هل قول العرب: "لَوْلَايَ" و "لَوْلَاكَ" صحيحٌ فصيحٌ؟
د. مصطفى شعبان
والنحاة مجمعون على أن "لَوْلَا" الامتناعية يجوز أن يليها ضمير رفع منفصل ، كقوله تعالى: (لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين)(1 ) ، والخلاف بينهم وقع في جواز وقوع ضمير الجر بعدها، فأجازه سيبويه والبصريون ما خلا المبرد، والضمير عندهم مجرور الموضع ، فالكاف والياء في (لَوْلاكَ) و (لَوْلايْ) عندهم في موضع جر بـ (لولا) ، وأجازه الأخفش والكوفيون أيضًا ، والضمير عندهم مرفوع الموضع استعير ضمير الجر لضمير الرفع( 2).
وذهب أبو العباس المبرد إلى أنه لا يجوز أن يقال : (لولاي ولولاك)، ويجب أن يقال: (لولا أنا، ولولا أنت) فيؤتى بالضمير المنفصل كما جاء به التنزيل في قوله تعالى : (لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين)، ولهذا لم يأت في التنزيل إلا منفصلًا ، وذهب إلى أن الذي ذهب إليه سيبويه والأخفش خطأ لا يجوز في العربية .
قال سيبويه : "لولاك ولولاي إذا أضمرت الاسم فيه جُرَّ، وإذا أظهرت رُفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت : لولا أنت ، كما قال سبحانه:(لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين)ولكنهم جعلوه مضمرًا مجرورًا "( 3).
قال أبو العباس المبرد: "والذي أقوله إن هذا خطأ لا يصلح أن تقول إلا (لَوْلا أنْتَ) قال الله عز وجل: (لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين) ومن خالفنا فهو لابد يزعم أن الذي قلناه أجود ويدَّعي الوجه الآخر فيجيزه على بُعد"(4 )، فعلى الرغم من إنكار المبرد لقول سيبويه ، إنَّ فحوى كلامه يفهم أن مذهب غيره جيد وإن اختار هو الأجود .
ويحكي أبو علي الفارسي تخطئة المبرد لسيبويه في هذا القول وإسقاطه لما استشهد به من شعر على فصاحة (لولاي) غيرَ مُعَقِّبٍ عليه، فكأنه يقر ما ذهب إليه المبرد .
قال أبو علي : "أبو العباس يذهب إلى أنه غَلِطَ ، ويقول: إن الشعر الذي فيه (لولاي) ليس بالفصيح"( 5).
أما ما استشهد به سيبويه على جواز (لولاي) فقول يزيد بن الحكم(6 ).
وكَمْ مَوْطِنٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَى *** بأجْرامِهِ مـن قُلةِ النِّيـقِ مُنْهَوِي
والشاهد فيه : وقوع ضمير الجر (الياء) بعد (لولا) وهي من حروف الابتداء والياء في موضع الجر.
ثم ذكر الفارسي أن المبرد ذهب أيضًا إلى عدم فصاحة الشعر الذي ورد في (لولاك) في قول القائل(7 ):
أوْمَــتْ بعَيْنَيْهَــــا مِـنَ الهَـــوْدَجِ *** لولاكِ في ذا العــام لـم أحْجُجِ
والشاهد قوله: (لولاك) حيث وقع الضمير المتصل الذي لا يقع في محل رفع بعد لولا .
وقال - أي المبرد - : "وإذا تأملت هذه الجيْمِيَّةَ وجدت فيها غيرَ لحنٍ، قال : وحكي لي أن أبا عُمر - يعني الجرمي - اجتهد في طلب مثل هذا في شعر فصيح أو كلام منثور عن العرب فلم يجده"(8 ).
هذه جملة حكاية الفارسي عن المبرد ، وسكوت الفارسي عن هذه الحكاية يعد رضًا وإقرارًا ، خاصة لمن خَبرَ أسلوبَ أبي علي ومسالكه في الحكاية عرضًا واستدلالًا ، وعلى اعتبار سكوته هذا مذهبًا له تكون مناقشة القضية كالتالي :
إن غاية ما ذهب إليه أبو العباس المبرد هو اختياره للوجه الأجود والأكثر والشائع والأفصح عند العرب، ولكن توهينه للوجه الآخر وإسقاطه لشواهده هو المحجوج فيه من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أنه يعد خرقًا لإجماع النحاة ؛ إذ "أجمع النحويون المتقدمون من البصـريين والكوفيين على الرواية عن العرب لولاك ولولاي"(9 ).
