"روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق
عرض ومناقشة وموازنة
خلود بناصر
مقدمة
ابن الأزرق غرناطي الأصل، مالقي المولد (831 –896هـ)، شغل وظيفة القضاء والإفتاء والتدريس، وعاش في عصر عرفت فيه غرناطة اضطرابات كبرى أدت إلى سقوطها.
ويعتبر مؤلَّفه "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" واحدًا من أغنى مؤلفاته، إلى جانب مؤلفات أخرى تحمل عناوين: "شفاء الغليل في شرح مختصر خليل"، "الإبريز المسبوك في كيفية آداب الملوك"، "تخيير الرياسة وتحذير السياسة"، و"بدائع السلك في طبائع الملك".
ويعد عنوان المؤلَّف أول ما يقرأ المتلقي، فهو العتبة الأولى إليه، فإما أن يلفت انتباهه وإما أن يصرفه عنه، ومن أجل ذلك سنتوقف عنده بغية تحليله من الناحيتين التركيبية والدلالية، كما يلي:
- الجانب التركيبي:
العنوان عبارة عن جملة اسمية على عادة العرب في اعتماد الجمل الاسمية دون الفعلية في عناوينهم لما تؤديه من وظيفة إخبارية، والمبتدأ محذوف تقديره "هذا"، والخبر "روضة" وهو مضاف، "الإعلام" مضاف إليه، "بمنزلة" جار ومجرور، وهو مضاف، "العربية" مضاف إليه، "من علوم" جار ومجرور، وهو مضاف، "الإسلام" مضاف إليه.
ويتكون عنوان المؤلف "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" من سبع كلمات، وهو متوسط الحجم بالمقارنة مع عناوين بعض المؤلفات العربية القديمة، التي يستغرق بعضها ما يزيد عن السطر الواحد، كعنوان المؤلَّف الشهير لابن خلدون: "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".
- الجانب الدلالي:
استعمل ابن الأزرق لفظة "روضة" للدلالة على مؤلَّفه، والروضة"البستان الحسن"(1) وقد صرح في المقدمة بسبب تسميته للمؤلَّف بـ"روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، حيث "دل بها على ما يبهج ويقيد بمحاسنه النواظر"(2)، وقد اعتادت العرب أن تستعمل المجاز في عناوينها، بل إن كثيرًا من المؤلفات العربية استعملت نفس اللفظ في عناوينها، منها: "روضة التعريف بالحب الشريف" لابن الخطيب، "الروض المريع في صناعة البديع" لابن البناء المراكشي، و "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" لابن قيم الجوزية.
ووجه الشبه بين المؤلَّف والروضة ما يحتويه من موضوعات متنوعة يتطلع إليها القارئ وتشد انتباهه إليها كالروضة التي تجذب الناظر ببهائها.
جرت عادة الحركة التأليفية العربية القديمة خاصة على سجع عناوين مؤلفاتها بحيث تكتسب جرسًا موسيقيًّا يضفي عليها طابعًا جماليًّا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد، كما هو الحال بالنسبة لعنوان مؤلَّف ابن الأزرق.
والسجع: "أن تتفق الفاصلتان في الحرف الأخير، والفاصلة في النثر كالقافية في الشعر، وتسمى كل من الجملتين فقرة"(3).
ويمكن تقسيم العنوان تبعًا للجرس الصوتي الخاص بالقافية إلى قسمين: روضة الإعلام - بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ويؤدي السجع إلى جانب وظيفته الجمالية وظيفة تنبيهية تواصلية بحيث يلفت انتباه القارئ إلى عنوان المؤلف، كما أنه ييسر له حفظه واسترجاعه.
فما الأطروحة التي يدافع عنها المؤلف؟ وما هي بعض جوانب مناقشتِها الممكنة؟ وما هي الآراء الأخرى المقابلة لما تثيره من موضوعات؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، قسمنا هذا البحث إلى ثلاثة محاور أساسية:
* العرض، وقمنا فيه بعرض شامل ومركز لأقسام المؤلف ومضامينه.
* المناقشة، وتناولنا فيها مختلف الجوانب الثاوية خلف الأطروحة من عنوان المؤلف،ومنهجيته،ومرجعيته، وموقعه من باقي مؤلفات ابن الأزرق وآثار العصر عليه.
* الموازنة، وانفتحنا من خلالها على بعض ما يتقاطع مع الموضوعات التي يثيرها المؤلف.
