حوار مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية مع شيخ العربية الأستاذ الدكتور شعبان صلاح
د.مصطفى شعبان
مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
تلقاه بين مهابــة ولَطَـافَـةٍ *** كالسيف فيه مَضًا وفيه رونقُ
وتراه من لُمَع الأسِنَّةِ سافرًا *** كالبــدر بين كـــواكب تتألقُ
د.مصطفى شعبان
مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
تلقاه بين مهابــة ولَطَـافَـةٍ *** كالسيف فيه مَضًا وفيه رونقُ
وتراه من لُمَع الأسِنَّةِ سافرًا *** كالبــدر بين كـــواكب تتألقُ
ابن نباتة المصري
شعبان صلاح...وما أدراك ما هو..هو رجلٌ يُعطيك مِن جمال ما يُظهرُ بقدر جلال ما يُضْمِرُ، ويُسْمِعُكَ مِن جميل ما تتشوف له النفوس الصافيةُ بقدر ما تتشنف به الآذان الواعية، هو حَزمٌ يكسوه تلطُّف، وعزمٌ يعلوه تعطُّفٌ، يرمي بالكلمة فيُصيبُ وسِنانه مُسْتَكِنٌّ في عُودِهِ، ويقذف بالنَّبْرَة فيُرهِبُ وسيفه وَادِعٌ في غِمْدِهِ، ويشرح المستغلق على الأفهام فكأنه قد أُحيي من موات، ويوضح المبهم من الكلام فكأنه قد استفاق من سُبات، ويتلو ترانيم شعره فيجترُّ به فيض العَبَرَات... إنه الأستاذ العَلَمُ العلامة شيخ العربية الأستاذ الدكتور شعبان صلاح...نأخذ من قبس حواره سُبُحاتٍ ومفاتح نستضيء بها ونستفتح معالم النهج القويم لإعزاز جيلنا بالعربية وإنهاض أنفسنا بها، فبها نعز لأنها عزيزة، وعنها وبها ننهض لأنها حضارة،...فلك يا أستاذنا كل الشكر والتقدير على ما تفضلت به وتكرمت علينا من حوار خصصتنا به وشرفتنا، ولمجمعنا المبارك مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية كل الشكر والتقدير على ترحيبه وتشجيعه وتوقيره لكل ما من شأنه خدمة العربية وأهلها.

شيخ العربية العلامة النحوي العروضي الأستاذ الدكتور شعبان صلاح حسين
أستاذ النحو والصرف والعروض المتفرغ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة

شيخ العربية العلامة النحوي العروضي الأستاذ الدكتور شعبان صلاح حسين
أستاذ النحو والصرف والعروض المتفرغ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة
شعبان صلاح حسين(1367هـ-1948م):
نحوي، عروضي، شاعر، محقق، ولد بقرية المعتمدية إحدى القرى التابعة لمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، حفظ القرآن الكريم وأتمه في الثامنة من عمره وأتقن قواعد تجويده، ثم التحق بمعهد المحلة الكبرى الديني الأزهري ومنه حصل على الشهادة الإعدادية سنة1965م، وتدرج في سنوات الدراسة بهذا المعهد حتى الصف الثالث الثانوي، وكانت الثانوية الأزهرية خمس سنوات دراسية، ثم تقدم للحصول على الشهادة الثانوية العامة سنة1968م، وبالفعل حصل عليها ثم توجه تلقاء جامعة القاهرة، التحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة1968م، وتخرج فيها حيث درس العلوم العربية والإسلامية، حتى نال درجة الإجازة العالية(الليسانس) في اللغة العربية والعلوم الإسلامية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف سنة1972م، تدرج في وظائف التعليم الجامعي فعُيِّنَ معيدًا بكلية دار العلوم جامعة القاهرة سنة1972م، وحصل على الماجستير في تخصص النحو