قال أبو علي الشلوبين:
"اتفق أئمة البصريين والكوفيين ؛ كالخليل وسيبويه والكسائي ، والفراء ، على رواية (لولاك) عن العرب ، فإنكار المبرد له هذيان"( 10).
وهو أيضًا قول يونس والأخفش(11 ).
وقال ابن عصفور : "وهذا الذي يزعم أبو العباس باطل، بل حكى النحويون أن ذلك لغة العرب"( 12).
فإنكار المبرد ومن تبعه لهذا المحكي عن العرب إنكار لإجماع من غير مسوِّغ .
الوجه الثاني : أن في إنكار المبرد إسقاطًا للاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدتَهُ النحويون وغيرهم ، واستشهدوا بهذا البيت وغيره من القصيدة كما يقول السيرافي ، وفي ذلك إنكار لما أجمع الجماعة على روايته عن العرب(13 ).
قال أبو سعيد السيرافي : "وكان أبو العباس المبرد ينكر لَوْلايَ ولَوْلاكَ، ويزعم أنه خطأ لم يأت عن ثقة ، وأن الذي استغواهم بيت الثقفي وأن قصيدته فيها خطأ كثير"(14 ).
وهذا الإنكار من أبي العباس مردود لأمور ثلاثة :
أولها : أنه قد جاء ذلك كثيرًا في كلام العرب وليس في كلام هذا الشاعر فحسب ، ومنه ما أنشده الفراء( 15) :
أتُطْمِعُ فينا مَنْ أراق دِمَاءَنَا *** ولَوْلاكَ لم يَعْرِضْ لأَحْسَابِنَا حَسَنْ
ثانيها : أن إنكار مثل هذا لا يحسن؛ إذ الثقفىُّ من أعيان شعراء العرب، وقد روى شعرَهُ الثقاتُ، فلا سبيل إلى منع الأخذ به، مع أنه قد جاء من غير جهة الثقفي ،مثل ما قال ابن يعيش تبعًا للسيرافي(16 ).
ثالثها : أن الحرف الشاذ أو الحرفين أو الثلاثة إذا وقع ذلك في قصيدة من الشعر القديم لم يكن قادحًا في قائلها ولا دافعًا للاحتجاج بشعره كما قال ابن الشجري، وتبعه البغدادي في الخزانة(17).
ومن هنا يتبين ضعف ما نقله المبرد عن أبي عمر الجرمي وتابعه عليه الفارسي من أن الجرمي اجتهد في طلب مثل هذا في شعر فصيح أو كلام منثور عن العرب فلم يجده (18 ).
الوجه الثالث: أن عدم مجيء الضمير المتصل في التنزيل لا يدل على عدم جوازه، "ألا ترى أنه لم يأتِ في التنزيل ترك عمل (ما) في المبتدأ والخبر نحو: "ما زيدٌ قائمٌ ، وما عمرٌو منطلقٌ"، وإن كانت لغة جائزة فصيحة، وهي لغة بني تميم.. ثم لم يدلَّ عدمُ مجيئها في التنزيل على أنها غير جائزة ولا فصيحة"(19 ).
مما سبق في خلال هذه الأوجه الثلاثة يظهر ضعف موقف المبرد والفارسي ووهن حجتهما، وقوة مذهب سيبويه والجمهور ، من حيث السماع والقياس والاستدلال ، وقد استنكر مسلكَ المبردِ أكثرُ النحاة، كالسيرافي(20 )، والشنتمري( 21)، وابن الأنباري(22 )، وابن عصفور( 23)، وابن الشجري(24 )، وأبي علي الشلوبين(25 )، وابن يعيش(26 )، وأبي حيان(27 )، والمرادي(28 )، وابن عقيل(29 )، والسيوطي (30 )، والأشموني( 31).
