"روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق.. عرض ومناقشة وموازنة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق.. عرض ومناقشة وموازنة

    "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق
    عرض ومناقشة وموازنة

    خلود بناصر

    مقدمة

    ابن الأزرق غرناطي الأصل، مالقي المولد (831 –896هـ)، شغل وظيفة القضاء والإفتاء والتدريس، وعاش في عصر عرفت فيه غرناطة اضطرابات كبرى أدت إلى سقوطها.

    ويعتبر مؤلَّفه "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" واحدًا من أغنى مؤلفاته، إلى جانب مؤلفات أخرى تحمل عناوين: "شفاء الغليل في شرح مختصر خليل"، "الإبريز المسبوك في كيفية آداب الملوك"، "تخيير الرياسة وتحذير السياسة"، و"بدائع السلك في طبائع الملك".

    ويعد عنوان المؤلَّف أول ما يقرأ المتلقي، فهو العتبة الأولى إليه، فإما أن يلفت انتباهه وإما أن يصرفه عنه، ومن أجل ذلك سنتوقف عنده بغية تحليله من الناحيتين التركيبية والدلالية، كما يلي:

    - الجانب التركيبي:

    العنوان عبارة عن جملة اسمية على عادة العرب في اعتماد الجمل الاسمية دون الفعلية في عناوينهم لما تؤديه من وظيفة إخبارية، والمبتدأ محذوف تقديره "هذا"، والخبر "روضة" وهو مضاف، "الإعلام" مضاف إليه، "بمنزلة" جار ومجرور، وهو مضاف، "العربية" مضاف إليه، "من علوم" جار ومجرور، وهو مضاف، "الإسلام" مضاف إليه.

    ويتكون عنوان المؤلف "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" من سبع كلمات، وهو متوسط الحجم بالمقارنة مع عناوين بعض المؤلفات العربية القديمة، التي يستغرق بعضها ما يزيد عن السطر الواحد، كعنوان المؤلَّف الشهير لابن خلدون: "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".

    - الجانب الدلالي:

    استعمل ابن الأزرق لفظة "روضة" للدلالة على مؤلَّفه، والروضة"البستان الحسن"(1) وقد صرح في المقدمة بسبب تسميته للمؤلَّف بـ"روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، حيث "دل بها على ما يبهج ويقيد بمحاسنه النواظر"(2)، وقد اعتادت العرب أن تستعمل المجاز في عناوينها، بل إن كثيرًا من المؤلفات العربية استعملت نفس اللفظ في عناوينها، منها: "روضة التعريف بالحب الشريف" لابن الخطيب، "الروض المريع في صناعة البديع" لابن البناء المراكشي، و "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" لابن قيم الجوزية.

    ووجه الشبه بين المؤلَّف والروضة ما يحتويه من موضوعات متنوعة يتطلع إليها القارئ وتشد انتباهه إليها كالروضة التي تجذب الناظر ببهائها.

    جرت عادة الحركة التأليفية العربية القديمة خاصة على سجع عناوين مؤلفاتها بحيث تكتسب جرسًا موسيقيًّا يضفي عليها طابعًا جماليًّا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد، كما هو الحال بالنسبة لعنوان مؤلَّف ابن الأزرق.

    والسجع: "أن تتفق الفاصلتان في الحرف الأخير، والفاصلة في النثر كالقافية في الشعر، وتسمى كل من الجملتين فقرة"(3).

    ويمكن تقسيم العنوان تبعًا للجرس الصوتي الخاص بالقافية إلى قسمين: روضة الإعلام - بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ويؤدي السجع إلى جانب وظيفته الجمالية وظيفة تنبيهية تواصلية بحيث يلفت انتباه القارئ إلى عنوان المؤلف، كما أنه ييسر له حفظه واسترجاعه.

    فما الأطروحة التي يدافع عنها المؤلف؟ وما هي بعض جوانب مناقشتِها الممكنة؟ وما هي الآراء الأخرى المقابلة لما تثيره من موضوعات؟

    للإجابة عن هذه الأسئلة، قسمنا هذا البحث إلى ثلاثة محاور أساسية:

    * العرض، وقمنا فيه بعرض شامل ومركز لأقسام المؤلف ومضامينه.

    * المناقشة، وتناولنا فيها مختلف الجوانب الثاوية خلف الأطروحة من عنوان المؤلف،ومنهجيته،ومرجعيته، وموقعه من باقي مؤلفات ابن الأزرق وآثار العصر عليه.

    * الموازنة، وانفتحنا من خلالها على بعض ما يتقاطع مع الموضوعات التي يثيرها المؤلف.

    1. العرض

    يتمحور المؤلَّف حول موضوع أساسي هو التعريف بمكانة العربية بين مختلف العلوم الإسلامية، والحاجة إليها لفهم الكتاب والسنة، باعتبارهما مجموعة من النصوص التي يتوقف فهمها على فهم بنياتها اللغوية.

    وقد عالج المؤلِّف هذا الموضوع في أربعة أبواب مختلفة لكنها مترابطة بحيث يشكل كل منها عنصرًا فاعلًا في بنية المؤلَّف، وسنقوم بعرض تمفصلاته بدءًا بمقدمته، مرورًا بأبوابه ووصولًا إلى خاتمته.

    المقدمة الأولى:

    افتُتِحت مقدمة المؤلَّف بالبسملة والتصلية على عادة المؤلفين العرب القدامى، ثم قُدِّمتْ أهم الوظائف التي شغلها ابن الأزرق؛ الإمامة والقضاء، وقد ابتُدئ بهذه الجملة "قال الشيخ الإمام الأوحد الصدر ..."، فنُسِب القولُ إليه، وأما مقولُ قوله فقسمان: الأول أخص وهو المقدمة، والثاني أعم وهو المؤلَّف كله.

    تتمحور المقدمة حول الثناء على العربية، وتعظيم منزلتها، فهي الوسيلة لفهم السنة النبوية والنصوص القرآنية واجتناب تحريفهما، فالحاجة إليها ضرورية، ومن ثم جعلها واجبة التعلم.

    كما عرض فيها المؤلِّفُ أقسام الكتاب ومضامينها، فجعلها أربعة أبواب مع مقدمة وخاتمة، كما يلي:

    * "المقدمة: في مدلول اسم النحو لغة واصطلاحًا.

    * الباب الأول: في تقرير فضل العربية، وتحرير الحض على تعلمها.

    * الباب الثاني: في منفعة النحو منها، وضرورة الاحتياج إليه في ملة الإسلام.

    * الباب الثالث: في حكم استنباط النحو، والاشتغال به في نظر الشرع.

    * الباب الرابع: في نسبة النحو من العلوم، ومرتبته في التعلم.

    * الخاتمة: في آداب المشتغل به وبغيره من العلوم"(4).

    وقد توقف بعد هذا عند عنوان مؤلَّفه؛ "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، مشيرًا إلى سبب اختياره له، مركزًا على لفظة "روضة" وما تعكسه من دلالات تنسجم مع ما تضمنه الكتاب من "فوائد مختلفات، وفرائد في منظوم سبكه مؤتلفات، وروايات نقليات، واعتبارات عقليات، وحكايات مستظرفات، وآداب من أخلاق السنة مغترفات"(5)، وقد اختتم المؤلف مقدمته بالدعاء.

    المقدمة الثانية:

    تناول المؤلِّف مقدمتَه الثانية في ثلاثة مباحث؛ الأول لشرح مصطلح النحو لغة، الثاني لشرحه اصطلاحًا، والثالث لتعليل التسمية به.

    الباب الأول:

    عقد المؤلف الباب الأول لبيان ما تحظى به العربية من منزلة رفيعة في الإسلام، مستشهدًا على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية عدة، ويدلنا عنوان الباب على ما تناوله فيه، خاصة الشق الأول من العنوان، وهو: "في تقرير فضل العربية".

    وهذه الحاجة إلى "تقرير فضل العربية" تدفع القارئ إلى افتراض وجود منكِر لفضلها أو مجادل فيه، فلا دافع إلى تقريره إذا كان مُسلَّمًا به، وما دام الأمر غير ذلك، فنتوقع أن يتجه مضمون الباب إلى اتجاهين اثنين؛ أحدهما: الدحض، وثانيها: الإثبات؛ أي دحض دعوى المخالف وإثبات الأطروحة المُدافَع عنها.

    عمد المؤلف في الدفاع عن أطروحته المتمثلة في اعتبار العربية علمًا هامًّا تحتاج إليه باقي العلوم الإسلامية، إلى اعتماد بنية حجاجية عكسية، تنطلق من الإثبات لتصل إلى الدحض، لا خلاف ذلك؛ أي الانطلاق من الدحض إلى الإثبات، حيث قسم الباب الأول إلى ما سماه: "الطرف الأول" وأثبت فيه فضل العربية، و"الطرف الثاني" ودحض فيه أقوال منكر ذلك الفضل.

    فأما الطرف الأول فقسمه بدوره إلى قسمين، هما: المسلك الأول والمسلك الثاني، حيث جعل المسلك الأول للحديث عن فضل العربية بمعناها اللغوي العام بما هي لغة من اللغات، وخص المسلك الثاني للحديث عن فضل العربية بمعناها الاصطلاحي الخاص؛ أي بما هي علم "يختص بالتراكيب والجمل"(6).

    وأما الطرف الثاني فاستعرض فيه أقوال معارضي فضل العربية، والرد على كل منها عن طريق الحجاج. كما أورد فيه مدحًا لهذا العلم فجعله في قسمين: أحدهما لمنظومه وثانيهما لمنثوره.

