الذاكرة تحمل عطرها لتُحيي سيرة الباحث والمؤرّخ وعالم اللُّغة مصطفى جواد في بيت المدى

امتزج بألق اللغة، فكانت قواعدها طقوسه، فدوّن تأريخ وطن بأكمله بها، وتحدث عن تأريخها، لم يتعامل مع الحروف كخطوط ترسم على ورق، بل عني بها كمن يُعنى بحبيب، فهل يمكن لنا أن نتعامل مع الكلمات والحروف والجمل كعاشق ومعشوق؟
انحدر من أُصولٍ تركمانية، وجاء ليعلم العرب لغتهم بلسانه العربي، ونجح في ذلك فعُدّ من أبرز وأهم علماء اللغة العربية، والمؤرخين العراقيين.
ففي مثل أيامنا هذه من عام 1969 اقتنص الموت روح الباحث والمؤرخ وعالم اللغة مصطفى جواد، بعد أن داهمت روحه المرض، ولولا هذا الموت لما توقف جواد عن عطائه.
روح جواد أحاطت المكان، وانبعث عطره مع زخات المطر، الذي امتزج برائحة الكتب التي تفترش شارع المتنبي صباح يوم الجمعة، فجاءت خطى المارة تتراقص مسرعة نحو ذاكرة جواد التي استعيدت في بيت المدى.
ذاكرةٌ التأريخ واللُّغة
وسط زخم الحاضرين، يفتح التأريخ صفحاته، التي تتسارع طيا تلو طي متسابقة مع الوقت المخصص للجلسة لتستعرض سيرة مصطفى جواد على أتمها، فهذا الرجل الذي قدم للعراق خدمات كبيرة على صعيد الكتابة واللغة والبحث والتأريخ، يستحق عقوداً للحديث عنه، فهل سيأخذ جواد حقه في القرن الحادي والعشرين، أم أنه كما ذكر الباحث رفعت عبد الرزاق سيعاني الظلم اليوم كما ظُلم سابقاً، حيث أكد عبد الرزاق " أن مصطفى جواد دافع كثيراً عن اللغة العربية، وطورها ووهب ذاكرة وذكاء وقرأ الكثير وحرث كتب التراث حرثاً، إلا أنه رغم الكثير الذي قدمه ظُلم في حياته وبعد وفاته."
ويبدو أن المرض حدً من عطاء جواد، حتى نضب، فيؤكد عبد الرزاق قائلاً " لو لم يصب عارض المرض ولم يلقف الموت جواد لقدم لنا الكثير." وأشار" رغم أن عددا كبيرا من المقربين من جواد نشروا آثاره إلا أن هذا لم يكن كافياً، لأن نشر جميع أثار جواد يعد واجباً وطنياً قبل أن يكون فكرياً، لأنه من أؤلئك الذين كتبوا كثيراً في التاريخ والوطن وحفظوا تاريخ وأحداثاً كثيرة كانت لتنسى لولاهم."
النحويّ الصغير
أدباءٌ كُثر من غير العرب قدموا ما لم يقدمه الكثير من المثقفين العرب للغة العربية ومن بينهم مصطفى جواد الذي لقب في طفولته بالنحوي الصغير كما ذكر لنا الدكتور صبار كركوكلي قائلاً " إن أستاذ مصطفى جواد في اللغة العربية شكر البغدادي وحين كان جواد طفلاً صغيرا ألزمه على حفظ قواعد اللغة والنحو، حتى سماه زملاؤه بالنحوي الصغير".
ولم يكن للبغدادي وحده الفضل في نشأة جواد، فكل قطعة من جواد رُصّت نتيجة تأثره بشخص ما لتخلق هذا الموسوي الكبير، وذكر كركوكلي أن "الملة صفية كانت من الشخصيات التي لعبت دورا كبيرا في نشأة جواد، إضافة الى شقيقه "كاظم" الذي نمّى في روح جواد قاعدة عشق اللغة العربية وأنشأ عنده حافظة قوية."
التلاقي بين جواد والكرملي
الحديث متشعب وواسع عن جواد، وقد يكون د. علي حداد من أولئك الذين يفتحون صفحات من التأريخ لم يسبق لغيرهم أن تصفحها، فيقول حداد " سأتوقف عند نقطة إدراك جواد للأمور، ومدى تأثر عقلية مصطفى جواد بالأب الكرملي، فمن يتابع مجلة لغة العرب سيجد أنه احتضن " مصطفى " الشاب الصغير واهتم به".