وجدير بالذكر أن أبا علي لم يتابع شيخه أبا إسحاق الزجاج في هذه القضية ؛حيث نقل البغدادي(32 ) عن أبي جعفر النحاس أن أبا إسحاق جرى على عادته في الاحتجاج عن سيبويه والتصحيح عنه ، فقال: إن خبر المبتدأ الذي بعد (لولا) لا يظهر فأشبهتْ (لولا) حروف الجر لوقوع اسم بعدها ، وكان المضمر لا يتبين فيه إعراب ، فجعل موضع المجرور،ثم قال النحاس: وهذا احتجاج لطيف لم نر أحدًا يحسن مثل هذا ، وزاد عليه هذا أنه احتج بقول رؤبة (33 )، وهو مما لا تُدفع فصاحته :
* لولاكُمَا قَدْ خَرَجَتْ نَفْسَاهُمَا * "(34 ).
ومن ثَمَّ فتوهين مذهب سيبويه وتضعيفه،أو وصفه بالخطأ واللحن مثل ما نحا المبرد والفارسي، لا متابع لهما فيه،وهما محجوجان بالسماع والإجماع، ولا مدفع لنحو سيبويه سماعًا أو قياسًا.
--------------------------
(1 ) [سورة سبأ: 31] .
( 2) انظر: الكتاب 1/388 بولاق،2/373 هارون ، المقتضب 3/73، شرح السيرافي 3/136، النكت 2/277، أمالي ابن الشجري 1/276-277، الإنصاف 2/687، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 473 ، المقرب 1/193، التوطئة لأبي علي الشلوبين(ت645هـ) ، تحقيق الدكتور يوسف أحمد المطوع – الكويت – 1401هـ-1981م- 242، شرح المفصل لابن يعيش 3/118، شرح الكافية للرضي 4/444، رصف المباني 295، ارتشاف الضـرب 4/1757، مغني اللبيب 3/450، شرح ابن عقيل على الألفية 3/7، الجني الداني 604، همع الهوامع 4/210، حاشية الصبان 2/307، خزانة الأدب 5/336 .
(3 ) الكتاب 1/388 بولاق،2/373 هارون.
(4 ) الكامل 3/1277، وانظر : المقتضب 3/73 .
(5 ) التعليقة 2/89 .
( 6) البيت من شواهد: البيان والتبيين للجاحظ ، تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون - مكتبة الخانجي – 1418هـ – 1998م - 3/362، ومعاني القرآن للفراء 2/85، وهو من شواهد الكتاب 1/388 بولاق، وجاء فيها: (يزيد بن أم الحكم)، و2/374 هارون، وفيها: (يزيد بن الحكم)، وكذا في شرح السيرافي 3/135، والنكت 2/277، والإنصاف 2/691، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور 473، والمقرب 1/193، والكامل 3/1277، وشرح المفصل 3/118 وفيه : ابن أم الحكم ، والرضي 4/444، ورصف المباني 295، والجنى الداني 603، وشرح ابن عقيل 3/9، وهمع الهوامع 4/208، وحاشية الصبان 2/307، والخزانة 5/337، وشرح شواهد سيبويه للنحاس 153، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2/143 .
وطحت: هلكت ، والأجرام: جمع جرم وهو الجسد ، والنيق : بكسر النون أرفع موضع بجبل ، والقُلة: وتروى (القُنَّة): أعلى الجبل ، والمنهوى : الساقط .
(7 ) والبيت منسوب لعمرَ بن أبي ربيعة في (ملحقات ديوانه 92 ،تعليق الدكتور فايز محمد- دار الكتاب العربي – بيروت – 1416هـ - 1996م) ، وهو من شواهد شرح السيرافي 3/137، والتعليقة 2/289، والإنصاف 2/693، وأمالي ابن الشجري 1/278، وشرح جمل الزجاجي 473، وابن يعيش 3/119، والرضي 4/444 والهمع 4/209، والخزانة 5/339 .
وأومت: أشارت أصله أومأت . والهودج : مركب من مراكب النساء .
( 8) التعليقة 2/90 .
(9 ) شرح السيرافي 3/137، النكت 2/277، شرح جمل الزجاجي 473 .
(10 ) ارتشاف الضرب 4/1757، وانظر: التوطئة 242 .
( 11) خزانة الأدب 5/337 .
(12 ) شرح جمل الزجاجي 473 .
(13 ) شرح السيرافي 3/137 .
(14 ) شرح السيرافي 3/137 .