    وعقد في نهاية الباب خاتمة طويلة من ثلاثة فصول، عرض فيها لفضائل العلم العقلية المحضة، فضائله النقلية المحضة، وفضائله المركبة من العقل والنقل. وأورد في كل من الفصل الأول والثالث عشر فضائل، وفي الفصل الثاني أورد عشرين فضيلة.

    الباب الثاني:

    بعد أن تحدث المؤلف في الباب الأول عن منزلة النحو أو علم العربية في الإسلام، تناول في الباب الثاني الحديث عن منفعة هذا العلم وحاجة علوم الإسلام إليه، وفي الحديث عن منفعته بيان للأسباب التي تمنحه منزلته التي سبق تقريرها في الباب الأول.

    وقد وضع قاعدتين لبيان منفعة النحو وحاجة علوم الإسلام إليه هما بمثابة مقدمتين ينبني عليهما الباب، وتتمثل القاعدة الأولى في كون أصول الشريعة الإسلامية من قرآن وسنة عربيةٌ خالصة، وتتمثل القاعدة الثانية في أن من أعظم مقاصد هذه الشريعة حفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

    وبناء على هاتين القاعدتين يُقسم المؤلِّف الباب إلى مقامين، يكشف أحدهما منفعة النحو باعتبار القاعدة الأولى، ويبين ثانيهما منفعته باعتبار القاعدة الثانية.

    إن مجمل ما أورده المؤلف في المقام الأول يؤكد على منفعة النحو والحاجة الملحة إليه لفهم الكتاب والسنة إلى جانب باقي العلوم الإسلامية، وقد أورد المؤلف عشرة أمثلة على ما يؤدي إليه الجهل بالنحو من الخروج عن الصواب في فهم الكتاب والسنة فكانت هذه الأمثلة استشهادًا على ما سبق من حديثه.

    وفي المقام الثاني تناول الحديثَ عن منفعة النحو في حفظ الضروريات الخمس، وقد تطرق لكل واحدة منها على حدة.

    فأما حفظ الدين فجعله في قسمين: قسم خاص بحفظ الجانب الاعتقادي منه وقسم يتعلق بحفظ الجانب العملي.

    وأما حفظ النفس فجعله قسمين: الأول حفظها مما يصدر منها من كلام فيوجب حتفها، والثاني مما يرد عليها منه.

    وأما حفظ العقل فقسمه إلى مطلبين: المطلب الأول لحفظ العقل من جانب الوجود، والمطلب الثاني لحفظه من جانب العدم.

    وأما حفظ النسل فتناول الحديث عنه باعتبار أمرين: أحدهما يتعلق بالمعرفة به، وثانيهما يتصل بتجنب ما يفسده.

    وأما حفظ المال فجعله في طرفين: طرف لاستجلاب المال، وطرف لحفظه بعد حصوله.

    وقد انتقل المؤلف بعد هذا إلى استعراض منفعة النحو للعلوم الشرعية، بدءا بعلم التفسير، مرورا بعلم القراءات، وعلم الحديث، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه وصولا إلى علم الفقه.

    الباب الثالث:

    تقدم في الباب الثاني حديث المؤلف عن منفعة النحو للعلوم الإسلامية على اختلافها، والحاجة إليه لفهم الكتاب والسنة وتحقيق مقاصد الشريعة الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وبناء على هذه الحاجة يعقد المؤلف الباب الثالث لبيان الحكم الشرعي لاستنباط النحو من جهة والاشتغال به من جهة أخرى.

    قسم المؤلف الباب الثالث إلى فصلين: الأول للحكم الشرعي لاستنباط النحو والثاني للحكم الشرعي للاشتغال به، وقد عالج الفصل الأول في أربعة مباحث، المبحث الأول للحديث عن أول من استنبط النحو وهو أبو الأسود الدؤلي، والمبحث الثاني للحديث عن سبب استنباطه وهو ظهور اللحن في اللغة العربية على لسان الناطقين بها، والمبحث الثالث للحديث عن أخذ الشرع بذلك السبب لوضع النحو حفظًا للقرآن من الضياع، والمبحث الرابع لبيان الحكم الشرعي لوضع النحو وهو الوجوب.

    أما الفصل الثاني فيتعلق في جملته بحكم الاشتغال بالنحو في نظر الشرع ويتمثل في كونه فرض كفاية، بحيث "يسقط التكليف به عمن لم يقم به إذا كان هناك من قام به"(7).

    الباب الرابع:

    خص المؤلف هذا الباب بالحديث عن نسبة العربية من العلوم الإسلامية ومرتبتها في التعلم، وقسم الباب إلى ستة مناهج تبعًا لذلك.

    وقد تناول في المنهج الأول الحديث عن نسبة العربية من العلوم الإسلامية، مستفيدًا من جدلية الأداتية والغائية في تقسيم العلوم إلى قسمين: مقصودة لنفسها ومقصودة لغيرها، فالأولى غايات والثانية أدوات. وقد صنف النحو ضمن العلوم المقصودة لغيرها، فاعتبرها أداة لتحقيق غايات العلوم المقصودة لنفسها، كما اعتبرها علم آلة إلى جانب علوم الآلة الأخرى.

    ويشبه المؤلف صناعة النحو في علاقته باللسان، بعلم المنطق في نسبته للعقل، وعلم العروض في نسبته لأوزان الشعر باعتبار أن كلا منها يعطي قوانين منطقية في مجاله الخاص.

    فأما في المنهج الثاني فتحدث عن مرتبة العربية في التعلم فقدمها على ما عداها لأنها الوسيلة إلى غيرها، سواء تعلق الأمر بالعلوم الإسلامية أو العلوم القديمة التي تُرجمتْ إلى اللسان العربي، ويدخل ضمن تعلم العربية اللغة والنحو معا، مع التأكيد على أهمية المعرفة بالشعر في تعلمها.

    وأما في المنهج الثالث فميز المؤلف بين ما يُعتمد عليه من العربية لخدمة العلوم الإسلامية وما لا يُعتمد عليه منها، على اعتبار أن لكل علم صلبًا وملحًا على حد تعبيره، أي أن لكل علم عمدًا وفضلات، أصولًا وفروعًا.

    وقد قسم العربيةَ إلى نوعين باعتبار ما سبق؛ فالنوع الأول يتضمن كل ما يُحتاج إليه للقيام بما يتطلبه التكليف الشرعي، والنوع الثاني هو ما قُصِدَ به غير هذا.

    وأما المنهج الرابع فيعالج فيه مقام استعمال العربية، حيث يدعو المؤلِّف إلى صيانة العربية مما اعتبره إهانة لها باستعمالها مع غير أهلها، ويستشهد على ذلك بأدلة معقولة وأخرى منقولة، محددا مواضع لا يحسن بها الخطاب بمقتضى العربية، ويقصد المؤلف بالمواضع "المقامات التداولية" ونعني بالمقام التداولي "مجموعة العناصر التي تتوافر في موقف تخاطبي معين وأهمها زمان التخاطب ومكانه وعلاقة المتكلم بالمخاطب وخاصة الوضع التخابري بينهما؛ أي مجموعة المعارف التي تشكل مخزون كل منهما أثناء عملية التخاطب"(8).

    وأما المنهج الخامس فعقده المؤلف لموضوع الإغراب في الخطاب، وجعله في مسألتين؛ أولاهما لبيان المناهي الشرعية، وثانيتهما للحديث عن ردود أفعال المتلقي تجاه هذا النوع من الخطاب.

    وأما المنهج السادس فأفرده لبيان حكم تلقي المعلم مقابلًا على تعليم العربية، وقد ميز بين ما عبر عنه بـ"أخذه للرزق"، وبين ما عبر عنه بـ"أخذه للأجرة"، فالأول عنده أقرب إلى الإحسان، والثاني أقرب إلى المكايسة، ومنه قسم المنهج إلى نظرين؛ الأول لحكم أخذ الرزق على تعليم العربية، والثاني لحكم أخذ الأجرة على تعليمها.

    الخاتمة:

    أفرد المؤلف خاتمة الكتاب للحديث عن آداب المشتغل بالعربية وغيرها من العلوم، حيث أوضح أنها أساس بناء عمله على أصل صحيح، ولهذا ينبغي له معرفتها.

    وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام:

    * أولها: ما يتخلق به مع معلمه، وجعلها تسعة آداب.

    * ثانيها: ما يتخلق به المتعلم في نفسه، وهي عنده عشرون أدبًا.

    * ثالثها: ما يتخلق به المتعلم مع رفاقه في الطلب، وهي عنده عشرة آداب.


    .
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 10-04-2016, 11:10 AM. سبب آخر: تصحيح
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #2

    2. المناقشة

    ‌أ. مرجعية المؤلف:

    يعكس المؤلَّف طابعًا موسوعيًّا لشخصية ابن الأزرق، فهو يحتوي على معارف تنتمي لعلوم مختلفة، كالتفسير، والقراءات، والحديث، وأصول الدين، وأصول الفقه، والفقه، والنحو، والبلاغة، والمنطق، والمعجم، والأدب.

    ويمكن التمثيل لحضور كل منها في المؤلف كما يلي:

    1. التفسير:حيث أورد المؤلف العديد من الآيات القرآنية على امتداد مؤلفه متبوعة بتفسيرها، كما عقد محورًا للحديث عن هذا العلم في الباب الثاني من مؤلفه، مع ذكره مصادره أحيانًا، كذكره للزمخشري.

    2. القراءات:حيث خص هذا العلم بمحور ضمن الباب الثاني واعتبره من أمهات العلوم الشرعية.