ويبدو أن الترابط بين الكرملي وجواد اصبح امتزاجاً روحياً لأنهما يكملان بعضهما فكرياً، حيث يذكر حداد " أن اول من انتبه الى امكانية جواد اللغوية والنقدية إضافة الى شاعريته كان الاب الكرملي، وهذا التنبه المبكر عاد بالفائدة على جواد".
ومن ضمن العوامل المشتركة في الاهتمامات الادبية والثقافية لكل من الكرملي وجواد يذكر حداد قائلا " ان مصطفى جواد عُني بأدب الاطفال عام 1929 وهذا ما لمسناه من خلال بعض القصائد التي نشرها في بعض الصحف آنذاك، وهو ذات الادب الذي سبقه الكرملي باهتمامه به."
النقطة الوحيدة التي تخص جواد وبعيدة كل البعد عن الكرملي هي انشغالة التأريخي وتداخل التاريخ باللغة ،أي " تاريخ اللغة ولغة التاريخ " حيث نقل جواد الكاتب نتاجاته الكتابية الى الشارع وهذا ليس بالامر السهل او البيسيط، فوعى جواد مبكرا الى قيمة الإعلام والجمهور".
شيخ العربيّة الفرد
امتاز جواد بالعديد من الصفات التي تميز بها عمّن ناظره آنذاك، وقد تعامل مع اللغة العربية وكأنها كائن بشري، فصار شيخاً للغة العربية كما ذكر المُفهرس والباحث حسن عريبي الذي قال " إن لمصطفى جواد حافظته التي جعلته محط إعجاب كبير، إضافة الى معرفته الكبيرة باللغة وتطورها."
لم تقتصر معرفة جواد على اللغة فقط بل تجاوزها إلى التراث والتأريخ والشعر، ويذكر عريبي قائلاً " أن جواد كان من أؤلئك الشغوفين بالتراث وهو ذو معرفة واسعة بالكتب( مصادرها، وتطورها، ومؤلفيها، والاحداث التي نشأ وصدر فيها الكتاب".
مؤكداً "أن مصطفى جواد عُرف بتواضعه رغم غزارة نتاجاته وعلمه وأعماله ومعرفته".
الشاعر مصطفى جواد
لقد طال الحديث عن جواد إلا أنّ أحداً لم يتطرق لشاعريته، وهذا ما اختاره الاستاذ معن حمدان علي ليكون محوراً لحديثه عن جواد، فيقول حمدان" اخترت موضوع مصطفى جواد الشاعر حيث لم يسلط الضوء عليه كشاعر، حيث جمعت أشعار جواد وحصلت على نتيجة أن في شبابه كتب كل أنواع الشعر ،لأنه كما يبدو أراد ان يكون شاعراً، إلا انه بعد ذلك ترك الشعر الذي صار يكتبه ويخص به الإخوانيات فقط." وأكد حمدان " أن جواد ومن خلال أشعاره أرخ لنا العديد من الاحداث." مُشيراً إلى أن " السلسلة الذهبية التي تزعمها الأب الكرملي التي من ضمنها مصطفى جواد استطاعت بناء الأسس الاولى للثقافة العراقية."
اللُّغة وجواد
عطاءات مصطفى جواد ثرّة وغزيرة، وقد كان ممن حافظوا على سلامة اللغة العربية، فيذكر مدير مركز مصطفى جواد باقر موسى الزبيدي أن " جواد حرص على المحافظة وتطوير اللغة العربية ومعانيها، وكان يعتبرها كائناً حياً لا حروفاً مخطوطة على ورق."
وأكد الزبيدي أن " شهرة جواد لم تكن منحسرة على العراق فقد تجاوز النطاق الاقليمي في شهرته، حتى أن منهجية جواد صارت تُدرّس في جامعة القاهرة."
ويبدو أن جواد كان واثقاً من عربيته فيقول الزبيدي على لسان جواد " أنا تركماني الأصل عربي اللسان جئت لأعلّم العرب لغتهم."
مداخلة
مداخلات كثيرة شهدتها الجلسة، من ضمنها مداخلة الخبير القانوني طارق حرب الذي قال " عندما أردت ان أبحث في تاريخ متصوفي أهل بغداد من أجل تأليف كتابي، وجدت ان جواد من أفضل من كتب بهذا الموضوع الذي اختص بمتصوفي وتكايا أهل بغداد".
دليل الجمهوريّة العراقيّة النفيس
ذكر الأستاذ هادي الطائي ان في كتاب " دليل الجمهورية العراقية النفيس "ذكر الكرملي موجهاً رسالته الى جواد قائلاً " إن طلاب وخريجي السوربون يفتخرون بأنهم ينتمون إليها، فعلى السوربون ان تفتخر بك أنت لأنك متواجد فيها".