1. العرض
يتمحور المؤلَّف حول موضوع أساسي هو التعريف بمكانة العربية بين مختلف العلوم الإسلامية، والحاجة إليها لفهم الكتاب والسنة، باعتبارهما مجموعة من النصوص التي يتوقف فهمها على فهم بنياتها اللغوية.
وقد عالج المؤلِّف هذا الموضوع في أربعة أبواب مختلفة لكنها مترابطة بحيث يشكل كل منها عنصرًا فاعلًا في بنية المؤلَّف، وسنقوم بعرض تمفصلاته بدءًا بمقدمته، مرورًا بأبوابه ووصولًا إلى خاتمته.
المقدمة الأولى:
افتُتِحت مقدمة المؤلَّف بالبسملة والتصلية على عادة المؤلفين العرب القدامى، ثم قُدِّمتْ أهم الوظائف التي شغلها ابن الأزرق؛ الإمامة والقضاء، وقد ابتُدئ بهذه الجملة "قال الشيخ الإمام الأوحد الصدر ..."، فنُسِب القولُ إليه، وأما مقولُ قوله فقسمان: الأول أخص وهو المقدمة، والثاني أعم وهو المؤلَّف كله.
تتمحور المقدمة حول الثناء على العربية، وتعظيم منزلتها، فهي الوسيلة لفهم السنة النبوية والنصوص القرآنية واجتناب تحريفهما، فالحاجة إليها ضرورية، ومن ثم جعلها واجبة التعلم.
كما عرض فيها المؤلِّفُ أقسام الكتاب ومضامينها، فجعلها أربعة أبواب مع مقدمة وخاتمة، كما يلي:
* "المقدمة: في مدلول اسم النحو لغة واصطلاحًا.
* الباب الأول: في تقرير فضل العربية، وتحرير الحض على تعلمها.
* الباب الثاني: في منفعة النحو منها، وضرورة الاحتياج إليه في ملة الإسلام.
* الباب الثالث: في حكم استنباط النحو، والاشتغال به في نظر الشرع.
* الباب الرابع: في نسبة النحو من العلوم، ومرتبته في التعلم.
* الخاتمة: في آداب المشتغل به وبغيره من العلوم"(4).
وقد توقف بعد هذا عند عنوان مؤلَّفه؛ "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، مشيرًا إلى سبب اختياره له، مركزًا على لفظة "روضة" وما تعكسه من دلالات تنسجم مع ما تضمنه الكتاب من "فوائد مختلفات، وفرائد في منظوم سبكه مؤتلفات، وروايات نقليات، واعتبارات عقليات، وحكايات مستظرفات، وآداب من أخلاق السنة مغترفات"(5)، وقد اختتم المؤلف مقدمته بالدعاء.
المقدمة الثانية:
تناول المؤلِّف مقدمتَه الثانية في ثلاثة مباحث؛ الأول لشرح مصطلح النحو لغة، الثاني لشرحه اصطلاحًا، والثالث لتعليل التسمية به.
الباب الأول:
عقد المؤلف الباب الأول لبيان ما تحظى به العربية من منزلة رفيعة في الإسلام، مستشهدًا على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية عدة، ويدلنا عنوان الباب على ما تناوله فيه، خاصة الشق الأول من العنوان، وهو: "في تقرير فضل العربية".
وهذه الحاجة إلى "تقرير فضل العربية" تدفع القارئ إلى افتراض وجود منكِر لفضلها أو مجادل فيه، فلا دافع إلى تقريره إذا كان مُسلَّمًا به، وما دام الأمر غير ذلك، فنتوقع أن يتجه مضمون الباب إلى اتجاهين اثنين؛ أحدهما: الدحض، وثانيها: الإثبات؛ أي دحض دعوى المخالف وإثبات الأطروحة المُدافَع عنها.
عمد المؤلف في الدفاع عن أطروحته المتمثلة في اعتبار العربية علمًا هامًّا تحتاج إليه باقي العلوم الإسلامية، إلى اعتماد بنية حجاجية عكسية، تنطلق من الإثبات لتصل إلى الدحض، لا خلاف ذلك؛ أي الانطلاق من الدحض إلى الإثبات، حيث قسم الباب الأول إلى ما سماه: "الطرف الأول" وأثبت فيه فضل العربية، و"الطرف الثاني" ودحض فيه أقوال منكر ذلك الفضل.
فأما الطرف الأول فقسمه بدوره إلى قسمين، هما: المسلك الأول والمسلك الثاني، حيث جعل المسلك الأول للحديث عن فضل العربية بمعناها اللغوي العام بما هي لغة من اللغات، وخص المسلك الثاني للحديث عن فضل العربية بمعناها الاصطلاحي الخاص؛ أي بما هي علم "يختص بالتراكيب والجمل"(6).
