(حياتي في حكاياتي) للدكتور حسن الشافعي
تحرير: خالد عبده

يعرف الشيخ الشافعي في الوسط الثقافي اليوم بهاتين الصفتين، وعلى الرغم من ظهوره في المشهد السياسي منذ لحظة بدء الفعل الثوري في مصر واضطلاعه بدور كبير في الأزهر، سجل جزءًا منه فيما بعد في مذكراته المنشورة بعنوان (شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر) ونشر في دار الغرب الإسلامي، ولعله –أمدّ الله في عمره- سيسجل الكثير من التفاصيل في سيرته الذاتية (حياتي في حكاياتي) التي ينتظرها طلاّبه والمهتمون بدور عالم جليل مثله، أدى دوره في خدمة العلم والإسلام شرقًا وغربًا، ولا يزال. إلا أنه غير معروف عند كثيرين من متابعي الدرس الصوفي اليوم، إذ لا يظهر الشيخ في الإعلام المرئي كثيرًا ولا يكتب في الصحف ولا تعقد معه الحوارات طالما أنه اكتفى بتدريس الطلاّب في الأزهر، فلم يعد هناك من حاجة من الاهتمام بأخباره إلا في ما ندر.
اهتم الجمهور الذي يقدّر المواقف السياسية بالشيخ الشافعي نظرًا لمؤازرته للتيار الإسلامي، وبدأت المقالات في السنوات الأربع الأخيرة تُكتب عنه وعن جهوده وعن مواقفه، ولم يقارب أحد ممن كتب شيئًا من إنتاجه الفكري، فأهل السياسة لا يلتفتون للأوراق بقدر اهتماماهم بمن تصبّ جهوده في المجتمع في صالحهم، كُتبت المقالات عن مواقف الشيخ من الثورة في يناير ومن رابعة وما تلاها من أحداث، وبطبيعة الحال حينما جلس الشيخ في الجامع الأزهر يستكمل دروسه التي بدأها قبل سنوات مع مشروع إحياء دروس الأزهر[1] لم تتحدث المقالات عن كتاب يشرحه أو علم ينشره!
لكن كثيرين ممن تتلمذوا على الشيخ في السلوك قبل العلم كتبوا عنه قبل سنوات، وهم على اختلاف مشاربهم مجمعون على أنه من أنبل من عرفوا خلقًا، ومن أدق من عرفوا في أمور البحث والكتابة، ومن يختلف مع الشيخ في النهج أيضًا يشهد له بتمكّنه في المعرفة، ومن ذلك ما قاله الأستاذ عبد المجيد الشرفي في كتابه (الإسلام بين الرسالة والتاريخ) عن المؤلفات الكلامية في العصر الحديث، وأن كتابًا من أفضل الكتب المرجعية لا يقارن بغيره من الكتب هو كتاب المدخل إلى علم الكلام للشيخ الشافعي.
وفيما يلي، نذكر تعريفًا بالشيخ وبمؤلفات الشيخ بشكل موجز[2]:
كتب أحد تلامذة الشيخ معرّفًا به وبمحطاته العلمية، يقول:اتَّسَمَتْ شَخْصِيَّةُ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ حَسَنِ الشَّافِعِيِّ بِثَرَائِهَا الفِكْرِيِّ وَتَعَدُّدِ جَوَانِبِهَا، وَامْتَدَّتْ تَجْرِبَتُهُ العِلْمِيَّةُ وَالفِكْرِيَّةُ عَلَى مَدَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، وَلاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنَ المُتَخَصِّصِينَ فِي الحَقْلِ الفَلْسَفِيِّ وَالفِكْرِيِّ أَنَّ الأُسْتَاذَ الدُّكْتُورَ حَسَنَ الشَّافِعِيَّ شَخْصِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ لاَ يَخْتَلِفُ عَلَيْهَا اثْنَانِ، وَقَدْ قَالَ أَصْدِقَاؤُهُ وَتَلاَمِذَتُهُ الكَثِيرَ وَالكَثِيرَ عَنْهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ وَأَخْلاَقِهِ.
