حوار مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية مع الأستاذ الدكتور محمود حسن الجاسم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    حوار مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية مع الأستاذ الدكتور محمود حسن الجاسم

    حوار مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية مع النحوي الأديب الرِّوائي الأستاذ الدكتور محمود حسن الجاسم
    د.مصطفى شعبان
    مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
    يَفِعُ الصّبا كهلُ الرّجاحةِ والحِجى *** متفرعٌ أعلى الفَخارِ العالي
    متفنّن في النحوِ بين عواملٍ الإ ***عرابِ والأسماءِ والأفعالِ
    ومحقّقٌ علمَ الفصيحِ بخاطرٍ ***متصـورٌ لغوامضِ الأشكالِ
    ابن قلاقس
    محمود حسن الجاسم ....رجلٌ عِصامي بكل المعاني التي تتحملها الكلمة، بدأ جاسرًا من رغبة متعاظمة نحو أملٍ مُشرق، وبدا جاسمًا في كل خطوة من خطواته شطر ذَيَّالك الأمل..صارعته الخطوب فصَرعها، وعاركته العقبات فعركها، أُشْرِب حُب العربية فتخطَّفته عرائِسُها إلى شاطئ لم يكن يتطلع إليه، وأعطى للضاد نفسه وقلمه فوهبته نصيبًا لم يكن يطمحُ فيه... إنه الأستاذ العَلَمُ البارز الأستاذ الدكتور محمود حسن الجاسم...نأخذ من قبس حواره سُبُحاتٍ ومفاتح نستضيء بها ونستفتح معالم النهج القويم لإعزاز جيلنا بالعربية وإنهاض أنفسنا بها، فبها نعز لأنها عزيزة، وعنها وبها ننهض لأنها حضارة،...فلك يا أستاذنا كل الشكر والتقدير على ما تفضلت به وتكرمت علينا من حوار خصصتنا به وشرفتنا، ولمجمعنا المبارك مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية كل الشكر والتقدير على ترحيبه وتشجيعه وتوقيره لكل ما من شأنه خدمة العربية وأهلها.
    [IMG]
    [/IMG]
    (3)الأستاذ الدكتور محمود حسن الجاسم أستاذ النحو والصرف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة حلب سابقًا، وبكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر حاليًا.
    محمود حسن الجاسم (1386هـ-1966م)
    لغوي، نحوي، روائي، أستاذ بتخصص النحو والصرف، في جامعات الوطن العربي.
    وُلد في قرية أثرية جميلة اسمها "رسم الخنادق"، تابعة لمحافظة حلب، تقع أقصى جنوب المحافظة،وقد كان لها أثر كبير في تشكيل وعيه وقيمه، يقطنها أبناء قبيلة الحديديّين، وإليهم ينتمي.
    لم يكن في القرية مدارس آنذاك، وحين أنشئت فيها المدرسة الابتدائية الأولى عام 1973م انتسب إليها مباشرة مع الأطفال من أبناء قبيلته وأقاربه، تميّز فيها، وكان الأول على زملائه، وقد اهتم به أستاذ فاضل اسمه فيصل أحمد من بلدة "حارِم" الواقعة غرب محافظة حلب، وأكد له أن لديه قدرات متميزة.
    انقطع عن الدراسة بعد الابتدائي، وانشغل مع إخوته بالأرض والأغنام وصيد الصقور، وكانت تلك الأيام هي الأجمل في حياته الريفية على الإطلاق، والأكثر تأثيرًا في شخصيته.
    في عام 1983م تعرّض لأزمة اجتماعية دفعته وعائلته إلى أن يتركوا القرية، فرحلوا إلى مزارع الدولة بمنطقة الفرات بمسكنة- شرق حلب.
    وفي عام 1984م تمكّن من تقديم الثالث الإعدادي بصفة متقدم حرّ من خارج المدارس،وفي عام 1986م عزم على أن يتقدم للاختبار للحصول على شهادة الثانوي الأدبي "البكالوريا" رغبة في الالتحاق بالجامعة، فبدأ في اقتناء الكتب، والقراءةرغم أنه كان يعمل عملاً شاقًّا في الأرض، مع إخوته، حتى يؤمّنوا قوت الأسرة.
    التحق بثانوية مسكنة لفترة أربعة أشهر فقط،سبتمبر 1986 حتى فبراير 1987م، بصفة مستمع في مرحلة الثالث الثانوي،بعدموافقة أهله على مضض، وسجّل في محافظة الرقة من أجل تقديم الاختبار،ثم سافر إلى الرقة، وقدّم الاختبار.وبعد النجاح سجّل مباشرة في قسم اللغة العربية- جامعة حلب- العام الدراسي 1987-1988م في السنة الأولى،واستطاع أن يواصل دراسته الجامعية،ويتميز في النحو والصرف والمواد الأدبية، ليتفوّق ويتخرج ضمن الخمسة الأوائل، بترتيب الرابع على الدفعة عام 1991م.
    بعد التخرج نصحه أساتذته بأن يتابع في النحو والصرف نظرًا لتميزه الملحوظ في هذا الميدان. وتابع دراسته في الجامعة نفسها جامعة حلب، فحصل على دبلوم الدراسات العليا اللغوية عام 1992، وعلى الماجستير بعنوان "التأويل النحوي حتى نهاية القرن الثالث الهجري" عام 1995، وعلى الدكتوراه بعنوان: "تعدّد الأوجه في التحليل النحوي عند الزمخشري وأبي حيان وابن هشام" عام 1999م.