    3. الحديث:حيث ذكر عددًا كبيرًا من الأحاديث النبوية من مصادر مختلفة، منها: صحيح البخاري، وصحيح مسلم وغيرهما، مما يعكس اطلاعه على الحديث الذي مكنه من توظيفه تبعًا لسياقات المؤلف، كما أنه خص علم الحديث بمحور من كتابه في الباب الثاني، بالإضافة إلى استعماله لمصطلحات تنتمي لعلم الحديث منها: الراجح والمرجوح(9).

    4. أصول الدين: حيث أورده في معرض حديثه عن أهمية العربية في فهم النص القرآني والحديث النبوي باعتبار فهمها أساسًا لفهم الدين، كما أنه خص هذا العلم أيضا بمحور في الباب الثاني.

    5. أصول الفقه:وفيه إلى جانب ما ذكر في "أصول الدين"، اطلاعه على مؤلفات في هذا العلم واستشهاده بما ورد فيها، ومنها: الرسالة للإمام الشافعي(10)، وقد خصص لهذا العلم محورًا كذلك في الباب الثاني.

    6. الفقه: إذ أورد المؤلف عددًا من الفتاوى في سياقات مختلفة، كما خص الفقهَ بمحور ضمن الباب الثاني.

    7. النحو: حيث طرح المؤلِّف عددًا من المسائل النحوية، كما أنه ذكر كثيرًا من أعلام النحو كأبي الأسود الدؤلي، يونس بن حبيب، الكسائي، الفراء، سيبويه، ابن جني، ابن الأنباري، وكان أحيانا يُعرِّفُ بهم(11).

    8. البلاغة:لا يخلو المؤلَّف من إشارات بلاغية، منها ما هو منقول، ومنها ما يصدر عن المؤلِّف نفسه، مما يعكس ثقافته البلاغية، ومن أمثلته قوله: "فهو زناد الكلام: أي ما يقدح به ناره -على وجه الاستعارة- وهو جمع"(12).

    9. المنطق: ويظهر جليًّا من خلال تقسيمه المكثف لعناصر الموضوع، واستدلالاته العقلية، وأيضا من خلال توظيف مصطلحات منطقية، منها: المعقول الاعتباري، والمنقول الوجودي(13).

    10. المعجم:يقدم المؤلف إلى جانب ما سبق معلومات معجمية لشرح ما ورد في نقوله، ومنها ما عنونه بـ: "تفسير غريب"(14) وقد تضمنت هذه المعلومات المعجمية معلومات صوتية، كقوله "يغضون من العربية بالضم: أي ينقصون من قدرها" وأخرى صرفية، كقوله: "منابذة، من النبذ، وهو بمعنى إلقاء شيءٍ وطرحه"(15). كما استفاد المؤلف من عدة معاجم، منها: الصحاح للجوهري، ولسان العرب لابن منظور.

    11. الأدب:سواء أ تعلق الأمر بالشعر أم بالنثر، أما الأول فقد أكثر المؤلف من إيراد الشواهد الشعرية، وأما الثاني فلاقتباسه من مؤلفات أدبية مختلفة، منها كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة.

    والملاحظ أن مرجعية هذه المؤلفات ثنائية فهي مغربية مشرقية معا، فقد استفاد المؤلف من نتاجهما دون التقيد بإحديهما دون الآخر، ولذلك وجدناه كما ينقل عن شيخه الفتوح وأبي إسحاق الشاطبي، ينقل عن غيره كالإمام تاج الدين السبكي، وكذلك الأمر بالنسبة للمؤلفات.

    ‌ب. آثار العصر في المؤلَّف وموضعه من باقي مؤلفات ابن الأزرق

    من المعلوم أن من أول الحاملين لقضايا أمة أو دولة ما هم علماؤها الذين يتصفون بالحكمة والبصيرة، ويملكون رؤى استشرافية لتحقيق النهضة، عن طريق إصلاح المجتمع. وقد سبق أن سجلنا بأن عصر ابن الأزرق قد عرف مجموعة من الاضطرابات السياسية التي انتهت بسقوط غرناطة، والمؤكد أن ابن الأزرق كان متابعًا لأحوال عصره متأثرًا بها، مدركًا لمسؤوليته تجاهها، وقد انعكس هذا الوعي بشكل واضح في كتبه: "تخيير الرياسة وتحذير السياسة"، "الإبريز المسبوك في كيفية آداب الملوك" و"بدائع السلك في طبائع الملك"، فكلها تتناول مواضيع تندرج ضمن المجال السياسي، وقد انعكس كذلك بطريقة غير مباشرة على مؤلفه "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، وسوف نخص هذا الأخير بالحديث فهو موضوع بحثنا.

    يتمحور موضوع المؤلف حول منزلة العربية بين العلوم الإسلامية، ودورها في فهم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وهو يقصد بالعربية معناها الخاص؛ أي النحو.

    وغني عن القول أن اللغة واحدة من أهم عناصر الهوية، وهي المسؤولة عن حفظ عناصرها الأخرى، عن طريق التعبير عنها، سواء أتعلق الأمر بالتاريخ الذي تدونه اللغة أم بالتقاليد والقيم الاجتماعية التي تمرر عبر الأجيال عن طريق اللغة، أم بغيرها كعنصر الدين الذي يحتاج إليها لفهم نصوصه، والملاحظ أن مؤلَّف "روضة الإعلام" يولي عناية كبرى بهذين العنصرين؛ أي اللغة والدين، بحيث يعبران في اقترانهما عن النزعة القومية العربية الإسلامية.

    وإلى جانب هذا تحدث المؤلِّف عن خطورة اقتران طلب العلم بطلب الرياسة دون استحقاق، وخصوصًا في الخاتمة التي تناول فيها آداب المشتغل بالعربية وغيرها من العلوم، وهي إشارة بليغة تعكس ما ذكرناه من تأثير الأحداث السياسية عليه.

    ‌ج. منهجية المؤلف

    1. الإحالة:

    ‌أ. الإحالة الداخلية: المقصود بها كل إحالة يكون مرجعها المؤلَّف نفسه، إذ تتم فيها الإحالة على مراجع من داخله سواء تقدمت عن موضع الإحالة أو تأخرت من حيث رتبتها، وبناء عليه فالإحالة نوعان: قبلية وبعدية.

    أما القبلية فهي التي يكون فيها مرجع الإحالة لاحقا لها، بحيث يتم استشراف العنصر المحال عليه في ما يلي، ومن أبرزها في المؤلَّف الإحالة على أقسامه ومضامينها في المقدمة(16)، وفي هذا نوع من التعاقد بين الطرفين؛ المرسل والمتلقي، بخصوص موضوع المؤلَّف ومداره.

    وأما البعدية فهي التي يكون فيها مرجع الإحالة سابقا لها، بحيث يتم استرجاع العنصر المحال عليه انطلاقًا مما سبق، وقد تكررت هذه الحالة كثيرًا في متن المؤلف، ومن أمثلتها قوله: "ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه على ما سبق في الفضيلة الثالثة"(17). ويقوم هذا النوع من الإحالة بوظيفة الربط، حيث يجعل من الموضوع بنيةً مترابطة من العناصر الفرعية، مما ييسر للقارئ متابعة تناميها.

    وقد تقتصر الإحالة على الإشارة إلى العنصر المُحال عليه، كما في قوله: "وما تقدم في الفضيلة الثانية عشرة في الفصل قبل هذا دليل عليه"(18).

    وقد تتعداها إلى تجديد إيراده، كما في قوله: "تقدم في الفصيلة الثالثة أن الإدراك العقلي أشرف من الإدراك الحسي"(19).

    ‌ب. الإحالة الخارجية: المقصود بها كل إحالة تتخذ مرجعها من خارج المؤلَّف، بحيث تحيل على نصوص معينة عن طريق الاقتباس، والمؤلَّف على امتداده أمثلةٌ لهذا، إذ لا تكاد تخلو صفحة من اقتباس، ومن أبرز مصادره: النص القرآني والأحاديث النبوية والدواوين الشعرية، إلى جانب مؤلفات أخرى في مختلف العلوم الإسلامية العربية.

    2. التقسيم:

    الوصف:

    ينقسم المؤلَّف إلى أربعة أبواب، تحمل العناوين التالية: في تقرير فضل العربية والحض على تعلمها، في الفضائل النقلية، في الفضائل المركبة من العقل والنقل، في نسبة العربية من العلوم ومرتبتها في التعلم، وإلى جانب هذا التقسيم العام يُلاحَظُ منذ الباب الأول أن المؤلِّف يعتمد آلية التقسيم بشكل خاص ومكثف، بحيث يفرع الأصل ويجعل للفروع فروعًا، ولفروع الفروع فروعًا وهكذا، ويمكن الوقوف على ذلك من خلال تتبع الباب الأول من الكتاب على سبيل المثال، وسيكون أجدى الاعتماد على خطاطة توضيحية، كما يلي:



    ويختتم المؤلِّفُ البابَ بخاتمة طويلة من ثلاثة فصول وعناوينها: في الفضائل العقلية، في الفضائل النقلية، في الفضائل المركبة من العقل والنقل.

    وهو على امتداد الباب يضع تفريعات مختلفة تحمل عناوين من قبيل: اللطيفة، اعتراف بشهود منة، حكاية، اعتبار بعكس، نادرة، تنبيه، تعريف، انعطاف، فوائد لغوية، معارضة مدح بأصدق ثناء ومدح، تفسير غريب.