وَالمُتَتَبِّعُ لِمَسِيرَةِ حَيَاةِ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ حَسَنِ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ كُلَّ مَا قِيلَ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَأَنَّ مَا تَوَلاَّهُ مِنْ عُضْوِيَّاتٍ، وَمَا تَقَلَّدَهُ مِنْ مَنَاصِبَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ اسْتِحْقَاقٍ وَجَدَارَةٍ، فَقَدْ تَلَقَّى مَرَاحِلَ دِرَاسَتِهِ الأُولَى فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ، وَاسْتَهَلَّهَا بِحِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَتَلَقَّى العُلُومَ الإِسْلاَمِيَّةَ الأَوَّلِيَّةَ عَلَى يَدِ شُيُوخِ بَلْدَتِهِ؛ إذ دَرَسَ الاِبْتِدَائِيَّةَ الأَزْهَرِيَّةَ فِي مَعْهَدِ القَاهِرَةِ الدِّينِيِّ الأَزْهَرِيِّ.
ـ ثم الْتَحَقَ بِكُلِّيَّةِ أُصُولِ الدِّينِ بِجَامِعَةِ الأَزْهَرِ عَامَ 1953م، وَبَعْدَهَا بِعَامٍ الْتَحَقَ بِكُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ، وَتَخَصَّصَ فِي دِرَاسَةِ الفَلْسَفَةِ وَالعَقِيدَةِ، وَدَرَسَهُمَا فِي الجَامِعَتَيْنِ مَعًا.
ومن أهم المحطات في حياة شيخنا الجليل “حسن الشافعي”:
ـ تَوَقَّفه عَنِ الدِّرَاسَةِ لأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ امْتَدَّتْ إِلَى سِتِّ سَنَوَاتٍ، سَمَّاهَا بِالسَّنَوَاتِ العِجَافِ، وَبَعْدَهَا عَادَ إِلَى دِرَاسَتِهِ لِلْجَامِعَتَيْنِ مَعًا مِنْ جَدِيدٍ.
ـ حُصوله عَلَى الشَّهَادَةِ العَالِيَةِ مِنْ كُلِّيَّةِ أُصُولِ الدِّينِ فِي العَقِيدَةِ وَالفَلْسَفَةِ سَنَةَ 1963م.
ـ نيله دَرَجَةَ اللِّيسَانْسِ مِنْ كُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ عَامَ 1963م، بِمَرْتَبَةِ الشَّرَفِ، وَعُيِّنَ مُعِيدًا بِهَا.
ـ الْتَحَاقُه بِدِرَاسَةِ المَاجِسْتِيرِ عَامَ 1964م، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنِ الدِّرَاسَةِ لأَسْبَابٍ خَارِجَةٍ عَنْ إِرَادَتِهِ اسْتَمَرَّتْ لأَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ عَادَ لِلدِّرَاسَةِ عَامَ 1968م.
ـ حُصَوله عَلَى المَاجِسْتِيرِ عَامَ 1969م فِي الفَلْسَفَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ.
ـ الْتَحَاقه بِدِرَاسَةِ الدُّكْتُورَاه عَامَ 1970م، وَاسْتَمَرَّتِ الدِّرَاسَةُ ثَلاَثَ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ الدِّرَاسَةِ فِي مِصْرَ، وَالْتَحَاقه بِكُلِّيَّةِ الدِّرَاسَاتِ الشَّرْقِيَّةِ وَالإِفريقيَّةِ بِجَامِعَةِ لَنْدَنْ، وَأَكْمَلَ رِسَالَةَ الدُّكْتُورَاه هُنَاكَ، وَحَصَلَ عَلَيْهَا عَامَ 1977م.
ـ عَودته إِلَى كُلِّيَّتِهِ (دَارِ العُلُومِ) فِي القَاهِرَةِ، وَدَرَسَ الفَلْسَفَةَ لِمُدَّةِ عَامَيْنِ.
ـ فِي عَامِ 1979م عَمِلَ بِالجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِأُمِّ دُرمَانَ أُسْتَاذًا زَائِرًا، وَعَمِلَ لِفَتَرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِجَامِعَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ بِالسَّعُودِيَّةِ (أُمِّ القُرَى).