.

امتزج بألق اللغة، فكانت قواعدها طقوسه، فدوّن تأريخ وطن بأكمله بها، وتحدث عن تأريخها، لم يتعامل مع الحروف كخطوط ترسم على ورق، بل عني بها كمن يُعنى بحبيب، فهل يمكن لنا أن نتعامل مع الكلمات والحروف والجمل كعاشق ومعشوق؟
انحدر من أُصولٍ تركمانية، وجاء ليعلم العرب لغتهم بلسانه العربي، ونجح في ذلك فعُدّ من أبرز وأهم علماء اللغة العربية، والمؤرخين العراقيين.
ففي مثل أيامنا هذه من عام 1969 اقتنص الموت روح الباحث والمؤرخ وعالم اللغة مصطفى جواد، بعد أن داهمت روحه المرض، ولولا هذا الموت لما توقف جواد عن عطائه.
روح جواد أحاطت المكان، وانبعث عطره مع زخات المطر، الذي امتزج برائحة الكتب التي تفترش شارع المتنبي صباح يوم الجمعة، فجاءت خطى المارة تتراقص مسرعة نحو ذاكرة جواد التي استعيدت في بيت المدى.
ذاكرةٌ التأريخ واللُّغة
وسط زخم الحاضرين، يفتح التأريخ صفحاته، التي تتسارع طيا تلو طي متسابقة مع الوقت المخصص للجلسة لتستعرض سيرة مصطفى جواد على أتمها، فهذا الرجل الذي قدم للعراق خدمات كبيرة على صعيد الكتابة واللغة والبحث والتأريخ، يستحق عقوداً للحديث عنه، فهل سيأخذ جواد حقه في القرن الحادي والعشرين، أم أنه كما ذكر الباحث رفعت عبد الرزاق سيعاني الظلم اليوم كما ظُلم سابقاً، حيث أكد عبد الرزاق " أن مصطفى جواد دافع كثيراً عن اللغة العربية، وطورها ووهب ذاكرة وذكاء وقرأ الكثير وحرث كتب التراث حرثاً، إلا أنه رغم الكثير الذي قدمه ظُلم في حياته وبعد وفاته."
ويبدو أن المرض حدً من عطاء جواد، حتى نضب، فيؤكد عبد الرزاق قائلاً " لو لم يصب عارض المرض ولم يلقف الموت جواد لقدم لنا الكثير." وأشار" رغم أن عددا كبيرا من المقربين من جواد نشروا آثاره إلا أن هذا لم يكن كافياً، لأن نشر جميع أثار جواد يعد واجباً وطنياً قبل أن يكون فكرياً، لأنه من أؤلئك الذين كتبوا كثيراً في التاريخ والوطن وحفظوا تاريخ وأحداثاً كثيرة كانت لتنسى لولاهم."
النحويّ الصغير
أدباءٌ كُثر من غير العرب قدموا ما لم يقدمه الكثير من المثقفين العرب للغة العربية ومن بينهم مصطفى جواد الذي لقب في طفولته بالنحوي الصغير كما ذكر لنا الدكتور صبار كركوكلي قائلاً " إن أستاذ مصطفى جواد في اللغة العربية شكر البغدادي وحين كان جواد طفلاً صغيرا ألزمه على حفظ قواعد اللغة والنحو، حتى سماه زملاؤه بالنحوي الصغير".
ولم يكن للبغدادي وحده الفضل في نشأة جواد، فكل قطعة من جواد رُصّت نتيجة تأثره بشخص ما لتخلق هذا الموسوي الكبير، وذكر كركوكلي أن "الملة صفية كانت من الشخصيات التي لعبت دورا كبيرا في نشأة جواد، إضافة الى شقيقه "كاظم" الذي نمّى في روح جواد قاعدة عشق اللغة العربية وأنشأ عنده حافظة قوية."
التلاقي بين جواد والكرملي
الحديث متشعب وواسع عن جواد، وقد يكون د. علي حداد من أولئك الذين يفتحون صفحات من التأريخ لم يسبق لغيرهم أن تصفحها، فيقول حداد " سأتوقف عند نقطة إدراك جواد للأمور، ومدى تأثر عقلية مصطفى جواد بالأب الكرملي، فمن يتابع مجلة لغة العرب سيجد أنه احتضن " مصطفى " الشاب الصغير واهتم به".
ويبدو أن الترابط بين الكرملي وجواد اصبح امتزاجاً روحياً لأنهما يكملان بعضهما فكرياً، حيث يذكر حداد " أن اول من انتبه الى امكانية جواد اللغوية والنقدية إضافة الى شاعريته كان الاب الكرملي، وهذا التنبه المبكر عاد بالفائدة على جواد".