    والملاحظ أن التقسيم الذي اعتمده المؤلف لمفاصل الكتاب لا يأخذ بعين الاعتبار معيار الحجم، فهو متفاوت بالمقارنة بين أبواب الكتاب، ومن أمثلته أن الباب الثالث أصغر بكثير من باقي الأبواب، كما أنه متفاوت بالمقارنة بين الأبواب وخاتمة الكتاب، فقد طالت الخاتمة حتى استغرقت ما يزيد عن ثلاثمائة صفحة من أصل ما يقارب ألف صفحة.

    التحليل:

    يعكس هذا التقسيم المعتمد تفكير المؤلف ومنطقه الرياضي، فهو يستعمله بشكل لافت كما تقدم، ويظهر من خلاله تأثير علم المنطق فيه. ومعلوم أن التقسيم يفيد المؤلف في تبليغ رسالته/ مؤلفه إلى القارئ بسلاسة، كما يفيد القارئَ في تمثل عناصر الموضوع بشكل واضح ودقيق. وقد أدى هذا التقسيم إلى التنظيم وهو من أهم خصائص التفكير العلمي(20).

    تمثل التفريعات المختلفة التي يحمل بعضها العناوين المذكورة ما يشبه الهوامش التي تذيل بها الصفحات، وهي تضطلع بوظيفة الاستدراك في كثير من السياقات. كما أنها بمثابة تعليقات، إلا أنها كثيرًا ما تطول حتى تكاد تغطي على المتن، وكثيرًا ما يجنح المؤلف من خلالها إلى الاستطراد كما تَنَبَّهَ إلى ذلك المؤلِّف فقال: "وتمام النظر في هذا المقام يُخرِجُنا عن المقصود"(21)، وقال أيضا: "وقد خرجنا بنقل هذا عن المقصود"(22).

    3. تقديم الجهاز المفاهيمي:

    مر بنا في العرض(23) أن للمؤلَّف مقدمتين، لكل منها عناصرها الخاصة، ورغم أنهما تحملان نفس الصفة؛ المقدمة، فإنهما متمايزتان. ويبدو من ملاحظة محتوى كل منهما أن المقدمة الأولى أحق بهذه الصفة من المقدمة الثانية.

    وبيان ذلك أن المقدمة الأولى تحتوي على العناصر المتعارف عليها من بسملة وعرض لموضوع الكتاب، وأقسامه ومحتوياتها، ودعاء، في حين أن المقدمة الثانية تتمحور حول مصطلح النحو وشرحه اللغوي والاصطلاحي والعلاقة بينهما، ففيها شروع في معالجة موضوع الكتاب مما يستبعد أن تكون "مقدمة" بالمعنى الاصطلاحي التداولي، وإنما يمكن أن تكون تمهيدا لموضوع الكتاب.

    ويتضح لنا بناء على هذا أن المؤلِّف استعمل لفظة "المقدمة" صفةً لقسمين من مؤلَّفِه، دون أن يكون قصده التسوية بينهما، ولكن أن تُحمل المقدمة الأولى على المعنى الاصطلاحي(24)، وتُحمل المقدمة الثانية على المعنى اللغوي.

    4. الاقتباس:

    تطغى على متن البحث كثرة النقول، فقد استعملها المؤلف بكثافة، مما يعكس سعة اطلاعه. ولا يقتصر الأمر على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي يمتد حضورها في مختلف أقسام المؤلَّف، ولكنه يشمل أيضا الأبيات الشعرية التي تندرج ضمن موضوعات جزئية متصلة بموضوع الكتاب من قريب أو بعيد، ويمكن لهذه الأبيات إذا جُمعتْ أن تُكوِّن ديوانًا نظرًا لكثرتها. وإلى جانب الشعر اقتبس المؤلِّف نصوصا نثرية متعددة المصادر، إذ عادة ما كان يميل في معالجته للموضوع إلى عرض الأقوال على اختلافها قبل أن يُتبِعها بقوله الخاص حتى تكرر في كل المؤلف استعمال العبارة التالية: "قال ... قلتُ ...".

    كما أنه عادة ما يُتْبِعُ المؤلف نقوله بعبارة من قبيل: "انتهى ملخصا"(25)، و"انتهى على بعض الاختصار"(26)، أو يبتدئ بها كقوله: "وملخص ما احتجوا به على ذلك أمران ..."(27).

    5. أسلوب المؤلف:

    يغلب على المؤلَّف الأسلوب الحجاجي الاستدلالي، وهو أمر طبيعي فقد حدد المؤلِّف أطروحة معينة يدافع عنها ويسعى إلى إثباتها، وهو بذلك في حاجة إلى الاستدلال على صحتها وعلى خطأ ما يضادها، وقد اتخذ هذا الأسلوب مظاهر عدة من أبرزها توظيف الحجج والبراهين التي تعتمد على الردود العقلية المنطقية، فكان المؤلف يبتدئ بعرض الآراء المختلفة التي تتصل بموضوع مؤلَّفه ثم يعقب عليها مكررا عبارته: "قال: ...

    قلت: ..."، كما وظف أثناء هذا أساليب مختلفة، نذكر منها ما يلي:

    * أسلوب التقسيم، حيث كان يورد رده مفصلًا إلى أقسام تبعًا لأجزاء الأطروحة النقيض، يقول: "والجواب عن الأول: أنه لا دليل فيه على المعارضة من وجهين ... والجواب عن الثاني من وجهين ..."(28).

    * أسلوب الاستفهام الخارج عن معناه الحقيقي لغرض حجاجي هو الإفحام، يقول: "فإن صح ذلك فما بالهم لا يطلقون اللغة رأسًا، والإعراب، ولا يقطعون بينهما وبينهم الأسباب ... وهلا سفهوا رأي محمد بن الحسن الشيباني ... وما لهم لم يتراطنوا في مجالس التدريس ... وهل انقلبوا هزأة للساخرين، وضحكة للناظرين ...؟"(29).

    * أسلوب التوكيد، وهو على امتداد الكتاب، باستعمال حروف مختلفة منها: إن، أن، إنما.

    6. الأخلاق العلمية للمؤلف:

    يتحلى المؤلف بمجموعة من الأخلاق العلمية التي أمكننا استنباطها من مؤلَّفه، وهي ما سنأتي على ذكره وإن كانت تحضر أحيانًا وتغيب أحيانا أخرى.

    * قيمة الإنصاف: ويمكن التمثيل لها بقوله: "وهذا الطريق هو الأولى بالاعتماد، وفي الاستدلال عليه كفاية لمن أنصف"(30)، وقوله: "ولا يخفى ما في هذا الكلام من التحامل والانحناء على أئمة النظر، وأعلام العلماء ..."(31) ، وأيضا قوله: "حال الشيخ في بلوغه مراتب الغاية العلمية لا ينكر، ومقامه في المجاهدات العلمية من أشهر ما يعرف به ويذكر"(32).

    * قيمة الانفتاح: وذلك من خلال عرض مختلف الآراء حول موضوع معين، وتتكرر على امتداد المؤلف، بل أحيانا كان يورد أشد الآراء تعصبًا ويرد عليها(33).

    وتظهر قيمة الإنصاف كذلك في استشهاده بمن هم من غير مذهبه المالكي، أعني المعتزلة، خاصة منهم الزمخشري، وقد أتى على ذكره في مؤلفه في غير ما موضع، وأتبع ذكره بعبارة: "سامحه الله".
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 10-04-2016, 11:21 AM. سبب آخر: تصحيح وترقيم

    تعليق

    • شمس
      مشرفة
      • Dec 2014
      • 9082

      #3
      3. الموازنة

      يعالج المؤلَّف موضوعًا أساسيًّا يخبر به عنوانه: منزلة العربية بين علوم الإسلام، كما يدافع عن أطروحة مفادها أن للعربية مكانة عالية من حيث هي وسيلة لغاية دينية تتمثل أساسًا في فهم الكتاب والسنة. ومن تم فإن العربية تستمد قيمتها من هذا الجانب، إذ لا يكون الاشتغال بها كعلم لذاته ولكن للتوسل بها إلى غاية دينية محددة.

      ومن هذا المنطلق دافع المؤلف عن علم النحو والمشتغلين به، فخص الطرف الثاني من الباب الأول من مؤلفه لـ: "الجواب عن ظاهر ما يخالف دليل فضل هذا العلم ويعارضه"(34)، فأورد أبيات هجاء قيلت في التنقيص من أهل هذا العلم، ثم أتبعها بردود حجاجية تخفف من تحاملها المطلق، لكنها لا تُسقطه جملةً، يقول: "لَمَّا كان الملح لا ينفع في الطعام إلا إن اقتصر فيه على مقدار الحاجة، وإلا لم يحصل به كمال المنفعة مع النقص من قدر الحاجة منه وأدى إلى ضرر متناوله إذا زاد منه فوق المحتاج إليه، فكذلك النحو إن ابتغي بطلبه قدر المراد منه انتفع به، وإن وقف دونه، لم يظفر منه بتمام غرض، وإن تجاوز إلى الزيادة عليه دخلت عليه الفتنة بسفه المجانين وسخافة آرائهم"(35).

      وإذا كان هذا قول ابن الأزرق في مؤلفه فإن للنحوي البلاغي عبد القاهر الجرجاني قولا آخر في نفس هذا السياق، يقول متحدثًا عن النحو: "وضربوا له المثل بالملح كما عرفتَ، إلى أشباه لهذه الظنون في القبيلين، وآراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه، لتعوذوا بالله منها، ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بها، ذاك لأنهم بإيثارهم الجهل بذلك على العلم، في معنى الصاد عن سبيل الله، والمبتغي إطفاء نور الله تعالى"(36).