    درّس النحو والصرف في جامعة حلب، ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية عام 2000-2001، فدرّس علوم العربية من نحو وصرف وفقه لغة وبلاغة وعروض وتحرير كتابي ومهارات لغوية في كلية المعلمين بالباحة لمدة ست سنوات متواصلة.
    عاد إلى جامعته جامعة حلب،ودرّس فيها منذ عام 2006 إلى 2012 مادّة النحو والصرف، كما درّس مادة علوم اللغة العربية في الماجستير التمهيدي –اللغويات قسم اللغة العربية- جامعة حلب، واللغة العربية في المعهد العالي لتعليم اللغات-مرحلة الماجستير، واللغة العربية لغير الناطقين بها في المعهد الثقافي الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى.
    التحق بجامعة قطر معارًا عام 2012م، ومازال يعمل فيها حتى تاريخه،يدرّس الآن النحو والصرف وفقه اللغة وعلم الدلالة وغيرها من مقررات لغوية في الجامعة المذكورة.
    تدرّج في الدرجات العلمية الجامعية، وأصبح بمرتبة أستاذ من جامعة حلب عام 2014م، وله عشرات البحوث العلمية المحكَّمة، والعديد من المؤلفات العلمية، من أهمها:
    -"القاعدة النحوية تحليل ونقد"دار الفكر سوريا 2007م،وقدم له أستاذنا المرحوم العلاّمة محمد حماسة عبد اللطيف.
    -تعدّد الأوجه في التحليل النحوي، دار النمير سوريا 2007م.
    -تأويل النص القرآني وقضايا النحو، دار كنوز الأردن 2014م.
    -البعد الجمالي في التحليل النحوي عند المفسرين، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية- جامعة الكويت 2014م.
    -الجواز في الفكر النحوي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية- جامعة الكويت 2016م.
    حكّم وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في العديد من اللجان العلمية والمؤتمرات الدولية، كما حكّم عشرات البحوث في المجلات العلمية المحكمة.
    تولّى منصب نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية للشؤون العلمية بجامعة حلب، ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة الباحة بالمملكة العربية السعودية سابقًا.
    وله اهتمام آخر في ميدان الإبداع، فقد كتب العديد من الروايات، ونافس بعضها على جوائز عالمية، منها:
    -"نزوح مريم" دار التنوير لبنان مصر تونس2015م، نافست على جائزة البوكر، ودخلت القائمة الطويلة عام 2016.
    -"نظرات لا تعرف الحياء" الدار العربية للعلوم ناشرون لبنان 2015م، نافست على جائزة الشيخ زايد، ودخلت القائمة الطويلة للدورة العاشرة عام 2016م.
    وقد أجرى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية حوارًا ماتعًا زاخرًا بالقضايا المهمة، والأفكار النابعة من وعي ثاقب بماضي اللغة وواقعها ومستقبلها، فإلى رِواق الحوار:

    •في بداية الحوار نودُّ أن نستهل بإطلالة وجيزة عن مرحلة الطفولة وبيئة النشأة،وبعدها نعرِّج على أبرز الشخصيات التي أثرت في الدكتور محمود حسن الجاسم علمًا وأدبًا وتربية في مراحل تكوينه الأولى.
    بداية دعني أعرب عن شكري وامتناني لاستضافتكم الكريمة التي منحتني هذا الاهتمام، فلكم مني كل التقدير والاحترام، وأهلاً وسهلاً بكم.
    نشأتُ في أسرة ريفية،عدد أفرادها يتجاوز العشرة، تنتمي إلى قبيلة سورية معروفة هي قبيلة الحديديّين، وقد سبق أن تفضّلتم بإعطاء لمحة عن تلك القرية التي نشأت فيها.
    عشت حياة أقرب إلى نمط البداوة،كنت أرافق إخوتي في الربيع ببيت الشعر مع الأغنام، شأن بقية أقربائنا من القبيلة في مضارب البادية، وكذلك كنت أخرج مع والدي وأخي الكبير لصيد الصقور في الخريف، نجوب البادية. أما في الشتاء والصيف وأوقات المدرسة فأكون في القرية بين أترابي من أقاربي، نلعب في سفوحها وأوديتهاوصخورها وآثارها، وننموتحت نجومها وسمائها السورية الجميلة.
    تأثرت بحياة البادية، وأحببتها كثيرًا، إذ منحتني طباعًا خاصة، يعتزّ بها المرء، وقد تعلّقتُ بها إلى درجة أني كنت قبل مجيئي إلى جامعة قطر أخرج في أيام العطل،لأرافق إخوتي وأجوب في عمق البادية مستمتعًا، وكأنني أعثر على شيء ما افتقدته في المدينة.
    أبرز من أثر في حياتي هو والدتي رحمها الله. كانت كما نقول في القبيلة: "أخت رجال". رغم طبيعتي المشاكسة المتمرّدة على قرارات والدي كانت تستطيع بذكائها أن توظف حنان الأم لتروّضني وتوجّهني إلى حيث تريد دون أن أشعر. كان لها الفضل في توجيهي،وضبط قيمي، وتشجيعي ورسم مستقبلي. وبفضل والدتي التي كانت بمئة رجل أدركت قيمة المرأة في المجتمع، وأدركت أيضًا مدى الظلم الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا.
    وكان لأخي الكبير فضل لا ينسى في توجيه الخلق وتشرّب قيم القبيلة وكبح الاندفاعات والإحساس بالمسؤولية. وكذلك خالي الكبير الذي لا يعرف إلا العطاء،فقد تعلقت به وتطبعت بطباعه إلى حد كبير.