ـ فِي عَامِ 1981م أُعِيرَ إِلَى الجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِبَاكِسْتَانَ أُسْتَاذًا، ثُمَّ عَمِيدًا لِكُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ فِي عَامِ 1983م، ثُمَّ عَمِيدًا لِلشُّؤُونِ الإِسْلاَمِيَّةِ لِشُؤُونِ إِسْلاَم آبَادْ عَامَ 1984م، ثُمَّ نَائِبًا لِرَئِيسِ الجَامِعَةِ لِلشُّؤُونِ الأَكَادِيمِيَّةِ عَامَ 1985م وَحَتَّى عَامِ 1988م.
ـ عَودته إِلَى كُلِّيَّتِهِ فِي القَاهِرَةِ، وَعَمِلَ وَكِيلاً لِشُؤُونِ الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا عَامَ 1989م وَحَتَّى عَامِ 1992م، ثُمَّ رَئِيسًا لِقِسْمِ الفَلْسَفَةِ بِكُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ بِالقَاهِرَةِ فِي عَامِ 1994م، وَفِي العَامِ نَفْسِهِ اخْتِيرَ عُضْوًا لِمَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَرَئِيسًا لِلْجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِإِسْلاَم آبَادْ، وَاسْتَمَرَّ رَئِيسًا لَهَا حَتَّى عَامِ 2004م.
أَمَّا عَنْ عُضْوِيَّتِهِ فِي المُؤَسَّسَاتِ العِلْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَ الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ حَسَنُ الشَّافِعِيُّ فِي عُضْوِيَّةِ العَدِيدِ مِنَ الهَيْئَاتِ العِلْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ فِي مِصْرَ وَالخَارِجِ، مِنْهَا:
ـ المَجْلِسُ الأَعْلَى لِلشُّؤُونِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ.
ـ الجَمْعِيَّةُ الفَلْسَفِيَّةُ المِصْرِيَّةُ.
ـ مَرْكَزُ الدِّرَاسَاتِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِجَامِعَةِ القَاهِرَةِ.
ـ المَجْلِسُ العِلْمِيُّ لِكُلِّيَّةِ الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا بِمَانْشِسْتَرْ.
ـ مَجْلِسُ أُمَنَاءِ الجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِإِسْلاَم آبَادْ.
ـ مَجْلِسُ كُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ.
ـ مَجْلِسُ نَادِي هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ بِجَامِعَةِ القَاهِرَةِ.
ـ مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَعُضْوِيَّتُهُ فِيهِ مُسْتَمِرَّةٌ حَتَّى الآنَ، وقد َاشْتُهِرَ عَنْهُ نَشَاطُهُ المَجْمعِيُّ فِي اللِّجَانِ الَّتِي عمل بِهَا.
وللدكتور حسن الشافعي ستة تآلغŒف هي: كـتب المـدخل إلغŒ دراسة علم الكلام، مقدمة فـي الفلسفة العامة، فصول فـي التـصوف، في فكرنا الحدغŒث والمعاصر، لمـحات من الفكر الكلامي، شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر – عدا تآلغŒف بالاشتراك في المنطق ومناهج البحث، إلغŒ جانب تحقغŒقه ودراسـته لكـتابي: غاغŒة المرام فغŒ علم الكـلام، والمـبغŒن فـي معاني ألفاظ الحـكماء والمـتكلمغŒن لسغŒف الدغŒن الآمدغŒ، الذي زوّده بـمقدمة ضـافغŒة عن المصطلح العلمي والكلامي بصفة خاصة في التراث الإسلامي، فصّل فغŒها القول عن المـؤلفات العـامة في المصطلحات المستخدمة في كافة العـلوم الإسـلامغŒة وعلوم اللغـة العربية.
وعدا ما للدكتور الشافعي من ترجمتغŒن عن الإنجلغŒزغŒة لكتابي «تارغŒخ التشرغŒع الإسلامغŒ» لكولغŒن، و«تطور الفكر الفلسفغŒ فغŒ إغŒـران» لمحمد إقبال (بـالاشتراك مع الدكتورغŒن محمد السـعغŒد جـمال الدغŒن ومحمد سراج علغŒ الترتغŒب)، فإن له عشرة أبحاث- ثلاثة منها بالإنجلغŒزغŒة، ألقغŒ اثنان منها في أكادغŒمغŒة الشرغŒعة وندوة الاقتصادغŒغŒن المسلمغŒن بإسلام أباد عن: مبادئ علم أصول الفقه وكغŒف غŒـفغŒد الاقـتصادغŒون المسلمون منه»، وعن «القاضي في ظلّ الدولة الإسلامغŒة (1988)- والأول منشور بمجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجدة (1984).