      وفي قول الجرجاني رد على قول ابن الأزرق، وإن كان الأول متقدمًا عن الثاني من حيث الفترة الزمنية التي عاشا فيها، أي القرنان الخامس والتاسع الهجريان.

      وفي نفس السياق يقول الجرجاني: "وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صدًا عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه. ذاك لأنهم لا يجدون بدًّا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط الحقائق في نفسه. وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن يستقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص والكمال لها معرض، وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا"(37).

      تركز حديث المؤلف بخصوص أهمية تعلم العربية على الجانب الصناعي، أي ما يسمى بـ: "صناعة العربية"، ولم يعنَ بالجانب الفطري، أو ما يسمى بـ"الملَكة"، وقد اعتبر الأولى كافية لحصول شرط "السيادة" فقال: "وقد اعتبر الأستاذ أبو القاسم ابن الأبرش -رحمه الله- حصول هذه السيادة بمجرد المعرفة بصناعة العربية"(38).وفي هذا ما يوهم بأن تعلم الصناعة العربية يكفي لسلامة التعبير من اللحن، بل وفهم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.

      ونجد أن لابن خلدون رأيًا آخر في هذا الموضوع، فهو يقدم الملكة على الصناعة، ويلح على أهمية الأولى لتعلم اللغة، إذ يقول بأن "صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة. فهو علم كيفية لا نفس كيفية، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علمًا، ولا يحكمها عملًا"(39). ويقول أيضًا مقابلًا بين أهل الصناعة وأهل الملكة: "نجد كثيرًا من جهابذة النحاة، والمهرة في صناعة العربية، المحيطين علما بتلك القوانين، إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيه عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك، والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيرًا ممن يُحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئًا من قوانين صناعة العربية"(40).

      خاتمة:

      لقد حاولنا في هذا البحث القصير أن نقدم عرضًا موجزًا عن مؤلف "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق، ونقوم بمناقشته على عدة مستويات أساسية، ونغنيه بالموازنة بين آرائه وآراء أخرى، متخذين من كل خطوة وسيلة إلى الأخرى، حتى يحصل للبحث اتساقه وانسجامه المطلوبان، وقد كان ما يشغلنا أن يتوفر هذا البحث على قدر من الشمول رغم طول متن المؤلَّف، وصعوبة تقديمه في أوراق معدودة.

      ولقد أفدنا في بحثنا من مقدمة التحقيق الذي قامت به الأستاذة الفاضلة سعيدة العلمي خاصة ما أوردته من معلومات تتعلق بالمؤلّف، مما يسر لنا طريق العودة إلى سيرة ابن الأزرق في مصادرها الأولى، وقد حاولنا تجنب تكرار ما ورد في هذه المقدمة، إلا حين تطلب الأمر إضافة مفيدة، مستثمرين فوائدها بشكل أكثر عمقًا.


      ــــــــــــــــــــ

      الهوامش:

      1- لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، ط: 6/ 2008، المجلد: 6، ص: 262.

      2- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 80.

      3- البلاغة فنونها وأفنانها، فضل حسن عباس، عمان، دار النفائس، ط: 12/ 2009، ص: 355.

      4- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 80، بتصرف.

      5- المرجع نفسه والصفحة.

      6- فقه اللغة في الكتب العربية، عبده الراجحي، دار النهضة العربية، بيروت – لبنان، 2009م، ص: 41.

      7- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 478.

      8- المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العرب، الأصول والامتداد، أحمد المتوكل،دار الأمان، الرباط، ط: 1/ 2006، ص: 172.

      9- ص: 269.

      10- ص: 96.

      11- انظر مثال ذلك في الصفحة 172 من المؤلَّف.

      12- ص: 175.

      13- انظر ذلك في الصفحة 357.

      14- ص: 170.

      15- نفس الصفحة.

      16- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 80.

      17-المرجع نفسه، ص: 194.

      18- المرجع نفسه، ص: 251.

      19- المرجع نفسه، ص: 189.

      20- التفكير العلمي، فؤاد زكريا، عالم المعرفة، 1978، ص: 23.

      21- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 474.

      22- المرجع نفسه، ص: 762.

      23- انظر ما يتعلق بعرض مقدمتي الكتاب.

      24- والمعنى اللغوي مضمر في المعنى الاصطلاحي بالضرورة.

      25- ص: 278، 839.

      26- ص: 843.

      27- ص: 362.

      28- ص: 123، 126.

      29- ص: 168، 169، وانظر أيضا الصفحة: 193، 285.

      30- ص: 289.

      31- ص: 436.

      32- ص: 780، 781.

      33- ص: 290.

      34- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 122.

      35-المرجع نفسه، ص: 129.

      36- دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة: 3/ 1992م، ص: 8.

      37- المرجع نفسه، ص: 28.

      38- روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، ابن الأزرق، تحقيق: سعيدة العلمي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط: 1/ 1999م، ص: 187.

      39- مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق، ط: 1/ 2004، ص: 385.

      40- المرجع والصفحة نفسها.
      التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 10-04-2016, 11:24 AM.

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        ابن الأزرق
        اسم المصنف محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق
        تاريخ الوفاة 896
        ترجمة المصنف ابن الأزرق( 000 - 896 هـ = 000 - 1491 م)

        محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق: عالم اجتماعي سلك طريقة ابن خلدون.
        من أهل غرناطة.
        تولى القضاء بها إلى أن استولى عليها الإفرنج، فانتقل إلى تلمسان ثم إلى المشرق يستنفر ملوك الأرض لنجدة صاحب غرناطة، قال المقري: (واستنهض عزائم السلطان قايتباي لاسترجاع الأندلس، فكان كمن يطلب بيض الأنوق أو الأبيض العقوق ! ثم حج ورجع إلى مصر، فجدد الكلام في غرضه، فدافعوه عن مصر بقضاء القضاة في بيت المقدس، فتولاه بنزاهة وصيانة، ولم تطل مدته هنالك حتى توفي به).
        له كتب، منها (الإبريز المسبوك في كيفية آداب الملوك - خ) و (تخيير الرياسة وتحذير السياسة) قال الحوات: بأسلوب عجيب لم يؤلف فيه مثله.
        و (بدائع السلك في طبائع الملك - خ) [ثم طُبع] في الرباط (64 ج و 2367 ك) قال التنبكتي: لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه مع زوائد كثيرة لا يستغنى عنها بوجه.
        ومنه نسخة أخرى في الأحمدية بتونس (5069) نشر الدكتور عبد الهادي التازي فصلين من الكتاب في مجلة العرب بعنوان (بدائع السلوك في طبائع الملوك) و (روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام) و (شفاء الغليل في شرح مختصر خليل) في فقه المالكية، وفتاوى.
        وله نظم جيد

        نقلا عن : الأعلام للزركلي
        كتب المصنف بالموقع

        بدائع السلك في طبائع الملك

        تعليق

        • عبدالله بنعلي
          عضو نشيط
          • Apr 2014
          • 6053

          #5
          تطور الفكر الخلدوني

          د. ضرغام الدباغ

          drdurgham@yahoo.de

          النشأة والسيرة :

          هو محمد بن علي بن مسعود أبو عبد الله الأصبحي الغرناطي الأصل ويعرف بأبن الأزرق، عربي من أسرة أندلسية قديمة، ولد في ملقة سنة 832 هج/ 1427 م أي بعد وفاة أبن خلدون بعشرين سنة. وتوفي في مدينة القدس 896هج/ 1491 م ، أي قبل سقوط غرناطة بعام واحد. ويكتب الدكتور سامي علي النشار وهو من علماء الاجتماع السياسي العرب المعاصرون البارزون، محقق كتاب أبن الأزرق الشهير " بدائع السلك في طبائع الملك " أنه " أعظم كتاب في علم الاجتماع السياسي لدى المسلمين " وإذا كانت هناك ثمة مبالغة أو أعجاب كبير يبديه الأستاذ النشار في تقيمه لهذا الأثر المهم، إلا أننا يمكن أن نقرر بجلاء، أنه ومن المؤكد من الأعمال الفريدة لأسباب عديدة :

          1 / أنه استمرار للمدرسة الأشعرية في علم الاجتماع السياسي وفي تطبيق المنهج الاستقرائي التجريبي على الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

          2 / إنه يحاول أن يجاري أين خلدون في شمولية مباحثه، وإن كان أقل أصالة منه، إلا أن القارئ يلاحظ تأثره الشديد بالمنهاج الخلدونية في استقراء الأحداث التاريخية وأن يحاول أن يضيف على بعضها أو يعدل البعض الآخر.

          3 / أنه وعلى نحو فريد/ يشير في كل ما يذهب إليه بصورة ملحوظة، بما هو أقرب إلى أساليب البحث العلمي الحديثة إلى مصادره التي يعتمد عليه، ويستعرض أراء الفلاسفة والعلماء من عرب وغيرهم، ثم يدلي برأيه الشخصي ويحمل القارئ على إحاطة جيدة بالبحث.

          وقد درس أبن الأزرق في غرناطة على يد علمائها، اللغة والمنطق والفلسفة، وحضر مجالس الأدباء والقضاة والأساتذة، ثم أرتحل إلى فاس وتلمسان وتونس، واستفاض في دراساته وتعلمه على علماء تلك الأمصار. وقد درس وأطلع بصفة وثيقة على آثار العلماء والمفكرين من قبله، لا سيما آثار أبن خلدون والماوردي والطرطوشي وأبن تيمية وعشرات من الأسماء اللامعة أو غير المعروفة من علماء مشارقة ومغاربة على حد السواء.

