هل العربية فقيرة في الدلالة على الزمن؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    هل العربية فقيرة في الدلالة على الزمن؟

    هل العربية فقيرة في الدلالة على الزمن؟


    أ. محمود ربايعة


    دراسة متخصصة في الإجابة عن تساؤل:
    هل العربية فقيرة في الدلالة على الزمن؟

    سؤال فيه احتمالات كثيرة متنوّعة، ويحمل في طيّاته استفساراتٌ مُتَشعِّبة:

    ماذا نعني بالعربية وبالدلالة وبالزمن؟
    أهي اللغة العربية كلُّها؟
    أم قِسْما الكلام العربيّ: الاسم والفعل
    وهل الدلالة هي المعنى المجرّد للشيء؟
    وما الزمن؟
    أهو يختلف عن الزمان؟
    بمعنى هل كان اللغويون القدماء يُفرّقون بين الزمان والزمن؟
    ولا شكَّ في أنَّ البحث فيها ذو شجون، والتعمّق فيها يحتاج إلى سبر اللغة وأقيستها وعللها وما تناوله القدماء والمحدثون في ذلك، وفي عملي البحثيّ المتواضع، سأتناول احتمالية فَقْر الأسماء والأفعال للدلالة على الزمن وتنوّعاته واختلافاته وتحديده، وسأجيب في تقريري البحثيّ عن دلالة الزمن في الصيغة البنائية الفعلية، والسياقات النحويّة التركيبية، وما يصدُر عن الصيغة من المشتقات الصرفية، نحو: اسم الفاعل واسم المفعول والمبالغة واسم التفضيل والصفة المشبّهة وما إلى غير ذلك، واللغة لا يُطلق عليها لغة إلا إذا كانت أقسام الكلام مجتمعة في الجملة العربية، بغضّ الطَّرْف عن عدم احتياج الجملة إلى الحرف وهو ثالث أقسام الكلام في العربية.

    ومعروفٌ أنَّ تناول فروع علم اللغة العربية لم يُدرس عند القدماء اللغويين مُرتّبًا تصاعديًّا، وإنما جاءت دراساتهم بالترتيب التنازليّ، دون تبريرهم لذلك، وظلّ اللغويون اللاحقون بسَلَفِهم على نهج اللغويين القدماء في تصنيف مؤلّفاتهم ومُصنَّفاتهم النحوية، إلا ما خلا من كتابات صرفية بحتة قد فصلوا فيها النحو عن الصرف، وربّما هذا كان مجالاً لخلق معضلة كبيرة في دراسة الفعل وصيغته ودلالتهما على الزمن؛ لأن اللغويين أبدَوْا اهتمامًا للنحو على حساب الصرف، لتناول الصرف قضايا بنائية ثابتة للصيغ دون وقوعها في سياقات التركيب والنحو.

    مفهوم الدلالة: يرى المعجميّون أن الدلالة والدليل: هو الهداية والإرشاد، والمرشد والهادي(1) وفي الاصطلاح: ”هي كونُ الشيء بحالة يلزم من العلم به العلمُ بشيء آخر، والشيءُ الأوّل هو الدالُّ والثاني هو المدلول … فدلالة النصّ عبارة عمّا ثبتَ بمعنى النّصّ لغةً لا اجتهادًا” (2). فالدلالة تُفهم من لفظ النص والعبارة والكلمة، ولا تحتاج إلى اجتهاد.

    وأمّا الفعل فهو من أقسام الكلام الرئيسة ولا تستغني الجملة العربية عنه، وموضوع التقرير يتناوله، وهو عند أهل المنطق: الهيئةُ العارضةُ للمؤثِّر في غيره بسبب التأثير أوّلاً، كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعًا(3)، ويمكن تعريفُ الفعل بأنه: ”حَرَكة الإنسان أو كناية عن كلِّ عمَلٍ مُتعدٍّ أو غير متعدٍّ “(4)، وعند النحويويين فيرى سيبويه: ”وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع، فأما بناء ما مضى: فذهب وسمع ومكث وحمد، وأما بناء ما لم يقع فإنه قولك آمرًا: اذهب واقتل واضرب، ومخبرًا: يقتل ويذهب … وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت“(5). والاسم: كلّ ما استقلّ بالمعنى بذاته مع استغنائه عن الزمن.

