مراتب الدلالة على (الاختصاص) في القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    مراتب الدلالة على (الاختصاص) في القرآن الكريم

    مراتب الدلالة على (الاختصاص) في القرآن الكريم


    د. محروس بريك


    للتعبير عن معنى الاختصاص في القرآن الكريم وفي كلام البلغاء مراتبُ أربع([1]): أولها: مجرد تقديم المفعول نحو “إياك نعبد” [الفاتحة:5]، وثانيها: تقديمه على فعله العامل في ضميره نحو: “وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا” [الأنبياء:74]، وثالثها: تقديمه على فعله مع اقتران الفعل بالفاء نحو: “وربَّك فكبر” [المدثر:3]، ورابعها: تقديمه على فعله العامل في ضميره مع اقتران الفعل بالفاء نحو: “وإياي فارهبون” [البقرة:40]، ونحو قوله تعالى: “وإياي فاتقون” [البقرة:41]، وقوله عز وجل: “فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ” [النحل:51]، وقوله جل وعلا: “فإياي فاعبدون” [العنكبوت:56]، فالمرتبة الثانية والثالثة والرابعة متدرجة في الدلالة على تأكيد معنى الاختصاص إلا أن المرتبة الرابعة “أوكد في إفادة الاختصاص”([2])؛ ذلك لأنه إذا تقدم المفعول به في أسلوب الاشتغال وكان ضميرا منفصلا فالأولى تقدير الفعل المحذوف متأخرا لا متقدما على هذا المفعول؛ إذ لو قدر الفعل متقدما لاتَّصل الضمير المنفصل، ولفات معنى الاختصاص.

    وإنما تأكد معنى الاختصاص من جهة مجيء الكلام على طريقة الاشتغال، و”الاشتغال في قوة تكرار الجملة”([3])؛ إذ تقدير الكلام (وإياي ارهبوا فارهبوني) ، وحَذْفُ ياء المتكلم بعد نون الوقاية في الوقف والوصل -في قوله : (فارهبون ، فاتقون ، فاعبدون)- قراءة الجمهور، وهي لغة هذيل ؛ ووجه ذلك أنها وقعت فاصلةً فاعتبروها كالموقوف عليها، قال سيبويه في باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف: “وجميع ما لا يحذف في الكلام وما يختار فيه أن لا يحذف، يحذف في الفواصل والقوافي”([4]). وأثبتها يعقوب في الوصل والوقف، وهي قراءة عن ابن أبي إسحاق ، وهي لغة الحجازيين . وحذفها عيسى بن عمر في الوقف وأثبتها في الوصل([5]).

    وازداد التوكيد قوة باقتران الكلام بالفاء ؛ ذلك أن دخولها أفاد معنى السببية والترتب التي هي “من معاني الفاء ، وهي تأتي للربط بين جملة الشرط وجملة الجواب -إذا كانت جملة الجواب مما لا يصلح أن يكون شرطا- والشرط فيه ترتب شيء على آخر … ولذلك نجد أن مثل هذا التركيب مشبه بأسلوب الشرط لمكان الفاء”([6])؛ فالكلام “إذا اقترن بالفاء كان فيه مبالغة ، لأن الفاء كما في هذه الآية مؤذنة بشرط مقدر”([7]).

    إن سياق الآيات يناسبه إرادة تأكيد معنى الاختصاص ؛ ففي قوله تعالى: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”]البقرة:40[ عبر القرآن بقوله (وإياي فارهبون) عقب أمر بني إسرائيل بالوفاء ؛ “لأنه لما كان من موانع الوفاء بالعهد الذي فشا تركه في شعب إسرائيل خوف بعضهم من بعض؛ لما بين الرؤساء ومرؤوسيهم من المنافع المشتركة – ذكَّرهم الله عز وجل بأن الأولى ألا تخافوا ولا ترهبوا إلا من بيده أزمَّة المنافع كلها ، وهو الله الذي أنعم عليكم بتلك النعمة الكبرى أو النعم كلها ، وهو وحده القادر على سلبها ، وعلى العقوبة على ترك الشكر عليها ، فارهبوه وحده ولا ترهبوا سواه“([8]). لما كان هذا شأنهم ناسبه أن يأتي الكلام مرادا به تأكيد اختصاص الله عز وجل بالرهبة دون سواه.

    وفي قوله تعالى -في السياق نفسه- مخاطبا بني إسرائيل: “وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ”]البقرة:41[ سلك القرآن في قوله تعالى (وإياي فاتقون) المسلك السابق، فعبر بطريقة الاشتغال مع تقديم المفعول به واقتران الفعل المتأخر بالفاء؛ ذلك لإرادة تأكيد معنى اختصاصه عز وجل بالاتقاء؛ إذ إن ” استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرؤوس ، واتقاء المرؤوس غضب الرئيس ، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى الله وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم ،وهو المسخر لهم في أعمالهم ، وبيده الخير كله ، وهو على كل شيء قدير”([9]).

    وفي قوله تعالى: “وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”]النحل:51[ عبر القرآن بالطريقة السابقة نفسها لإرادة تأكيد اختصاص الله عز وجل بالرهبة دون سواه ؛ ذلك لأنه “لما كانت الوحدانية مما لا يخفي على عاقل ، وكانت مركوزة في كل فطرة ، بدليل الاضطراب عند المحن ، والشدائد والفتن ، وكانت الرهبة … خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم، عبر بها فقال تعالى : (فارهبونِ) مُختصًّا بذلك، ولا تخافوا شيئاً غيري من صنم ولا غيره ، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة ، وإن أودعته قدرة فإنه لا يتمكن من إنفاذها، فالأمر كله إليّ وحدي”([10]).

    وفي قوله عز وجل : “يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ” [العنكبوت:56] سلك القرآن الطريقة نفسها حينما قال (فإياي فاعبدون) ؛ وذلك لأنه لما كانت سورة العنكبوت سورة مكية “وكانت الإقامة بمكة قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة ، وكان المَفْتون ربما طاوع بلسانه ، وكان ذلك ،وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان، في صورة الشرك”([11]) – لمَّا كان هذا كله أكد عز وجل اختصاصه بالعبادة دون غيره ، وذلك بالتعبير بطريقة الاشتغال مع تقديم المفعول به (إياي) واقتران الكلام بالفاء التي تؤذن بشرط محذوف ، وتقدير الكلام (ومهما يكن من شيء فإياي اعبدوا فاعبدوني)؛ يقول الزمخشري مبينا معنى الترتب في قوله تعالى “وربَّك فكبِّر” [المدثر:3]: “ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره”([12]).

    ____________________________

    الحواشي:

    ([1] ) انظر: التحرير والتنوير ج1 ص457.

    ([2] ) الكشاف ج1 ص 159.

    ([3] ) التحرير والتنوير ج27 ص 16.

    ([4] ) الكتاب ج4 ص184-185.

    ([5] ) انظر: التحرير والتنوير ج1 ص457 ، ومعجم القراءات القرآنية للخطيب ج1 ص91.

    ([6] ) بناء الجملة العربية ص 96–97 (د. محمد حماسة عبد اللطيف، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1416هـ/1996م)

    ([7] ) التحرير والتنوير ج1 ص455.

    ([8] ) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج 4 ص 152 “بتصرف يسير” (الإمام محمد عبده، تحقيق وتقديم د. محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1414هـ/1993م).

    ([9] ) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج4 ص153.

    ([10] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج 11 ص177.

    ([11] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج14 ص465.

    ([12] ) الكشاف ج4 ص647.




    .
يعمل...