صنَّاجة العرب
مقال السيد الأستاذ الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع القاهرة عن الشاعر الكبير الراحل الأستاذ فاروق شوشة الأمين العام للمجمع
أُطلِقَ هذا اللقب قديمًا على أعشى قيس لجودة شعره، وصلاحيته للتغني، وأحسب أن القراء العرب يتفقون معي في إطلاق هذا الوصف من جديد على أندى وأعذب صوت صافح الأذن العربية حديثًا على مدى ستين عامًا تمامًا، صوت فقيد العربية الراحل فاروق شوشة.
لقد عبَّر عن ذلك بصدق وشفافية كلمات الكاتب الأديب إيهاب الملاح فى وداعه:
«بسبب صوت فاروق شوشة، الذي كان يتهادى عبر الأثير، بعمقه ونبراته الواثقة الهادئة المتأنية، وبإشعاع حروف العربية وتوهجها، نشأت أجيال على محبة الشعر العربي واللغة العربية، أجيال كاملة سعت إلى احتراف العمل الإذاعي وتقديم البرامج الثقافية؛ بسبب فاروق شوشة».
واريتُه الثرى عصر يوم الجمعة، فى التربة المصرية المباركة التي أنبتته، بقرية الشعراء من ضواحي دمياط على شاطئ بحر التاريخ والثقافة، الذي شهد موجاتهما العاتية فى الاتجاهين منذ آلاف السنين؛ التربة الخصبة التي أنبتت بنت الشاطئ، وشوقي ضيف شيخ مؤرخي الأدب ورئيس مجمع الخالدين، ومحمود حافظ شيخ المجمعَيْنِ العلمي واللغوي، وعلي مشرفة الذي شرَّف مصر ورفع اسمها في العالمين، وعبدالرحمن بدوي المفكر الفيلسوف الذي عَرَفَت له قَدْرَه كلُّ الأوساط الفكرية في العالم، وجلال الدين الحمامصي أحد أبرز النقباء والكتاب الصحفيين في العالم العربي، كما قدمت للفكر الديني شرف الدين الدمياطي وأقرانه في القديم، وأسرة الخضري في الحديث، وأحمد بدوي وكيل دار العلوم من شيوخنا المعاصرين، وفاروق شوشة بتقدمته الروحية لأذان الجمعة كل أسبوع في الإذاعة المصرية، حبذا لو وجدت من يجمعها، كما جمعت مواد «لغتنا الجميلة» بجهود خليجية مشكورة.
***
لقد حظى فاروق شوشة في هذه التربة المباركة بمدرسته الأولى مكتبة أبيه المعلم المثقف، ثم مدرسة دمياط الثانوية، التي تأكد فيها عشقه للشعر وللعربية الجميلة بصحبة الشاعر الدمياطي الدرعمي الموهوب طاهر أبو فاشا، صاحب البرنامج الأشهر «ألف ليلة وليلة» في إذاعة مصر، وأحسب أنه يرجع إليه الفضل أيضًا في نمو حاسته الإذاعية، التي اجتذبته إلى رحاب «الشريفين» منذ عام 1958، إلى أن صار رئيس الإذاعة المصرية عام 1994، وقد كان يحدثني ــ رحمه الله ــ كيف كان هذا الأستاذ الغريب الأطوار يعلمهم بالتمثيل والنشيد والحركة معاني الأبيات الشعرية، وما جاء فيها على ألسنة الجن، حتى يخرج مدير المدرسة من مكتبه فزعًا لدى سماعه هزيع الجن من أصوات هؤلاء العفاريت الصغار.
بانتقال الفتى إلى بيئة القاهرة، بندواتها، وجمعياتها الأدبية والشعرية، وصالوناتها الثقافية، بدأت مرحلة جديدة تفتقت فيها أكمام موهبته الشعرية، وصقلت فيها أدواته الفنية، وتعمقت فيها ثقافته اللغوية والأدبية، وخاصة على يد شيوخ دار العلوم، في اللسانيات المعاصرة من إبراهيم أنيس وتمام حسان وعبدالرحمن أيوب، وفي الفكر الفلسفي من إبراهيم اللبان ومحمود قاسم، وفي الأدب واللغة من الشاعر علي الجندي والمحاضر علي الجندي، والنحاة عباس حسن وعلي النجدي ناصف والشيخ الصوالحي، والنقد المعاصر من غنيمي هلال والكفراوي وأحمد هيكل، وكان الجو الإبداعي في الكلية مجالاً حيويًّا صال فيه الفتى وجال، حتى تخرج فيها عام 1956م، ودرس التربية ونمى محصوله فى الإنجليزية، مع إلمام تام بالفرنسية؛ فاستقامت له ثقافة معاصرة وتتوج موروثه بدءًا من الشعر الجاهلي حتى أحمد شوقي الذي كان يكاد يحفظ كل إنتاجه الشعري - رحمه الله -.
