المعنى والقياس
أ.د عبد الله أحمد جاد الكريم
يعتبر القياس من أهم أصول النحو العربي، وكما ارتبط النحو العربي في نشأته وموضوعه بالمعنى، فكذلك ارتبط المعنى بأصول النحو العربي، وليس أدل على هذه العلاقة من الروابط التي تربط المعنى بالقياس النحوي الذي يعرفه العلماء بقولهم "هو تقدير الفرع بحكم الأصل، أو هو حمل فرع على أصل بعلة جامعة"(1)، وفى عرف النحاة "الشيء يقاس على الشيء إذاً كانا متشابهين في معنى ما"(2) ولذلك فالقياس النحوي عندهم ما هو إلا حمل غير المنقول على المنقول إذاً كان في معناه، وعليه فعملية القياس مبناها على المعنى، والقياس كما نعلم هن أهم أصول النحو، لأن النحو هو "العلم المستنبط من استقراء مقاييس العرب"(3)، والنحو كله قياس "ومن ينكر القياس فقد أنكر النحو"(4).
وللقياس النحوي نوعان: قياس لفظي، وقياس معنوي، ويرى ابن جني وغيره أن "القياس اللفظي إذاً تأملته لم تجده عاريا من اشتمال المعنى عليه "(5)، ويدلك ابن جني على ذلك قائلاً: " ألا ترى أنك إذاً سئلت عند (إن) من قول الشاعر:
وَرَجِّ الفَتَى لِلْخَيرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ *** عَلَى السِّنِّ خَيْرا لاَ يَزَالُ يَزِيْدُ
فإنك قائل: دخلت (ما) على (إن) وإن كانت (ما) هاهنا مصدرية لشبهها لفظا (بما) النافية التي تؤكد بها فإن، من قول الشاعر:
ما إنْ يكادُ يُخَلّيهِمْ لوِجْهَتِهِمْ *** تَخالُجُ الأمْرِ، إنّ الأمرَ مُشتَرَكُ.
وشبه اللفظ بينهما يصير (ما) المصدرية إلى (ما) التي معناها النفي أفلا ترى أنك لو لم تجدب إحداهما إلى أنها كأنها بمعني الأخرى لم يجز لك إلحاق (إن) بها)(6).
ويؤكد ابن جني في مواضع كثيرة على أهمية القياس في النحو وكذلك علي أهمية المعنى للقياس، ومن ذلك قوله: "باب من كلية الفروع على الأصول، فهذا فصل من فصول العربية طريف، تجده في معاني العرب، كما تجده في معاني الإعراب.."(7) ومنه قوله: "فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل، ونظائره في هذه اللغة كثيرة، وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل.."(8) وتأكيدًا لما سبق يقول ابن جني: "العرب إذا شبهت ما بشيء فحملته على حكمه، عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه؛ تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما.. "(9) ومن ذلك قولهم:، إنما جرى (هذا أفضل من هذا) مجرى التعجب لاتفاقهما في اللفظ وتقاربهما في المعنى"(10)، ومنه أيضًا قول سيبويه "هذا باب من أسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى، فإذاً أردت فيه من المعنى ما أردت في (يفعل) كان نكرة متونا، وذلك قولك: هذا ضاربٌ زيدًا غدًا، فمعناه وعمله مثله: هذا يضرب ريدًا غدًا.."(11)
ولقد كان المعنى ولا يزال محور أصول النحو، وهو معيارها، وبدون مراعاته لا يعتدُّ بهذا الأصل.
------------------------------
(1) لمع الأدلة، ص 93 ، والاقتراح، ص 45.
(2) شرح المفصل 5/ 8.
(3) الاقتراح، ص 45.
(4) لمع الأدلة، ص 95.
(5) الخصائص 1/ 110.
(6) الخصائص 1/ 110.
(7) السابق 1/ 300.
(8) السابق 1/303.
(9) الخصائص 1/308.
(10) شرح المفصل 6/ 91.
(11) الكتاب 1/ 164، والخصائص 1/ 30.