    كانت البيئة لا تسمح بالتنافس العلمي ولا تعطيه أدنى أهمية، نقتصر في دراستنا على المرحلة الابتدائية وربما الإعدادية، ومن النادر أن تجد من يدرس الثانوي أو الجامعة في المنطقة. ينهمك الأولاد في الزراعة وتربية المواشي وصيد الصقور، ويتنافسون في ذلك بعيدًا عن حقول العلم والمعرفة. وقد أسهمت عوامل عديدة في متابعة تحصيلي العلمي، منها دوافع ذاتية رغبة في التميز عن أبناء البيئة،ومنها تشجيع الأستاذ فيصل أحمد، أطال الله بعمره. وزاد من ذلك الأزمة الاجتماعية التي تعرَّضَت لها أسرتي ودفعَتْها إلى الهجرة نحو مسكنة شرق حلب. فقد عززت من إصراري على المتابعة. يضاف إلى ما سبق تشجيع والدتي المستمر، ورغبتي في تجاوز واقعي التعيس.
    تأثرت كثيرًا بقيم أسرتي في المقام الأوّل،وأخوالي الذين أعتز بهم، وبقيم القبيلة التي نشأت فيها، قبيلة الحديديين. وقد شكّلت هذه الأساسيات منظومة القيم التي أنا عليها.والمفارقة أني كلما فذلكتُ أمرًا قيميًا سلبًا أو إيجابًا يتبين لي أني أناقشه من منظور قيمي التي نشأت عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأني لم أخرج على تلك الأساسيات! وهذا يؤكد أن للنشأة الأولى من التأثير مالها، نشعر به أحيانًا ولا نشعر به أحايين كثيرة.
    أكثر فترة أثرت في حياتي أحداث الإخوان المسلمين في الثمانينات من القرن الماضي. وقد بدأت في نهاية السبعينات وكنت تلميذًا في الابتدائي وكان أخي الكبير في الجيش العربي السوري، أذكركيف تبكي والدتي خوفًا عليه.
    وأثرت فيّ كثيرًا مرحلة حكم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، فأنا ابن تلك الفترة بما لها وما عليها، فتحتُ عيني ودرست الابتدائي، وقد كان الجميع يهتف لحافظ الأسد، وأخذت الدكتوراه والجميع يهتف لحافظ الأسد أيضًا. وبكل صراحة أرى نفسي ابن فترة الهيبة السورية التي فرضت نفسها، ليس على المنطقة فحسب، بل على العالم بأسره، فقد كانت سوريا من أهم الدول الإقليمية حضورًا وفاعلية. كانت تلك الفترة تمثل عصر الـ "لا" بوجه الغرب وعجرفته، وقد تطبّعت بهذه الـ"لا" التي نشأت عليها، مع أني لا أمارس السياسة ولن أمارسها بكل تأكيد.
    كنت أطمح لأدرس الصحافة رغبة في الكتابة الأدبية، اعتقادًا مني أن الرواية لا يكتبها إلا الصحفي! وحين حققت درجة جيدة باختبار الشهادة الثانوية "البكالوريا" توقعت أني حققت حلمي، وفرحت فرحًا عارمًا مجنونًا، ولكني فوجئت في إعلان المفاضلة بأني لم أحقق العلامة المطلوبة لدخول الصحافة!حزنت كثيرًا وشعرت بانهيار نفسي وفشل. كانت لحظة من أسوأ اللحظات النفسيّة في حياتي. وقد لاحظت والدتي حزني، حين دخلت الغرفة بالمصادفة، ووجدتني مغمومًا أمسح عينيّ، فذهلت لأنها لا تتوقع مني البكاء!
    ولما أخبرتها وشرحت لها استغربت أكثر، وطلبت مني أن أتابع ولا أعيد الاختبار في العام القادم، فالوضع المادي وعمري والظروف كلها لا تسمح بإعادة البكالوريا، وشجّعتني على المتابعة بحسب المتاح لي من أقسام، ولما شرحت لها الأقسام المتاحة لي ومجالاتها استطاعت أن تقنعني بالتخصص في اللغة العربية وآدابها.
    رسم القدر لي أن أتخصص في اللغة العربية والحمد لله. وكما يقال: أنا أريد وأنت تريد والله يفعل ما يريد.
    حين دخلت قسم اللغة العربية نويت من الفصل الأول في السنة الأولى أن أتابع لأكون أستاذًا جامعيًا، وقد شجّعَت وباركَت الوالدة ذلك، وبدأت تتابع مسيرتي.
    شاءت الأقدار أن أنضم في سكني بحلب إلى ثلة من الطلبة الزملاء الأفاضل من أبناء بيئتي، وممّن على شاكلتهم من أبناء المدن، فشكّلوا مجموعة من الإخوة في الوفاء والتحلّي بقيم أخلاقية عالية، كان لها تأثير كبير في سلوكي. وإلى اليوم تربطني بهم روابط صداقة قوية سامية جدّا. بعضهم أصبح أستاذًا جامعيّا معروفًا، وبعضهم الآخر أصبح تاجرًا معروفًا، وللغرابة أن جميع الزملاء الذين عشت معهم أصبحوا ناجحين في حياتهم، وقد حقق بعضهم مكانة معروفة علمية أو مادية.
    ولا يغيب في هذا السياق أن أذكر ما كانت تقوم به والدتي، فقد كانت تخطط لتفوّقي بذكائها المعتاد، فتدعمني ماديّا بالسّر حين يشح العطاء من الوالد، وتُباهي ببعض الدرجات العالية التي أحقّقها بين الناس وعلى مسمعي، تشجعني لتجعل مني أستاذًا جامعيّا.