ومن ضمن العوامل المشتركة في الاهتمامات الادبية والثقافية لكل من الكرملي وجواد يذكر حداد قائلا " ان مصطفى جواد عُني بأدب الاطفال عام 1929 وهذا ما لمسناه من خلال بعض القصائد التي نشرها في بعض الصحف آنذاك، وهو ذات الادب الذي سبقه الكرملي باهتمامه به."
النقطة الوحيدة التي تخص جواد وبعيدة كل البعد عن الكرملي هي انشغالة التأريخي وتداخل التاريخ باللغة ،أي " تاريخ اللغة ولغة التاريخ " حيث نقل جواد الكاتب نتاجاته الكتابية الى الشارع وهذا ليس بالامر السهل او البيسيط، فوعى جواد مبكرا الى قيمة الإعلام والجمهور".
شيخ العربيّة الفرد
امتاز جواد بالعديد من الصفات التي تميز بها عمّن ناظره آنذاك، وقد تعامل مع اللغة العربية وكأنها كائن بشري، فصار شيخاً للغة العربية كما ذكر المُفهرس والباحث حسن عريبي الذي قال " إن لمصطفى جواد حافظته التي جعلته محط إعجاب كبير، إضافة الى معرفته الكبيرة باللغة وتطورها."
لم تقتصر معرفة جواد على اللغة فقط بل تجاوزها إلى التراث والتأريخ والشعر، ويذكر عريبي قائلاً " أن جواد كان من أؤلئك الشغوفين بالتراث وهو ذو معرفة واسعة بالكتب( مصادرها، وتطورها، ومؤلفيها، والاحداث التي نشأ وصدر فيها الكتاب".
مؤكداً "أن مصطفى جواد عُرف بتواضعه رغم غزارة نتاجاته وعلمه وأعماله ومعرفته".
الشاعر مصطفى جواد
لقد طال الحديث عن جواد إلا أنّ أحداً لم يتطرق لشاعريته، وهذا ما اختاره الاستاذ معن حمدان علي ليكون محوراً لحديثه عن جواد، فيقول حمدان" اخترت موضوع مصطفى جواد الشاعر حيث لم يسلط الضوء عليه كشاعر، حيث جمعت أشعار جواد وحصلت على نتيجة أن في شبابه كتب كل أنواع الشعر ،لأنه كما يبدو أراد ان يكون شاعراً، إلا انه بعد ذلك ترك الشعر الذي صار يكتبه ويخص به الإخوانيات فقط." وأكد حمدان " أن جواد ومن خلال أشعاره أرخ لنا العديد من الاحداث." مُشيراً إلى أن " السلسلة الذهبية التي تزعمها الأب الكرملي التي من ضمنها مصطفى جواد استطاعت بناء الأسس الاولى للثقافة العراقية."
اللُّغة وجواد
عطاءات مصطفى جواد ثرّة وغزيرة، وقد كان ممن حافظوا على سلامة اللغة العربية، فيذكر مدير مركز مصطفى جواد باقر موسى الزبيدي أن " جواد حرص على المحافظة وتطوير اللغة العربية ومعانيها، وكان يعتبرها كائناً حياً لا حروفاً مخطوطة على ورق."
وأكد الزبيدي أن " شهرة جواد لم تكن منحسرة على العراق فقد تجاوز النطاق الاقليمي في شهرته، حتى أن منهجية جواد صارت تُدرّس في جامعة القاهرة."
ويبدو أن جواد كان واثقاً من عربيته فيقول الزبيدي على لسان جواد " أنا تركماني الأصل عربي اللسان جئت لأعلّم العرب لغتهم."
مداخلة
مداخلات كثيرة شهدتها الجلسة، من ضمنها مداخلة الخبير القانوني طارق حرب الذي قال " عندما أردت ان أبحث في تاريخ متصوفي أهل بغداد من أجل تأليف كتابي، وجدت ان جواد من أفضل من كتب بهذا الموضوع الذي اختص بمتصوفي وتكايا أهل بغداد".
دليل الجمهوريّة العراقيّة النفيس
ذكر الأستاذ هادي الطائي ان في كتاب " دليل الجمهورية العراقية النفيس "ذكر الكرملي موجهاً رسالته الى جواد قائلاً " إن طلاب وخريجي السوربون يفتخرون بأنهم ينتمون إليها، فعلى السوربون ان تفتخر بك أنت لأنك متواجد فيها".
.

تعليق