مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=5
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
شُروطُ اتِّخاذِ صَديقٍ
" الطَّريقُ إِلى السَّلامَةِ مِنْ هذا الْخَطَرِ بِحَسَبِ ما أَخَذْناهُ عَنْ سُقْراطيسَ ، إِذا أَرَدْنا أَنْ نَسْتَفيدَ صَديقًا ، أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ : كَيْفَ كانَ في صِباهُ مَعَ والِدَيْهِ وَمَعَ إِخْوَتِه وَعَشيرَتِه ، فَإِنْ كانَ صالِحًا مَعَهُمْ فَارْجُ الصَّلاحَ مِنْهُ ، وَإِلّا فَابْعُدْ مِنْهُ ، وَإِيّاكَ وَإِيّاهُ - قالَ - ثُمَّ اعْرِفْ بَعْدَ ذلِكَ سيرَتَه مَعَ أَصْدِقائِه قَبْلَكَ ، فَأَضِفْها إِلى سيرَتِه مَعَ إِخْوَتِه وَآبائِه .
ثُمَّ تَتَبَّعْ أَمْرَه في شُكْرِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُه ، أَوْ كُفْرِه النِّعْمَةَ . وَلَسْتُ أَعْني بِالشُّكْرِ الْمُكافَأَةَ الَّتي رُبَّما عَجَزَ عَنْها بِالْفِعْلِ ، وَلكِنْ رُبَّما عَطَّلَ نيَّتَه في الشُّكْرِ ؛ فَلا يُكافِئُ بِما يَسْتَطيعُ وَبِما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَيَغْتَنِمُ الْجَميلَ الَّذي يُسْدى إِلَيْهِ ، وَيَراهُ حَقًّا لَه ، أَوْ يَتَكاسَلُ عَنْ شُكْرِه بِاللِّسانِ . وَلَيْسَ أَحْدٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ نَشْرُ النِّعْمَةِ الَّتي تَتَوَلّاهُ ، وَالثَّناءُ عَلى صاحِبِها ، وَالِاعْتِدادُ بِها . وَلَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ احْتِياجًا لِلنِّقَمِ مِنَ الْكُفْرِ ، وَحَسْبُكَ ما أَعَدَّه اللّهُ لِكافِرِ نِعْمَتِه مِنَ النِّقَمِ مَعَ تَعاليهِ عَنْ الِاسْتِضْرارِ بِالْكُفْرِ - وَلا شَيْءٌ أَجْلَبَ لِلنِّعْمَةِ ، وَلا أَشَدَّ تَثْبيتًا لَها ، مِنَ الشُّكْرِ ، وَحَسْبُكَ ما وَعَدَ اللّهُ بِه الشّاكِرينَ مَعَ اسْتِغْنائِه عَنِ الشُّكْرِ ؛ فَتَعَرَّفْ هذا الْخُلُقَ مِمَّنْ تُريدُ مُؤاخاتِه ، وَاحْذَرْ أَنْ تُبْتَلى بِالْكافِرِ لِلنِّعَمِ الْمُسْتَحْقِرِ لِأَيادي الْإِخْوانِ وَإِحْسانِ السُّلْطانِ .
ثُمَّ انْظُرْ إِلى مَيْلِه إِلى الرّاحاتِ وَتَباطُئِه عَنِ الْحَرَكَةِ الَّتي فيها أَدْنى نَصَبٍ ؛ فَإِنَّ هذا خُلُقٌ رَديءٌ ، وَيَتْبَعُه الْمَيْلُ إِلى اللَّذّاتِ ؛ فَيَكونُ سَبَبًا لِلتَّقاعُدِ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقوقِ .
ثُمَّ انْظُرْ نَظَرًا شافِيًا في مَحَبَّتِه لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاسْتِهانَتِه بِجَمْعِهِما وَحِرْصِه عَلَيْهِما ؛ فَإِنَّ كَثيرًا مِنَ الْمُتَعاشِرينَ يَتَظاهَرونَ بِالْمَحَبَّةِ ، وَيَتَهادَوْنَ ، وَيَتَناصَحونَ ، فَإِذا وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ مُعامَلَةٌ في هذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ ، هَرَّ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ هَريرَ الْكِلابِ ، وَخَرَجوا إِلى ضُروبِ الْعَداوَةِ !