    يضاف إلى ذلك شخصيتان من أساتذة الجامعة في القسم أثّرتا فيّ كثيرًا، الأولى شخصية المرحوم الدكتور عصام قصبجي ابن حلب الحضاري الراقي الذي أثر في مسلكي وقيمي، بروحانيته وقيمه وحيائه وذكائه وأناقته، فقد كان –رحمه الله-يجسد الروح الحلبية العظيمة بكل أبعادها الجمالية والوجدانية والحضارية. والشخصية الثانية أستاذي الذي تابعت معه مشوار الدراسات العليا الدكتور مصطفى جطل–أطال الله بعمره-أستاذ النحو والصرف في جامعة حلب، إذ كان له فضل كبير عليّ، وقد تأثرت به كثيرًا، في النزعة الاجتهادية والنقدية للثقافة العربية، وفي التحلي بالموضوعية،وفي مواجهة القضايا العلمية بصبر، وفي شخصيته القوية الواثقة.
    يضاف إلى ما سبق شخصيات مهمة في تاريخ الدرس اللغوي كان لها أثر مهم في تكويني العلمي وتوجّهي، وأبرزهم المرحوم الشيخ العلامة تمّام حسّان الذي تتبعت جهوده وتشربت فكره العميق، وتلميذه الألمعي أستاذنا المرحوم الشيخ العلامة محمد حماسة عبد اللطيف الذي أفدت منه الكثير الكثير، فضلاً عن جهود علماء كبار من جامعات مختلفة.
    ولابد من الوقوف أخيرًا عند شخصية مهمة جدًا أثرت ومازالت تؤثر في حياتي، وهي شريكة العمر أمّ الحسن، فإليها يعود الفضل الكبير في التشجيع والإنجاز، وفي توفير الراحة والأجواء المناسبة لمتابعة أبحاثي ومشواري الأدبي.
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 12-11-2016, 10:51 AM.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    •نريد أن نتعرف على الخلفيات الثقافية والفكرية التي عاصرها الدكتور الجاسم في أثناء مرحلة دراسته الجامعية، كيف كانت ملامحها، وكيف أثرت في بناء شخصيتكم الفكرية.
    لعلّك أثرت نقطة مهمة في ذلك. إن التيارات الفكرية التي عاصرتها متنوعة، بداية نشأت على فكر البعث في المدرسة الابتدائية والبيت والحياة الاجتماعية، فوالدي وأعمامي كانوا بعثيين شأن الكثيرين من أبناء القبيلة. وكان للأستاذ فيصل أحمد تأثير كبير فينا جميعًا، وهو المؤمن بأفكار البعث إلى درجة مطلقة. وفي نهاية المرحلة الابتدائية وبداية الثمانينات عاصرت الأحداث الدامية التي قام بها الإخوان المسلمون في سوريا، وكنت أتأثر بمجالس الكبار في القبيلة وموقفهم من الأحداث.
    ثم عايشت في الجامعة ازدهار المد الشيوعي بوجه التيارات الدينية التي تعاني من قمع مطلق من السلطات السورية،كما عايشت انحساره لصالح المد الإسلامي في سوريا وفي العالم العربي عامة،وقد كنت ناضجًا أراقب الوضع وأحلل وأتخيّل وأخشى العواقب التي كنت أتوقع حدوثها.
    أثّرَت هذه الأمور في مسلكي،ولم أكن نشطًا سياسيّا، ولا علاقة لي بالسياسة، ولن يكون لي نشاط سياسي في المستقبل أيضًا، لأنني مقتنع بعدم جدوى السياسة في العالم الثالث المنفعل المتأثر بالقوى الكبرى التي تُملي عليه سياساته إملاء.

    •الدكتور الجاسم حلبيُّ المولد والنشأة، ولا يخفى على من له دراية بتاريخ هذه الأمة ما لحلبٍ من بصمات واضحة في تاريخ العلوم، فهل لتلك الخلفية طابع في شخصيتكم.
    ولدت في البادية التابعة لحلب،وهناك علاقات تربط والدي ببعض التجّار الحلبييّن الذين يتردّدون على القرية والمنطقة، يستأجرون الأراضي ويستثمرونها،وكنت أتردّد على حلب مع والدي للتسوق ولزيارة معارفنا.
    وقد تطورت علاقتي بهذه المدينة العظيمة حين قصدتها للدراسة، وأنا ابن عشرين عامًا. حينها لم أجد فروقًا أساسية بين ما نشأت عليه وما في حلب من قيم، لأن قيم الشعب الحلبي امتداد للقيم العربية الإسلامية الأصيلة،فقد تشرّبَتْها حلب وطبعتها بطابعها الحلبي الخاص بها،لذلك رسّخت هذه المدينة قيمي التي نشأت عليها في البادية، بعدما هذّبَتْها بروح المدنية، وجمّلتها ببصمتها الحلبية العريقة، طعّمتها برائحة الغار والياسمين والجوري والقدود الحلبية، ولوّنت روحي ومزاجي بخضرتها المتنوعة، وبجمالها العريق، وهذّبت حسي الجمالي، وروّضت خشونتي التي ورثتها من البادية.
    منحتني حلب كل ما تمنيته وخطّطتُ له، كانت كريمة عظيمة، وفدت إليها شابّا بدويّا بسيطًا في العشرين من عمري، فصارت لي أُمّا ثانية، تعطيني بسخاء من دون مقابل، تهذّبني وتقودني إلى الأعلى، لأرتقي وأسمو أكثر.
