حذف حروف المعاني للضرورة
أ.د. أحمد بن عبدالله السالم[1]
أ.د. أحمد بن عبدالله السالم[1]
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبيِّنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد:
فقد كان الدافِع وراء هذا البحث النحوي الذي عُنِي بحذف حروف المعاني للضرورة عِدَّة أسباب؛ منها:
1- الوقوف على ما وراء هذا الحذف لهذه الحروف؛ لما عُرِف عن الحذف باعتباره ظاهرة لغوية لقيت اهتمامًا بالغًا من القدماء والمحدَثين، وأنه يكون لأسباب؛ منها: الإيجاز، والاقتصار، والتخفيف، فضلاً عمَّا لقيه عند البلاغيين من اهتمام[2]، وذلك في مقابِل ما هو معروف عن الدور الكبير الذي تؤدِّيه حروف المعاني في اللغة، خاصة وأنها لا تأتي إلا لتأدِيَة معنًى من المعاني.
2- العلاقة بين المعنى الذي يأتي به الحرف من حروف المعاني في حالة ثباته في البيت وفي حالة حذفه للضرورة في البيت الشعري.
3- العلاقة بين الضرورة الشعرية في حالة حذف أحد حروف المعاني وبين اللهجات العربية.
إلى غير ذلك ممَّا أرى أنه كان دافعًا إلى الولوج إلى هذا الموضوع، والذي لقي اهتمام الباحثين من قدماء ومحدَثِين، موجهًا إلى الضرورة الشعرية وقضاياها وأنواعها[3].
ومع تقسيماتهم المتعدِّدة لها لم أقف على دراسةٍ عُنِيت بحذف حروف المعاني للضرورة الشعرية، مع ما لذلك من أهمية ترتبِط بالحرف ذاته، وما يؤدِّيه من معنى مرتبِط بالسياق، فضلاً عن أنَّ ما ورد في ذلك لم يُفرَد له عند القدماء بابٌ أو فصل، وإنما كان متفرِّقًا بين العلماء في ثنايا أقوالهم، فقد يَرِدُ عند أحدهم حرف أو حرفان وعند غيره مثله، ولم يرد عند واحدٍ منهم ذكر ربما لأكثر من حرفين من حروف المعاني في حالة حذفها للضرورة الشعرية.
وذلك في الوقت الذي أرى أن موضوع الضرورة الشعرية بكلِّ ما له وما عليه وبالرغم ممَّا كُتِب عنه وما وردت حوله من دراسات، وما انتهى إليه من معالجات - هو في حاجة ماسَّة إلى دراسة جديدة تستقرئها وتردُّها إلى أصولها، فهذه التي يسمُّونها ضرائر تلجِئ إليها طبيعةُ الشعر، ترتبِط إلى حدٍّ بعيد باللهجات العربية، خاصة إذا رأيت في تناوُلهم لبعض هذه الضرائر تردُّدهم بينها وبين اللهجة، ومن ذلك قولهم في البيت[4]:
فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ
أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُو بِأُمٍّ وَلاَ أَبِ
فالشاهد فيه إسكان الواو في (أسمو) وهو منصوب بأن، فمنهم مَن يجعل ذلك لغة، ومنهم مَن يجعله ضرورة.
أو قولهم في البيت[5]:
أَوْ بَاغِيَانِ لِبُعْرَانٍ لَنَا رَقَصَتْ
كَيْلاَ يَحُسَّانِ عَنْ بُعْرَانِنَا أَثَرَا
قال الأندلسي: "إمَّا أن يُقال: هي (كي) لغة في (كيف) أو يُقال: حذَف (فاء) كيف ضرورة"[6].
بل إن بعضهم يُصَرِّح أن بعض هذه الضرائر لهجات؛ مثلما نجد عند أبي سعيد القرشي في أرجوزته في الضرائر[7]:
وَرُبَّمَا تُصَادِفُ الضَّرُورَهْ
بَعْضَ لُغَاتِ العَرَبِ المَشْهُورَهْ
وهم يعدُّون من الضرائر صرف الممنوع، وقصر الممدود، والوقف على المنوَّن المنصوب بحذف الألف، وحذف النون من اللذَين واللتَين والذين... إلى غير ذلك.
ولسوف يظهر لك أن هذه الظواهر كلها لهجات وردت بها قراءات قرآنية.