وأما الطرف الثاني فاستعرض فيه أقوال معارضي فضل العربية، والرد على كل منها عن طريق الحجاج. كما أورد فيه مدحًا لهذا العلم فجعله في قسمين: أحدهما لمنظومه وثانيهما لمنثوره.
وعقد في نهاية الباب خاتمة طويلة من ثلاثة فصول، عرض فيها لفضائل العلم العقلية المحضة، فضائله النقلية المحضة، وفضائله المركبة من العقل والنقل. وأورد في كل من الفصل الأول والثالث عشر فضائل، وفي الفصل الثاني أورد عشرين فضيلة.
الباب الثاني:
بعد أن تحدث المؤلف في الباب الأول عن منزلة النحو أو علم العربية في الإسلام، تناول في الباب الثاني الحديث عن منفعة هذا العلم وحاجة علوم الإسلام إليه، وفي الحديث عن منفعته بيان للأسباب التي تمنحه منزلته التي سبق تقريرها في الباب الأول.
وقد وضع قاعدتين لبيان منفعة النحو وحاجة علوم الإسلام إليه هما بمثابة مقدمتين ينبني عليهما الباب، وتتمثل القاعدة الأولى في كون أصول الشريعة الإسلامية من قرآن وسنة عربيةٌ خالصة، وتتمثل القاعدة الثانية في أن من أعظم مقاصد هذه الشريعة حفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وبناء على هاتين القاعدتين يُقسم المؤلِّف الباب إلى مقامين، يكشف أحدهما منفعة النحو باعتبار القاعدة الأولى، ويبين ثانيهما منفعته باعتبار القاعدة الثانية.
إن مجمل ما أورده المؤلف في المقام الأول يؤكد على منفعة النحو والحاجة الملحة إليه لفهم الكتاب والسنة إلى جانب باقي العلوم الإسلامية، وقد أورد المؤلف عشرة أمثلة على ما يؤدي إليه الجهل بالنحو من الخروج عن الصواب في فهم الكتاب والسنة فكانت هذه الأمثلة استشهادًا على ما سبق من حديثه.
وفي المقام الثاني تناول الحديثَ عن منفعة النحو في حفظ الضروريات الخمس، وقد تطرق لكل واحدة منها على حدة.
فأما حفظ الدين فجعله في قسمين: قسم خاص بحفظ الجانب الاعتقادي منه وقسم يتعلق بحفظ الجانب العملي.
وأما حفظ النفس فجعله قسمين: الأول حفظها مما يصدر منها من كلام فيوجب حتفها، والثاني مما يرد عليها منه.
وأما حفظ العقل فقسمه إلى مطلبين: المطلب الأول لحفظ العقل من جانب الوجود، والمطلب الثاني لحفظه من جانب العدم.
وأما حفظ النسل فتناول الحديث عنه باعتبار أمرين: أحدهما يتعلق بالمعرفة به، وثانيهما يتصل بتجنب ما يفسده.
وأما حفظ المال فجعله في طرفين: طرف لاستجلاب المال، وطرف لحفظه بعد حصوله.
وقد انتقل المؤلف بعد هذا إلى استعراض منفعة النحو للعلوم الشرعية، بدءا بعلم التفسير، مرورا بعلم القراءات، وعلم الحديث، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه وصولا إلى علم الفقه.
الباب الثالث:
تقدم في الباب الثاني حديث المؤلف عن منفعة النحو للعلوم الإسلامية على اختلافها، والحاجة إليه لفهم الكتاب والسنة وتحقيق مقاصد الشريعة الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وبناء على هذه الحاجة يعقد المؤلف الباب الثالث لبيان الحكم الشرعي لاستنباط النحو من جهة والاشتغال به من جهة أخرى.
قسم المؤلف الباب الثالث إلى فصلين: الأول للحكم الشرعي لاستنباط النحو والثاني للحكم الشرعي للاشتغال به، وقد عالج الفصل الأول في أربعة مباحث، المبحث الأول للحديث عن أول من استنبط النحو وهو أبو الأسود الدؤلي، والمبحث الثاني للحديث عن سبب استنباطه وهو ظهور اللحن في اللغة العربية على لسان الناطقين بها، والمبحث الثالث للحديث عن أخذ الشرع بذلك السبب لوضع النحو حفظًا للقرآن من الضياع، والمبحث الرابع لبيان الحكم الشرعي لوضع النحو وهو الوجوب.