ثُمَّ انْظُرْ في مَحَبَّتِه لِلرِّئاسَةِ وَالتَّفْريطِ ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ الْغَلَبَةَ وَالتَّرَؤُّسَ وَأَنْ يُفْرِطَ ، لا يُنْصِفُكَ في الْمَوَدَّةِ ، وَلا يَرْضى مِنْكَ بِمِثْلِ ما يُعْطيكَ ، وَيَحْمِلُه الْخُيَلاءُ - هكذا ، والصواب " تَحْمِلُه " - وَالتّيهُ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِأَصْدِقائِه وَطَلَبِ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِمْ . وَلَيْسَ تَتِمُّ مَعَ ذلِكَ مَوَدَّةٌ وَلا غِبْطَةٌ ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَؤولَ الْحالُ بَيْنَهُمْ إِلى الْعَداوَةِ وَالْأَحْقادِ وَالْأَضْغانِ الْكَثيرَةِ .
ثُمَّ انْظُرْ : هَلْ هُوَ مِمَّنْ يَسْتَهْزِئُ بِالْغِناءِ وَاللُّحونِ وَضُروبِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَسَماعِ الْمُجونِ وَالْمَضاحيكِ ، فَإِنْ كانَ كَذلِكَ فَما أَشْغَلَه عَنْ مُساعَداتِ إِخْوانِه وَمُؤاساتِهِمْ ، وَما أَشَدَّ هَرَبَه عَنْ مُكافَأَةٍ بِإِحْسانٍ وَاحْتِمالِ النَّصَبِ وَدُخولٍ تَحْتَ جَميلٍ فيهِ مَشَقَّةٌ !
فَإِنْ وَجَدْتَه بَريئًا مِنْ هذا الْخِلالِ - هكذا ، والصواب " هذِه " - فَلْتَحْتَفِظْ عَلَيْهِ - هكذا ، ولعله " بِه " - وَلْتَرْغَبْ فيهِ ، وَلْتَكْتَفِ بِواحِدٍ ؛ فَإِنَّ الْكَمالَ عَزيزٌ " .
عن مسكويه في " تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "
2
صِفَةُ الْحَنينِ إِلى الصَّديقِ
" حَدَّثَني أَبو حامِدٍ الْعَلَويُّ وَكانَ مِنَ الْحِجازِ ، سَنَةَ سَبْعينَ وَثَلاثِمِئَةٍ ، بِمَدينَةِ السَّلامِ ، قالَ :
رَمى أَعْرابيٌّ مِنْ بَني هِلالٍ عَنْ حَيِّه إِلى أَطْرافِ الشّامِ ، فَقيلَ لَه : مَنْ خَلَّفْتَ وَراءَكَ ؟
قالَ : خَلَّفْتُ والِدًا ، وَوالِدَةً ، وَأُخْتًا ، وَابْنَ عَمٍّ ، وَبِنْتَ عَمٍّ ، وَعَشيقًا ، وَصَديقًا .
قيلَ لَه : فَكَيْفَ حَنينُكَ إِلَيْهِمْ ؟
قالَ : أَشَدُّ حَنينٍ !
قيلَ : فَصِفْهُ لَنا .