والصرف والعروض منها بتقدير ممتاز سنة1975م، ثم الدكتوراه من الكلية نفسها في النحو والصرف والعروض بمرتبة الشرف الأولى سنة1978م، رُقِّي إلى درجة أستاذ مساعد سنة1986م، ثم نال الأستاذية سنة1991م، تقلد منصب رئيس قسم النحو والصرف والعروض من2002م إلى2004م، وتولى إدارة مركز التدريب اللغوي بكلية دار العلوم في العام الجامعي2003/2004م، وشغل منصب وكيل الكلية للدراسات العليا والبحوث من2004 إلى2008م، ومن 2008 إلى الآن وهو أستاذ متفرغ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ترأس تحرير مجلة دار العلوم من 2004 إلى 2008م، واختير عضوًا في اللجنة العلمية الدائمة لترقية أساتذة اللغة العربية من 2004 إلى2008م، عمل بالعديد من الجامعات العربية، كجامعة صنعاء باليمن، ومحمد بن سعود الإسلامية، وأم القرى بالمملكة العربية السعودية، أشرف على ما يقرب من خمسين رسالة جامعية في جامعتي القاهرة وأم القرى، وشارك في مناقشة رسائل عديدة في جامعات : القاهرة – عين شمس - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض – جامعة أم القرى بمكة المكرمة – معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وشارك في لجان ترقيات أعضاء هيئة تدريس بجامعات: أم القرى، والطائف بالمملكة العربية السعودية ،وجامعة الكويت ، وجامعة عجمان بالإمارات ، وجامعة تكريت بالعراق، قام بتحكيم كتب لكلية الآداب بجامعة الملك سعود ، ومركز تحقيق التراث بجامعة أم القرى، وكلية الدراسات الإسلامية بدبي، وشارك في تحكيم بحوث لحوليات جامعة الكويت ، ومجلة الدراسات الإنسانية بالكويت،ومجلة علوم اللغة بمركز الملك فيصل بالرياض ، ومجلة كلية دار العلوم جامعة القاهرة ، ومجلة آداب القاهرة ، ومجلة الدراسات الشرقية ، ودورية الإنسانيات بآداب دمنهور، من مؤلفاته: موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع،الجملة الوصفية فى النحو العربي، مواقف النحاة من القراءات القرآنية حتى نهاية القرن الرابع الهجري، شعر أبي تمام : دراسة نحوية، الجملة الاسمية عند الأخفش الأوسط بين أقواله في (معاني القرآن) وروايات العلماء عنه، أبنية المشتقات ووظائفها في شعر الأعشى، من آراء الزجاج النحوية : قراءة في (معاني القرآن وإعرابه)،الشواهد القرآنية في لسان العرب،الإعلال والإبدال في الكلمة العربية، تصريف الأفعال في اللغة العربية، تصريف الأسماء في اللغة العربية، ومن تحقيقاته: شفاء الغليل في علم الخليل ، لمحمد بن علي المحلي المتوفى سنة 673هـ ، الجوهرة الفريدة في قافية القصيدة ، لمحمد بن علي المحلي المتوفى سنة 673هـ، نهاية الراغب في شرح عروض ابن الحاجب ، لعبد الرحيم الإسنوي المتوفى سنة 772هـ، ربط الشوارد في حل الشواهد ، لابن الحنبلي (محمد بن إبراهيم بن يوسف المتوفى سنة 971هـ)، بحر العَوّام فيما أصاب فيه العَوامّ ، لابن الحنبلي (السابق)، المجيد في إعجاز القرآن المجيد ، لابن خطيب زملكان (كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم ، المتوفى 651هـ)، الجزء التاسع من شرح السيرافي على كتاب سيبويه (بالاشتراك)، له دواوين شعرية منشورة منها: قراءة في عينَىْ حبيبتي، عاشق الوهم، بكائية للنغم النافر.