    ومما يلزم تعريفه وكشفُه الزمن والزمان، وهما من اصطلاحات النحو التي تناولها النحويون والصرفيون، ولا بدَّ أن يكون هناك فرقٌ بينهما، ولكلٍّ منهما استخدامه وموقعه في كلام اللغويين، ويبدو أنَّ الزمن قد اخْتُصَّ بصيغة الفعل ووقت حدوثه وحركته، وأمّا الزمان فهو عند المانطقة: ”مقدارُ حركة الفلك الأطلس عند الحكماء، وعند المتكلّمين: عبارة عن متجدّد معلوم يُقدَّر به مُتجدِّدٌ آخرُ موهوم، كما يقالُ: آتيك عند طلوع الشمس، فإنَّ طـــلوع الشمس معلومٌ ومجيئه موهومٌ، فــــإذا قُرِنَ ذلك الموهوم بذلك المعلوم زال الإيهامُ”(6)، وهو عند أصحاب المعاجم بمعنىً واحد، إذ هو اسمان لقليل الوقت وكثيره، (7)، ويُفرّق بينهما تمّام حسان بقوله: ”إنَّ الزمان كمّيّة رياضيّة من كمّيّات التوقيت تُقاس بأطوالٍ معيّنة … فلا يدخل في تحديد معنى الصِّيغ المفردة ولا في تحديد معنى الصِّيغ في السياق النحويّ، ولا يرتبط بالحدث كما يرتبط الزمن النحويّ، إذ يُعتبر الزمنُ النحويّ جزءًا من معنى الفعل”(8). وأرى أنهما بمعنى واحدٍ قياسًا لِما استخدمه اللغويون.

    وعند الحديث عن فَقْر اللغة العربية للدلالة على الزمن، فيمكن أن يكون عند بعض المستشرقين ومَنْ لفَّ لفَّهما وعند اللغويين العرب المعاصرين سؤالاً مشروعًا، ومقبولاً، مع ما في باطنه من نقيصةٍ للغتنا الفصيحة والحيَّة، ورغم ذلك فلا يُسْتعجَلُ بالإجابة عنه، لأنَّ تركيب الجملة العربية أو صِيَغَ أفعالها خلقت إشكاليةً في دلالتهما على الزمن، وهي قضيّة قديمة حديثة، ولا يزال الدارسون يتناولونها بعناية ودراية، فهناك من الباحثين من ينفي دلالة الجملة الاسمية على الزمن، فيقول: ”الجملة الاسمية في اللغة العربية لا تشتمل على معنى الزمن، فهي جملة تصفُ المُسند إليه بالمُسنَد ولا تشيرُ إلى حدثٍ ولا إلى زمنٍ … وإذا أردنا تحديد زمن أو جعل الزمن فيها أتينا بأفعال مساعدة كالفعل الناقص كان، أصبح … فيؤثّر الفعل الناسخ أو الناقص في منظور الجملة من حيث الزمن” (9)، ويبقى هناك إشكاليّة في كلام الباحث تمّام، وهو أنّ النحاة منهم يعدّ الجملة الاسمية التي تدخل عليها كان وأخواتها جملةً اسميّة باقية على اسميَّتها، ومنهم من يعدّها جملة فعليّة، لأنه مهما اجتهدنا باستبعاد كان أو صار عن الفعل إلا أنه يبقى فيها معنى الحدث والفعل، أي معنى الكينونة أو الصيرورة، ويكفي دلالة على اتّساع اللغة العربية مقارنة بغيرها، أنَّ الإنجليزية مثلاً لا تحتمل جملتين: اسمية وفعلية في أبنيتها وتراكيبها، فعندهم الجملة الاسمية تدلّ على الاثنتين بما عندنا في اللغة العربية، وحتّى ألفاظ الزمان فيها غير مقنعة لغير أهلها كما العربية، ومن الدارسين العرب المحدثين من يرى أنَّ الجملة الاسمية فيها معنى الجمود والثبات، وإلغاء الزمن فيها، وهذا ما لا يُقِرُّ به بعضهم، فيقول مالك المطلبيّ:” إن معنى ” الثبوت” الاصطلاحيّ هو الجمود وهو الذي يقابل التجدّد والجملة الاسمية هي الجملة الجامدة، الثابتة، أي المُفرّغة عن الحركة، وليست المفرّغة من الزمن، كقوله تعالى:” وكانَ في المدينة تسعةُ رَهْطٍ “(10). … فهذه جملٌ اسمية دالّةٌ على الثبوت، أي جمل مُفَرَّغة من الحركة التي تستند إلى تجدّد وجودها، في الزمن الماضي“(11)، وربما يسأل سائلٌ، هذا في الجملة الاسمية الداخلة عليها كان، وكان فيها معنى الزمن أكثر من الحدث، فأين الزمن في عبارة: يوسف أخوك؟ فأقول: مهما كان المبتدأ والخبرُ قد اكتنفهما الجمود والثبات، إلا أنَّ الزمن يفرض نفسه عليهما أو على الجملة، فجمود الجملة الاسمية يتجد المعنى فيها عن طريق الزمن، بغضّ النظر عن طبيعة ذلك الزمن وامتداده.