أما البحوث الثمانغŒة بالعربغŒة، فهي منشورة بحولغŒات دار العلوم عن (مـشكلات تـحقغŒق النصوص العـربغŒة)، ومجلة الدراسات العربغŒة والإسلامغŒة عن:(إعداد الداعغŒة المفتي)، وضمن منشورات كلغŒة الآداب والعلوم الإنسانغŒة بالرباط 1988عن: (الغزالي- المنهج وبعض التطبغŒقات)، وضمن أعمال ندوة تربغŒة الشباب المسلم ودور الجامعات فـغŒها، إسـلام آبـاد،1988 عن: (مشكلة المغالاة في الولاء للقادة وقضغŒة جماعة المسلمغŒن)-إلغŒ جانب البحث المنشور مبكرا عام 1980 بمجلة البنوك الإسلامغŒة والاقـتصاد الإسـلامي بالقاهرة بعنوان: نحو تقسغŒم للعلوم الشرعغŒة الإسلامغŒة، وبحث ألقي بمؤتمر الحضارة الأنـدلسغŒة المـنعقد بـكلغŒة آداب القاهرة 1991 عن ابن رشد الفقغŒه وكتابه: بداغŒة المجتهد ونهاغŒة المقتصد.
ولا غŒتوقف العطاء الثرّ المتواصل للدكتور حسن الشافعي- فمن أبحاثه وترجماته وتحقغŒقاته كتاب «الآمدي وآراؤه الكلامغŒة ودوره فغŒ تطوغŒر علم الكلام» ،وتحقغŒقه لكتاب «عطف الألف المألوف عـلغŒ اللام المعطوف» لأبي الحسن الدغŒلمي، ثم ترجمة هذا الكتاب إلغŒ الإنجلغŒزغŒة (بالاشتراك مع أستاذ اللغة العربغŒة بجامعة برجن بالنروغŒج جوزغŒف بل)، ودراسته بالإنجلغŒزغŒة لعلم الكلام الاثني عشري وتطوره حتغŒ القرن السابع الهجري (تـجرغŒد الاعـتقاد)، وتحقغŒقه كتاب «أساس الاقتباس» في المنطق-بجزئغŒه.
وقد صدر مؤخرًا للشيخ الشافعي سيرته الذاتية التي اختار لها عنوانًا: (حياتي في حكاياتي) يقول عنها أنها:
(نبشٌ في الذاكرةِ، ورقمٌ على الورق، أُريقُ فيه الحِبرَ الممزوجَ بالهمّ والأسى، والذات والأنا، والأمل والألم، رسالةً من جيل ينزل على السفح إلى جيل يَشرع في الصعود، و حوارا بين قرنين _العشرين والحادي والعشرين_؛ وذلك بعد أن صافحتُ _من عمري_ الخامسة والثمانين. قولوا: إنها شيء بين التاريخ و السيرة الذاتية، بين (الحكي العادي) و (القصص الفني)، بين (المحادثة الأخوية) و (الحكاية الأدبية)، وربما يأتي يوم يقول فيه قارئ أو مستمع: يرحمه الله لقد أنصف نفسه و أنصفنا، و شقّ طريقا جديدا في تقديم السيرة الذاتية.
لم أتصنّع أو أتمنّع، إذ وجدتُّ نفسي تدفعني إلى روايتها، و كلماتي تتجمّع لحكايتها، و قلمي يندفع _على غير عادته معي_ ليسجّلها، و الحبر المسكين المراق يختلط بهمومي و همّتي، و حُلمي و قصّتي، و وطني و أمتي.
مزيجٌ من أُنس التواصل و البوح، و (الدردشة) و الإفضاء، و الحوار مع الأماكن و الأشخاص، و الأحداث والأشياء، أرجو ألا يعدم قارئا صديقا يشاركني مرارة الشكوى، و يلمح في الوقت نفسه شرارة الفحوى.
.