وقد أجريت مع أستاذنا حوارًا ماتعًا زاخرًا بالقضايا المهمة، والأفكار النابعة من وعي ثاقب بماضي اللغة وواقعها ومستقبلها، فإلى رِواق الحوار:
•في البداية نود أن نستهل هذا الحوار بإطلالة على أبرز الشخصيات التي أثرت في الدكتور شعبان صلاح علمًا وأدبًا وتربية.
أول شخصية أثرت في حياتي كانت جدتي لأمي،تلك التي قضيت في أحضانها طفولتي،وأمضيت معها أوليات شبابي؛فقد كانت مدرسة متنقلة في الحكم والأمثال والمواعظ والقصص،على الرغم من أنها كانت أمية،وكم لذَّ لي أن أستمع إليها وهي تتغنى ببعض المنظومات العامية التي تقدم حكمة أو تضرب مثلًا أو تبكي عزيزًا،ومن هذه السيدة بدأت محبتي للنظم وميلي للشعر وحبي للأدب على الإطلاق.
كما أنها كانت تفيض حنانا وتقطر عذوبة،بيد أنها إذا جد الجد واقتضى الموقف صرامة ظهر حينئذ حزمها وعزمها وقوة شخصيتها وقدرتها على القول الفصل،ولذا كانت شبه قاضية في بيئتها الصغيرة؛تفصل بين المتخاصمين وتعطي كل ذي حق حقه،وكان عجب الطفل فيَّ يتضاعف حين أرى الرجال يخضعون لأحكامها.
ثم انتقلت إلى الدراسة في الأزهر،فلقيت هناك كوكبة من الأساتذة يحتفون بأي بادرة موهبة عند طلابهم،فيشجعون ويوجهون ويثنون.أذكر منهم دون أن أعددهم:فضيلة الشيخ رمضان زامل مدرس العقيدة،والشاعر:محمد فريد الباز مدرس الخط العربي،والأستاذ الدكتور أحمد سكر مدرس العروض،والأستاذ الدكتور محمد العدوي مدرس البلاغة،والأستاذ الدكتور عبد الغفار هلال مدرس اللغة،وكانوا جميعًا وقت أن تلمذتُ لهم في بدايات التحاقهم بالدراسات العليا وهم مدرسون،ثم ارتقى بعضهم كما تدل ألقابهم إلى العمل بالجامعات بعد حصولهم على درجاتهم العلمية. بارك الله في عمر من بقي منهم على قيد الحياة ،ورحم من انتقل إلى جوار ربه رحمة واسعة.
وفي مرحلة الجامعة قابلت من أعلام دار العلوم من يكفي اسم أحدهم لملء الكون عطرًا،كالأستاذ علي النجدي ناصف، والأستاذ عبد العليم إبراهيم، والأستاذ الدكتور تمام حسان، والأستاذ الدكتور عبد الله درويش، والأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، والأستاذ الدكتور كمال بشر، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن السيد، والأستاذ الدكتور أمين السيد، والأستاذ الدكتور محمد عيد رحمهم الله جميعًا.
واستمتعت من شباب العلماء آنئذ بالأستاذ الدكتور علي عشري زايد رحمه الله، والأستاذ الدكتور سعد مصلوح، والأستاذ الدكتور أحمد عبد العظيم بارك الله في عمرهما.
فما فضلُ نحلَةٍ رَشَفَتْ من هذه الزهور جميعًا إن هي جادتْ ببعض العسل؟!!!
•كانت فترة دراستكم الجامعية من أخطر الفترات الفكرية والثقافية، فكيف عايشتم تلك الفترة، وإلى أي مدى شكَّلتْ وجدانكم وفكركم.
كانت فترة دراستي الجامعية مابين عامي1968م و1972م،وهي فترة كابِيَةٌ في عمر مصر؛لأنها المدة التي فصلت بين نكسة67وانتصار73.
