إلى أين يتجه البحث اللغوي الحديث؟
عبد القادر شاكر*
كل قارئ عربي من حقه أن يعرف في أيامنا هذه حقيقة مسار البحث اللغوي في أقطارنا العربية إلى أين يسير؟. أنحو تطور وتجديد حداثي أم نحو ركود وتقهقر وجمود؟.
إن أهم ما يميز البحث اللغوي في الوطن العربي الكبير مشرقه ومغربه خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، من خلال قراءتنا وتفحصنا بعض الكتب المطبوعة والمتداولة بين أيدي القراء في السوق؛ أو بعض الرسائل الجامعية المخطوطة، التي لم يكتب لها نور الطبع بعد، لسبب ما، ولا زالت رهينة رفوف وأدراج معاهد ومكتبات الجامعات، وهي ذات قيمة لغوية جيدة، ودلالات تجديدية عالية. هو هذا الرصيد المعرفي اللغوي المطبوع وغير المطبوع وهو في حقيقة الأمر ثروة وزاد علمي يبشر بمستقبل منير، وفجر مضيء، فهو غذاء عقلي لمن يرغب أن يتسلح بالعلم والتعلم. وهو ثروة ما بعدها ثروة ولا تنضب مهما أقبل عليها طلاب الحاجة، فهي ملك وإرث للأجيال الحالية، والآتية لطلبة العلم الراغبين في الإقبال عليه، كيف لا؟ ونحن نلمس في البحث اللغوي الحديث الصبغة التجديدية سواء فيما يتعلق بالموضوعات والأسلوب أو المنهج.
والمقصود بالمنهج العلمي الذي أصبح يخص الدرس اللغوي لعدة اعتبارات، والتحرر من الطريقة الكلاسيكية التقليدية التي ظلت مهيمنة على البحث اللغوي لقرون عديدة.
وإذا أمعنا النظر مليًّا في جوهر مضامين الكتب اللغوية في صميمها وعمقها، كالتي تناولت مادة فقه اللغة، أو تناولت مادة النحو والصرف في شكل سياقي، أو التي تناولت اللسانيات العامة والتطبيقية، أو اللهجات، أو كتلك التي تناولت الدلالة بشكل عام، والدرس البلاغي، والأسلوبية بشكل خاص، فإنها تعد بعشرات العناوين في المطبوع منها، ناهيك عن الرسائل التي لا زالت مخطوطة.
وإنصافًا للحق، وعرفانًا لأهل الفضل، فالفضل يعود إلى بعض الأقطار العربية الشرقية تحديدًا وكانت هي السباقة في رفع لواء الدراسات اللغوية الحديثة، وبفضلها أشرق شعاع هذه الصحوة الفكرية من ربوع أرض مصر، وسورية، ولبنان فالعراق، فأضاء بنوره أصقاع الأقطار العربية إلى أن عم ضياؤه بقية البلدان العربية.
إذا كان البحث اللغوي في ثوبه التجديدي الحداثي كغيره من البحوث الأدبية والعلمية الأخرى، هو الذي يشير إلى اهتمام المنشغلين في حقله من أجل تطويره وازدهاره، فمن حق القارئ العربي أن يسأل ما المقصود بعلم اللغة الحديث، وتوجهاته؟ أهو التنصل من الدرس اللغوي التراثي؟ أم هو امتداد لـه وإضافة إليه في المنهج والأسلوب والدراسة؟ وقد نحاول الإجابة باختصار على حسب ما يراه أهل هذا الاختصاص من علماء وباحثين لغويين محدثين ومعاصرين.
ونبدأ الحديث عن التعريف اللغوي ثم الاصطلاحي بشكل مختصر جدًا للكلمات الثلاث "العلم/ اللغة /الحديث".
العلم نقيض الجهل، وعَلِم علمًا، وعلّم هو نفسه، ورجل عالم وعليم: من صار يمتلك العلوم الدينية أو الدنيوية، وعلمت الشيء أعلمه علماً، عرفته وعلمَ وفَقِه: أي تعلم وتفقه(1) .