تحرير: خالد عبده

يعرف الشيخ الشافعي في الوسط الثقافي اليوم بهاتين الصفتين، وعلى الرغم من ظهوره في المشهد السياسي منذ لحظة بدء الفعل الثوري في مصر واضطلاعه بدور كبير في الأزهر، سجل جزءًا منه فيما بعد في مذكراته المنشورة بعنوان (شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر) ونشر في دار الغرب الإسلامي، ولعله –أمدّ الله في عمره- سيسجل الكثير من التفاصيل في سيرته الذاتية (حياتي في حكاياتي) التي ينتظرها طلاّبه والمهتمون بدور عالم جليل مثله، أدى دوره في خدمة العلم والإسلام شرقًا وغربًا، ولا يزال. إلا أنه غير معروف عند كثيرين من متابعي الدرس الصوفي اليوم، إذ لا يظهر الشيخ في الإعلام المرئي كثيرًا ولا يكتب في الصحف ولا تعقد معه الحوارات طالما أنه اكتفى بتدريس الطلاّب في الأزهر، فلم يعد هناك من حاجة من الاهتمام بأخباره إلا في ما ندر.
اهتم الجمهور الذي يقدّر المواقف السياسية بالشيخ الشافعي نظرًا لمؤازرته للتيار الإسلامي، وبدأت المقالات في السنوات الأربع الأخيرة تُكتب عنه وعن جهوده وعن مواقفه، ولم يقارب أحد ممن كتب شيئًا من إنتاجه الفكري، فأهل السياسة لا يلتفتون للأوراق بقدر اهتماماهم بمن تصبّ جهوده في المجتمع في صالحهم، كُتبت المقالات عن مواقف الشيخ من الثورة في يناير ومن رابعة وما تلاها من أحداث، وبطبيعة الحال حينما جلس الشيخ في الجامع الأزهر يستكمل دروسه التي بدأها قبل سنوات مع مشروع إحياء دروس الأزهر[1] لم تتحدث المقالات عن كتاب يشرحه أو علم ينشره!
لكن كثيرين ممن تتلمذوا على الشيخ في السلوك قبل العلم كتبوا عنه قبل سنوات، وهم على اختلاف مشاربهم مجمعون على أنه من أنبل من عرفوا خلقًا، ومن أدق من عرفوا في أمور البحث والكتابة، ومن يختلف مع الشيخ في النهج أيضًا يشهد له بتمكّنه في المعرفة، ومن ذلك ما قاله الأستاذ عبد المجيد الشرفي في كتابه (الإسلام بين الرسالة والتاريخ) عن المؤلفات الكلامية في العصر الحديث، وأن كتابًا من أفضل الكتب المرجعية لا يقارن بغيره من الكتب هو كتاب المدخل إلى علم الكلام للشيخ الشافعي.
وفيما يلي، نذكر تعريفًا بالشيخ وبمؤلفات الشيخ بشكل موجز[2]:
كتب أحد تلامذة الشيخ معرّفًا به وبمحطاته العلمية، يقول:اتَّسَمَتْ شَخْصِيَّةُ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ حَسَنِ الشَّافِعِيِّ بِثَرَائِهَا الفِكْرِيِّ وَتَعَدُّدِ جَوَانِبِهَا، وَامْتَدَّتْ تَجْرِبَتُهُ العِلْمِيَّةُ وَالفِكْرِيَّةُ عَلَى مَدَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، وَلاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنَ المُتَخَصِّصِينَ فِي الحَقْلِ الفَلْسَفِيِّ وَالفِكْرِيِّ أَنَّ الأُسْتَاذَ الدُّكْتُورَ حَسَنَ الشَّافِعِيَّ شَخْصِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ لاَ يَخْتَلِفُ عَلَيْهَا اثْنَانِ، وَقَدْ قَالَ أَصْدِقَاؤُهُ وَتَلاَمِذَتُهُ الكَثِيرَ وَالكَثِيرَ عَنْهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ وَأَخْلاَقِهِ.