كل أولئك أتاح له دخول الإذاعة المصرية من أوسع أبوابها عام 1958، ليشرب المهنة مع الحديدي، ويتعاين ثقافيًّا وفنيًّا مع محمود حسن إسماعيل، ويطالع الناس في منتصف الستينيات بــ «لغتنا الجميلة» الذي به عرفه كل المستمعين العرب من المحيط إلى الخليج، حتى كاد يغطي على عبقريته الحوارية في «الأمسيات الثقافية»، وعلى إسهاماته الصحفية في مصر والخارج، وبخاصة الكويت التي حظيت به حينًا، وفي الإمارات التي رأس فيها لجنة حماية اللغة العربية.
***
ومنذ منتصف الستينيات توالت دواوينه الشعرية حتى بلغت خمسة عشر ديوانًا، بمعدل ديوان كل ثلاث سنوات تقريبًا وهي خصوبة ملحوظة، وذلك برغم انشغاله بالعمل الإذاعي والإداري؛ إذ عمل ــ بعد التقاعد ــ أستاذًا للأدب في الجامعة الأمريكية، بما تطلبته من دراسات واختيارات متعددة في شعر الحب، والمديح النبوي وغيرهما.
وفي شعره سمات تميزه وتقرِبه من الحداثة، وإن أمكن انخراطه فى مدرسة دار العلوم الشعرية التي بدأت بالجارم، وأفضت إليه بطعم حداثي، وقد عُني كما فعل مثله الأعلى شوقي بشعر الأطفال، ونظم أكثر من ثلاثة دواوين يخاطب الجيل الجديد في أشخاص حفدته.
والشاعر أعظم وأهم أبعاد شخصيته الإبداعية، بالرغم من عبقريته الإعلامية والنقدية، وكلها تحتاج إلى الدرس المتخصص، وقد يكون للقارئ بعد هذه الرحلة في صحبة فقيدنا الراحل سؤال حول «ماذا عنه مجمعيًّا؟» فأقول: إن «الإجابة تحتاج إلى مقال آخر».
.
مقال السيد الأستاذ الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع القاهرة عن الشاعر الكبير الراحل الأستاذ فاروق شوشة الأمين العام للمجمع
أُطلِقَ هذا اللقب قديمًا على أعشى قيس لجودة شعره، وصلاحيته للتغني، وأحسب أن القراء العرب يتفقون معي في إطلاق هذا الوصف من جديد على أندى وأعذب صوت صافح الأذن العربية حديثًا على مدى ستين عامًا تمامًا، صوت فقيد العربية الراحل فاروق شوشة.
لقد عبَّر عن ذلك بصدق وشفافية كلمات الكاتب الأديب إيهاب الملاح فى وداعه:
«بسبب صوت فاروق شوشة، الذي كان يتهادى عبر الأثير، بعمقه ونبراته الواثقة الهادئة المتأنية، وبإشعاع حروف العربية وتوهجها، نشأت أجيال على محبة الشعر العربي واللغة العربية، أجيال كاملة سعت إلى احتراف العمل الإذاعي وتقديم البرامج الثقافية؛ بسبب فاروق شوشة».
واريتُه الثرى عصر يوم الجمعة، فى التربة المصرية المباركة التي أنبتته، بقرية الشعراء من ضواحي دمياط على شاطئ بحر التاريخ والثقافة، الذي شهد موجاتهما العاتية فى الاتجاهين منذ آلاف السنين؛ التربة الخصبة التي أنبتت بنت الشاطئ، وشوقي ضيف شيخ مؤرخي الأدب ورئيس مجمع الخالدين، ومحمود حافظ شيخ المجمعَيْنِ العلمي واللغوي، وعلي مشرفة الذي شرَّف مصر ورفع اسمها في العالمين، وعبدالرحمن بدوي المفكر الفيلسوف الذي عَرَفَت له قَدْرَه كلُّ الأوساط الفكرية في العالم، وجلال الدين الحمامصي أحد أبرز النقباء والكتاب الصحفيين في العالم العربي، كما قدمت للفكر الديني شرف الدين الدمياطي وأقرانه في القديم، وأسرة الخضري في الحديث، وأحمد بدوي وكيل دار العلوم من شيوخنا المعاصرين، وفاروق شوشة بتقدمته الروحية لأذان الجمعة كل أسبوع في الإذاعة المصرية، حبذا لو وجدت من يجمعها، كما جمعت مواد «لغتنا الجميلة» بجهود خليجية مشكورة.