ولا أخفي أنني كنت في هذه الفترة مثل غيري من أبناء الشعب المصري خاصة والعربي عامة أشعر بالقهر، ويعتصرني الحزن ،وتغشاني الجَهَامَةُ.
لكن بعض الومضات في هذه الفترة كانت تنبئ عن فجرٍ آت؛فقد كانت إعادة بناء القوات المسلحة على قدم وساق،وكانت بعض العمليات العسكرية الناجحة التي تتم بين آونة وأخرى على جبهة القتال ترفع من المعنويات،وفي هذا الجو المترقب فإن مهرجانات الشعر لم تنقطع،وحلقات القصة والرواية لم تتوارَ،والمسابقات الثقافية لم يخْبُ لها بريقٌ،وإصدارات الكتب المتنوعة كانت تملأ الساحة،ولذا نعمت بمناخ ثقافي جيد،وإن غلب عليه الحزن، وسيطر عليه الشجن،وأغلب إنتاجي الشعري كان وليد هذه الفترة،بصرف النظر عن تقويمي له فيما بعد بالرضا أو النفور.
• من أبرز المحطات التي توقفتم عندها وأثرت في تكوينكم بلا شك مرحلة الدراسات العليا، فكيف كانت ملامح تلك الحقبة وكيف أثرت في نفس الدكتور شعبان.
التحقت بالدراسات العليا في أواخرعام1972م بعد أن عُيِّنْتُ معيدًا في كلية دار العلوم فكان طبيعيًّا أن ألتحق بالسنة التمهيدية للماجستير،وفيها تعرفت جانبًا مُهمًّا من الجوانب العلمية لأستاذي الدكتور تمام حسان رحمه الله رحمة واسعة؛فقد جلست إليه في قاعة الدرس في مرحلة الليسانس فلم يقدم لي إلا مألوف النحو ومعروف قضاياه،لكني في الدراسات العليا دخلت معه عالمًا آخر من التساؤلات وعلامات الاستفهام،ووقفت على مكونات كتابه الرائع(اللغة العربية مبناها ومعناها)قبل أن يذيع أمره وينتشر شذاه،وبعدها أشرف على بحثي لنيل درجة الماجستير،وحالت ظروف سفره إلى(المغرب)أن يكمل معي مسيرتي،فأشرف على بحثي للدكتوراه أستاذي الدكتور عبد الله درويش رحمة الله عليه،لكن صلتي العلمية بالدكتور تمام لم تنقطع ،وما تزال قائمة بعد وفاته،وأحسب هذا الرجل وحده هو الأثر الباقي في تكويني حتى آخر لحظة من عمري،وإن لم أستطع أن أحقق لنفسي ما أبتغيه من ناتج التلمذة على أفكاره،وذلك راجع بالتأكيد لنقص فيَّ لا في أفكار أستاذي.
•بوصفكم أستاذًا للنحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم جامعة القاهرة لعدة عقود، هل كان لدار العلوم دور في تطور الدراسات النحوية، وهل حققت تلك الكلية العريقة الرسالة المنوطة بها في هذا المجال.
دار العلوم حبة في عِقْد،ومؤسسة في منظومة،ولذا يأتي جوابكم في ضوء ذلك؛فلاشك أن الدراسات النحوية في دار العلوم قد خطت خطوات فساحًا بتنوع موضوعاتها، وتعدد مناهج التناول، واختلاف مشارب الأساتذة الذين عاد بعضهم من بعثات في دول أوروبية اطلع فيها على جديد المناهج ومبتكر أساليب البحث،فنضح ذلك على طلابه الذين كونوا فيما بعد رصيد الكلية من الأساتذة الذين يشرفون على مرحلتي الماجستير والدكتوراه.
لكن دار العلوم ليست وحدها في هذا التخصص؛فمعها أقسام اللغة العربية في كليات الآداب،وكليات اللغة العربية في جامعة الأزهر،والمعاهد اللغوية في العالم العربي شرقه وغربه.وكل هذه المعاهد تجتمع مجهوداتها على تنمية البحث اللغوي وإثراء نتاجه.