أما العلم من حيث الاصطلاح فهو في قول د/ عبد العزيز مطر علم خاص، وعلم عام في شقه الخاص: فهو ما يعبر عنه بالمصطلح Science). كعلم الفيزياء والكيمياء، والنبات. وأهم ما يخص أو ما يميز العلم خمس خصائص:
الموضوع، والمنهج، والوسيلة، والهدف، ودقة القوانين.
والعلم بمعناه العام: أي مجموع المسائل والأصول الكلية التي تجمعها جهة واحدة، كعلم الكلام، وعلم النحو، وعلم الأرض، وعلم الكونيات وعلمك الآثار(2) .
تعريف كلمة لغة
جاء في لسان العرب لابن منظور ت 711هـ) في تعريف "لفظة لغة": "اللغة من الأسماء الناقصة وأصلها لغوة من لغا إذا تكلم، واللغة: اللسن"(3) .
وقال ابن جني ت 392هـ): "أما تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فُعلة من لغوتُ أي تكلّمت، وأصلها لُغوة ككُرَة وقُلَة"(4) .
وورد في هذا السياق نفسه لمفهوم كلمة لغة والمراد بها كلمة: قال صلى الله عليه وسلم بشأن الآداب في المسجد يوم الجمعة: "من مس الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة لـه. لغا أي تكلم".
أصل كلمة لغة
إن أصل كلمة لغة يرجع إلى أصل سامي، إنها من الكلمة اليونانية Logos ومعناها كلام، وقد دخلت الكلمة إلى العربية في وقت مبكر، ولكنهم تحدثوا أيضاً عن اللغة بالمعنى الاصطلاحي، الذي نعرفه اليوم لكلمة: كلام، قالوا لغته فاسدة أو لغته جيدة.
ثم تغيرت دلالة هذه الكلمة في العربية إلى أن حلت شيئاً فشيئاً محل كلمة لسان(5) .
تعريف علم اللغة الحديث في شقه الاصطلاحي
تعددت التعاريف الاصطلاحية لهذا العلم الحديث بتعدد المراجع التي تناولت المسألة لكنها تلتقي في المفهوم والمعنى بشكل عام.
ويقول الدكتور محمود فهمي حجازي تحت عنوان "علم اللغة الحديث": "علم اللغة في أبسط تعريفاته هو دراسة اللغة على نحو علمي، وتدرس اللغة في إطار علم اللغة في المجالات الآتية: أ-الأصوات، ب- بناء الكلمة الصرف)، ج-بناء الجملة النحو)، د-المفردات ودلالتها"(6) .
ويبدو لنا أن تعريف د/ عبد العزيز مطر في مستهل هذا السياق أوسع وأشمل من التعريف السابق. جاء عنه: "علم اللغة: هو العلم الذي يدرس اللغة أو اللهجة، دراسة موضوعية، غرضها الكشف عن خصائصها وعن القوانين اللغوية التي تسير عليها ظواهرها: الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، والاشتقاقية؛ والكشف عن العلاقات التي تربط هذه الظواهر بعضها ببعض، وتربطها بالظواهر النفسية، وبالمجتمع، وبالبيئة الجغرافية"(7) .
تاريخ ظهور البحث اللغوي
إن الحديث عن تاريخ ظهور البحث اللغوي طويل جدًّا، ويطول بنا المقام لسرد مراحله الزمنية عبر التاريخ القديم والحديث. وكيف تطور عبر هذه الحقب من القرون الغابرة إلى أن ظهر في شكله الحداثي مع القرن التاسع عشر في غرب أوربا. ولا مانع من أن نعطي لمحة عن تاريخ ظهور البحث اللغوي قديماً وحديثاً في شكل مختصر جداً، معتمدين في التحديد على الكتب اللغوية التي تناولت المسألة بشكل دقيق ومحدد.
إن ظهور الدرس اللغوي ليس جديد العهد، وإنما يعود تاريخ نشأته إلى قرون قبل الميلاد. وتتفق جل آراء الباحثين اللغويين والمؤرخين على أن الدرس اللغوي بدأ أول ما بدأ عند الهنود في القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد على يد بعض اللغويين الهنود، وعلى رأسهم إمام نحوييهم بانيني PANINI. فظهور السنسكريتية التي هي أساس أداة الأدب "الفيدي" الكتاب المقدس لديانة الهنود ولعل اهتمامهم بدراسة لغتهم في هذا الوقت المبكر كان لهدف ديني في المقام الأول من أجل قراءة نصوص الفيدي قراءة صحيحة.