    في حلب تعلّمت وحققت النجاح العلمي والتميز بجامعتي، في حلب حصلت على أعلى الشهادات، وحقّقت مكانتي الأكاديمية، في هذه المدينة العظيمة العريقة تكوّنت علاقاتي الإنسانية الراقية الأبدية،وارتبطتُ بشريكة العمر، ورزقت بأولادي، وتباركت جهودي العلمية،وملكت ما أملك ماديّا ومعنويّا.حين أتخيل نفسي أعيش بقية حياتي بعيدًا عن حلب تعصف بروحي حالة من الخيالات المرعبة، وتستبد بي دوامة خانقة من الحزن، لا أتخلّص منها إلا بعدما أتّصل ببعض الأحبة هناك، ثم أفتح الشبكة الإلكترونية، لأتصفح صور الشوارع والأبنية الحلبيّة، لأتشمم رائحتها وأغفو على محيّاها. إني أنتظر استقرار الوضع بفارق الصبر، حتى أعود إليها عودًا نهائيّا.

    •من أبرز المحطات التي توقفتم عندها وأثرت في تكوينكم بلا شك تلك التي كانت إبان تخصصكم في مرحلة الماجستير، فقد تخصص الدكتور الجاسم في النحو والصرف، فلماذا اختار هذا التخصص تحديدًا.
    تنقلني إلى مرحلة مفصلية بسؤالك المهم هذا، دكتور مصطفى. حين تخرجت كنت بترتيب الرابع على دفعتي، وهذا يمكّنني من أن أتخصص بأي فرع. وكان أمامي شعبة الأدبيات وشعبة اللغويات وشعبة الدراسات السامية، ولكن قبل ذلك حسمت أمري منذ السنة الثانية في حياتي الجامعية، فقد نويت أن أتابع في النحو والصرف، لأنني كنت متميزًا في هذا العلم،ولتشجيع المقربين والأساتذة آنذاك.
    •أمضيتم أكثر من ست عشرة سنة في تدريس النحو والصرف، واللغة العربية لغير المختصين ولغير الناطقين بها، وهو مجال شديد الأهمية خاصة في تلك الآونة التي يُقْبِلُ العالم فيها على الوطن العربي ويزداد انفتاحًا على ثقافته ولغته، فكيف استفاد الدكتور الجاسم من تلك المرحلة.
    إن علوم العربية من نحو وصرف وفقه لغة وبلاغة بخير وستبقى بخير، وأنا على قناعة مطلقة بأنها باقية ما بقي القرآن الكريم، وهو لا شك باق، إذ قال تعالى: "إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ".وقد اشترطوا على مفسر هذا الكتاب الجليل أن يكون عالمًا ملمّا بالنحو والصرف وعلوم العربية، وهذا يعني أن النحو باق ولا قلق. والعربية باقية ولا قلق، ولكن المطلوب منا أن نفعّل انتشارها، ونخلّصها من تقلصها وانكماشها، عبر برامج تعليمية وعلمية مدروسة.
    والاستفادة لا تنتهي لا في مضمار تعليم العربية ولا في مضمار التعليم بصورة عامة، فلكل مقام تعليمي معطيات جديدة نستفيد منها وتكسبنا خبرة ما. ودعني أقول بقناعة مطلقة: إن اللغة العربية في مرحلة جيدة الآن تعلّمًا وتعليمًا وانتشارًا، وتعليمها لغير الناطقين بها يتطور بفضل جهود المتخصصين وبفضل إقبال من يطلب معرفتها. وقد استفدت من تعليم العربية للناطقين بغيرها، في المنهج وأساليب التعليم،وفي خدمة اللغة عامة.

    •لكل شخص محطات يعتز بها في مسيرته المهنية، ما الأعمال أو الأحداث التي منحتك مسيرة الاعتزاز دكتورمحمود.
    نعم. كانت لحظات الاعتزاز الأولى هي حصولي على درجة الدكتوراه في زمن قياسي، وبأعلى درجة تُمنح في تخصص النحو بجامعة حلب آنذاك، وبزمن قياسي لمتخصصي النحو آنذاك.
    وعزز من شعوري بالاعتزاز أحداث مهمة أبرزها: قصة بحث أرسلته إلى مجلة الدراسات اللغوية التابعة لمركز الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية، وكان أمين التحرير العلامة الأستاذ الدكتور سيف العريفي آنذاك عام 2001م. كان البحث معدّلاً عن فصل من رسالة الدكتوراه، وهو فصل ضخم،عدلته وأرسلته بعنوان: "أسس التحليل النحوي"، وخشيت ألا يقبل، لأنني مقتنع بعمق أفكاره وخشيت أن يقع بيد بعض التقليديين السطحيين، ولحسن حظي جاءني الكتاب بالموافقة مع نسخة من تقارير المحكّمين. وفوجئت بإرسال سلام حار من الأخ الدكتور سيف وإشادة كبيرة بالبحث! ثم عرفت منه فيما بعد أن الذي حكّمه المرحوم الشيخ تمّام حسان، وأنه أشاد به كثيرًا. وقد نشر الدكتور سيف –جزاه الله خيرًا- شهادة الشيخ الجليل تمام حسان بين طلبة العلم والعلماء، فمنحني ذلك شعورًا باعتزاز لا يجارى. إن شهادة كبيرة من تمّام حسان كافية، لأن تمنحني ذلك الشعور.