          وعندما عاد إلى وطنه، تولى القضاء في ملقة ثم في غرناطة، وعندما اشتدت الهجمة الإفرنجية على الأندلس أرتحل إلى بلاد العرب، يحاول أن يجد العون بإنقاذ الأندلس، ونجدتها. وفي تلك المهمة تعمقت مقدرته وأفكاره السياسية وإدراكه لمفردات دبلوماسية. ولكن جهوده باءت بالفشل أسباب موضوعية أكثر مما هي ذاتية، بسبب توالي الأحداث على نحو مأساوي في الأندلس، وكان أبن الأزرق قد حل بمصر، ثم مضى إلى الحج وعاد إلى مصر حيث عينه حاكمها قاضياً على القدس فتولى عمله بنزاهة وكفاءة، ولكن مرضاً ألم به، فتوفي يوم الجمعة 17 / ذي الحجة / 1896 هج.

          ترك أبن الأزرق للمكتبة العربية ثلاث أعمال وهي :

          1 / كتاب روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام. وهو مجلد ضخم فيه حكايات وتجارب وأمثلة وأخبار بلاد وأقطار المغرب العربي.

          2 / شفاء العليل في شرح مختصر خليل. وهو كتاب في الفقه المالكي.

          3 / كتاب بدائع السلك في طبائع الملك. وهو الكتاب الوحيد له في علم السياسة، ويقع في حوالي 450 صفحة في النسخ الأصلية، أما في طبعته الحديثة (تحقيق د. سامي النشار)، فقد وضعه في جزئين: الأول ويقع في 559 صفحة، والثاني في 537 صفحة. ويشتمل على ملاحق وقوائم بالمراجع التي أعتمدها أبن الأزرق أو تلك التي أعتمدها المحقق النشار، مع شروح وهوامش مفيدة تيسر للقارئ مطالعة ودراسة هذا الأثر الفريد الذي قامت وزارة الإعلام العراقية بطبعه ونشره سنة 1978.

          والتفصيل الشديد الطويل في كتاب ابن الأزرق لا يبدو مملاً، فهو يضع عمله في أبواب وفصول ومباحث محكمة شيقة، تضم أخبار ومعلومات سياسية / اجتماعية مهمة، نستدل منها كباحثين على معاني ومغازي كثيرة سواء عن شخصية السياسي العربي في تلك العصور، وطبيعة التناقضات والصراعات والتنافسات التي كانت تدور، وعلى جوهرها. ويفتتح أبن الأزرق مباحثه بحقيقة علمية هامة تضعه في مصاف علماء الاجتماع البارزين بقوله :" إن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ضروري" و " الإنسان مدني بالطبع، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية عندهم ليحفظ وجودهم".(1)

          فكر أبن الأزرق :

          يبدو لكل باحث أن المنهج الخلدوني كان مؤثراً في فكر أبن الأزرق الذي يبدو أكثر أتساعاً، ولكنه اقل أصالة كما ذكرنا. فهو يتناول في مباحث مفصلة حقيقة الملك وسائر أنواع الرئاسات وسبب وجود ذلك، وشروط الملك والحروب ومذاهب الأمم وكذالك أركان الملك. ثم يتطرق بالضرورة إلى أبرز مؤسسات الدولة في مباحث شيقة، ويضع الوزير في مقدمة أهم المناصب وله فيها أراء مهمة، وكذلك في سائر المناصب الأخرى وفي الشريعة والتصرف حيال الأموال، وهو في ذلك يجاري أعمال معظم المفكرين والعلماء العرب الذين اهتموا بهذه المسألة كثيراً (الأموال) جباية وأنفاقاً، زفي إقامة العدل والأحكام الشرعية حيال الرعية والحاشية.

          ولا يغفل أبن الأزرق أن يضم مؤلفه موضوعات علم الأخلاق، ويبدو أنه مطلع بصورة دقيقة على أعمال أفلاطون وأرسطو، ويتطرق إلى الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان سواء كان سياسياً قائداً، أو شخصاً طبيعياً من العفة والشجاعة والرفق واللين والحكمة وكتم السر والحزم والترفع عن أحكام الهوى.

          وإذا كان من المستحيل التنويه عن أبن الأزرق بصفحات قليلة، فإننا سنعمد كما يتطلب سياق بحثنا هذا، ألقاء الضوء على أبرز ما ذهب إليه أبن الأزرق متفقاً أو مختلفاً مع غيره من العلماء والفلاسفة العرب، علماً بأنه كان في معظم مباحثه متفقاً مع المذهب التجريبي الجديد في بحث التاريخ، متأثراً بأبن خلدون من جهة، ولكنه يستشهد أيضاً بأعمال مؤرخين وعلماء آخرين من جهة أخرى.

          الفكر الخلدوني عند أبن الأزرق :

          وقد أختلف وأتفق أبن الأزرق مع ابن خلدون، ولكنه كان باد التأثر به وبمنهجه، وقد أختلف معه في مسالة واحدة مهمة على الأقل، وهي مسالة أطوار وعمر الدولة، فيرى أبن الأزرق أن حياة الدول يمكن أن تدوم إذا دام العدل. وفساد المجتمع عند ابن الأزرق هو فساد مادي وانحلال خلقي واقتصادي وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم والتمزق السياسي وذلك يمكن تجاوزه " إذا ما تخلص الحاكم من أطماعه وتخلص المحكوم من أطماره" (أسماله)، ولسنا هنا بصدد أي الفكرتان أصوب، بل نحن نرى أن كل الاتجاهين يزيدان من ثراء الفكر السياسي العربي الإسلامي ويشكلان تراكماً نوعياً فيه.

          ينطلق أبن الأزرق من ضرورة السلطة وضرورة قيامها بقوله " إن الضرورة في الاجتماع الطبيعي لنوع الإنسان كما تقدم، تدعو إلى المعاملات واقتضاء قيامها بقوله:" إن الضرورة في الاجتماع الطبيعي لنوع الإنسان كما تقدم، تدعو إلى المعاملات واقتضاء ضرورات المعاش وحاجة حياته". ثم يقرر بذات الوقت " إن مصلحة نصب السلطان الوازع لا تعارضها المفاسد اللازمة عن قهره وغلبته " ثم يستند على مقولة لمفكر عربي هو أبن عرفة بقوله:" لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير هو شر كبير" (2)

          ثم لاحظ، أن أبن الأزرق الذي يقبل أن تكون الأمارة جزء من الشريعة بقوله " إن حقيقة هذا الوجوب الشرعي راجعة إلى النيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسية الدنيا ويسمى باعتبار هذه النيابة خلافة وإمامة" ولكنه بعد قليل يوافق على تطور الظروف والحاجات الموضوعية بقوله:" إن انقلاب الخلافة إلى ملك، إنما واقعه بحسب طبيعة الوجود".(3)

          وأبن الأزرق هو أبن عصره وزمانه، ولا بد أن التفاعلات السياسية وضغوطها تؤثر عليه بهذا القدر أو ذال، وبهذه الاتجاهات أو تلك. وأبن الأزرق الذي عرفنا أنه عاش محنة الأندلس وانهيارات دول الطوائف يقرر:" أن جور الحاكم لا يسقط وجوب الطاعة له شرعاً " مع أنه يعتبر البيعة (ضمناً) نوعاً من أنواع العقود، عهد من الحاكم على السير بقواعد الشريعة والعدل وعهد بالطاعة من الرعية، ويرى ضرورة البيعة ويقول، أن الرسول(ص) نفسه قد نال البيعة ثلاث مرات(مرتان في العقبة وبيعة الشجرة) وبذلك يدلل على ضرورة البيعة ومعناها الشرعي القانوني.(4)

          ويقبل أبن الأزرق كأمر واقع مفروض نظرية القوة والغلبة كأمر واقع لا علاقة له بالشريعة بقوله " أما لعدم التدين بالأصل(في مجتمعات غير متدينة) أو القيام من حيث الحاجة إليها طلباً من غير الألتفات إلى موافقة الشارع لها أو مخالفته".(5)

          ويتفق ابن الأزرق مع أبن خلدون في مسألة رئيسية أخرى في الفكر الخلدوني بخاصة السياسي / الاجتماعي، ألا وهي مسألة العصبية بقوله " إن الملك والدول العامة إنما تحصل بالعصبية والشوكة " ثم يستطرد " إن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك " ص 11 ـ 112) ثم يتفق معه مرة أخرى بقوله " إن الدعوة الدينية تزيد الدولة على قوتها، قوة عصبيتها في الأصل"، ثم يلقي بهذا التصريح المهم للغاية، والذي يستحق التأمل حقاً ! " إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية ".(6)

          ثم يضيف ابن الأزرق موسعاً نظرية أبن خلدون قائلاً " القائمون بتغير المنكر على أمراء الجور من الفقهاء المتعبدين اغتراراً عن تبعهم من الغوغاء والدهماء فيهلكون في سبيل ذلك مأزورين غير مأجورين، لأن الأمر به مشروط بالقدرة عليه، والملك الراسخ البناء لا يهديه إلا المطالب بالعصبية الغالبة كما سلف".(7)