لكن يبقى الاعتراف أن البحث اللغوي ليس ذا أثر واضح على المجتمع اللغوي العربي؛فهو حبيس معاهده وإن نشر،ومقصور على المختصين وإن ادُّعِيَ غير ذلك؛لأن البيئة الحاضنة ليست مؤهلة للتلقي،والتربة بوجه عام يغلب عليها البوار.
•كان لكم تجربة رائدة مساهمة في التيسير العروضي بتأليفكم لكتاب"موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع" فما الجديد الذي قدَّمه هذا الكتاب وسط الدعوات التي تنادي بالتجديد العروضي.
أولًا:كتابي(موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع) ليس كتابًا في التجديد العروضي،بقدر ما هو كتاب يبحث عن تجديد الشعراء العرب في إطار الأوزان التي أقرها الخليل منذ اخترع العروض.
ثانيًّا:ميزة كتابي بعد ما سبق-إن عُدَّتْ ميزة-أنه حاول الخروج من عباءة الشواهد العروضية إلى رحابة الشعر بتنوع أغراضه وتعدد شعرائه،فقدم نماذجه من عصور شتى ومشارب متنوعة،وأكثر منها حتى تكون رصيدًا نغميًّا لقارئه قد تعينه على تثبيت نغمة الأبحر واستيعاب موسيقاها.
ثالثًا:إنني لم أقدم فيه إلا الضروري من الزحافات والعلل التي تعتري الأشعار،وعالجتها مرتبطة بمواضعها،حتى لا ينفر الدارس من تعددها، ويفهمها حَقَّ فهمها في حَاقِّ أبحرها.
فإذا ما أثمرت محاولتي بعد ذلك تيسيرًا فهذا من فضل الله ونعمته على عبده الفقير إليه.
وقد أجريت مع أستاذنا حوارًا ماتعًا زاخرًا بالقضايا المهمة، والأفكار النابعة من وعي ثاقب بماضي اللغة وواقعها ومستقبلها، فإلى رِواق الحوار:
•في البداية نود أن نستهل هذا الحوار بإطلالة على أبرز الشخصيات التي أثرت في الدكتور شعبان صلاح علمًا وأدبًا وتربية.
أول شخصية أثرت في حياتي كانت جدتي لأمي،تلك التي قضيت في أحضانها طفولتي،وأمضيت معها أوليات شبابي؛فقد كانت مدرسة متنقلة في الحكم والأمثال والمواعظ والقصص،على الرغم من أنها كانت أمية،وكم لذَّ لي أن أستمع إليها وهي تتغنى ببعض المنظومات العامية التي تقدم حكمة أو تضرب مثلًا أو تبكي عزيزًا،ومن هذه السيدة بدأت محبتي للنظم وميلي للشعر وحبي للأدب على الإطلاق.
كما أنها كانت تفيض حنانا وتقطر عذوبة،بيد أنها إذا جد الجد واقتضى الموقف صرامة ظهر حينئذ حزمها وعزمها وقوة شخصيتها وقدرتها على القول الفصل،ولذا كانت شبه قاضية في بيئتها الصغيرة؛تفصل بين المتخاصمين وتعطي كل ذي حق حقه،وكان عجب الطفل فيَّ يتضاعف حين أرى الرجال يخضعون لأحكامها.