    والاعتزاز الآخر كان من دار العلوم أيضًا فقد ألّفت كتابًا يناقش القاعدة النحوية، وخالفت المرحوم الشيخ العلامة محمد حماسة عبد اللطيف، فأرسلت إليه الكتاب طلبًا لمقدمة، ووعدته بأني سأنشر المقدمة مهما تضمّنَت من معارضات أو نقد، وفوجئت بثناء الرجل الكبير الذي لا أستحقه! وقد منحني ذلك اعتزازًا كبيرًا آنذاك 2006م.
    وكذلك شعرت باعتزاز حين لاقى كتابي "تأويل النص القرآني وقضايا النحو" صدى طيبًا في الجامعة، حتى إنه حظي باحتفاء كلية الآداب بجامعة حلب، فأقيمت له ندوة خاصة، درسه فيها زملاء وعلماء كبار.
    وشعرت بالاعتزاز بأمور أكاديمية أخرى تجلّت في المقام الأول بمكانتي بين طلبتي في جامعة حلب، الذين يدركون الفروق بين رجال العلم، ويقدّرون العلم حق قدره. وهناك جانب آخر جعلني أشعر بسعادة واعتزاز هو كتابة الرواية، ودخول رواياتي قوائم المنافسة على جوائز عالمية، من بين المئات من الروايات.

    • حول كلامكم عن كتابة الرواية دعني أسألكم عن تجاربكم الإبداعية الروائية،دكتور محمود من النادر أن نجد أستاذًا في تخصص النحو والصرف يكون له نزوع إلى الكتابة الروائية، فلابد أن لهذا قصة نرجو أن ترويها لنا.
    بكل تأكيد ثمة قصة. كنت أنوي التخصص بالصحافة رغبة في الكتابة الروائية كما ذكرت لك فيما سبق.
    أحب الرواية وكنت أقرأ الروايات باستمرار، بدأت بقراءتها الجادّة منذ سن العشرين. وأذكر أني قرأت العديد من الروايات قبل الالتحاق بالجامعة، منها رواية "الأبله" لدوستويفسكي و"البؤساء" لفيكتور هوغو، و"الشيخ والبحر" لهمنغواي، و"الياطر" لحنا مينا، و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح... إلخ. أعشق الرواية،وأستمتع بقراءتها إلى درجة كبيرة جدّا. ولم أنقطع عن قراءة الرواية في المرحلة الجامعية، ولكني قلّلت منها، حين انشغلت بالدراسة والتفوق، وكان لي ذلك، بفضل الله.
    بعد أن تخصصت في الدراسات العليا، وبدأت في كتابة الماجستير تطورت قراءاتي الروائية، وكان لها نصيب جيّد، ونويت أن أكتب ولكني أسوّف.حاولت ذات مرة في مرحلة الدكتوراه،وشعرت أن ما كتبته تافه، فخشيت أن يفتضح أمري،ومزّقت الأوراق خوفًا من سمعة الفشل. ومع ذلك فقد كانت رغبة ملحّة تنمو بداخلي، لأكرر المحاولة من جديد.
    بعدما حصلت على الدكتوراه وانشغلت بالتعليم وبمشاريع الحياة من زواج وأسرة وترفيعات وبحوث كنت أرجئ المشروع. ثم بعد عودتي من المملكة العربية السعودية كرّرت المحاولة عام 2007م، ولكني مزّقت الأوراق من جديد.
    وحين ودّعت حلب معارًا عام 2012 والتحقت للعمل بجامعة قطر نويت أن أكتب، فقمت بكتابة الفصل الأول من روايتي الأولى "غفرانك يا أمي"، وأرسلته إلى أستاذ لي وصديق أثق بنقده،وهو أستاذ كبير في جامعتنا، صديقي الناقد العميق والأديب الكبير الدكتور سعد الدين كليب.طلبت منه أن يجيبني بكل صراحة ردّا على سؤالي: "هل هذا فصل رواية"؟ فأجاب يومها: بـ "نعم".
    تردّدتُ بداية، وشجّعَتْني شريكة عمري أم الحسن الذي لها فضل كبير في استقرار حياتي ومواصلة إنجازاتي الأكاديمية والأدبية، فأكملت الرواية،وبعدما انتهيت منها أخذَتْها الدار العربية للعلوم ناشرون، تبنّتها وطبعَتها 2014م، ورشّحَتها لجائزة الشارقة يومها. وبصراحة: لو اعتذرَت عنها لما نشرتُها، ومن المؤكد أني سألغي المشروع نهائيّا، فالفضل في استمراري بالكتابة يعود إلى هذه الدار التي أخذت الرواية، وأشادت بها ورشّحَتْها لجائزة. بعد ذلك كتبت روايتي الثانية "نظرات لا تعرف الحياء"،وقد طُبِعت في الدار نفسها، وأُدرجت ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد الدورة العاشرة 2016م.
    ثم كتبت روايتي الثالثة "نزوح مريم" بدار التنوير، ورشحتها الدار الناشرة لجائزة البوكر العالمية، وأدرجت ضمن القائمة الطويلة للبوكر 2016م. ثم نشرت لي دار الآداب روايتي الرابعة "لاجئة بين زوجين"، فصدّقتُ أنني روائي! ولا أخفيكم سرّا الآن بين يدي النص الخامس،وقد أوشكت على إتمامه.
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 12-12-2016, 07:27 AM.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      oيبدو أنّ روايتكم التي صدرت حديثًا عن دار الآداب: "لاجئة بين زوجين" ترصد معاناة اللاجئين السوريين، وتركّز على الوجع النفسي وقسوة الظروف التي يعاني منها اللاجئ السوري، فهلّا أعطيتنا ملمحًا سريعًا عن مضمونها وشخصياتها دكتور.