( 15) البيت لعمرو بن العاص ، قاله لمعاوية بن أبي سفيان في شأن الحسن بن علي - رضي الله عنهم أجمعين – وهو من شواهد الإنصاف 2/393، ومعاني القرآن للفراء 2/85 برواية (حَسَمْ) بدل (حَسَنْ)،و (أيطمع) بدل (أتطمع)، وشرح جمل الزجاجي 473، وشرح المفصل 3/120، وشرح ابن عقيل 3/7، وحاشية الصبان 2/307، والخزانة 5/342 .
وأراق : أسال ، ويَعْرِض: أراد أن يتعرض لها بالنَّيلِ منها .
(16 ) شرح السيرافي 3/137، شرح المفصل لابن يعيش 3/120 .
(17 ) أمالي الشجري 1/277، خزانة الأدب 5/339 .
(18 ) التعليقة 2/90 .
( 19) الإنصاف 2/694 .
(20 ) شرح سيبويه للسيرافي 3/137 .
(21 ) النكت على سيبويه 2/278 .
(22 ) الإنصاف 2/690 .
(23 ) شرح جمل الزجاجي 473 .
(24 ) أمالي ابن الشجري 1/237 .
(25 ) التوطئة 242،وانظر: ارتشاف الضرب 4/1757 .
( 26) شرح المفصل 3/120 .
(27 ) ارتشاف الضرب 4/1757 .
(28 ) الجني الداني 605 .
(29 ) شرح ابن عقيل 3/7 .
(30 ) همع الهوامع 4/210 .
(31 ) شرح الأشموني مع الصبان 2/307 .
(32 ) نقل ذلك عن أبي جعفر النحاس من شرح أبيات سيبويه ،وانظر: الخزانة 5/340، ولم أجده في شرح أبيات سيبويه للنحاس 153.
( 33) نسبه أبو جعفر النحاس لرؤبة،وليس في ديوانه، نقله عنه البغدادي في الخزانة 5/341 نقلًا عن شرح أبيات سيبويه، وكذا نسبه في حاشية الإنصاف لرؤبة 2/692، وذكره المالقي في رصف المباني 296 بلا نسبة ، واستنكر محققه نسبته لرؤبة ، وليس في ديوانه .
(34 ) الخزانة 5/341 .
د. مصطفى شعبان
والنحاة مجمعون على أن "لَوْلَا" الامتناعية يجوز أن يليها ضمير رفع منفصل ، كقوله تعالى: (لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين)(1 ) ، والخلاف بينهم وقع في جواز وقوع ضمير الجر بعدها، فأجازه سيبويه والبصريون ما خلا المبرد، والضمير عندهم مجرور الموضع ، فالكاف والياء في (لَوْلاكَ) و (لَوْلايْ) عندهم في موضع جر بـ (لولا) ، وأجازه الأخفش والكوفيون أيضًا ، والضمير عندهم مرفوع الموضع استعير ضمير الجر لضمير الرفع( 2).
وذهب أبو العباس المبرد إلى أنه لا يجوز أن يقال : (لولاي ولولاك)، ويجب أن يقال: (لولا أنا، ولولا أنت) فيؤتى بالضمير المنفصل كما جاء به التنزيل في قوله تعالى : (لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين)، ولهذا لم يأت في التنزيل إلا منفصلًا ، وذهب إلى أن الذي ذهب إليه سيبويه والأخفش خطأ لا يجوز في العربية .
قال سيبويه : "لولاك ولولاي إذا أضمرت الاسم فيه جُرَّ، وإذا أظهرت رُفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت : لولا أنت ، كما قال سبحانه:(لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين)ولكنهم جعلوه مضمرًا مجرورًا "( 3).
قال أبو العباس المبرد: "والذي أقوله إن هذا خطأ لا يصلح أن تقول إلا (لَوْلا أنْتَ) قال الله عز وجل: (لولا أنتم لكُنَّا مؤمنين) ومن خالفنا فهو لابد يزعم أن الذي قلناه أجود ويدَّعي الوجه الآخر فيجيزه على بُعد"(4 )، فعلى الرغم من إنكار المبرد لقول سيبويه ، إنَّ فحوى كلامه يفهم أن مذهب غيره جيد وإن اختار هو الأجود .