***
لقد حظى فاروق شوشة في هذه التربة المباركة بمدرسته الأولى مكتبة أبيه المعلم المثقف، ثم مدرسة دمياط الثانوية، التي تأكد فيها عشقه للشعر وللعربية الجميلة بصحبة الشاعر الدمياطي الدرعمي الموهوب طاهر أبو فاشا، صاحب البرنامج الأشهر «ألف ليلة وليلة» في إذاعة مصر، وأحسب أنه يرجع إليه الفضل أيضًا في نمو حاسته الإذاعية، التي اجتذبته إلى رحاب «الشريفين» منذ عام 1958، إلى أن صار رئيس الإذاعة المصرية عام 1994، وقد كان يحدثني ــ رحمه الله ــ كيف كان هذا الأستاذ الغريب الأطوار يعلمهم بالتمثيل والنشيد والحركة معاني الأبيات الشعرية، وما جاء فيها على ألسنة الجن، حتى يخرج مدير المدرسة من مكتبه فزعًا لدى سماعه هزيع الجن من أصوات هؤلاء العفاريت الصغار.
بانتقال الفتى إلى بيئة القاهرة، بندواتها، وجمعياتها الأدبية والشعرية، وصالوناتها الثقافية، بدأت مرحلة جديدة تفتقت فيها أكمام موهبته الشعرية، وصقلت فيها أدواته الفنية، وتعمقت فيها ثقافته اللغوية والأدبية، وخاصة على يد شيوخ دار العلوم، في اللسانيات المعاصرة من إبراهيم أنيس وتمام حسان وعبدالرحمن أيوب، وفي الفكر الفلسفي من إبراهيم اللبان ومحمود قاسم، وفي الأدب واللغة من الشاعر علي الجندي والمحاضر علي الجندي، والنحاة عباس حسن وعلي النجدي ناصف والشيخ الصوالحي، والنقد المعاصر من غنيمي هلال والكفراوي وأحمد هيكل، وكان الجو الإبداعي في الكلية مجالاً حيويًّا صال فيه الفتى وجال، حتى تخرج فيها عام 1956م، ودرس التربية ونمى محصوله فى الإنجليزية، مع إلمام تام بالفرنسية؛ فاستقامت له ثقافة معاصرة وتتوج موروثه بدءًا من الشعر الجاهلي حتى أحمد شوقي الذي كان يكاد يحفظ كل إنتاجه الشعري - رحمه الله -.
كل أولئك أتاح له دخول الإذاعة المصرية من أوسع أبوابها عام 1958، ليشرب المهنة مع الحديدي، ويتعاين ثقافيًّا وفنيًّا مع محمود حسن إسماعيل، ويطالع الناس في منتصف الستينيات بــ «لغتنا الجميلة» الذي به عرفه كل المستمعين العرب من المحيط إلى الخليج، حتى كاد يغطي على عبقريته الحوارية في «الأمسيات الثقافية»، وعلى إسهاماته الصحفية في مصر والخارج، وبخاصة الكويت التي حظيت به حينًا، وفي الإمارات التي رأس فيها لجنة حماية اللغة العربية.
***
ومنذ منتصف الستينيات توالت دواوينه الشعرية حتى بلغت خمسة عشر ديوانًا، بمعدل ديوان كل ثلاث سنوات تقريبًا وهي خصوبة ملحوظة، وذلك برغم انشغاله بالعمل الإذاعي والإداري؛ إذ عمل ــ بعد التقاعد ــ أستاذًا للأدب في الجامعة الأمريكية، بما تطلبته من دراسات واختيارات متعددة في شعر الحب، والمديح النبوي وغيرهما.
وفي شعره سمات تميزه وتقرِبه من الحداثة، وإن أمكن انخراطه فى مدرسة دار العلوم الشعرية التي بدأت بالجارم، وأفضت إليه بطعم حداثي، وقد عُني كما فعل مثله الأعلى شوقي بشعر الأطفال، ونظم أكثر من ثلاثة دواوين يخاطب الجيل الجديد في أشخاص حفدته.
والشاعر أعظم وأهم أبعاد شخصيته الإبداعية، بالرغم من عبقريته الإعلامية والنقدية، وكلها تحتاج إلى الدرس المتخصص، وقد يكون للقارئ بعد هذه الرحلة في صحبة فقيدنا الراحل سؤال حول «ماذا عنه مجمعيًّا؟» فأقول: إن «الإجابة تحتاج إلى مقال آخر».
.