أما الفصل الثاني فيتعلق في جملته بحكم الاشتغال بالنحو في نظر الشرع ويتمثل في كونه فرض كفاية، بحيث "يسقط التكليف به عمن لم يقم به إذا كان هناك من قام به"(7).
الباب الرابع:
خص المؤلف هذا الباب بالحديث عن نسبة العربية من العلوم الإسلامية ومرتبتها في التعلم، وقسم الباب إلى ستة مناهج تبعًا لذلك.
وقد تناول في المنهج الأول الحديث عن نسبة العربية من العلوم الإسلامية، مستفيدًا من جدلية الأداتية والغائية في تقسيم العلوم إلى قسمين: مقصودة لنفسها ومقصودة لغيرها، فالأولى غايات والثانية أدوات. وقد صنف النحو ضمن العلوم المقصودة لغيرها، فاعتبرها أداة لتحقيق غايات العلوم المقصودة لنفسها، كما اعتبرها علم آلة إلى جانب علوم الآلة الأخرى.
ويشبه المؤلف صناعة النحو في علاقته باللسان، بعلم المنطق في نسبته للعقل، وعلم العروض في نسبته لأوزان الشعر باعتبار أن كلا منها يعطي قوانين منطقية في مجاله الخاص.
فأما في المنهج الثاني فتحدث عن مرتبة العربية في التعلم فقدمها على ما عداها لأنها الوسيلة إلى غيرها، سواء تعلق الأمر بالعلوم الإسلامية أو العلوم القديمة التي تُرجمتْ إلى اللسان العربي، ويدخل ضمن تعلم العربية اللغة والنحو معا، مع التأكيد على أهمية المعرفة بالشعر في تعلمها.
وأما في المنهج الثالث فميز المؤلف بين ما يُعتمد عليه من العربية لخدمة العلوم الإسلامية وما لا يُعتمد عليه منها، على اعتبار أن لكل علم صلبًا وملحًا على حد تعبيره، أي أن لكل علم عمدًا وفضلات، أصولًا وفروعًا.
وقد قسم العربيةَ إلى نوعين باعتبار ما سبق؛ فالنوع الأول يتضمن كل ما يُحتاج إليه للقيام بما يتطلبه التكليف الشرعي، والنوع الثاني هو ما قُصِدَ به غير هذا.
وأما المنهج الرابع فيعالج فيه مقام استعمال العربية، حيث يدعو المؤلِّف إلى صيانة العربية مما اعتبره إهانة لها باستعمالها مع غير أهلها، ويستشهد على ذلك بأدلة معقولة وأخرى منقولة، محددا مواضع لا يحسن بها الخطاب بمقتضى العربية، ويقصد المؤلف بالمواضع "المقامات التداولية" ونعني بالمقام التداولي "مجموعة العناصر التي تتوافر في موقف تخاطبي معين وأهمها زمان التخاطب ومكانه وعلاقة المتكلم بالمخاطب وخاصة الوضع التخابري بينهما؛ أي مجموعة المعارف التي تشكل مخزون كل منهما أثناء عملية التخاطب"(8).
وأما المنهج الخامس فعقده المؤلف لموضوع الإغراب في الخطاب، وجعله في مسألتين؛ أولاهما لبيان المناهي الشرعية، وثانيتهما للحديث عن ردود أفعال المتلقي تجاه هذا النوع من الخطاب.
وأما المنهج السادس فأفرده لبيان حكم تلقي المعلم مقابلًا على تعليم العربية، وقد ميز بين ما عبر عنه بـ"أخذه للرزق"، وبين ما عبر عنه بـ"أخذه للأجرة"، فالأول عنده أقرب إلى الإحسان، والثاني أقرب إلى المكايسة، ومنه قسم المنهج إلى نظرين؛ الأول لحكم أخذ الرزق على تعليم العربية، والثاني لحكم أخذ الأجرة على تعليمها.
الخاتمة:
أفرد المؤلف خاتمة الكتاب للحديث عن آداب المشتغل بالعربية وغيرها من العلوم، حيث أوضح أنها أساس بناء عمله على أصل صحيح، ولهذا ينبغي له معرفتها.
وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام:
* أولها: ما يتخلق به مع معلمه، وجعلها تسعة آداب.
* ثانيها: ما يتخلق به المتعلم في نفسه، وهي عنده عشرون أدبًا.
* ثالثها: ما يتخلق به المتعلم مع رفاقه في الطلب، وهي عنده عشرة آداب.
.