وَالمُتَتَبِّعُ لِمَسِيرَةِ حَيَاةِ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ حَسَنِ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ كُلَّ مَا قِيلَ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَأَنَّ مَا تَوَلاَّهُ مِنْ عُضْوِيَّاتٍ، وَمَا تَقَلَّدَهُ مِنْ مَنَاصِبَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ اسْتِحْقَاقٍ وَجَدَارَةٍ، فَقَدْ تَلَقَّى مَرَاحِلَ دِرَاسَتِهِ الأُولَى فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ، وَاسْتَهَلَّهَا بِحِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَتَلَقَّى العُلُومَ الإِسْلاَمِيَّةَ الأَوَّلِيَّةَ عَلَى يَدِ شُيُوخِ بَلْدَتِهِ؛ إذ دَرَسَ الاِبْتِدَائِيَّةَ الأَزْهَرِيَّةَ فِي مَعْهَدِ القَاهِرَةِ الدِّينِيِّ الأَزْهَرِيِّ.
ـ ثم الْتَحَقَ بِكُلِّيَّةِ أُصُولِ الدِّينِ بِجَامِعَةِ الأَزْهَرِ عَامَ 1953م، وَبَعْدَهَا بِعَامٍ الْتَحَقَ بِكُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ، وَتَخَصَّصَ فِي دِرَاسَةِ الفَلْسَفَةِ وَالعَقِيدَةِ، وَدَرَسَهُمَا فِي الجَامِعَتَيْنِ مَعًا.
ومن أهم المحطات في حياة شيخنا الجليل “حسن الشافعي”:
ـ تَوَقَّفه عَنِ الدِّرَاسَةِ لأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ امْتَدَّتْ إِلَى سِتِّ سَنَوَاتٍ، سَمَّاهَا بِالسَّنَوَاتِ العِجَافِ، وَبَعْدَهَا عَادَ إِلَى دِرَاسَتِهِ لِلْجَامِعَتَيْنِ مَعًا مِنْ جَدِيدٍ.
ـ حُصوله عَلَى الشَّهَادَةِ العَالِيَةِ مِنْ كُلِّيَّةِ أُصُولِ الدِّينِ فِي العَقِيدَةِ وَالفَلْسَفَةِ سَنَةَ 1963م.
ـ نيله دَرَجَةَ اللِّيسَانْسِ مِنْ كُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ عَامَ 1963م، بِمَرْتَبَةِ الشَّرَفِ، وَعُيِّنَ مُعِيدًا بِهَا.
ـ الْتَحَاقُه بِدِرَاسَةِ المَاجِسْتِيرِ عَامَ 1964م، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنِ الدِّرَاسَةِ لأَسْبَابٍ خَارِجَةٍ عَنْ إِرَادَتِهِ اسْتَمَرَّتْ لأَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ عَادَ لِلدِّرَاسَةِ عَامَ 1968م.
ـ حُصَوله عَلَى المَاجِسْتِيرِ عَامَ 1969م فِي الفَلْسَفَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ.
ـ الْتَحَاقه بِدِرَاسَةِ الدُّكْتُورَاه عَامَ 1970م، وَاسْتَمَرَّتِ الدِّرَاسَةُ ثَلاَثَ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ الدِّرَاسَةِ فِي مِصْرَ، وَالْتَحَاقه بِكُلِّيَّةِ الدِّرَاسَاتِ الشَّرْقِيَّةِ وَالإِفريقيَّةِ بِجَامِعَةِ لَنْدَنْ، وَأَكْمَلَ رِسَالَةَ الدُّكْتُورَاه هُنَاكَ، وَحَصَلَ عَلَيْهَا عَامَ 1977م.
ـ عَودته إِلَى كُلِّيَّتِهِ (دَارِ العُلُومِ) فِي القَاهِرَةِ، وَدَرَسَ الفَلْسَفَةَ لِمُدَّةِ عَامَيْنِ.
ـ فِي عَامِ 1979م عَمِلَ بِالجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِأُمِّ دُرمَانَ أُسْتَاذًا زَائِرًا، وَعَمِلَ لِفَتَرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِجَامِعَةِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ بِالسَّعُودِيَّةِ (أُمِّ القُرَى).