قالَ : أَمّا حَنيني إِلى وَالِدي ، فَلِلتَّعَزُّزِ بِه ؛ فَإِنَّ الْوالِدَ عَضُدٌ وَرُكْنٌ يُعاذُ بِه ، وَيُؤْوى إِلَيْهِ . وَأَمّا نِزاعي إِلى الْوالِدَةِ ، فَلِلشَّفَقَةِ الْمَعْهودَةِ مِنْها ، وَلِدُعائِها الَّذي لا يَعْرُجُ إِلى اللّهِ مِثْلُه . وَأَمّا شَوْقي إِلى الْأُخْتِ ، فَلِلصَّبابَةِ لَها وَالتَّرَوُّحِ إِلَيْها . وَأَمّا شَوْقي إِلى ابْنِ الْعَمِّ ، فَلِلْمُكانَفَةِ لَه وَالِانْتِصارِ بِه . وَأَمّا ابْنَةُ الْعَمِّ ، فَلِأَنَّها لَحْمٌ عَلى وَضَمٍ ، أَتَمَنّى أَنْ أُشْبِلَ عَلَيْها بِالرِّقَّةِ ، أَوْ أَصِلَها بِبَعْضِ مَنْ يَكونُ لَها كُفُؤًا ، وَيَكونُ لَنا أَيْضًا إِلْفًا . وَأَمّا صَبابَتي بِالْعَشيقِ ، فَذاكَ شَيْءٌ أَجِدُه بِالْفِطْرَةِ وَالِارْتِياحِ الَّذي قَلَّما يَخْلو مِنْهُ كَريمٌ لَه في الْهَوى عِرْقٌ نابِضٌ ، وَفي الْمُجونِ جَوادٌ راكِضٌ . وَأَمّا الصَّديقُ ، فَوَجْدي بِه فَوْقَ شَوْقي إِلى كُلِّ مَنْ نَعَتُّه لَكَ ، لِأَنّي أُباثُّه بِما أُجِلُّ أَبي عَنْه ، وَأَجْبَأُ مِنْ أُمّي فيهِ ، وَأَطْويهِ عَنْ أُخْتي خَجَلًا مِنْها ، وَأُداجي ابْنَ عَمّي عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ حَسَدٍ يَفْقَأُ ما بَيْني وَبَيْنَه ، وَأَكْني عَنْ بِنْتِ عَمّي بِغَيْرِها ، لِأَنَّها شَقيقَةُ ابْنِ الْعَمِّ ، وَمَعَها نِصْفُ ما مَعَه ، وَهِيَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي تَلُفُّنا أَغْصانُها ، وَتَلْتَقي عَلَيْنا أَفْنانُها ، وَيَجْمَعُنا ظِلُّها . فَأَمّا الْعَشيقَةُ فَقُصارايَ مَعَها أَنْ أَشوبَ لَها صِدْقًا بِكَذِبٍ ، وَغِلَظًا بِلينٍ ، لِأَفوزَ مِنْها بِحَظٍّ مِنْ نَظَرٍ ، وَنَصيبٍ مِنْ زِيارَةٍ ، وَتُحَفَةٍ مِنْ حَديثٍ . وَكُلُّ هؤُلاءِ مَعَ شَرَفِ مَوْقِعِهِمْ مِنّي ، وَانْتِسابِهِمْ إِلَيَّ ، دونَ الصَّديقِ الَّذي حَريمي لَه مُباحٌ ، وَسارِحي عِنْدَه مُراحٌ ، أَرى الدَّنْيا بِعَيْنِه إِذا رَنَوْتُ ، وَأَجِدُ فائِتي عِنْدَه إِذا دَنَوْتُ . إِذا عَزَزْتُ لَه ذَلَّ لي ، وَإِذا ذَلَلْتُ لَه عَزَّ بي ، وَإِذا تَلاحَظْنا تَساقَيْنا كَأْسَ الْمَوَدَّةِ ، وَإِذا تَصامَتْنا تَناجَيْنا بِلِسانِ الثِّقَةِ ، لا يَتَوارى عَنّي إِلّا حافِظًا لِلْغَيْبِ ، وَلا يَتَراءى لي إِلّا ساتِرًا لِلْعَيْبِ .