عرض ومناقشة وموازنة
خلود بناصر
مقدمة
ابن الأزرق غرناطي الأصل، مالقي المولد (831 –896هـ)، شغل وظيفة القضاء والإفتاء والتدريس، وعاش في عصر عرفت فيه غرناطة اضطرابات كبرى أدت إلى سقوطها.
ويعتبر مؤلَّفه "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" واحدًا من أغنى مؤلفاته، إلى جانب مؤلفات أخرى تحمل عناوين: "شفاء الغليل في شرح مختصر خليل"، "الإبريز المسبوك في كيفية آداب الملوك"، "تخيير الرياسة وتحذير السياسة"، و"بدائع السلك في طبائع الملك".
ويعد عنوان المؤلَّف أول ما يقرأ المتلقي، فهو العتبة الأولى إليه، فإما أن يلفت انتباهه وإما أن يصرفه عنه، ومن أجل ذلك سنتوقف عنده بغية تحليله من الناحيتين التركيبية والدلالية، كما يلي:
- الجانب التركيبي:
العنوان عبارة عن جملة اسمية على عادة العرب في اعتماد الجمل الاسمية دون الفعلية في عناوينهم لما تؤديه من وظيفة إخبارية، والمبتدأ محذوف تقديره "هذا"، والخبر "روضة" وهو مضاف، "الإعلام" مضاف إليه، "بمنزلة" جار ومجرور، وهو مضاف، "العربية" مضاف إليه، "من علوم" جار ومجرور، وهو مضاف، "الإسلام" مضاف إليه.
ويتكون عنوان المؤلف "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" من سبع كلمات، وهو متوسط الحجم بالمقارنة مع عناوين بعض المؤلفات العربية القديمة، التي يستغرق بعضها ما يزيد عن السطر الواحد، كعنوان المؤلَّف الشهير لابن خلدون: "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".
- الجانب الدلالي:
استعمل ابن الأزرق لفظة "روضة" للدلالة على مؤلَّفه، والروضة"البستان الحسن"(1) وقد صرح في المقدمة بسبب تسميته للمؤلَّف بـ"روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، حيث "دل بها على ما يبهج ويقيد بمحاسنه النواظر"(2)، وقد اعتادت العرب أن تستعمل المجاز في عناوينها، بل إن كثيرًا من المؤلفات العربية استعملت نفس اللفظ في عناوينها، منها: "روضة التعريف بالحب الشريف" لابن الخطيب، "الروض المريع في صناعة البديع" لابن البناء المراكشي، و "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" لابن قيم الجوزية.
ووجه الشبه بين المؤلَّف والروضة ما يحتويه من موضوعات متنوعة يتطلع إليها القارئ وتشد انتباهه إليها كالروضة التي تجذب الناظر ببهائها.
جرت عادة الحركة التأليفية العربية القديمة خاصة على سجع عناوين مؤلفاتها بحيث تكتسب جرسًا موسيقيًّا يضفي عليها طابعًا جماليًّا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد، كما هو الحال بالنسبة لعنوان مؤلَّف ابن الأزرق.
والسجع: "أن تتفق الفاصلتان في الحرف الأخير، والفاصلة في النثر كالقافية في الشعر، وتسمى كل من الجملتين فقرة"(3).
ويمكن تقسيم العنوان تبعًا للجرس الصوتي الخاص بالقافية إلى قسمين: روضة الإعلام - بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ويؤدي السجع إلى جانب وظيفته الجمالية وظيفة تنبيهية تواصلية بحيث يلفت انتباه القارئ إلى عنوان المؤلف، كما أنه ييسر له حفظه واسترجاعه.
فما الأطروحة التي يدافع عنها المؤلف؟ وما هي بعض جوانب مناقشتِها الممكنة؟ وما هي الآراء الأخرى المقابلة لما تثيره من موضوعات؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، قسمنا هذا البحث إلى ثلاثة محاور أساسية:
* العرض، وقمنا فيه بعرض شامل ومركز لأقسام المؤلف ومضامينه.
* المناقشة، وتناولنا فيها مختلف الجوانب الثاوية خلف الأطروحة من عنوان المؤلف،ومنهجيته،ومرجعيته، وموقعه من باقي مؤلفات ابن الأزرق وآثار العصر عليه.
* الموازنة، وانفتحنا من خلالها على بعض ما يتقاطع مع الموضوعات التي يثيرها المؤلف.