ويدعم ما أصبُو إليه ما عُرِف عن النُّحَاة من أنهم لم ينسبوا معظم الاستعمالات اللغوية إلى أصحابها، ولم يحدِّدوا البيئة اللغوية التي يستَقُون منها مادَّتهم العلمية تحديدًا دقيقًا، غاية الأمر أنهم فضَّلوا بعض القبائل على بعضها الآخر؛ لأمورٍ تخضَع لمعيارٍ ذاتي يختلف من شخصٍ لآخر، وهو الفصاحة، كما كانت محاولة طرد القاعدة النحوية وراء كثيرٍ من الأحكام التي أطلَقَها النُّحَاة على بعض الاستعمالات اللهجية؛ كالرداءة، والضعف، والضرورة... إلى غير ذلك.
ولقد كان من الممكن أن يكون هذا التصرُّف مقبولاً لو أنهم قصَرُوا التقعيد النحوي على لغة القرآن الكريم وحده بوصفه ممثِّلاً للغة المشتركة بين العرب جميعًا، ولكن الواقع أنهم يُنكِرون بعض الاستعمالات القرآنية في قراءة الجماعة، فضلاً عن القراءات الأخرى[8]، وعلى ما سيتَّضح من هذا البحث - إن شاء الله.
ولمَّا كنت قد توكَّلت على الله وعقدت العزم على أن تكون بداية رحلتي مع هذه الظاهرة من خلال حذف حروف المعاني للضرورة، فقد رأيت أنَّ أمْثَل طريقةٍ للمعالجة يمكن أن تكون من خلال ما يلي:
1- الضرورة وقضاياها بين القدماء والمحدَثِين:
ويدور البحث فيه حول الضرورة الشعرية وتعريفها، وهل هي رخصة للشاعر، وما ورد من أقوالٍ للغويين والنُّحَاة بصددها، وموقف النُّحَاة من الاستقراء ومصادر الاستشهاد فيما يتَّصل بمواطن الضرورة في شعر الشعراء، وقضايا الضرورة أو أنواعها، على ما ورد في ذلك عند اللغويين والنُّحَاة، والدراسات التي عرَضَت لها عند القدماء والمحدَثِين فيما وقفت عليه.
2- حذف حروف المعاني للضرورة:
ويتناول:
أ- الحروف الأحادية: وهي:
1- الهمزة.
2- الباء.
3- الفاء.
4- اللام: وهي:
أ- لام الطلب.
ب- لام الجواب.
5- النون: وهي:
أ- نون التوكيد.
1- الخفيفة.
2- الثقيلة.
ب- نون الوقاية.
ج- نونَا التثنية والجمع.
6- واو العطف.
ب- الحروف الثنائية: وهي:
1- (أن) الناصبة.
2- (في) الجارة.
3- (لا) العاملة عمل (ليس).
جـ- الحروف الثلاثية: وهي:
1- (إلى) الجارة.
2- (رُبَّ) الجارة.
3- (على) الجارة.
ثم الخاتمة، وبها أهم ما وقفت عليه من نتائج، وبعدها ثبت المصادر والمراجع.
وأُقِرُّ هنا بأنها محاولة، فإن أصبتُ فبها ونعمت، وإن كانت الأخرى فالكمالُ لله وحده، عليه توكَّلت وإليه أنيب وهو رب العرش العظيم.
أولاً: الضرورة وقضاياها بين القدماء والمحدَثِين:
آثَرت أن يكون حديثي هنا عن الضرورة الشعرية وقضاياها بين القدماء والمحدَثِين في شيءٍ من الإيجاز؛ وذلك لأنه من الأمور التي سبَق أن طرَقَها الباحثون، ووقوفنا عليها لأمرٍ تدعو إليه حاجتنا للقضية التي نحن بصددها، وهي ممَّا لم يُطرَق أو يُعالَج على نحو ما أنا بصدده في هذا البحث، وهو خصوصية القول حول حذف حروف المعاني للضرورة الشعرية، على ما سوف يتَّضح في إطار ما وضعت من تساؤلات حِيال هذا الأمر.
فالضرورة الشعرية في أقرب تعريفاتها: هي الخروج على القاعدة النحوية والصرفية في الشعر خاصة لإقامة الوزن وتسوية القافية.