      تدور أحداث الرواية في مخيمات اللجوء، لتعكس وجع اللاجئ السوري، فترصد أسباب اللجوء، والمتغيرات الأخلاقية والاجتماعية بين اللاجئين. وتعرض لمعاناة اللاجئ بوجوهها المتنوعة، تعرض لاستغلال اللاجئات، للحرمان العاطفي والمادي، لقسوة الظروف، للوحشية التي يتعرض لها اللاجئ. ولا أريد أن أفضح المضمون رغبةً في جذب القرّاء.
      oلكم العديد من المؤلفات والبحوث العلمية التي تتركز في قضية التحليل النحوي، فكيف يرى الدكتور محمود واقع تلك القضية في حقل الدراسات النحوية.
      سؤال مهم. التحليل النحوي يقصد به الإجراءات التطبيقية التحليلية التي تتناول التركيب اللغوي، بمنهج النحو العربي، وعلى ذلك فمن ضمنه التطبيقات الإعرابية، والنظرات والإشارات التركيبية لدى البلاغيين، والفقهاء، وشرّاح الشعر.
      وقد ظهر بداية لدى العلماء القدامى حين راحوا يتبصرون في معاني القرآن الكريم، ليحددوا أحكامه ومعانيه، ثم تطور النظر التحليلي حين نشأت في الأذهان فكرة وضع النحو، وراح العلماء يجوبون البوادي، يجمعون شواهد اللغة، ويقيسون بعضها على بعض، ليجردوا أحكامهم التي انعكست بمنظومة من القواعد الأساسية.
      وعلى ما سبق بدأت الخطوات الأولى للتحليل النحوي في جهود المفسرين، ثم نظر بعض العلماء في كلام العرب المحتج به،واستخلصوا القواعد وجمعوها في هيكل نظري مضبوط دقيق، لتصبح هذه القواعد التي تعد محاكاة للثوابت التركيبية أدلة يعتمد عليها في توجيه المعنى وفي ضبطه وفي تلمس أسراره الجمالية وخفاياه الدلالية،فكانت تلك الضوابط والقوانين التركيبية أداة تتجلى في مجريات التحليل،لدى المفسرين وشراح الشعر والبلاغيين، فضلاً عن وجودها لدى النحويين.
      وتبدو القواعد النحوية في الإجراءات التحليليّة ذات أهمية بالغة الخطورة، إذ يتجلّى ما يماثلها في النص، وينعكس وجهها الحيّ في عناصر النظام التركيبي الذي يتشكل منه النسيج النصي، فبها ندرك دلالة العائد والمعاني النحوية والأساليب، والروابط النصية ودرجات المعنى قوّةً وضعفًا، ونتخيّل المقدرات المفترضة ومدى مشروعيتها وسلامتها، وفقًا لقوانين كلام العرب.كذلك تبدوتلك القواعد ذات أهمية بالغة إذا ما وقعنا في منزلقات تأويلية واهية، إذ تقف القواعد النحوية أمام أوهامنا، لتصحح فهمًا مغلوطًا متخيلاً عبر تركيب خيالي لا أساس له في كلام العرب.كما تكون تلك القواعد ضابطًا مهمًّا يحدّد لنا الأفهام، حين يشكل الأمر، وليس من معين نستعين به سواها.وتكون أيضًا مرتكزًا متينًا يجعلنا نتوغل في خفايا المعنى والمعنى الجمالي، لندرك بفضلها الأسرار والفروق العميقة بين فهم وآخر جماليّا وبلاغيّا.
      ولا شكّ أن سر القواعد النحوية العظيم يتجلى في الإجراءات التحليلية للنصوص من منظور عربي صرف، إجراءات تحليليّة لا يمكنها أن تتحرك حركة علمية صحيحة أصيلة بمعزل عن النحو وقواعده.
      oاللغة هي ركيزة الأمة ومنطلق حضارتها وبقدر احترام الأمة للغتها وتقديمها لها يكون قدر تقدمها وتمركزها بين الأمم، فهل ترون العربية قد نالت هذا القدر من الاحترام والتمكين في بلادها الآن، وما السياسات المنتظرة تجاه تعزيز هذه الركيزة.
      ينبغي أن نتفاءل، قلتُ منذ قليل: إن اللغة العربية بخير، ولعلك تلاحظ معي أن الاهتمام الثقافي بمكوّنات الأمة يتطور نحو الأفضل، وأن اهتمام أصحاب القرار باللغة العربية يتحسن، ثم إنّ الإعلام بالعموم ينهج نهجًا لصالحها، ومناهج التعليم كذلك. أنا متفائل بأن العربية في تحسن مستمرّ انتشارًا وتطورًا.

      oترون بالتأكيد حالة التغريب التي وقع فيها شبابنا ومجتمعنا، وحرصهم على تعليم اللغات الأجنبية واعتزازهم بها، وعلى النقيض من ذلك نرى منهم ابتعادًا مطردًا عن العربية تُراثًا واستعمالًا وتعليمًا، فما الخلفيات التي أدّت إلى ما نحن فيه، وهل ترون لذلك الإشكال حلّا واقعيّا.
      اسمح لي أن أخالفك في ذلك.يبدو لي أن التأثر اللغوي بالغرب يتراجع،ومسألة التباهي باللغة الأجنبية آخذة في التبخّر، فأمر هذه الشريحة الاجتماعية في ضعف ومدهم في انحسار. وعلينا أن ندرك أن الحرص على تعلم اللغات الأجنبية لا يناقض الحرص على مكونات الهوية التي من أهمها اللغة العربية.