          وتجربة الحكم العربي في الأندلس والمغرب، أنطوى بصفة خاصة على أهمية لمنصب الوزير، ويعبر عن ذلك أبن الأزرق بمنطق سياسي " إن السلطان لما كانت قواه البشرية لا تستقل بجمل ما، فلا جرم أضطر لمشاركة معين يتم به استقلاله وهو الوزير". ويوضح مقصده على نحو أكثر حزماً بقوله " إن من لوازم هذا الاضطرار استحالة تصور الاستغناء عن مطلق المشاركة المنوطة به في المراتب السلطانية لامتناع تخلف ما هو طبيعي، ومن ثم قيل " لا تعتقد أن رياسة القوم تقوم بغير وزير".(8)

          ويدرك أبن الأزرق أن الجيش يمثل القوة، وهو ركن الدولة، وهو الذي قرأ وشاهد تجارب عديدة ليقول بنكهة ميكافيلية، وذلك أمر يستحق الملاحظة " تمكين الرهبة في قلوبهم ليتم ما يراد منهم " ويمضي في النبرة البراغماتية قائلاً " واتخاذهم من أجناس مختلفة بحيث لا يتهيأ لهم الاتفاق على رأي واحد في الخلاف والعداوة ".(9)

          وقد مثلت الأموال الشرعية، جبايتها وصرفها، أهمية كبرى في المباحث السياسية العربية والإسلامية، لم يخلو منها مؤلف أبن الأزرق، فهو ابتداء يقرر " إنه من أعظم مباني الملك وأصوله " ثم يقول " المال بالخراج والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل ".(10) فهو إذن يربط السياسة المالية بالعدل، والعدل ليس سوى العدل الاجتماعي بطبيعة الحال في هذا المجال.

          ثم يطرح أبن الأزرق في مداخلة مهمة أفكاره عن اقتصاد السوق والدولة والعلاقة بينهما " أن الدولة هنا السوق الأعظم للعالم، والمادة المتصلة لعمرانه فإذا أحتجن السلطان المال أو فقده، قل ما بيد الحامية وأنقطع مأمنهم لأتباعهم فقلت نفقاتهم (الأنفاق الحكومي) التي هي أكبر مادة للأسواق، إذ هم معظم السواد وذلك بموجب الكساد وضعف الأرباح المتجر فتقل الجباية لضعف مادتها ويرجع وبال ذلك على الدولة من حيث قصد حسن النظر إليها".(11)

          ويتفق أبن الأزرق مرة أخرى مع ابن خلدون في موضوع العمران ولكنه يحاول أن يستزيد وأن يطرح أفكار جديدة وقارنة بعلماء آخرين فينقل عن أبن حزم قوله:" يأخذ السلطان الناس بالعمارة وكثرة الغراس ويقطعهم الإقطاعات من الأرض الموات(الغير مستصلحة) ويجعل لكل أحد ملك ما عمره وتعينه على ذلك منه، فترخص السعار ويعيش الناس والحيوان ويعظم الأجر ويكثر الأغنياء وما تجب فيه الزكاة".(12) ويعبر عن موافقته بمباحث أبن خلدون في العمران(التطور الحضري) ويربط ذلك بالتطور السياسي والاجتماعي وبالعدل وبمجمل فعاليات الدولة والنظام.

          وفي موضوعة تقليدية من موضوعات الحكم يستند أبن الأزرق على نص لأبن رشد، ونحن نرى في ذلك دلالة على مرونة أبن الأزرق حيال ابن رشد، يقول أبن رشد عن العدالة وسبل تحقيقها " هي صناعة جليلة شريفة، وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية وحفظ دماء المسلمين وأموالهم والإطلاع على أسرارهم وأحوالهم ومجالسة الملوك والإطلاع على عيالهم وأمورهم، وبغير هذه الصناعة لا ينال أحد ذلك ولا يسلك هذه المسالك " ويزيد ابن الأزرق على ذلك قولاً مفيداً يطور ذلك المعنى ويضيف إليه بعداً فكرياً بقوله " ولا بد من فقه في الوثيقة يضع كل شيء في موضعه وترسيل يحسن به مساحتها ونحو يتجنب فيه اللحن (الخطأ).(13)

          ويؤكد أبن الأزرق في فصل من فصول كتابه على الوظائف السلطانية ومهامها وشروط القائمين بها على نحو يعبر عن دراية وعمق رؤية وإدراك لمفردات الحكم وضرورات المجتمع، ومن تلك الوظائف خمسة رئيسية هي: ديوان العمل والجباية والشرطة، إلى جانب أركان الدولة: وهي الوزارة والقضاء والجيش.(14)

          وفي واقعية تستحق الإشارة إليها بعناية، يعبر ابن الأزرق وهو يستند في ذلك إلى اقتباسات من أبن خلدون عن غاية الرئاسة، ومختصرها أنها تأمين مصالح المجتمع وتنفيذ قوانين الدولة. وهو يعتقد أن الحديث عن المدن الفاضلة إنما هو حديث خيالي غير واقعي إذ يقول " وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة وبعيدة الوقوع والكلام عليها على جهة الفرض والتقدير".(15)

          والشورى، وهي مسألة مهمة في الفكر السياسي الإسلامي، والتطور الفكري لها يعني إقامة دولة الديمقراطية التي تعني قبل كل شيء عدم استبداد أي فرد أي كانت صفته، وفئة أي كانت درجة ثرائها أو قوتها. إن الشورى تعني إدانة الاستبداد والديكتاتورية. وعن ذلك يقول أبن الأزرق، نقلاً عن المفكر أبن العربي " أي لا يستبدون بأمر ويتهمون رأيهم حتى يستعينوا بغيرهم فمن يظن به أن عنده مدركاً لفرضه، وهذه سيرة أولية وسنة بينة " ويستطرد " إذا كان قد أمر بها الرسول(ص) بنص واضح جلي مع أنه أكمل الخلق فما الظن بغيره ".(16)

          تعليق

          • عبدالله بنعلي
            عضو نشيط
            • Apr 2014
            • 6053

            #6
            ويتحدث أبن الأزرق عن العلم والهوى فيقول: " فضل العقل على الهوى، أن العقل يملك الزمان، والهوى يستعيدك له " وعن العلم يقرر أن العلم اشرف فضائل الإنسان، ثم يلاحظ وظيفة العلم عنده بقوله " عطية العلم موهبة من الله تعالى لأنها لا تنفذ عند الجود بها، ولكنها تكون بكماله عند معيده"(17) فأي منهم ديمقراطي وتقدمي أكثر من ذلك في النظر إلى العلم وإتاحته للناس أجمعين.

            ويرى د. سامي علي النشار محقق كتاب أبن الأزرق(ولا بد من الإشارة إلى كفاءته في التحقيق وأحاطته بالموضوعات إحاطة تامة يستحق الشكر عليه)، يرى أبن الأزرق في تواصل(الجزء الثاني من مؤلفه)، منهج الواقعية الحسية التي كانت سمة الأبحاث الاجتماعية السياسية في المدرسة السياسية الإسلامية والتي عبرت عن روح الإسلام الحقيقي، وهي مدرسة المتكلمين والأصوليين. ومن ناحية ثانية يضفي أبن الأزرق على هذه الواقعية الحسية أتجاهاً أخلاقيا(أرى شخصياً أنه أتجاه عام عند المفكرين العرب والمسلمين) وبهذا مزج من علم واقعي حسي، وهو علم الظواهر الذاتية، علم الاجتماع السياسي، وبين علم أخلاقي قريب من المثالية الإسلامية، لا المثالية المطلقة(نعتقد أن علم السياسة العربي الإسلامي ينطوي على شحنة واقعية غير بسيطة مر ذكرها في فصل خصائص الفكر السياسي العربي الإسلامي) وهو علم الأخلاق السياسي.

            العمل الدبلوماسي :

            ويتقدم أبن الأزرق في مباحثه ويطرح قضية العمل الدبلوماسي ويتحدث عن شخصية السفير ويستشهد بأرسطو ويقول " أختر رسولك في الحرب والمسالمة، فإن الرسول(ص) يلين القلوب ويخشنها، ويبعد الأمور ويقربها، ويصلح الود ويفسده".(18)

            وفي مسألة نشوء الدول واندثارها :

            يجاري ابن الأزرق أبن خلدون ويعدل بعضاً من آراؤه، فهو يذكر، وكأنه يقر بحقيقة أن حصول الترف والنعيم للقبيلة تضعف العصبية وتزيد النعم وتؤدي بهم إلى الفناء. ولكن ذلك يمكن وقفه بحسن الطاعة لله تعالى ولولاة الأمر. وهو أيضاً كأبن خلدون يتحدث عن العصبية الكبرى (تحالف العصبيات أجمعها وصولاً على العصبية القومية، فالدولة القومية. ولكنه مثله مثل أبن خلدون لا يبلغ هذه النقطة، يحوم حولها ويقترب منها ولكنه لا يحط عليها، فيقول :" إن العصبية الكبرى، التي لها جمع العصائب واستتباعها ولا تكون عصبيتهم مثل ذلك في شدة الشكيمة لفقدان الرحم منها، فيتفرد عن العشيرة".(19) فما زالت عنده العصبية تمثل صلة الرحم القبلية الأقوى عنده والدولة القومية سوف لن يبزغ فجرها حتى في أوربا إلا بعد قرون طويلة.