ويحكي أبو علي الفارسي تخطئة المبرد لسيبويه في هذا القول وإسقاطه لما استشهد به من شعر على فصاحة (لولاي) غيرَ مُعَقِّبٍ عليه، فكأنه يقر ما ذهب إليه المبرد .
قال أبو علي : "أبو العباس يذهب إلى أنه غَلِطَ ، ويقول: إن الشعر الذي فيه (لولاي) ليس بالفصيح"( 5).
أما ما استشهد به سيبويه على جواز (لولاي) فقول يزيد بن الحكم(6 ).
وكَمْ مَوْطِنٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَى *** بأجْرامِهِ مـن قُلةِ النِّيـقِ مُنْهَوِي
والشاهد فيه : وقوع ضمير الجر (الياء) بعد (لولا) وهي من حروف الابتداء والياء في موضع الجر.
ثم ذكر الفارسي أن المبرد ذهب أيضًا إلى عدم فصاحة الشعر الذي ورد في (لولاك) في قول القائل(7 ):
أوْمَــتْ بعَيْنَيْهَــــا مِـنَ الهَـــوْدَجِ *** لولاكِ في ذا العــام لـم أحْجُجِ
والشاهد قوله: (لولاك) حيث وقع الضمير المتصل الذي لا يقع في محل رفع بعد لولا .
وقال - أي المبرد - : "وإذا تأملت هذه الجيْمِيَّةَ وجدت فيها غيرَ لحنٍ، قال : وحكي لي أن أبا عُمر - يعني الجرمي - اجتهد في طلب مثل هذا في شعر فصيح أو كلام منثور عن العرب فلم يجده"(8 ).
هذه جملة حكاية الفارسي عن المبرد ، وسكوت الفارسي عن هذه الحكاية يعد رضًا وإقرارًا ، خاصة لمن خَبرَ أسلوبَ أبي علي ومسالكه في الحكاية عرضًا واستدلالًا ، وعلى اعتبار سكوته هذا مذهبًا له تكون مناقشة القضية كالتالي :
إن غاية ما ذهب إليه أبو العباس المبرد هو اختياره للوجه الأجود والأكثر والشائع والأفصح عند العرب، ولكن توهينه للوجه الآخر وإسقاطه لشواهده هو المحجوج فيه من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أنه يعد خرقًا لإجماع النحاة ؛ إذ "أجمع النحويون المتقدمون من البصـريين والكوفيين على الرواية عن العرب لولاك ولولاي"(9 ).
قال أبو علي الشلوبين:
"اتفق أئمة البصريين والكوفيين ؛ كالخليل وسيبويه والكسائي ، والفراء ، على رواية (لولاك) عن العرب ، فإنكار المبرد له هذيان"( 10).
وهو أيضًا قول يونس والأخفش(11 ).
وقال ابن عصفور : "وهذا الذي يزعم أبو العباس باطل، بل حكى النحويون أن ذلك لغة العرب"( 12).
فإنكار المبرد ومن تبعه لهذا المحكي عن العرب إنكار لإجماع من غير مسوِّغ .
الوجه الثاني : أن في إنكار المبرد إسقاطًا للاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدتَهُ النحويون وغيرهم ، واستشهدوا بهذا البيت وغيره من القصيدة كما يقول السيرافي ، وفي ذلك إنكار لما أجمع الجماعة على روايته عن العرب(13 ).
قال أبو سعيد السيرافي : "وكان أبو العباس المبرد ينكر لَوْلايَ ولَوْلاكَ، ويزعم أنه خطأ لم يأت عن ثقة ، وأن الذي استغواهم بيت الثقفي وأن قصيدته فيها خطأ كثير"(14 ).
وهذا الإنكار من أبي العباس مردود لأمور ثلاثة :
أولها : أنه قد جاء ذلك كثيرًا في كلام العرب وليس في كلام هذا الشاعر فحسب ، ومنه ما أنشده الفراء( 15) :
أتُطْمِعُ فينا مَنْ أراق دِمَاءَنَا *** ولَوْلاكَ لم يَعْرِضْ لأَحْسَابِنَا حَسَنْ
ثانيها : أن إنكار مثل هذا لا يحسن؛ إذ الثقفىُّ من أعيان شعراء العرب، وقد روى شعرَهُ الثقاتُ، فلا سبيل إلى منع الأخذ به، مع أنه قد جاء من غير جهة الثقفي ،مثل ما قال ابن يعيش تبعًا للسيرافي(16 ).