وقد ذهب البعض إلى أنها تُعَدُّ رخصةً للشاعر، فهذا ابن رشيق القيرواني قد صرَّح بذلك حينما عقد في "عمدته" (باب الرخص في الشعر) وقال: "وأذكر ها هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطرَّ إليه"[9].
وكذلك السيوطي؛ إذ جعل الحكم النحوي ينقسم "إلى رخصة وغيرها، والرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر"[10].
على أن التعبير بالجواز ابتداءً من سيبويه يُشعِر بالترخيص في ذلك على ما سوف أوضحه - إن شاء الله - ويقول إبراهيم أنيس: "فليست الضرورات الشعرية إلا رخصًا مُنِحَتْ للشعراء حين ينظِمون"[11].
في الوقت الذي نجد من القدماء مَن يرفض الضرورة، وبالتالي لا يعدُّها رخصةً للشاعر على ما سنعرف ممَّا ورد في رأي ابن فارس وغيره.
ومن المحدَثِين مَن صرَّح برفض ما يُطلَق عليه رخصة، ومنهم رمضان عبدالتواب وهو بصدد حديثه عن (ضرورة الشعر والخطأ في اللغة) الذي يقول: "ويهمُّنا في نهاية هذا الفصل أن نؤكِّد أنه لا صحَّة لما يتردَّد على ألسنة القوم من أن الضرورة الشعرية رخصة للشاعر يرتكبها متى أراد؛ لأن معنى هذا الكلام: أن الشاعر يُباح له عن عمدٍ مخالفة المألوف من القواعد، وهو ما يتعارَض مع ما وصَل إلينا من أخبار الشعراء في القديم"[12].
ويُضِيف: "كما يهمُّنا أن نؤكِّد مرَّة أخرى أن هذه الضرورات التي أشرنا إلى أهمها هنا ليست إلا أخطاء في اللغة، وخروجًا على النظام المألوف في العربية، شعرها ونثرها... بدليل ورود الآلاف من الأمثلة الصحيحة لهذه الظواهر في الشعر نفسه"[13].
فالحديث عن الضرورة يقضِي بضرورة التعرُّض للقاعدة بمراحلها المختلفة؛ من استقراء وتقييم، وتجريد وتقعيد، وموقف النُّحَاة من كلٍّ منها حتى تصل إلى قانون عام تندرج تحته مجموعة من الجزئيات المشتَرَكة في الخصائص والسِّمَات، وتخرج عليه بعض الجزئيات الأخرى، والتي يَعُدُّ النُّحَاة بعضها شاذًّا والآخَر ضرورة، إلى غير ذلك ممَّا يتَّصل بالقاعدة.
فالاستقراء هو أوَّل مراحل القاعدة، وكان للنحاة موقفهم منه، وخاصة فيما يتَّصل بمصادر الاستشهاد؛ حيث ضيَّقوا على أنفسهم مصادر الاحتجاج والاستشهاد؛ فوقعوا نتيجةً لذلك في إصدار أحكامٍ بالشذوذ والندرة والضرورة، على ما كان منهم من تخريجهم لكثيرٍ من القراءات القرآنية على أبياتٍ عَدُّوها هم من ضرائر الشعر، وكان الواجب عليهم أن ينظروا إلى هذه الأبيات على أنها ليست من الضرورة؛ لورود الظواهر التي اشتَمَلتْ عليها في أفضل نص وأبلغه وهو القرآن الكريم، ومن الأمثلة على ذلك:
قراءة أبي عمرو بن العلاء[14] لقوله - تعالى -: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ ﴾ [البقرة: 54] بإسكان الهمزة.
تخرج على قول جرير[15]:
سِيرُوا بَنِي العَمِّ فَالأَهْوَازُ مَوْعِدُكُمْ
وَنَهْرُ تِبْرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
وقول امرئ القيس[16]:
فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
إِثْمًا مِنَ اللهِ وَلاَ وَاغِلِ
وكان الأولى ألاَّ يعد ما في هذين البيتين ضرورة؛ لورود مثله[17] في القراءة القرآنية، عملاً بالمبدأ الذي قرَّروه من جواز الاستشهاد بالقراءات صحيحها وشاذِّها؛ قال السيوطي: "وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذَّة لا أعلم فيه خلافًا بين النُّحَاة"[18].