1. العرض
يتمحور المؤلَّف حول موضوع أساسي هو التعريف بمكانة العربية بين مختلف العلوم الإسلامية، والحاجة إليها لفهم الكتاب والسنة، باعتبارهما مجموعة من النصوص التي يتوقف فهمها على فهم بنياتها اللغوية.
وقد عالج المؤلِّف هذا الموضوع في أربعة أبواب مختلفة لكنها مترابطة بحيث يشكل كل منها عنصرًا فاعلًا في بنية المؤلَّف، وسنقوم بعرض تمفصلاته بدءًا بمقدمته، مرورًا بأبوابه ووصولًا إلى خاتمته.
المقدمة الأولى:
افتُتِحت مقدمة المؤلَّف بالبسملة والتصلية على عادة المؤلفين العرب القدامى، ثم قُدِّمتْ أهم الوظائف التي شغلها ابن الأزرق؛ الإمامة والقضاء، وقد ابتُدئ بهذه الجملة "قال الشيخ الإمام الأوحد الصدر ..."، فنُسِب القولُ إليه، وأما مقولُ قوله فقسمان: الأول أخص وهو المقدمة، والثاني أعم وهو المؤلَّف كله.
تتمحور المقدمة حول الثناء على العربية، وتعظيم منزلتها، فهي الوسيلة لفهم السنة النبوية والنصوص القرآنية واجتناب تحريفهما، فالحاجة إليها ضرورية، ومن ثم جعلها واجبة التعلم.
كما عرض فيها المؤلِّفُ أقسام الكتاب ومضامينها، فجعلها أربعة أبواب مع مقدمة وخاتمة، كما يلي:
* "المقدمة: في مدلول اسم النحو لغة واصطلاحًا.
* الباب الأول: في تقرير فضل العربية، وتحرير الحض على تعلمها.
* الباب الثاني: في منفعة النحو منها، وضرورة الاحتياج إليه في ملة الإسلام.
* الباب الثالث: في حكم استنباط النحو، والاشتغال به في نظر الشرع.
* الباب الرابع: في نسبة النحو من العلوم، ومرتبته في التعلم.
* الخاتمة: في آداب المشتغل به وبغيره من العلوم"(4).
وقد توقف بعد هذا عند عنوان مؤلَّفه؛ "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، مشيرًا إلى سبب اختياره له، مركزًا على لفظة "روضة" وما تعكسه من دلالات تنسجم مع ما تضمنه الكتاب من "فوائد مختلفات، وفرائد في منظوم سبكه مؤتلفات، وروايات نقليات، واعتبارات عقليات، وحكايات مستظرفات، وآداب من أخلاق السنة مغترفات"(5)، وقد اختتم المؤلف مقدمته بالدعاء.
المقدمة الثانية:
تناول المؤلِّف مقدمتَه الثانية في ثلاثة مباحث؛ الأول لشرح مصطلح النحو لغة، الثاني لشرحه اصطلاحًا، والثالث لتعليل التسمية به.
الباب الأول:
عقد المؤلف الباب الأول لبيان ما تحظى به العربية من منزلة رفيعة في الإسلام، مستشهدًا على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية عدة، ويدلنا عنوان الباب على ما تناوله فيه، خاصة الشق الأول من العنوان، وهو: "في تقرير فضل العربية".
وهذه الحاجة إلى "تقرير فضل العربية" تدفع القارئ إلى افتراض وجود منكِر لفضلها أو مجادل فيه، فلا دافع إلى تقريره إذا كان مُسلَّمًا به، وما دام الأمر غير ذلك، فنتوقع أن يتجه مضمون الباب إلى اتجاهين اثنين؛ أحدهما: الدحض، وثانيها: الإثبات؛ أي دحض دعوى المخالف وإثبات الأطروحة المُدافَع عنها.
عمد المؤلف في الدفاع عن أطروحته المتمثلة في اعتبار العربية علمًا هامًّا تحتاج إليه باقي العلوم الإسلامية، إلى اعتماد بنية حجاجية عكسية، تنطلق من الإثبات لتصل إلى الدحض، لا خلاف ذلك؛ أي الانطلاق من الدحض إلى الإثبات، حيث قسم الباب الأول إلى ما سماه: "الطرف الأول" وأثبت فيه فضل العربية، و"الطرف الثاني" ودحض فيه أقوال منكر ذلك الفضل.
فأما الطرف الأول فقسمه بدوره إلى قسمين، هما: المسلك الأول والمسلك الثاني، حيث جعل المسلك الأول للحديث عن فضل العربية بمعناها اللغوي العام بما هي لغة من اللغات، وخص المسلك الثاني للحديث عن فضل العربية بمعناها الاصطلاحي الخاص؛ أي بما هي علم "يختص بالتراكيب والجمل"(6).