قيلَ لَه : فَهَلْ نُمِيَ لَكَ خَبَرُه مُنْذُ بانَ عَنْكَ أَثَرُه ؟
قالَ : نَعَمْ ؛ لَحِقَني بَعْضُ فِتْيانِ الْحَيِّ أَمْسِ ، فَسَأَلْتُه عَنْ قَرابَتي وَعَشيرَتي ، فَنَعَتَ لي كُلًّا ، وَأَطابَ أَخْبارَهُمْ ، حَتّى إِذا سَأَلْتُه عَنِ الصَّديقِ ، قالَ : ما لَه هِجّيرى سِواكَ : إِنْ عَبَّرَ فَبِاسْمِكَ يَسْتَقِلُّ - هكذا ، ولعلها " يَسْتَهِلُّ " - وَإِنْ تَنَفَّسَ فَبِذِكْرِكَ يَقْطَعُ ، وَإِذا أَوى إِلى نَدْوَةِ الْحَيِّ فَبِلِسانِكَ يَنْشُرُ ، وَجودَكَ يَذْكُرُ ، لا يَمُرُّ بِمَعْهَدٍ لَكَ إِلّا حَيّاهُ ، وَلا بِمَكانٍ حَلَّه مَعَكَ إِلّا تَبَوَّأَه ؛ فَقُلْتُ لَه : كُفَّ قَليلًا ؛ فَقَدْ أَجَّجْتَ في صَدْري نارًا كانَتْ طافِئَةً ، وَأَبْدَيْتَ مِنّي صَبابَةً كانَتْ خافِيَةً . وَما أَراني مُتَمَتِّعًا بِالْعَيْشِ دونَ أَنْ أَشْخَصَ إِلَيْهِ غَيْرَ مُبالٍ بِهذِه الْميرَةِ وَالْغيرَةِ الَّتي - هكذا ، ولعلها " اللَّتَيْنِ " - خَرَجْتُ مِنْ جَرّاهُما .
قالَ أَبو حامِدٍ : فَضَرَبَ - وَاللّهِ - كَبِدَ راحِلَتِه إِلى حَيِّه ، وَتَرَكَ ما كانَ فيهِ مُسْتَمِرًّا مُسْتَقِرًّا .
قُلْتُ لِأَبي حامِدٍ : ما أَفْصَحَ هذا اللَّفْظَ ! وَما أَرَقَّ هذا الْحَديثَ ! لكنّي أَنْكَرْتُ قَوْلَه : " جَوادٌ راكِضٌ " !
قالَ : أَراد " ذو رَكْضٍ " ، وَمِثْلُ هذا يَنْدُرُ مِنْ كَلامِهِمْ " .
عن التوحيدي في " الصداقة والصديق "
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
شُروطُ اتِّخاذِ صَديقٍ
" الطَّريقُ إِلى السَّلامَةِ مِنْ هذا الْخَطَرِ بِحَسَبِ ما أَخَذْناهُ عَنْ سُقْراطيسَ ، إِذا أَرَدْنا أَنْ نَسْتَفيدَ صَديقًا ، أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ : كَيْفَ كانَ في صِباهُ مَعَ والِدَيْهِ وَمَعَ إِخْوَتِه وَعَشيرَتِه ، فَإِنْ كانَ صالِحًا مَعَهُمْ فَارْجُ الصَّلاحَ مِنْهُ ، وَإِلّا فَابْعُدْ مِنْهُ ، وَإِيّاكَ وَإِيّاهُ - قالَ - ثُمَّ اعْرِفْ بَعْدَ ذلِكَ سيرَتَه مَعَ أَصْدِقائِه قَبْلَكَ ، فَأَضِفْها إِلى سيرَتِه مَعَ إِخْوَتِه وَآبائِه .