ـ فِي عَامِ 1981م أُعِيرَ إِلَى الجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِبَاكِسْتَانَ أُسْتَاذًا، ثُمَّ عَمِيدًا لِكُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ فِي عَامِ 1983م، ثُمَّ عَمِيدًا لِلشُّؤُونِ الإِسْلاَمِيَّةِ لِشُؤُونِ إِسْلاَم آبَادْ عَامَ 1984م، ثُمَّ نَائِبًا لِرَئِيسِ الجَامِعَةِ لِلشُّؤُونِ الأَكَادِيمِيَّةِ عَامَ 1985م وَحَتَّى عَامِ 1988م.
ـ عَودته إِلَى كُلِّيَّتِهِ فِي القَاهِرَةِ، وَعَمِلَ وَكِيلاً لِشُؤُونِ الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا عَامَ 1989م وَحَتَّى عَامِ 1992م، ثُمَّ رَئِيسًا لِقِسْمِ الفَلْسَفَةِ بِكُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ بِالقَاهِرَةِ فِي عَامِ 1994م، وَفِي العَامِ نَفْسِهِ اخْتِيرَ عُضْوًا لِمَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَرَئِيسًا لِلْجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِإِسْلاَم آبَادْ، وَاسْتَمَرَّ رَئِيسًا لَهَا حَتَّى عَامِ 2004م.
أَمَّا عَنْ عُضْوِيَّتِهِ فِي المُؤَسَّسَاتِ العِلْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَ الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ حَسَنُ الشَّافِعِيُّ فِي عُضْوِيَّةِ العَدِيدِ مِنَ الهَيْئَاتِ العِلْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ فِي مِصْرَ وَالخَارِجِ، مِنْهَا:
ـ المَجْلِسُ الأَعْلَى لِلشُّؤُونِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ.
ـ الجَمْعِيَّةُ الفَلْسَفِيَّةُ المِصْرِيَّةُ.
ـ مَرْكَزُ الدِّرَاسَاتِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِجَامِعَةِ القَاهِرَةِ.
ـ المَجْلِسُ العِلْمِيُّ لِكُلِّيَّةِ الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا بِمَانْشِسْتَرْ.
ـ مَجْلِسُ أُمَنَاءِ الجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ بِإِسْلاَم آبَادْ.
ـ مَجْلِسُ كُلِّيَّةِ دَارِ العُلُومِ.
ـ مَجْلِسُ نَادِي هَيْئَةِ التَّدْرِيسِ بِجَامِعَةِ القَاهِرَةِ.
ـ مَجْمَعُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَعُضْوِيَّتُهُ فِيهِ مُسْتَمِرَّةٌ حَتَّى الآنَ، وقد َاشْتُهِرَ عَنْهُ نَشَاطُهُ المَجْمعِيُّ فِي اللِّجَانِ الَّتِي عمل بِهَا.
وللدكتور حسن الشافعي ستة تآلغŒف هي: كـتب المـدخل إلغŒ دراسة علم الكلام، مقدمة فـي الفلسفة العامة، فصول فـي التـصوف، في فكرنا الحدغŒث والمعاصر، لمـحات من الفكر الكلامي، شهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر – عدا تآلغŒف بالاشتراك في المنطق ومناهج البحث، إلغŒ جانب تحقغŒقه ودراسـته لكـتابي: غاغŒة المرام فغŒ علم الكـلام، والمـبغŒن فـي معاني ألفاظ الحـكماء والمـتكلمغŒن لسغŒف الدغŒن الآمدغŒ، الذي زوّده بـمقدمة ضـافغŒة عن المصطلح العلمي والكلامي بصفة خاصة في التراث الإسلامي، فصّل فغŒها القول عن المـؤلفات العـامة في المصطلحات المستخدمة في كافة العـلوم الإسـلامغŒة وعلوم اللغـة العربية.
وعدا ما للدكتور الشافعي من ترجمتغŒن عن الإنجلغŒزغŒة لكتابي «تارغŒخ التشرغŒع الإسلامغŒ» لكولغŒن، و«تطور الفكر الفلسفغŒ فغŒ إغŒـران» لمحمد إقبال (بـالاشتراك مع الدكتورغŒن محمد السـعغŒد جـمال الدغŒن ومحمد سراج علغŒ الترتغŒب)، فإن له عشرة أبحاث- ثلاثة منها بالإنجلغŒزغŒة، ألقغŒ اثنان منها في أكادغŒمغŒة الشرغŒعة وندوة الاقتصادغŒغŒن المسلمغŒن بإسلام أباد عن: مبادئ علم أصول الفقه وكغŒف غŒـفغŒد الاقـتصادغŒون المسلمون منه»، وعن «القاضي في ظلّ الدولة الإسلامغŒة (1988)- والأول منشور بمجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجدة (1984).