وأما الطرف الثاني فاستعرض فيه أقوال معارضي فضل العربية، والرد على كل منها عن طريق الحجاج. كما أورد فيه مدحًا لهذا العلم فجعله في قسمين: أحدهما لمنظومه وثانيهما لمنثوره.
وعقد في نهاية الباب خاتمة طويلة من ثلاثة فصول، عرض فيها لفضائل العلم العقلية المحضة، فضائله النقلية المحضة، وفضائله المركبة من العقل والنقل. وأورد في كل من الفصل الأول والثالث عشر فضائل، وفي الفصل الثاني أورد عشرين فضيلة.
الباب الثاني:
بعد أن تحدث المؤلف في الباب الأول عن منزلة النحو أو علم العربية في الإسلام، تناول في الباب الثاني الحديث عن منفعة هذا العلم وحاجة علوم الإسلام إليه، وفي الحديث عن منفعته بيان للأسباب التي تمنحه منزلته التي سبق تقريرها في الباب الأول.
وقد وضع قاعدتين لبيان منفعة النحو وحاجة علوم الإسلام إليه هما بمثابة مقدمتين ينبني عليهما الباب، وتتمثل القاعدة الأولى في كون أصول الشريعة الإسلامية من قرآن وسنة عربيةٌ خالصة، وتتمثل القاعدة الثانية في أن من أعظم مقاصد هذه الشريعة حفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وبناء على هاتين القاعدتين يُقسم المؤلِّف الباب إلى مقامين، يكشف أحدهما منفعة النحو باعتبار القاعدة الأولى، ويبين ثانيهما منفعته باعتبار القاعدة الثانية.
إن مجمل ما أورده المؤلف في المقام الأول يؤكد على منفعة النحو والحاجة الملحة إليه لفهم الكتاب والسنة إلى جانب باقي العلوم الإسلامية، وقد أورد المؤلف عشرة أمثلة على ما يؤدي إليه الجهل بالنحو من الخروج عن الصواب في فهم الكتاب والسنة فكانت هذه الأمثلة استشهادًا على ما سبق من حديثه.
وفي المقام الثاني تناول الحديثَ عن منفعة النحو في حفظ الضروريات الخمس، وقد تطرق لكل واحدة منها على حدة.
فأما حفظ الدين فجعله في قسمين: قسم خاص بحفظ الجانب الاعتقادي منه وقسم يتعلق بحفظ الجانب العملي.
وأما حفظ النفس فجعله قسمين: الأول حفظها مما يصدر منها من كلام فيوجب حتفها، والثاني مما يرد عليها منه.
وأما حفظ العقل فقسمه إلى مطلبين: المطلب الأول لحفظ العقل من جانب الوجود، والمطلب الثاني لحفظه من جانب العدم.
وأما حفظ النسل فتناول الحديث عنه باعتبار أمرين: أحدهما يتعلق بالمعرفة به، وثانيهما يتصل بتجنب ما يفسده.
وأما حفظ المال فجعله في طرفين: طرف لاستجلاب المال، وطرف لحفظه بعد حصوله.
وقد انتقل المؤلف بعد هذا إلى استعراض منفعة النحو للعلوم الشرعية، بدءا بعلم التفسير، مرورا بعلم القراءات، وعلم الحديث، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه وصولا إلى علم الفقه.
الباب الثالث:
تقدم في الباب الثاني حديث المؤلف عن منفعة النحو للعلوم الإسلامية على اختلافها، والحاجة إليه لفهم الكتاب والسنة وتحقيق مقاصد الشريعة الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وبناء على هذه الحاجة يعقد المؤلف الباب الثالث لبيان الحكم الشرعي لاستنباط النحو من جهة والاشتغال به من جهة أخرى.
قسم المؤلف الباب الثالث إلى فصلين: الأول للحكم الشرعي لاستنباط النحو والثاني للحكم الشرعي للاشتغال به، وقد عالج الفصل الأول في أربعة مباحث، المبحث الأول للحديث عن أول من استنبط النحو وهو أبو الأسود الدؤلي، والمبحث الثاني للحديث عن سبب استنباطه وهو ظهور اللحن في اللغة العربية على لسان الناطقين بها، والمبحث الثالث للحديث عن أخذ الشرع بذلك السبب لوضع النحو حفظًا للقرآن من الضياع، والمبحث الرابع لبيان الحكم الشرعي لوضع النحو وهو الوجوب.