فموقف النُّحَاة من مصادر الاستشهاد وموقفهم من القاعدة بوجهٍ عام ونظرتهم إليها على أنها قانون يجب أن يلتزِم به المتكلِّمون، ساعدت جميعًا على وجود ما أطلق عليه النُّحَاة أنه ضرورة شعرية، في حين أنه لو نظَر النُّحَاة إلى مصادر الاستشهاد نظرة موضوعية لا تختلف من اتِّجاه ذاتي إلى آخَر مطبِّقين الأصول التي حدَّدوها للاستشهاد، لَمَا كثرت هذه الضرورات تلك الكثرة التي تجعل جزءًا كبيرًا من اللغة خاضعًا لضغوط الوزن واضطرار القافية.
فهي عند سيبويه وإن لم يصرِّح بمصطلح الضرورة إلاَّ أنه اكتفى بتعبيرٍ يؤدِّي إلى معناه دون التصريح باللفظ، وذلك من خلال تناوله لبعض المسائل في "كتابه" من خلال الباب الذي عقَدَه في أوَّل "الكتاب" بعنوان: (باب ما يحتمل الشعر)؛ إذ يقول في أوَّله: "اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف يشبِّهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء، وحذف ما لا يُحذَف يشبِّهونه بما قد حُذِف واستُعمِل محذوفًا"[19].
ويمضي في ذكر أبيات يستشهد بها إلى أن يقول: "وقد يبلغون بالمعتل الأصل، فيقولون رادِد في رادٍّ، وضَنِنُوا في ضنُّوا، ومررتم بجواري قبل"[20].
ثم يقول بعد ذلك: "وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفًا بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك قول المرَّار بن سلامة العجلي[21]:
وَلاَ يَنْطِقُ الفَحْشَاءَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُ
إِذَا جَلَسُوا مِنَّا وَلاَ مِنْ سَوَائِنَا
وقال الأعشى[22]:
....................................
وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسِوَائِكَا
وقال خِطام المجاشعي[23]:
وَصَالِيَاتٌ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ
فعلوا ذلك لأن معنى سواء معنى غيرٍ، ومعنى الكاف معنى مثلٍ"[24].
ثم تناوَل بعض أنواع الضرورة بعد ذلك في "باب ما رخمت الشعراء في غير النداء اضطرارًا"[25].
أمَّا بعد:
فقد كان الدافِع وراء هذا البحث النحوي الذي عُنِي بحذف حروف المعاني للضرورة عِدَّة أسباب؛ منها:
1- الوقوف على ما وراء هذا الحذف لهذه الحروف؛ لما عُرِف عن الحذف باعتباره ظاهرة لغوية لقيت اهتمامًا بالغًا من القدماء والمحدَثين، وأنه يكون لأسباب؛ منها: الإيجاز، والاقتصار، والتخفيف، فضلاً عمَّا لقيه عند البلاغيين من اهتمام[2]، وذلك في مقابِل ما هو معروف عن الدور الكبير الذي تؤدِّيه حروف المعاني في اللغة، خاصة وأنها لا تأتي إلا لتأدِيَة معنًى من المعاني.
2- العلاقة بين المعنى الذي يأتي به الحرف من حروف المعاني في حالة ثباته في البيت وفي حالة حذفه للضرورة في البيت الشعري.
3- العلاقة بين الضرورة الشعرية في حالة حذف أحد حروف المعاني وبين اللهجات العربية.
إلى غير ذلك ممَّا أرى أنه كان دافعًا إلى الولوج إلى هذا الموضوع، والذي لقي اهتمام الباحثين من قدماء ومحدَثِين، موجهًا إلى الضرورة الشعرية وقضاياها وأنواعها[3].
ومع تقسيماتهم المتعدِّدة لها لم أقف على دراسةٍ عُنِيت بحذف حروف المعاني للضرورة الشعرية، مع ما لذلك من أهمية ترتبِط بالحرف ذاته، وما يؤدِّيه من معنى مرتبِط بالسياق، فضلاً عن أنَّ ما ورد في ذلك لم يُفرَد له عند القدماء بابٌ أو فصل، وإنما كان متفرِّقًا بين العلماء في ثنايا أقوالهم، فقد يَرِدُ عند أحدهم حرف أو حرفان وعند غيره مثله، ولم يرد عند واحدٍ منهم ذكر ربما لأكثر من حرفين من حروف المعاني في حالة حذفها للضرورة الشعرية.