أما البحوث الثمانغŒة بالعربغŒة، فهي منشورة بحولغŒات دار العلوم عن (مـشكلات تـحقغŒق النصوص العـربغŒة)، ومجلة الدراسات العربغŒة والإسلامغŒة عن:(إعداد الداعغŒة المفتي)، وضمن منشورات كلغŒة الآداب والعلوم الإنسانغŒة بالرباط 1988عن: (الغزالي- المنهج وبعض التطبغŒقات)، وضمن أعمال ندوة تربغŒة الشباب المسلم ودور الجامعات فـغŒها، إسـلام آبـاد،1988 عن: (مشكلة المغالاة في الولاء للقادة وقضغŒة جماعة المسلمغŒن)-إلغŒ جانب البحث المنشور مبكرا عام 1980 بمجلة البنوك الإسلامغŒة والاقـتصاد الإسـلامي بالقاهرة بعنوان: نحو تقسغŒم للعلوم الشرعغŒة الإسلامغŒة، وبحث ألقي بمؤتمر الحضارة الأنـدلسغŒة المـنعقد بـكلغŒة آداب القاهرة 1991 عن ابن رشد الفقغŒه وكتابه: بداغŒة المجتهد ونهاغŒة المقتصد.
ولا غŒتوقف العطاء الثرّ المتواصل للدكتور حسن الشافعي- فمن أبحاثه وترجماته وتحقغŒقاته كتاب «الآمدي وآراؤه الكلامغŒة ودوره فغŒ تطوغŒر علم الكلام» ،وتحقغŒقه لكتاب «عطف الألف المألوف عـلغŒ اللام المعطوف» لأبي الحسن الدغŒلمي، ثم ترجمة هذا الكتاب إلغŒ الإنجلغŒزغŒة (بالاشتراك مع أستاذ اللغة العربغŒة بجامعة برجن بالنروغŒج جوزغŒف بل)، ودراسته بالإنجلغŒزغŒة لعلم الكلام الاثني عشري وتطوره حتغŒ القرن السابع الهجري (تـجرغŒد الاعـتقاد)، وتحقغŒقه كتاب «أساس الاقتباس» في المنطق-بجزئغŒه.
وقد صدر مؤخرًا للشيخ الشافعي سيرته الذاتية التي اختار لها عنوانًا: (حياتي في حكاياتي) يقول عنها أنها:
(نبشٌ في الذاكرةِ، ورقمٌ على الورق، أُريقُ فيه الحِبرَ الممزوجَ بالهمّ والأسى، والذات والأنا، والأمل والألم، رسالةً من جيل ينزل على السفح إلى جيل يَشرع في الصعود، و حوارا بين قرنين _العشرين والحادي والعشرين_؛ وذلك بعد أن صافحتُ _من عمري_ الخامسة والثمانين. قولوا: إنها شيء بين التاريخ و السيرة الذاتية، بين (الحكي العادي) و (القصص الفني)، بين (المحادثة الأخوية) و (الحكاية الأدبية)، وربما يأتي يوم يقول فيه قارئ أو مستمع: يرحمه الله لقد أنصف نفسه و أنصفنا، و شقّ طريقا جديدا في تقديم السيرة الذاتية.
لم أتصنّع أو أتمنّع، إذ وجدتُّ نفسي تدفعني إلى روايتها، و كلماتي تتجمّع لحكايتها، و قلمي يندفع _على غير عادته معي_ ليسجّلها، و الحبر المسكين المراق يختلط بهمومي و همّتي، و حُلمي و قصّتي، و وطني و أمتي.
مزيجٌ من أُنس التواصل و البوح، و (الدردشة) و الإفضاء، و الحوار مع الأماكن و الأشخاص، و الأحداث والأشياء، أرجو ألا يعدم قارئا صديقا يشاركني مرارة الشكوى، و يلمح في الوقت نفسه شرارة الفحوى.
.