ثُمَّ تَتَبَّعْ أَمْرَه في شُكْرِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُه ، أَوْ كُفْرِه النِّعْمَةَ . وَلَسْتُ أَعْني بِالشُّكْرِ الْمُكافَأَةَ الَّتي رُبَّما عَجَزَ عَنْها بِالْفِعْلِ ، وَلكِنْ رُبَّما عَطَّلَ نيَّتَه في الشُّكْرِ ؛ فَلا يُكافِئُ بِما يَسْتَطيعُ وَبِما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَيَغْتَنِمُ الْجَميلَ الَّذي يُسْدى إِلَيْهِ ، وَيَراهُ حَقًّا لَه ، أَوْ يَتَكاسَلُ عَنْ شُكْرِه بِاللِّسانِ . وَلَيْسَ أَحْدٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ نَشْرُ النِّعْمَةِ الَّتي تَتَوَلّاهُ ، وَالثَّناءُ عَلى صاحِبِها ، وَالِاعْتِدادُ بِها . وَلَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ احْتِياجًا لِلنِّقَمِ مِنَ الْكُفْرِ ، وَحَسْبُكَ ما أَعَدَّه اللّهُ لِكافِرِ نِعْمَتِه مِنَ النِّقَمِ مَعَ تَعاليهِ عَنْ الِاسْتِضْرارِ بِالْكُفْرِ - وَلا شَيْءٌ أَجْلَبَ لِلنِّعْمَةِ ، وَلا أَشَدَّ تَثْبيتًا لَها ، مِنَ الشُّكْرِ ، وَحَسْبُكَ ما وَعَدَ اللّهُ بِه الشّاكِرينَ مَعَ اسْتِغْنائِه عَنِ الشُّكْرِ ؛ فَتَعَرَّفْ هذا الْخُلُقَ مِمَّنْ تُريدُ مُؤاخاتِه ، وَاحْذَرْ أَنْ تُبْتَلى بِالْكافِرِ لِلنِّعَمِ الْمُسْتَحْقِرِ لِأَيادي الْإِخْوانِ وَإِحْسانِ السُّلْطانِ .
ثُمَّ انْظُرْ إِلى مَيْلِه إِلى الرّاحاتِ وَتَباطُئِه عَنِ الْحَرَكَةِ الَّتي فيها أَدْنى نَصَبٍ ؛ فَإِنَّ هذا خُلُقٌ رَديءٌ ، وَيَتْبَعُه الْمَيْلُ إِلى اللَّذّاتِ ؛ فَيَكونُ سَبَبًا لِلتَّقاعُدِ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقوقِ .
ثُمَّ انْظُرْ نَظَرًا شافِيًا في مَحَبَّتِه لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاسْتِهانَتِه بِجَمْعِهِما وَحِرْصِه عَلَيْهِما ؛ فَإِنَّ كَثيرًا مِنَ الْمُتَعاشِرينَ يَتَظاهَرونَ بِالْمَحَبَّةِ ، وَيَتَهادَوْنَ ، وَيَتَناصَحونَ ، فَإِذا وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ مُعامَلَةٌ في هذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ ، هَرَّ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ هَريرَ الْكِلابِ ، وَخَرَجوا إِلى ضُروبِ الْعَداوَةِ !
ثُمَّ انْظُرْ في مَحَبَّتِه لِلرِّئاسَةِ وَالتَّفْريطِ ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ الْغَلَبَةَ وَالتَّرَؤُّسَ وَأَنْ يُفْرِطَ ، لا يُنْصِفُكَ في الْمَوَدَّةِ ، وَلا يَرْضى مِنْكَ بِمِثْلِ ما يُعْطيكَ ، وَيَحْمِلُه الْخُيَلاءُ - هكذا ، والصواب " تَحْمِلُه " - وَالتّيهُ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِأَصْدِقائِه وَطَلَبِ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِمْ . وَلَيْسَ تَتِمُّ مَعَ ذلِكَ مَوَدَّةٌ وَلا غِبْطَةٌ ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَؤولَ الْحالُ بَيْنَهُمْ إِلى الْعَداوَةِ وَالْأَحْقادِ وَالْأَضْغانِ الْكَثيرَةِ .
ثُمَّ انْظُرْ : هَلْ هُوَ مِمَّنْ يَسْتَهْزِئُ بِالْغِناءِ وَاللُّحونِ وَضُروبِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَسَماعِ الْمُجونِ وَالْمَضاحيكِ ، فَإِنْ كانَ كَذلِكَ فَما أَشْغَلَه عَنْ مُساعَداتِ إِخْوانِه وَمُؤاساتِهِمْ ، وَما أَشَدَّ هَرَبَه عَنْ مُكافَأَةٍ بِإِحْسانٍ وَاحْتِمالِ النَّصَبِ وَدُخولٍ تَحْتَ جَميلٍ فيهِ مَشَقَّةٌ !
فَإِنْ وَجَدْتَه بَريئًا مِنْ هذا الْخِلالِ - هكذا ، والصواب " هذِه " - فَلْتَحْتَفِظْ عَلَيْهِ - هكذا ، ولعله " بِه " - وَلْتَرْغَبْ فيهِ ، وَلْتَكْتَفِ بِواحِدٍ ؛ فَإِنَّ الْكَمالَ عَزيزٌ " .