ثالثها : أن الحرف الشاذ أو الحرفين أو الثلاثة إذا وقع ذلك في قصيدة من الشعر القديم لم يكن قادحًا في قائلها ولا دافعًا للاحتجاج بشعره كما قال ابن الشجري، وتبعه البغدادي في الخزانة(17).
ومن هنا يتبين ضعف ما نقله المبرد عن أبي عمر الجرمي وتابعه عليه الفارسي من أن الجرمي اجتهد في طلب مثل هذا في شعر فصيح أو كلام منثور عن العرب فلم يجده (18 ).
الوجه الثالث: أن عدم مجيء الضمير المتصل في التنزيل لا يدل على عدم جوازه، "ألا ترى أنه لم يأتِ في التنزيل ترك عمل (ما) في المبتدأ والخبر نحو: "ما زيدٌ قائمٌ ، وما عمرٌو منطلقٌ"، وإن كانت لغة جائزة فصيحة، وهي لغة بني تميم.. ثم لم يدلَّ عدمُ مجيئها في التنزيل على أنها غير جائزة ولا فصيحة"(19 ).
مما سبق في خلال هذه الأوجه الثلاثة يظهر ضعف موقف المبرد والفارسي ووهن حجتهما، وقوة مذهب سيبويه والجمهور ، من حيث السماع والقياس والاستدلال ، وقد استنكر مسلكَ المبردِ أكثرُ النحاة، كالسيرافي(20 )، والشنتمري( 21)، وابن الأنباري(22 )، وابن عصفور( 23)، وابن الشجري(24 )، وأبي علي الشلوبين(25 )، وابن يعيش(26 )، وأبي حيان(27 )، والمرادي(28 )، وابن عقيل(29 )، والسيوطي (30 )، والأشموني( 31).
وجدير بالذكر أن أبا علي لم يتابع شيخه أبا إسحاق الزجاج في هذه القضية ؛حيث نقل البغدادي(32 ) عن أبي جعفر النحاس أن أبا إسحاق جرى على عادته في الاحتجاج عن سيبويه والتصحيح عنه ، فقال: إن خبر المبتدأ الذي بعد (لولا) لا يظهر فأشبهتْ (لولا) حروف الجر لوقوع اسم بعدها ، وكان المضمر لا يتبين فيه إعراب ، فجعل موضع المجرور،ثم قال النحاس: وهذا احتجاج لطيف لم نر أحدًا يحسن مثل هذا ، وزاد عليه هذا أنه احتج بقول رؤبة (33 )، وهو مما لا تُدفع فصاحته :
* لولاكُمَا قَدْ خَرَجَتْ نَفْسَاهُمَا * "(34 ).
ومن ثَمَّ فتوهين مذهب سيبويه وتضعيفه،أو وصفه بالخطأ واللحن مثل ما نحا المبرد والفارسي، لا متابع لهما فيه،وهما محجوجان بالسماع والإجماع، ولا مدفع لنحو سيبويه سماعًا أو قياسًا.
--------------------------
(1 ) [سورة سبأ: 31] .
( 2) انظر: الكتاب 1/388 بولاق،2/373 هارون ، المقتضب 3/73، شرح السيرافي 3/136، النكت 2/277، أمالي ابن الشجري 1/276-277، الإنصاف 2/687، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 473 ، المقرب 1/193، التوطئة لأبي علي الشلوبين(ت645هـ) ، تحقيق الدكتور يوسف أحمد المطوع – الكويت – 1401هـ-1981م- 242، شرح المفصل لابن يعيش 3/118، شرح الكافية للرضي 4/444، رصف المباني 295، ارتشاف الضـرب 4/1757، مغني اللبيب 3/450، شرح ابن عقيل على الألفية 3/7، الجني الداني 604، همع الهوامع 4/210، حاشية الصبان 2/307، خزانة الأدب 5/336 .
(3 ) الكتاب 1/388 بولاق،2/373 هارون.
(4 ) الكامل 3/1277، وانظر : المقتضب 3/73 .
(5 ) التعليقة 2/89 .