وذلك في الوقت الذي أرى أن موضوع الضرورة الشعرية بكلِّ ما له وما عليه وبالرغم ممَّا كُتِب عنه وما وردت حوله من دراسات، وما انتهى إليه من معالجات - هو في حاجة ماسَّة إلى دراسة جديدة تستقرئها وتردُّها إلى أصولها، فهذه التي يسمُّونها ضرائر تلجِئ إليها طبيعةُ الشعر، ترتبِط إلى حدٍّ بعيد باللهجات العربية، خاصة إذا رأيت في تناوُلهم لبعض هذه الضرائر تردُّدهم بينها وبين اللهجة، ومن ذلك قولهم في البيت[4]:
فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ
أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُو بِأُمٍّ وَلاَ أَبِ
فالشاهد فيه إسكان الواو في (أسمو) وهو منصوب بأن، فمنهم مَن يجعل ذلك لغة، ومنهم مَن يجعله ضرورة.
أو قولهم في البيت[5]:
أَوْ بَاغِيَانِ لِبُعْرَانٍ لَنَا رَقَصَتْ
كَيْلاَ يَحُسَّانِ عَنْ بُعْرَانِنَا أَثَرَا
قال الأندلسي: "إمَّا أن يُقال: هي (كي) لغة في (كيف) أو يُقال: حذَف (فاء) كيف ضرورة"[6].
بل إن بعضهم يُصَرِّح أن بعض هذه الضرائر لهجات؛ مثلما نجد عند أبي سعيد القرشي في أرجوزته في الضرائر[7]:
وَرُبَّمَا تُصَادِفُ الضَّرُورَهْ
بَعْضَ لُغَاتِ العَرَبِ المَشْهُورَهْ
وهم يعدُّون من الضرائر صرف الممنوع، وقصر الممدود، والوقف على المنوَّن المنصوب بحذف الألف، وحذف النون من اللذَين واللتَين والذين... إلى غير ذلك.
ولسوف يظهر لك أن هذه الظواهر كلها لهجات وردت بها قراءات قرآنية.
ويدعم ما أصبُو إليه ما عُرِف عن النُّحَاة من أنهم لم ينسبوا معظم الاستعمالات اللغوية إلى أصحابها، ولم يحدِّدوا البيئة اللغوية التي يستَقُون منها مادَّتهم العلمية تحديدًا دقيقًا، غاية الأمر أنهم فضَّلوا بعض القبائل على بعضها الآخر؛ لأمورٍ تخضَع لمعيارٍ ذاتي يختلف من شخصٍ لآخر، وهو الفصاحة، كما كانت محاولة طرد القاعدة النحوية وراء كثيرٍ من الأحكام التي أطلَقَها النُّحَاة على بعض الاستعمالات اللهجية؛ كالرداءة، والضعف، والضرورة... إلى غير ذلك.
ولقد كان من الممكن أن يكون هذا التصرُّف مقبولاً لو أنهم قصَرُوا التقعيد النحوي على لغة القرآن الكريم وحده بوصفه ممثِّلاً للغة المشتركة بين العرب جميعًا، ولكن الواقع أنهم يُنكِرون بعض الاستعمالات القرآنية في قراءة الجماعة، فضلاً عن القراءات الأخرى[8]، وعلى ما سيتَّضح من هذا البحث - إن شاء الله.
ولمَّا كنت قد توكَّلت على الله وعقدت العزم على أن تكون بداية رحلتي مع هذه الظاهرة من خلال حذف حروف المعاني للضرورة، فقد رأيت أنَّ أمْثَل طريقةٍ للمعالجة يمكن أن تكون من خلال ما يلي:
1- الضرورة وقضاياها بين القدماء والمحدَثِين:
ويدور البحث فيه حول الضرورة الشعرية وتعريفها، وهل هي رخصة للشاعر، وما ورد من أقوالٍ للغويين والنُّحَاة بصددها، وموقف النُّحَاة من الاستقراء ومصادر الاستشهاد فيما يتَّصل بمواطن الضرورة في شعر الشعراء، وقضايا الضرورة أو أنواعها، على ما ورد في ذلك عند اللغويين والنُّحَاة، والدراسات التي عرَضَت لها عند القدماء والمحدَثِين فيما وقفت عليه.