عن مسكويه في " تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "
2
صِفَةُ الْحَنينِ إِلى الصَّديقِ
" حَدَّثَني أَبو حامِدٍ الْعَلَويُّ وَكانَ مِنَ الْحِجازِ ، سَنَةَ سَبْعينَ وَثَلاثِمِئَةٍ ، بِمَدينَةِ السَّلامِ ، قالَ :
رَمى أَعْرابيٌّ مِنْ بَني هِلالٍ عَنْ حَيِّه إِلى أَطْرافِ الشّامِ ، فَقيلَ لَه : مَنْ خَلَّفْتَ وَراءَكَ ؟
قالَ : خَلَّفْتُ والِدًا ، وَوالِدَةً ، وَأُخْتًا ، وَابْنَ عَمٍّ ، وَبِنْتَ عَمٍّ ، وَعَشيقًا ، وَصَديقًا .
قيلَ لَه : فَكَيْفَ حَنينُكَ إِلَيْهِمْ ؟
قالَ : أَشَدُّ حَنينٍ !
قيلَ : فَصِفْهُ لَنا .
قالَ : أَمّا حَنيني إِلى وَالِدي ، فَلِلتَّعَزُّزِ بِه ؛ فَإِنَّ الْوالِدَ عَضُدٌ وَرُكْنٌ يُعاذُ بِه ، وَيُؤْوى إِلَيْهِ . وَأَمّا نِزاعي إِلى الْوالِدَةِ ، فَلِلشَّفَقَةِ الْمَعْهودَةِ مِنْها ، وَلِدُعائِها الَّذي لا يَعْرُجُ إِلى اللّهِ مِثْلُه . وَأَمّا شَوْقي إِلى الْأُخْتِ ، فَلِلصَّبابَةِ لَها وَالتَّرَوُّحِ إِلَيْها . وَأَمّا شَوْقي إِلى ابْنِ الْعَمِّ ، فَلِلْمُكانَفَةِ لَه وَالِانْتِصارِ بِه . وَأَمّا ابْنَةُ الْعَمِّ ، فَلِأَنَّها لَحْمٌ عَلى وَضَمٍ ، أَتَمَنّى أَنْ أُشْبِلَ عَلَيْها بِالرِّقَّةِ ، أَوْ أَصِلَها بِبَعْضِ مَنْ يَكونُ لَها كُفُؤًا ، وَيَكونُ لَنا أَيْضًا إِلْفًا . وَأَمّا صَبابَتي بِالْعَشيقِ ، فَذاكَ شَيْءٌ أَجِدُه بِالْفِطْرَةِ وَالِارْتِياحِ الَّذي قَلَّما يَخْلو مِنْهُ كَريمٌ لَه في الْهَوى عِرْقٌ نابِضٌ ، وَفي الْمُجونِ جَوادٌ راكِضٌ . وَأَمّا الصَّديقُ ، فَوَجْدي بِه فَوْقَ شَوْقي إِلى كُلِّ مَنْ نَعَتُّه لَكَ ، لِأَنّي أُباثُّه بِما أُجِلُّ أَبي عَنْه ، وَأَجْبَأُ مِنْ أُمّي فيهِ ، وَأَطْويهِ عَنْ أُخْتي خَجَلًا مِنْها ، وَأُداجي ابْنَ عَمّي عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ حَسَدٍ يَفْقَأُ ما بَيْني وَبَيْنَه ، وَأَكْني عَنْ بِنْتِ عَمّي بِغَيْرِها ، لِأَنَّها شَقيقَةُ ابْنِ الْعَمِّ ، وَمَعَها نِصْفُ ما مَعَه ، وَهِيَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي تَلُفُّنا أَغْصانُها ، وَتَلْتَقي عَلَيْنا أَفْنانُها ، وَيَجْمَعُنا ظِلُّها . فَأَمّا