وجاءت دراستهم للغتهم على درجة عالية من التنظيم، والدقة، واشتملت هذه الدراسة على علم اللغة، وفروعها من دراسة الأصوات، والاشتقاق، والنحو والمعاجم، وفقه اللغة. وأهم دراسة أظهروا فيها تفوقهم: الدراسات الصوتية خاصة، ثم النحو وميزوا الفعل عن الاسم وحروف الجر والأدوات المتممة.
واليونانيون هم بدورهم درسوا لغتهم دراسة صوتية وصفية، وكانت دراستهم للغتهم تكاد تكون متزامنة مع دراسة الهنود، دون أن نجد في الكتب اللغوية أية إشارة تأثر الأولى بالثانية بعكس تأثير الرومان في الإغريق.
ويلتقي الدكتور أحمد مختار عمر، والدكتور محمود السعران حينما يتناولان الدرس اللغوي عند اليونان(8) بحيث يؤكدان أن التفكير اللغوي عند اليونانيين بدأ مرتبطاً بالفلسفة، وكان اللغويون الأوائل فلاسفة والبداية الحقيقية لدراسة لغتهم كانت منذ زمان، "أوربيدس 480-406ق. م" الذي فرق بين حروف العلة والحروف الصحيحة، ثم جاء بعده "أفلاطون حوالي "428-347ق. م" ويعرض التحليل الصوتي لوحدات التقطيع الثاني في حواره كراتيل Cratyle وجاء بعده "أرسطو 384-322 ق.م" وتناول التحليل الصوتي في كتابه "فن الشعر" وعرف الصوت "الحرف" و حدوثه في اللسان والشفتين الخ... غير أن دراسة الإغريق للغتهم كما يزعم جورج مونين(9) كانت تتركز على بنية اللغة ونشأتها ولم تكن هذه الدراسة مهتمة بتطور اللغة وتنوعها.
ج-الرومان تلامذة اليونان وورثتُهم، إليهم يعود نقل بحوث اليونانيين اللغوية، وكان اليونانيون مقلدين أكثر منهم مبدعين ومجددين، ومن أشهر نحاتهم "فارو Varron" الذي عاش "في القرن الأول ق. م".
ثم "دوناتوس Donatus" الذي عاش في القرن الرابع الميلادي "وبرع في صناعة النحو" ثم "بريسكيان Priscien الذي عاش في القرن السادس الميلادي" صاحب كتاب اللغة(10) .
د-وكان العرب كغيرهم من الأمم السابقة سباقين لدراسة لغتهم، بعد أن استقر الدين الإسلامي واعتنقوه عقيدة في عبادتهم، فكان أن اهتموا بوضع ما يحفظ المصحف الشريف ويصونه أثناء تلاوته وحفظه خشية الوقوع في اللحن والتحريف، والتصحيف، في زمن أخذ فيه الاختلاط يعم الجزيرة العربية بين الأعجام والعرب الخلّص بسبب وحدة الإسلام، ولم يلبث الرجال المخلصون لعقيدتهم الإسلامية، والغيورون على لغتهم العربية التي بها نزل القرآن الكريم، أن دفعتهم فطرتهم الذاتية وإيمانهم القوي، فهبوا لوضع قواعد نحوية في بادئ الأمر كمرحلة أولى لتصون الألسنة من الوقوع في اللحن الذي أخذ يتفشى حتى في بيوت الأشراف من العرب وعلماء الأدب.