2- حذف حروف المعاني للضرورة:
ويتناول:
أ- الحروف الأحادية: وهي:
1- الهمزة.
2- الباء.
3- الفاء.
4- اللام: وهي:
أ- لام الطلب.
ب- لام الجواب.
5- النون: وهي:
أ- نون التوكيد.
1- الخفيفة.
2- الثقيلة.
ب- نون الوقاية.
ج- نونَا التثنية والجمع.
6- واو العطف.
ب- الحروف الثنائية: وهي:
1- (أن) الناصبة.
2- (في) الجارة.
3- (لا) العاملة عمل (ليس).
جـ- الحروف الثلاثية: وهي:
1- (إلى) الجارة.
2- (رُبَّ) الجارة.
3- (على) الجارة.
ثم الخاتمة، وبها أهم ما وقفت عليه من نتائج، وبعدها ثبت المصادر والمراجع.
وأُقِرُّ هنا بأنها محاولة، فإن أصبتُ فبها ونعمت، وإن كانت الأخرى فالكمالُ لله وحده، عليه توكَّلت وإليه أنيب وهو رب العرش العظيم.
أولاً: الضرورة وقضاياها بين القدماء والمحدَثِين:
آثَرت أن يكون حديثي هنا عن الضرورة الشعرية وقضاياها بين القدماء والمحدَثِين في شيءٍ من الإيجاز؛ وذلك لأنه من الأمور التي سبَق أن طرَقَها الباحثون، ووقوفنا عليها لأمرٍ تدعو إليه حاجتنا للقضية التي نحن بصددها، وهي ممَّا لم يُطرَق أو يُعالَج على نحو ما أنا بصدده في هذا البحث، وهو خصوصية القول حول حذف حروف المعاني للضرورة الشعرية، على ما سوف يتَّضح في إطار ما وضعت من تساؤلات حِيال هذا الأمر.
فالضرورة الشعرية في أقرب تعريفاتها: هي الخروج على القاعدة النحوية والصرفية في الشعر خاصة لإقامة الوزن وتسوية القافية.
وقد ذهب البعض إلى أنها تُعَدُّ رخصةً للشاعر، فهذا ابن رشيق القيرواني قد صرَّح بذلك حينما عقد في "عمدته" (باب الرخص في الشعر) وقال: "وأذكر ها هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطرَّ إليه"[9].
وكذلك السيوطي؛ إذ جعل الحكم النحوي ينقسم "إلى رخصة وغيرها، والرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر"[10].
على أن التعبير بالجواز ابتداءً من سيبويه يُشعِر بالترخيص في ذلك على ما سوف أوضحه - إن شاء الله - ويقول إبراهيم أنيس: "فليست الضرورات الشعرية إلا رخصًا مُنِحَتْ للشعراء حين ينظِمون"[11].
في الوقت الذي نجد من القدماء مَن يرفض الضرورة، وبالتالي لا يعدُّها رخصةً للشاعر على ما سنعرف ممَّا ورد في رأي ابن فارس وغيره.
ومن المحدَثِين مَن صرَّح برفض ما يُطلَق عليه رخصة، ومنهم رمضان عبدالتواب وهو بصدد حديثه عن (ضرورة الشعر والخطأ في اللغة) الذي يقول: "ويهمُّنا في نهاية هذا الفصل أن نؤكِّد أنه لا صحَّة لما يتردَّد على ألسنة القوم من أن الضرورة الشعرية رخصة للشاعر يرتكبها متى أراد؛ لأن معنى هذا الكلام: أن الشاعر يُباح له عن عمدٍ مخالفة المألوف من القواعد، وهو ما يتعارَض مع ما وصَل إلينا من أخبار الشعراء في القديم"[12].
ويُضِيف: "كما يهمُّنا أن نؤكِّد مرَّة أخرى أن هذه الضرورات التي أشرنا إلى أهمها هنا ليست إلا أخطاء في اللغة، وخروجًا على النظام المألوف في العربية، شعرها ونثرها... بدليل ورود الآلاف من الأمثلة الصحيحة لهذه الظواهر في الشعر نفسه"[13].