الْعَشيقَةُ فَقُصارايَ مَعَها أَنْ أَشوبَ لَها صِدْقًا بِكَذِبٍ ، وَغِلَظًا بِلينٍ ، لِأَفوزَ مِنْها بِحَظٍّ مِنْ نَظَرٍ ، وَنَصيبٍ مِنْ زِيارَةٍ ، وَتُحَفَةٍ مِنْ حَديثٍ . وَكُلُّ هؤُلاءِ مَعَ شَرَفِ مَوْقِعِهِمْ مِنّي ، وَانْتِسابِهِمْ إِلَيَّ ، دونَ الصَّديقِ الَّذي حَريمي لَه مُباحٌ ، وَسارِحي عِنْدَه مُراحٌ ، أَرى الدَّنْيا بِعَيْنِه إِذا رَنَوْتُ ، وَأَجِدُ فائِتي عِنْدَه إِذا دَنَوْتُ . إِذا عَزَزْتُ لَه ذَلَّ لي ، وَإِذا ذَلَلْتُ لَه عَزَّ بي ، وَإِذا تَلاحَظْنا تَساقَيْنا كَأْسَ الْمَوَدَّةِ ، وَإِذا تَصامَتْنا تَناجَيْنا بِلِسانِ الثِّقَةِ ، لا يَتَوارى عَنّي إِلّا حافِظًا لِلْغَيْبِ ، وَلا يَتَراءى لي إِلّا ساتِرًا لِلْعَيْبِ .
قيلَ لَه : فَهَلْ نُمِيَ لَكَ خَبَرُه مُنْذُ بانَ عَنْكَ أَثَرُه ؟
قالَ : نَعَمْ ؛ لَحِقَني بَعْضُ فِتْيانِ الْحَيِّ أَمْسِ ، فَسَأَلْتُه عَنْ قَرابَتي وَعَشيرَتي ، فَنَعَتَ لي كُلًّا ، وَأَطابَ أَخْبارَهُمْ ، حَتّى إِذا سَأَلْتُه عَنِ الصَّديقِ ، قالَ : ما لَه هِجّيرى سِواكَ : إِنْ عَبَّرَ فَبِاسْمِكَ يَسْتَقِلُّ - هكذا ، ولعلها " يَسْتَهِلُّ " - وَإِنْ تَنَفَّسَ فَبِذِكْرِكَ يَقْطَعُ ، وَإِذا أَوى إِلى نَدْوَةِ الْحَيِّ فَبِلِسانِكَ يَنْشُرُ ، وَجودَكَ يَذْكُرُ ، لا يَمُرُّ بِمَعْهَدٍ لَكَ إِلّا حَيّاهُ ، وَلا بِمَكانٍ حَلَّه مَعَكَ إِلّا تَبَوَّأَه ؛ فَقُلْتُ لَه : كُفَّ قَليلًا ؛ فَقَدْ أَجَّجْتَ في صَدْري نارًا كانَتْ طافِئَةً ، وَأَبْدَيْتَ مِنّي صَبابَةً كانَتْ خافِيَةً . وَما أَراني مُتَمَتِّعًا بِالْعَيْشِ دونَ أَنْ أَشْخَصَ إِلَيْهِ غَيْرَ مُبالٍ بِهذِه الْميرَةِ وَالْغيرَةِ الَّتي - هكذا ، ولعلها " اللَّتَيْنِ " - خَرَجْتُ مِنْ جَرّاهُما .
قالَ أَبو حامِدٍ : فَضَرَبَ - وَاللّهِ - كَبِدَ راحِلَتِه إِلى حَيِّه ، وَتَرَكَ ما كانَ فيهِ مُسْتَمِرًّا مُسْتَقِرًّا .
قُلْتُ لِأَبي حامِدٍ : ما أَفْصَحَ هذا اللَّفْظَ ! وَما أَرَقَّ هذا الْحَديثَ ! لكنّي أَنْكَرْتُ قَوْلَه : " جَوادٌ راكِضٌ " !
قالَ : أَراد " ذو رَكْضٍ " ، وَمِثْلُ هذا يَنْدُرُ مِنْ كَلامِهِمْ " .
عن التوحيدي في " الصداقة والصديق "

تعليق