أما الفصل الثاني فيتعلق في جملته بحكم الاشتغال بالنحو في نظر الشرع ويتمثل في كونه فرض كفاية، بحيث "يسقط التكليف به عمن لم يقم به إذا كان هناك من قام به"(7).
الباب الرابع:
خص المؤلف هذا الباب بالحديث عن نسبة العربية من العلوم الإسلامية ومرتبتها في التعلم، وقسم الباب إلى ستة مناهج تبعًا لذلك.
وقد تناول في المنهج الأول الحديث عن نسبة العربية من العلوم الإسلامية، مستفيدًا من جدلية الأداتية والغائية في تقسيم العلوم إلى قسمين: مقصودة لنفسها ومقصودة لغيرها، فالأولى غايات والثانية أدوات. وقد صنف النحو ضمن العلوم المقصودة لغيرها، فاعتبرها أداة لتحقيق غايات العلوم المقصودة لنفسها، كما اعتبرها علم آلة إلى جانب علوم الآلة الأخرى.
ويشبه المؤلف صناعة النحو في علاقته باللسان، بعلم المنطق في نسبته للعقل، وعلم العروض في نسبته لأوزان الشعر باعتبار أن كلا منها يعطي قوانين منطقية في مجاله الخاص.
فأما في المنهج الثاني فتحدث عن مرتبة العربية في التعلم فقدمها على ما عداها لأنها الوسيلة إلى غيرها، سواء تعلق الأمر بالعلوم الإسلامية أو العلوم القديمة التي تُرجمتْ إلى اللسان العربي، ويدخل ضمن تعلم العربية اللغة والنحو معا، مع التأكيد على أهمية المعرفة بالشعر في تعلمها.
وأما في المنهج الثالث فميز المؤلف بين ما يُعتمد عليه من العربية لخدمة العلوم الإسلامية وما لا يُعتمد عليه منها، على اعتبار أن لكل علم صلبًا وملحًا على حد تعبيره، أي أن لكل علم عمدًا وفضلات، أصولًا وفروعًا.
وقد قسم العربيةَ إلى نوعين باعتبار ما سبق؛ فالنوع الأول يتضمن كل ما يُحتاج إليه للقيام بما يتطلبه التكليف الشرعي، والنوع الثاني هو ما قُصِدَ به غير هذا.
وأما المنهج الرابع فيعالج فيه مقام استعمال العربية، حيث يدعو المؤلِّف إلى صيانة العربية مما اعتبره إهانة لها باستعمالها مع غير أهلها، ويستشهد على ذلك بأدلة معقولة وأخرى منقولة، محددا مواضع لا يحسن بها الخطاب بمقتضى العربية، ويقصد المؤلف بالمواضع "المقامات التداولية" ونعني بالمقام التداولي "مجموعة العناصر التي تتوافر في موقف تخاطبي معين وأهمها زمان التخاطب ومكانه وعلاقة المتكلم بالمخاطب وخاصة الوضع التخابري بينهما؛ أي مجموعة المعارف التي تشكل مخزون كل منهما أثناء عملية التخاطب"(8).
وأما المنهج الخامس فعقده المؤلف لموضوع الإغراب في الخطاب، وجعله في مسألتين؛ أولاهما لبيان المناهي الشرعية، وثانيتهما للحديث عن ردود أفعال المتلقي تجاه هذا النوع من الخطاب.
وأما المنهج السادس فأفرده لبيان حكم تلقي المعلم مقابلًا على تعليم العربية، وقد ميز بين ما عبر عنه بـ"أخذه للرزق"، وبين ما عبر عنه بـ"أخذه للأجرة"، فالأول عنده أقرب إلى الإحسان، والثاني أقرب إلى المكايسة، ومنه قسم المنهج إلى نظرين؛ الأول لحكم أخذ الرزق على تعليم العربية، والثاني لحكم أخذ الأجرة على تعليمها.
الخاتمة:
أفرد المؤلف خاتمة الكتاب للحديث عن آداب المشتغل بالعربية وغيرها من العلوم، حيث أوضح أنها أساس بناء عمله على أصل صحيح، ولهذا ينبغي له معرفتها.
وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام:
* أولها: ما يتخلق به مع معلمه، وجعلها تسعة آداب.
* ثانيها: ما يتخلق به المتعلم في نفسه، وهي عنده عشرون أدبًا.
* ثالثها: ما يتخلق به المتعلم مع رفاقه في الطلب، وهي عنده عشرة آداب.
.


تعليق