    والخلاف والاختلاف الذي خاض فيه كثيرٌ من الباحثين القدماء والمعاصرين في الفعل وصيغته، وأن صيغة الفعل الصرفية تَفْتَقِرُ إلى الدلالة عن الزمن، وإنْ كان في في الصيغة الفعلية الصرفية زمن فهو يختلف عن زمن الفعل في السياق النحويّ، فهناك من يرى أنَّ:” معنى الزمن النحويّ يختلف عن معنى الزمن الصرفيّ من حيثُ إنَّ الزمن الصرفيّ وظيفة الصيغة وإنَّ الزمن النحويّ وظيفة السياق تحدّدها الضمائم والقرائن”(12)، مثل: غداً، الآنَ، أمسِ ونحوها، وهو كلام فيه اختلاط وعبثية، فاللغة غير قاصرة عن ذلك، وأيضاً، لا بدَّ أن نُفرّق بين بين الصيغة والجذر أو المادّة الأصليّة للفعل، لأنه بمجرد تركيب الأصوات المبعثرة وضمّها إلى بعضها بعضاً بتناسق بحيث تؤدّي معنى الحدث، فإن الحدثَ عندئذٍ يرتبط تلقائيّاً بالزمن، فلا يُسمّى الحدث حدثاً أو فعلاً إلا بفاعل وزمن ومكان، فلا يخرج عنها. ولذلك نراه يناقض نفسه عندما لاحظ أنَّ الجملة الاستفهاميّة هي الوحيدة بين الجمل الإنشائية التيّ تتوافق فيها دلالة الصيغة صرفيّاً ونحوياً على طول الخطّ، فيدلّ فيها فعلَ على الماضي ويدلّ ” يفعلُ” على الحال أو الاستقبال بحسب الضمائم والقرائن” (13)، وهذا يدلّ على عدم فقر اللغة العربية للدلالة على الزمن.

    ويرى غيره أنَّ من اتّساع دلالة اللغة العربية على الزمن، مثال الفعل الماضي مع ” إنْ” الشرطيّة، فقد قرَّر النحاة القدماء أنَّ الفعل الماضي مع ” إنْ” الشرطيّة يخلص إلى الحاضر أو المستقبل، فيقول:” إن الفعل الماضي يبقى ماضياً مع إنْ الشرطية؛ لأنَّ المتكلّم ربما يقصد الماضي أو الحاضر أو المستقبل”(14)، وهو كلام معقول، لا كما قيَّده النحاة سابقاً. ومثله قوله تعالى:” إنّا أعطيناكَ الكَوثرَ “(15)، يفيد الفعلُ الماضيَ وهو تحقّق الإعطاء، وظاهر الآية يدلُّ على ذلك، رغم أنَّ بعضهم يرى أنَّه وعدٌ بلا عطاء”(16)، ومن تجنّي بعضهم على اللغة العربية أنَّ منهم من يرى أنَّ لكل فعل اقتراناً بالزمن وأخرج الأساليب الإنشائية من الدلالة على الزمن، فكيف يجوز ذلك والأساليب الإنشائية تشتمل كلّها على أفعال؟؟

    وهناك مَنْ يقف خلف هذه القضية ـــ فقر اللغة العربية للدلالة على الزمن ـــ يقول أحد الدارسين على لسان مستشرق بأنه ينفي: أن يكون في السامية المشتركة أيّة وسيلة للتمييز بين أزمنة الفعل المختلفة، ويرى المستشرق كذلك أنه لا يوجد من الزمن الحقيقي بمعناه الحقيقي إلا اثنان: التامّ وغير التامّ، ويرى غيرهم أن اللغات السامية بشكل عامّ تخلو من الصيغ الدالّة على الزمن بالشكل الصحيح، وهذا من أقوال المستشرق الإيطالي موسكاني.(17). وهذا تجنٍّ على حيوية اللغة العربية وغيرها من اللغات الساميّة، وإنما هي آراءٌ جاءت للتقليل من شأن اللغة العربية، وعدّها مفتقرة وفقيرة للدلالة على الزمن وتحديده.

    ونخلص إلى أنَّ اللغة العربية قد تعرَّضت لهجماتٍ شرسةٍ من بعض المستشرقين ومن بعض أبنائها بحُسن النيَّة أو دونه، وهناك مَنْ أنصفها من هذه القضية، قضية الافتقار من الدلالة، أمثال مالك المطلبي وعادل بن معتوق العثيان من المعاصرين اللغويين.

    ___________________________

    ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب 11/ 248 ؛ الجرجانيّ، علي بن محمد، التعريفات، ص 107؛ العثيان، عادل: صيغة الفعل دلالتها الصرفية والنحوية عند اللغوين المعاصرين، ص 2
    الجرجاني: التعريفات، ص 107 (
    المصدر نفسه، ص 166 .
    ابن منظور: لسان العرب 11 / 528؛ الفيروز آبادي:
    القاموس المحيط 4 / 32
    سيبويه، أبو بشر عمرو: الكتاب 1/2
    الجرجاني: التعريفات، ص 116.
    ابن منظور: لسان العرب 13/ 199.
    تمّام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص 242
    تمام حسان: اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 193
    سورة النمل: 48.
    مالك يوسف المطلبيّ: الزمن واللغة، ص 54 – 55.
    تمام حسان: اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 24
    عادل العثيان: صيغة الفعل، ص 9.
    سورة الكوثر: 1 .
    عادل العثيان: صيغة الفعل، ص 1
    مالك المطلبيّ: الزمن واللغة، ص 34



    .
يعمل...