فالحديث عن الضرورة يقضِي بضرورة التعرُّض للقاعدة بمراحلها المختلفة؛ من استقراء وتقييم، وتجريد وتقعيد، وموقف النُّحَاة من كلٍّ منها حتى تصل إلى قانون عام تندرج تحته مجموعة من الجزئيات المشتَرَكة في الخصائص والسِّمَات، وتخرج عليه بعض الجزئيات الأخرى، والتي يَعُدُّ النُّحَاة بعضها شاذًّا والآخَر ضرورة، إلى غير ذلك ممَّا يتَّصل بالقاعدة.
فالاستقراء هو أوَّل مراحل القاعدة، وكان للنحاة موقفهم منه، وخاصة فيما يتَّصل بمصادر الاستشهاد؛ حيث ضيَّقوا على أنفسهم مصادر الاحتجاج والاستشهاد؛ فوقعوا نتيجةً لذلك في إصدار أحكامٍ بالشذوذ والندرة والضرورة، على ما كان منهم من تخريجهم لكثيرٍ من القراءات القرآنية على أبياتٍ عَدُّوها هم من ضرائر الشعر، وكان الواجب عليهم أن ينظروا إلى هذه الأبيات على أنها ليست من الضرورة؛ لورود الظواهر التي اشتَمَلتْ عليها في أفضل نص وأبلغه وهو القرآن الكريم، ومن الأمثلة على ذلك:
قراءة أبي عمرو بن العلاء[14] لقوله - تعالى -: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ ﴾ [البقرة: 54] بإسكان الهمزة.
تخرج على قول جرير[15]:
سِيرُوا بَنِي العَمِّ فَالأَهْوَازُ مَوْعِدُكُمْ
وَنَهْرُ تِبْرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
وقول امرئ القيس[16]:
فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
إِثْمًا مِنَ اللهِ وَلاَ وَاغِلِ
وكان الأولى ألاَّ يعد ما في هذين البيتين ضرورة؛ لورود مثله[17] في القراءة القرآنية، عملاً بالمبدأ الذي قرَّروه من جواز الاستشهاد بالقراءات صحيحها وشاذِّها؛ قال السيوطي: "وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذَّة لا أعلم فيه خلافًا بين النُّحَاة"[18].
فموقف النُّحَاة من مصادر الاستشهاد وموقفهم من القاعدة بوجهٍ عام ونظرتهم إليها على أنها قانون يجب أن يلتزِم به المتكلِّمون، ساعدت جميعًا على وجود ما أطلق عليه النُّحَاة أنه ضرورة شعرية، في حين أنه لو نظَر النُّحَاة إلى مصادر الاستشهاد نظرة موضوعية لا تختلف من اتِّجاه ذاتي إلى آخَر مطبِّقين الأصول التي حدَّدوها للاستشهاد، لَمَا كثرت هذه الضرورات تلك الكثرة التي تجعل جزءًا كبيرًا من اللغة خاضعًا لضغوط الوزن واضطرار القافية.
فهي عند سيبويه وإن لم يصرِّح بمصطلح الضرورة إلاَّ أنه اكتفى بتعبيرٍ يؤدِّي إلى معناه دون التصريح باللفظ، وذلك من خلال تناوله لبعض المسائل في "كتابه" من خلال الباب الذي عقَدَه في أوَّل "الكتاب" بعنوان: (باب ما يحتمل الشعر)؛ إذ يقول في أوَّله: "اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف يشبِّهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء، وحذف ما لا يُحذَف يشبِّهونه بما قد حُذِف واستُعمِل محذوفًا"[19].
ويمضي في ذكر أبيات يستشهد بها إلى أن يقول: "وقد يبلغون بالمعتل الأصل، فيقولون رادِد في رادٍّ، وضَنِنُوا في ضنُّوا، ومررتم بجواري قبل"[20].
ثم يقول بعد ذلك: "وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفًا بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك قول المرَّار بن سلامة العجلي[21]:
وَلاَ يَنْطِقُ الفَحْشَاءَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُ
إِذَا جَلَسُوا مِنَّا وَلاَ مِنْ سَوَائِنَا
وقال الأعشى[22]:
....................................
وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسِوَائِكَا
وقال خِطام المجاشعي[23]:
وَصَالِيَاتٌ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ
فعلوا ذلك لأن معنى سواء معنى غيرٍ، ومعنى الكاف معنى مثلٍ"[24].
ثم تناوَل بعض أنواع الضرورة بعد ذلك في "باب ما رخمت الشعراء في غير النداء اضطرارًا"[25].

تعليق