ثم انتقلت إلى الدراسة في الأزهر،فلقيت هناك كوكبة من الأساتذة يحتفون بأي بادرة موهبة عند طلابهم،فيشجعون ويوجهون ويثنون.أذكر منهم دون أن أعددهم:فضيلة الشيخ رمضان زامل مدرس العقيدة،والشاعر:محمد فريد الباز مدرس الخط العربي،والأستاذ الدكتور أحمد سكر مدرس العروض،والأستاذ الدكتور محمد العدوي مدرس البلاغة،والأستاذ الدكتور عبد الغفار هلال مدرس اللغة،وكانوا جميعًا وقت أن تلمذتُ لهم في بدايات التحاقهم بالدراسات العليا وهم مدرسون،ثم ارتقى بعضهم كما تدل ألقابهم إلى العمل بالجامعات بعد حصولهم على درجاتهم العلمية. بارك الله في عمر من بقي منهم على قيد الحياة ،ورحم من انتقل إلى جوار ربه رحمة واسعة.
وفي مرحلة الجامعة قابلت من أعلام دار العلوم من يكفي اسم أحدهم لملء الكون عطرًا،كالأستاذ علي النجدي ناصف، والأستاذ عبد العليم إبراهيم، والأستاذ الدكتور تمام حسان، والأستاذ الدكتور عبد الله درويش، والأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، والأستاذ الدكتور كمال بشر، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن السيد، والأستاذ الدكتور أمين السيد، والأستاذ الدكتور محمد عيد رحمهم الله جميعًا.
واستمتعت من شباب العلماء آنئذ بالأستاذ الدكتور علي عشري زايد رحمه الله، والأستاذ الدكتور سعد مصلوح، والأستاذ الدكتور أحمد عبد العظيم بارك الله في عمرهما.
فما فضلُ نحلَةٍ رَشَفَتْ من هذه الزهور جميعًا إن هي جادتْ ببعض العسل؟!!!
•كانت فترة دراستكم الجامعية من أخطر الفترات الفكرية والثقافية، فكيف عايشتم تلك الفترة، وإلى أي مدى شكَّلتْ وجدانكم وفكركم.
كانت فترة دراستي الجامعية مابين عامي1968م و1972م،وهي فترة كابِيَةٌ في عمر مصر؛لأنها المدة التي فصلت بين نكسة67وانتصار73.
ولا أخفي أنني كنت في هذه الفترة مثل غيري من أبناء الشعب المصري خاصة والعربي عامة أشعر بالقهر، ويعتصرني الحزن ،وتغشاني الجَهَامَةُ.
لكن بعض الومضات في هذه الفترة كانت تنبئ عن فجرٍ آت؛فقد كانت إعادة بناء القوات المسلحة على قدم وساق،وكانت بعض العمليات العسكرية الناجحة التي تتم بين آونة وأخرى على جبهة القتال ترفع من المعنويات،وفي هذا الجو المترقب فإن مهرجانات الشعر لم تنقطع،وحلقات القصة والرواية لم تتوارَ،والمسابقات الثقافية لم يخْبُ لها بريقٌ،وإصدارات الكتب المتنوعة كانت تملأ الساحة،ولذا نعمت بمناخ ثقافي جيد،وإن غلب عليه الحزن، وسيطر عليه الشجن،وأغلب إنتاجي الشعري كان وليد هذه الفترة،بصرف النظر عن تقويمي له فيما بعد بالرضا أو النفور.
• من أبرز المحطات التي توقفتم عندها وأثرت في تكوينكم بلا شك مرحلة الدراسات العليا، فكيف كانت ملامح تلك الحقبة وكيف أثرت في نفس الدكتور شعبان.