      واللغة العربية تتطور وتتحسن ولا ننكر عوامل التخلف التي تعيق الإسراع بالنهوض ومواكبة العصر.

      oحصلتم بفضل الله على الجائزة الأولى في مسابقة الشيخ راشد بن حميد للثقافة والعلوم محور العلوم الإنسانية، وكان البحث المشارك بعنوان: "مشروعية التأويل في تلقي النص القرآني على ضوء قوانين النحو"، صِف لنا شعوركم بعد سماعكم بهذا الخبر، وهل شغلت قضية التأويل في تلقي النص القرآني بال أستاذنا كثيرًا، وما أبرز نتائج تلك الدراسة الماتعة؟
      هي جائزة تخص البحوث المتخصصة، وكنت مقتنعًا أن البحث مُحكَم البناء ومهم، ولكني خشيت ألا يفوز لأن فيه شيئًا من الجرأة،مع أنها من الجرأة المسؤولة. ويبدو أنه حظي بتحكيم يقدّر رؤيته أو مقولته، ففاز بالجائزة الأولى. وبصراحة مطلقة الجوائز جيدة تقدّم صاحبها للقرّاء، وتضعه تحت الأضواء. ولا شك أني سعيد شأن أي إنسان يفوز بجائزة. ولكن ينبغي أن ننبه على أن الجوائز ليست معيارًا نقيس به قيمة الباحثين، فقدر الباحث لا يقاس بجوائزه، بل بقيمة جهوده في ميدانه العلمي، ولا يدرك قيمة تلك الجهود إلا أبناء تخصصه.
      أما انشغالي بالتأويل فهو الانشغال الدائم، والسبب أني توجهت هذا التوجه منذ الماجستير كما ذكرت فيما سبق.ثم تطوّر النظر في الدكتوراه، إذ كانت أطروحة الدكتوراه في صميم التأويل النحوي الدلالي. ثم أكملت المشروع التأويلي ذا المرتكز النحوي بكتاب آخر أخذ سمعة طيبة في جامعتي جامعة حلب وهو: "تأويل النص القرآني وقضايا النحو". ولدي بحث أقوم به في المسار التأويلي نفسه، وهو مشروع كتاب، يحتاج إلى وقت.
      أما نتائج تلك الدراسة صاحبة الجائزة فيمكن تلخيصها بأن التأويل في القرآن الكريم أمر لا بد منه، وثمة عوامل ملحّة تقتضي تفعيله، وفقًا لقوانين العربية ومعطيات النص القرآني.

      oهل ترون للمجامع اللغوية دورًا فاعلًا في إنهاض العربية من واقعها المشاهد اليوم، وكيف يمكن التمكين للفصحى في المناهج الدراسية والثقافة المجتمعية؟ وما نصيحتكم للمنشغلين بأمر اللغة العربية على المستوى الفردي والمؤسسي.
      للمجامع اللغوية كل الأهمية، وهي تعمل وتعمل بإخلاص وشرف، ولكنها منعزلة منغلقة تحتاج إلى الخوض في عالم الواقع، وفي معترك الحياة، لتغذي الإنسان العربي بما يحتاج، وتلبّي متطلباته وتواكب تطوراته وتطلعاته.يبدو لي أنها لا تراعي حركة المجتمع ومتغيرات العصر كثيرًا، للأسف قراراتها في الغالب متأخرة وحركتها في المجتمع باردة خجولة، بل كسولة. باختصار لا بد من أن تلبي ما يحتاجه الإنسان العربي ابتداء من ألفاظ الحياة اليومية الدخيلة وصولاً إلى المصطلحات العلمية الدقيقة، والحديث في هذا يطول ويطول.
      أما تمكين العربية فالجهود تتفاوت من بلد عربي إلى آخر، وأراها تسير في سوريا بخير، فهناك لجان منبثقة عن لجنة عليا خاصة بتمكين اللغة العربية تتفاعل مع المجمع اللغوي ومع المؤسسات الأكاديمية وتتابع الحياة الاجتماعية والفاعليات وهي بتطور مستمر، ولعل التمكين يتطور عفويّا بفضل حركة التعليم والاهتمام باللغة العربية المتصاعد إعلاميّا وتعليميّا وثقافيّا، فضلاً عن الانشغال المتصاعد بالتراث والتفاسير القرآنية الذي ينعكس إيجابًا على اللغة العربية.
      ونصيحتي للمنشغلين باللغة العربية أن يعملوا بما يناسب حركة المجتمع، ويفهموا المطلوب ويراعوا معطيات العصر ويبسطوا ولا شك أن المستقبل للعربية وكل لغة تتطور بتطور أهلها وتنحدر بانحدار أهلها، فوضع اللغة العربية مقارنة بوضع أهلها يؤكد أنها بوضع مقبول، بل جيّد.

      oوأخيرًا كيف ترون تجربة مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية وسط دعوات حماية العربية والعمل من أجل صيانة حَرَمِها وجنابها.
      خطوة ذكية مشرّفة فرضت علوم العربية على فضاء الشبكة العالمية. وهي تجربة ناجحة، أظن أن الصفحة تحظى بمتابعة أكثر من مطبوعات مجامع اللغة العربية، وتأثيرها يزداد يومًا بعد يوم. وفقكم الله وإلى الأمام.
      ***
      التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 12-16-2016, 05:30 AM.

      تعليق

      يعمل...