( 6) البيت من شواهد: البيان والتبيين للجاحظ ، تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون - مكتبة الخانجي – 1418هـ – 1998م - 3/362، ومعاني القرآن للفراء 2/85، وهو من شواهد الكتاب 1/388 بولاق، وجاء فيها: (يزيد بن أم الحكم)، و2/374 هارون، وفيها: (يزيد بن الحكم)، وكذا في شرح السيرافي 3/135، والنكت 2/277، والإنصاف 2/691، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور 473، والمقرب 1/193، والكامل 3/1277، وشرح المفصل 3/118 وفيه : ابن أم الحكم ، والرضي 4/444، ورصف المباني 295، والجنى الداني 603، وشرح ابن عقيل 3/9، وهمع الهوامع 4/208، وحاشية الصبان 2/307، والخزانة 5/337، وشرح شواهد سيبويه للنحاس 153، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2/143 .
وطحت: هلكت ، والأجرام: جمع جرم وهو الجسد ، والنيق : بكسر النون أرفع موضع بجبل ، والقُلة: وتروى (القُنَّة): أعلى الجبل ، والمنهوى : الساقط .
(7 ) والبيت منسوب لعمرَ بن أبي ربيعة في (ملحقات ديوانه 92 ،تعليق الدكتور فايز محمد- دار الكتاب العربي – بيروت – 1416هـ - 1996م) ، وهو من شواهد شرح السيرافي 3/137، والتعليقة 2/289، والإنصاف 2/693، وأمالي ابن الشجري 1/278، وشرح جمل الزجاجي 473، وابن يعيش 3/119، والرضي 4/444 والهمع 4/209، والخزانة 5/339 .
وأومت: أشارت أصله أومأت . والهودج : مركب من مراكب النساء .
( 8) التعليقة 2/90 .
(9 ) شرح السيرافي 3/137، النكت 2/277، شرح جمل الزجاجي 473 .
(10 ) ارتشاف الضرب 4/1757، وانظر: التوطئة 242 .
( 11) خزانة الأدب 5/337 .
(12 ) شرح جمل الزجاجي 473 .
(13 ) شرح السيرافي 3/137 .
(14 ) شرح السيرافي 3/137 .
( 15) البيت لعمرو بن العاص ، قاله لمعاوية بن أبي سفيان في شأن الحسن بن علي - رضي الله عنهم أجمعين – وهو من شواهد الإنصاف 2/393، ومعاني القرآن للفراء 2/85 برواية (حَسَمْ) بدل (حَسَنْ)،و (أيطمع) بدل (أتطمع)، وشرح جمل الزجاجي 473، وشرح المفصل 3/120، وشرح ابن عقيل 3/7، وحاشية الصبان 2/307، والخزانة 5/342 .
وأراق : أسال ، ويَعْرِض: أراد أن يتعرض لها بالنَّيلِ منها .
(16 ) شرح السيرافي 3/137، شرح المفصل لابن يعيش 3/120 .
(17 ) أمالي الشجري 1/277، خزانة الأدب 5/339 .
(18 ) التعليقة 2/90 .
( 19) الإنصاف 2/694 .
(20 ) شرح سيبويه للسيرافي 3/137 .
(21 ) النكت على سيبويه 2/278 .
(22 ) الإنصاف 2/690 .
(23 ) شرح جمل الزجاجي 473 .
(24 ) أمالي ابن الشجري 1/237 .
(25 ) التوطئة 242،وانظر: ارتشاف الضرب 4/1757 .
( 26) شرح المفصل 3/120 .
(27 ) ارتشاف الضرب 4/1757 .
(28 ) الجني الداني 605 .
(29 ) شرح ابن عقيل 3/7 .
(30 ) همع الهوامع 4/210 .
(31 ) شرح الأشموني مع الصبان 2/307 .
(32 ) نقل ذلك عن أبي جعفر النحاس من شرح أبيات سيبويه ،وانظر: الخزانة 5/340، ولم أجده في شرح أبيات سيبويه للنحاس 153.
( 33) نسبه أبو جعفر النحاس لرؤبة،وليس في ديوانه، نقله عنه البغدادي في الخزانة 5/341 نقلًا عن شرح أبيات سيبويه، وكذا نسبه في حاشية الإنصاف لرؤبة 2/692، وذكره المالقي في رصف المباني 296 بلا نسبة ، واستنكر محققه نسبته لرؤبة ، وليس في ديوانه .
(34 ) الخزانة 5/341 .