التحقت بالدراسات العليا في أواخرعام1972م بعد أن عُيِّنْتُ معيدًا في كلية دار العلوم فكان طبيعيًّا أن ألتحق بالسنة التمهيدية للماجستير،وفيها تعرفت جانبًا مُهمًّا من الجوانب العلمية لأستاذي الدكتور تمام حسان رحمه الله رحمة واسعة؛فقد جلست إليه في قاعة الدرس في مرحلة الليسانس فلم يقدم لي إلا مألوف النحو ومعروف قضاياه،لكني في الدراسات العليا دخلت معه عالمًا آخر من التساؤلات وعلامات الاستفهام،ووقفت على مكونات كتابه الرائع(اللغة العربية مبناها ومعناها)قبل أن يذيع أمره وينتشر شذاه،وبعدها أشرف على بحثي لنيل درجة الماجستير،وحالت ظروف سفره إلى(المغرب)أن يكمل معي مسيرتي،فأشرف على بحثي للدكتوراه أستاذي الدكتور عبد الله درويش رحمة الله عليه،لكن صلتي العلمية بالدكتور تمام لم تنقطع ،وما تزال قائمة بعد وفاته،وأحسب هذا الرجل وحده هو الأثر الباقي في تكويني حتى آخر لحظة من عمري،وإن لم أستطع أن أحقق لنفسي ما أبتغيه من ناتج التلمذة على أفكاره،وذلك راجع بالتأكيد لنقص فيَّ لا في أفكار أستاذي.
•بوصفكم أستاذًا للنحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم جامعة القاهرة لعدة عقود، هل كان لدار العلوم دور في تطور الدراسات النحوية، وهل حققت تلك الكلية العريقة الرسالة المنوطة بها في هذا المجال.
دار العلوم حبة في عِقْد،ومؤسسة في منظومة،ولذا يأتي جوابكم في ضوء ذلك؛فلاشك أن الدراسات النحوية في دار العلوم قد خطت خطوات فساحًا بتنوع موضوعاتها، وتعدد مناهج التناول، واختلاف مشارب الأساتذة الذين عاد بعضهم من بعثات في دول أوروبية اطلع فيها على جديد المناهج ومبتكر أساليب البحث،فنضح ذلك على طلابه الذين كونوا فيما بعد رصيد الكلية من الأساتذة الذين يشرفون على مرحلتي الماجستير والدكتوراه.
لكن دار العلوم ليست وحدها في هذا التخصص؛فمعها أقسام اللغة العربية في كليات الآداب،وكليات اللغة العربية في جامعة الأزهر،والمعاهد اللغوية في العالم العربي شرقه وغربه.وكل هذه المعاهد تجتمع مجهوداتها على تنمية البحث اللغوي وإثراء نتاجه.
لكن يبقى الاعتراف أن البحث اللغوي ليس ذا أثر واضح على المجتمع اللغوي العربي؛فهو حبيس معاهده وإن نشر،ومقصور على المختصين وإن ادُّعِيَ غير ذلك؛لأن البيئة الحاضنة ليست مؤهلة للتلقي،والتربة بوجه عام يغلب عليها البوار.
•كان لكم تجربة رائدة مساهمة في التيسير العروضي بتأليفكم لكتاب"موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع" فما الجديد الذي قدَّمه هذا الكتاب وسط الدعوات التي تنادي بالتجديد العروضي.
أولًا:كتابي(موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع) ليس كتابًا في التجديد العروضي،بقدر ما هو كتاب يبحث عن تجديد الشعراء العرب في إطار الأوزان التي أقرها الخليل منذ اخترع العروض.
ثانيًّا:ميزة كتابي بعد ما سبق-إن عُدَّتْ ميزة-أنه حاول الخروج من عباءة الشواهد العروضية إلى رحابة الشعر بتنوع أغراضه وتعدد شعرائه،فقدم نماذجه من عصور شتى ومشارب متنوعة،وأكثر منها حتى تكون رصيدًا نغميًّا لقارئه قد تعينه على تثبيت نغمة الأبحر واستيعاب موسيقاها.
ثالثًا:إنني لم أقدم فيه إلا الضروري من الزحافات والعلل التي تعتري الأشعار،وعالجتها مرتبطة بمواضعها،حتى لا ينفر الدارس من تعددها، ويفهمها حَقَّ فهمها في حَاقِّ أبحرها.
فإذا ما أثمرت محاولتي بعد ذلك تيسيرًا فهذا من فضل الله ونعمته على عبده الفقير إليه.

تعليق