            وتستمر قضية العصبية ودورها في تأسيس الدول تأخذ الحيز الأهم في مباحث أبن الأزرق، فيرى انتقال الدولة من البدو إلى الحضارة طوران طبيعيان للدول. وطور البداوة يتقدم على طور الحضارة لأن الغلب الذي به الملك إنما هو بالعصبية.(20)

            ويرى أبن الأزرق أن تشتت الدول الكبرى، والفرس كمثال، لم يحصل إلا عندما تحولوا إلى الظلم. فملكة الإسلام صارت بالعدل والإحساس بدفع الظلم يدفع الناس إلى التقاعس عن الدفاع عن الوطن، ولا يلبث أن يعبر أدعاء أبن خلدون غريباً بقوله، إن أعمار الدول لا تتعدى الثلاثة أجيال، و يوجه نقده إلى هذا الرأي ويعرض أمثلة تدعم وجهة نظره.(21)

            وفي مبحث شيق، يحملنا على الاعتقاد أن أبن الأزرق قد أمعن في دراسة مؤلف أرسطو"السياسة" فتراه يهتم بتشييد العواصم واختيار مواقعها، قربها وبعدها عن البحر، على موقع جبلي أو سهلي، أو على الأنهر. ولكنه يزيد على أرسطو بعمق في الرؤية الاجتماعية/ الاقتصادية / الحضارية، فيرى مثلاً كثرة المرافق العامة والحمامات والمدارس وطبيعة حركة الرياح والأبنية الفاخرة وغيرها.(22)

            آراء أبن الأزرق في الاقتصاد :

            ثم يدلي أبن الأزرق بآراء مهمة في الاقتصاد، تعد مبكرة في الفكر الاقتصادي، يتجاوز فيها على من سبقه(وحتى على الذين من بعده بقليل) بقوله، ولاحظ العمق المستتر وراء كلمات قد تبدو بسيطة في القاموس السياسي المعاصر " إن الكسب هو قيمة الأعمال الإنسانية أما في الصنائع(الصناعة) فظاهر، وأما ما ينضم لبعضها كالخشب مع النجارة والغزل مع الحياكة، فالعمل فيه أكثر وقيمته أكثر، أما بغيرها فلا بد قيمته من قيمة العمل الذي به حصـوله". (23)

            ثم أنظر إلى رأيه في البروليتاريا الرثة (Lumpenproletariat) بقوله:" إن خدمة الناس ليست من المعيش الطبيعي " ثم بقوله عن الاقتصاد المنجمي " إن ابتغاء الرزق من الدفائن والكنوز، ليس بمعاش طبيعي، لأن العثور عليها اتفاقي ونادر" ولو قابلة أنها موارد قابل للنضوب، أو أنها قد تكون اقتصاديات أحادية الجانب، لكان في ذلك يماثل أراء علماء اقتصاد القرن العشرين، ثم يقول بين الجد والهزل عن حالة العلماء والمفكرين " أنهم لما هم فيه من الشغل بهذه الصنائع الشريفة المشتملة على الفكر والبدن لا يفرغ أوقاتهم للمساعي العائدة بإدرار الأرزاق لذلك لا تعظم ثروتهم غالباً" .(24)

            ونسجل لأبن الأزرق انه يقف موقف الشجب من الاحتكار والإثراء على حساب الناس وحياتهم. ويستشهد بحديث للرسول " لا يحتكر إلا خاطئ " حديث) ويقول " إن خلق التجار نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة عن المروءة وذلك لأن التاجر لا بد له في محاولة التجارة من عوارض حرفتها الناقصة عن المروءة والمكايسة، أو المضايقة وممارسة الخصومات ".

            وعن شرف مهنة العامل يقول " رسوخ الصنائع في الأمصار برسوخ الحضارة على الدول الطويلة الأمد. وقبل بيان ذلك دورة رأس المال البسيط بقوله " وما يزيد عليه بصرف ذلك للزائد إلى الكمالات في المعاش بالضروري وما يزيد عليه ومنها الصنائع، وإذا تقرر هذا، فتلك الصنائع هي العوائد التي لا رسوخ لها إلا بتكرار طويل الأمد".(25)

            ثم يعبر أبن الأزرق بوعي مبكر جداً عن أهمية الصناعة وضرورتها ودورها في تقدم الحياة الإنسانية بقوله " إن الصنائع تكسب صاحبها عقلاً وخصوصاً الكتابة والحساب وذلك لأن خروج النفس الناطقة للإنسان عن القوة إلى الفعل، إنما هو بتحديد العلوم والإدراكات والمحسوسات أولاً ثم تكتسب القوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلاً محضاً، وهو كمال وجودها وجسدها فيجد لذلك، أن كل نوع من العلم وللنظر يفيدها عقلاً فريداً. والصنائع بلا شك يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة فيزيد عقلاً لا محالة".(26)

            ورؤى أبن الأزرق شاملة في عملية التشكل الحضاري، ويضع العلم في مقدمة ذلك فيقرر " إن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري" وكذلك " إن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، ذلك لأن تعلم العلم من جملة الصنائع".(27)

            ثم لاحظ هنا عمق الرؤية العلمية البحثية، وقد علمنا أن الجامعات والمعاهد الألمانية المعاصرة، تصف الأعمال العلمية الأكاديمية إلى صنفين، يقال عنها :

            Fleissigarbeit * ، أي العمل المجتهد، الذي بذل فيه جهد غير اعتيادي.

            * Genialarbeit ، أي العمل العبقري، الذي توصل إلى نتائج غير مسبوقة.

            ويصوغ أبن الأزرق حول الأعمال وكما يلي :

            ـ الأول : " أحدهما من له في القلم ملكة تامة، ورؤية كافية وتجارب وثيقة وحدس صائب واستخبارهم قريب، وتصانيفهم عن قوة بتبصر ونفاذ مكر وسداد رأي يجمع إلى تحرير المعاني بتهذيب الألفاظ".(28)

            ـ الثاني : من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة، ووقعت له كتب جيدة(مصادر) جمة الفوائد ولكنها غير أنيقة التأليف والتنظيم، فأستخرج دررها وأحسن نظمها وهذه ينتفع بها المبتدأون والمتوسطون ".(29)

            ويستطرد في نظريات رائعة عن التعليم ونظم التدريس تنم عن خبرة ومعرفة وعمق رؤية وإتقان صنعة.

            وفي ختام مبحثنا هذا عن أبن الأزرق، سنعدد المصادر التي أعتمدها ليأخذ القارئ والباحث فكرة عن متانة وعلمية مؤلفه الهام. فقد استخدم أبن الأزرق 33 مصدراً سياسياً (لحوالي 30 عالم ومفكر سياسي، استخدم أكثر من مصدر للبعض منهم) و6 كتب فلسفية و11 مصدر من كتب التاريخ و10 من مصادر التاريخ الحديث والفقه، و5 من كتب الرحلات، ليصبح المجموع الإجمالي 65 مصدراً.



            هوامش البحث

            1. أبن الأزرق، أبي عبد الله : بدائع السلك في طبائع الملك ، ج 1 / ص46

            2. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص67 / 68

            3. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص71

            4. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص91 / 92

            5. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص104

            6. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص117 / 118

            7. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص120

            8. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص175 / 136

            9. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص198 / ج1

            10. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص205

            11. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص213

            12. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص219

            13. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص255

            14. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص265

            15. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص293

            16. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص302

            17. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص425 / 427

            18. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص50 / ج2

            19. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص201 / 216

            20. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص257

            21. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص269 / 273

            22. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص272

            23. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص298

            24. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص300 / 301 / 313

            25. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص323

            26. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص333

            27. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص335 / 345

            28.أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص356

            29. أبن الأزرق : نفس المصدر ، ص346

            تعليق

            • عبدالله بنعلي
              عضو نشيط
              • Apr 2014
              • 6053

              #7
              خلود خالد غازي ناصر

              محاضر
              قسم علم النفس
              كلية الآداب والعلوم الإنسانية
              جامعة الملك عبدالعزيز
              هاتف: 63422
              بريد الكتروني: knasser51@gmail.com






              نبذة عامة:

              خلود خالد ناصر ، حاصلة على البكالوريوس من قسم علم النفس جامعة الملك عبد العزيز بجدة ،تم تعييني على وظيفة معيد وتم ابتعاثي إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة للحصول على شهادة الماجستير في تخصص النمو النفسي ، وشعاري في هذه الحياة قول الله تعالى ( وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون






              الشهادات العلمية:
              2011 : درجة الماجستير من علم النفس, التربية , جامعة أم القرى, مكة المكرمة, المملكة العربية السعودية






              الخبرات السابقة:
              2001 - 1900 : معيد, جامعة الملك عبد العزيز, جدة, المملكة العربية السعودية






              الاهتمامات البحثية:
              أهم الاهتمامات البحثية فيما يتعلق بالطفولة والمراهقة ، وكيفية تطور السلوكيات عبر مراحل العمر المختلفة






              الاهتمامات العلمية:
              دراسة كل ما يخص مشكلات مرحلة الطفولة والمراهقة وكيفية اكتشافها ومن ثم علاجها






              المواد والمحاضرات:
              Skip Navigation Links.

              psy 241 : علم نفس النمو

              psy 454 : تفسير إسلامي للسلوك






              معلومات الاتصال:

              هاتف العمل: 63422
              البريد الالكتروني : knasser51@gmail.com
              الموقع الشخصي : http://knasser.kau.edu.sa/

              تعليق

              • أ.د عبد الرحمن بو درع
                نائب رئيس المجمع
                • Mar 2012
                • 806

                #8
                خلود بناصر التي كَتَبَت المقال أعلاه حول ابن الأزرق - طالبة مغربية في الدراسات العليا وليسَت هي التي ذكر الباحثُ المحترَم : خلود غازي ناصر

                تعليق

                يعمل...