أ.د عبد الله أحمد جاد الكريم
يعتبر القياس من أهم أصول النحو العربي، وكما ارتبط النحو العربي في نشأته وموضوعه بالمعنى، فكذلك ارتبط المعنى بأصول النحو العربي، وليس أدل على هذه العلاقة من الروابط التي تربط المعنى بالقياس النحوي الذي يعرفه العلماء بقولهم "هو تقدير الفرع بحكم الأصل، أو هو حمل فرع على أصل بعلة جامعة"(1)، وفى عرف النحاة "الشيء يقاس على الشيء إذاً كانا متشابهين في معنى ما"(2) ولذلك فالقياس النحوي عندهم ما هو إلا حمل غير المنقول على المنقول إذاً كان في معناه، وعليه فعملية القياس مبناها على المعنى، والقياس كما نعلم هن أهم أصول النحو، لأن النحو هو "العلم المستنبط من استقراء مقاييس العرب"(3)، والنحو كله قياس "ومن ينكر القياس فقد أنكر النحو"(4).
وللقياس النحوي نوعان: قياس لفظي، وقياس معنوي، ويرى ابن جني وغيره أن "القياس اللفظي إذاً تأملته لم تجده عاريا من اشتمال المعنى عليه "(5)، ويدلك ابن جني على ذلك قائلاً: " ألا ترى أنك إذاً سئلت عند (إن) من قول الشاعر:
وَرَجِّ الفَتَى لِلْخَيرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ *** عَلَى السِّنِّ خَيْرا لاَ يَزَالُ يَزِيْدُ
فإنك قائل: دخلت (ما) على (إن) وإن كانت (ما) هاهنا مصدرية لشبهها لفظا (بما) النافية التي تؤكد بها فإن، من قول الشاعر:
ما إنْ يكادُ يُخَلّيهِمْ لوِجْهَتِهِمْ *** تَخالُجُ الأمْرِ، إنّ الأمرَ مُشتَرَكُ.
وشبه اللفظ بينهما يصير (ما) المصدرية إلى (ما) التي معناها النفي أفلا ترى أنك لو لم تجدب إحداهما إلى أنها كأنها بمعني الأخرى لم يجز لك إلحاق (إن) بها)(6).
ويؤكد ابن جني في مواضع كثيرة على أهمية القياس في النحو وكذلك علي أهمية المعنى للقياس، ومن ذلك قوله: "باب من كلية الفروع على الأصول، فهذا فصل من فصول العربية طريف، تجده في معاني العرب، كما تجده في معاني الإعراب.."(7) ومنه قوله: "فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل، ونظائره في هذه اللغة كثيرة، وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل.."(8) وتأكيدًا لما سبق يقول ابن جني: "العرب إذا شبهت ما بشيء فحملته على حكمه، عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه؛ تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما.. "(9) ومن ذلك قولهم:، إنما جرى (هذا أفضل من هذا) مجرى التعجب لاتفاقهما في اللفظ وتقاربهما في المعنى"(10)، ومنه أيضًا قول سيبويه "هذا باب من أسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى، فإذاً أردت فيه من المعنى ما أردت في (يفعل) كان نكرة متونا، وذلك قولك: هذا ضاربٌ زيدًا غدًا، فمعناه وعمله مثله: هذا يضرب ريدًا غدًا.."(11)
ولقد كان المعنى ولا يزال محور أصول النحو، وهو معيارها، وبدون مراعاته لا يعتدُّ بهذا الأصل.
------------------------------
(1) لمع الأدلة، ص 93 ، والاقتراح، ص 45.
(2) شرح المفصل 5/ 8.
(3) الاقتراح، ص 45.
(4) لمع الأدلة، ص 95.
(5) الخصائص 1/ 110.
(6) الخصائص 1/ 110.
(7) السابق 1/ 300.
(8) السابق 1/303.
(9) الخصائص 1/308.
(10) شرح المفصل 6/ 91.
(11) الكتاب 1/ 164، والخصائص 1/ 30.

تعليق