون والأصوليون واللغويون، ولهم في ذاك مسالك لإثباتِ آرائهم، ودَحْضِ أقوالِ غيرهم.
وهم في الغالب على ثلاثة أقوال: التوقيف، والوضع، والمحاكاة، ورابع هو الجمع بين التوقيف والوضع.
قال ابن جني: هذا موضع محوج إلى فضل تأمُّل، غير أنَّ أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنَّما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف... واحتجَّ للتوقيف بقوله - سبحانه -: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31]، وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا، وجب تلقِّيه باعتقاده، والانطواءُ على القول به[7].
قال إمام الحرمين: اختلفَ أربابُ الأصول في مأخَذ اللغات، فذهب ذاهبون إلى أنَّها توقيفٌ من اللَّه - تعالى - وصار صائرون إلى أنَّها تثبتُ اصطلاحًا وَتَوَاطُؤًا، وذهب الأستاذ أبو إسحاق في طائفة من الأصحاب إلى أن القَدْر الذي يُفْهَم منه قصدُ التواطؤ لا بدَّ أن يُفْرضَ فيه التوقيف[8].
وقال أبو الفتح ابن برهان في كتاب "الوصول إلى الأصول": اختلف العلماءُ في اللغة: هل تَثبُتُ توقيفًا أو اصطلاحًا؟
• فذهبت المعتزلةُ إلى أن اللغات بأسْرها تثبت اصطلاحًا.
• وذهبت طائفةٌ إلى أنها تثبتُ توقيفًا.
• وزعم الأستاذُ أبو إسحاق الإسفراييني: "أنَّ القَدْرَ الذي يدْعو به الإنسان غيرَه إلى التَّواضع يَثْبتُ توقيفًا، وما عدا ذلك يَجوز أن يثبت بكل واحدٍ من الطريقين".
• وقال القاضي أبو بكر: يَجوز أن يثبت توقيفًا، ويَجوز أن يثبت اصطلاحًا، ويَجوز أن يثبت بعضه توقيفًا، وبعضه اصطلاحًا، والكلُّ ممكن.
وعمدة القاضي أن الممْكن هو الذي لو قُدِّر موجودًا لم يعرض لوجوده محال، ويعلم أن هذه الوجوه لو قُدِّرَت لم يعرض لوجودها محال، فوجب قَطْعُ القول بإمكانها.
وعمدةُ المعتزلة أنَّ اللغات لا تدلُّ على مدلولاتها كالدلالة العقلية؛ ولهذا المعنى يجوزُ اختلافُها، ولو ثبتت توقيفًا من جهة اللَّه - تعالى - لكان ينبغي أن يخلقَ اللَّه العلم بالصِّيغَة، ثم يخلق العلْمَ بالمدلول، ثم يخلق لنا العلم بجَعْل الصيغة دليلاً على ذلك المدلول، ولو خلقَ لنا العلمَ بصفاته، لجاز أن يخْلُق لنا العلم بذاته، ولو خلق لنا العلم بذاته، بَطَل التكليف، وبَطَلَت المحنة.

تعليق