وكانت دراستهم للعربية قد انطلقت في بداية أمرها من الظاهرة الصوتية النحوية المتمثلة في تنقيط الإعراب زمان أبي الأسود ت 69هـ) بداية لمرحلة سوف تكون مرحلة الازدهار للدرس اللغوي في جميع خصائصه وتخصصاته، من دراسة مفردات أو دلالة، ونحو وصرف ودراسة صوتية، وبلاغية أو غيرها كالتي تخدم العربية وكتاب الله، لأن هذه الفترة شهدت الإقبال على دراسة العلوم الدينية من تفسير لكلام الله، والوقوف على غريب القرآن، ودلائل الإعجاز الربّاني، مع ظهور القراءات القرآنية، فكانت مسألة الدراسات اللغوية المرتبطة مكملة بل هي في خدمة العلوم الدينية، وظهور رجال كثيرين برعوا وتفوقوا في التأليف والتقعيد اللغوي والصوتي والبلاغي: نذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر، كالخليل بن أحمد الفراهيدي ت 175هـ)، وسيبويه ت 180هـ)، ويونس بن حبيب 183هـ) مروراً بأحمد بن فارس ت 312هـ)، وابن جني ت 395هـ)، وعبد القاهر الجرجاني ت 471هـ)، والزمخشري ت 538هـ)، والسكاكي ت 626هـ)، وغيرهم ممن قدموا خدمات جليلة للعربية ومجالات الدراسة بصفة عامة.
إن الحديث عن اللغة طويل ولا يمكن لنا مهما اختصرنا الكلام أن نذكر إلا نزرًا قليلاً فقط، وتجنبًا لإطالة الموضوع فإننا نتخطّى القرون الوسطى، ومجهوداتنا في البحث اللغوي المتواضع، تعتبر امتداداً لعهد النهضة الفكرية الأدبية والعلمية وعصر التنوير وما بعدها.
ومع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي شهد البحث اللغوي تطورًا ويقظة وتجديداً لم يسبق له مثيل من قبل على يد ثلة من الباحثين الغربيين الإنجليز، والفرنسيين، والألمان، والإيطاليين، وغيرهم من بعض الأقطار الأوربية ثم يصل الأمر فيما بعد إلى قارة أمريكا.
كانت الدراسات اللغوية في الغرب قد عرفت طريق الانتعاش، والازدهار منذ أن توصل "فردريك أوجست ولف" إلى ابتداع النقد المقارن للنصوص القديمة المكتوبة في سنة 1777م)(11) وكان هذا المنهج في رأي الدارسين اللغويين عاملاً رئيسًا وأساسيًّا أقيم على ضوئه تصنيف اللغات على أسر ومجموعات أساسية وفرعية.
كل قارئ عربي من حقه أن يعرف في أيامنا هذه حقيقة مسار البحث اللغوي في أقطارنا العربية إلى أين يسير؟. أنحو تطور وتجديد حداثي أم نحو ركود وتقهقر وجمود؟.
إن أهم ما يميز البحث اللغوي في الوطن العربي الكبير مشرقه ومغربه خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، من خلال قراءتنا وتفحصنا بعض الكتب المطبوعة والمتداولة بين أيدي القراء في السوق؛ أو بعض الرسائل الجامعية المخطوطة، التي لم يكتب لها نور الطبع بعد، لسبب ما، ولا زالت رهينة رفوف وأدراج معاهد ومكتبات الجامعات، وهي ذات قيمة لغوية جيدة، ودلالات تجديدية عالية. هو هذا الرصيد المعرفي اللغوي المطبوع وغير المطبوع وهو في حقيقة الأمر ثروة وزاد علمي يبشر بمستقبل منير، وفجر مضيء، فهو غذاء عقلي لمن يرغب أن يتسلح بالعلم والتعلم. وهو ثروة ما بعدها ثروة ولا تنضب مهما أقبل عليها طلاب الحاجة، فهي ملك وإرث للأجيال الحالية، والآتية لطلبة العلم الراغبين في الإقبال عليه، كيف لا؟ ونحن نلمس في البحث اللغوي الحديث الصبغة التجديدية سواء فيما يتعلق بالموضوعات والأسلوب أو المنهج.
والمقصود بالمنهج العلمي الذي أصبح يخص الدرس اللغوي لعدة اعتبارات، والتحرر من الطريقة الكلاسيكية التقليدية التي ظلت مهيمنة على البحث اللغوي لقرون عديدة.
وإذا أمعنا النظر مليًّا في جوهر مضامين الكتب اللغوية في صميمها وعمقها، كالتي تناولت مادة فقه اللغة، أو تناولت مادة النحو والصرف في شكل سياقي، أو التي تناولت اللسانيات العامة والتطبيقية، أو اللهجات، أو كتلك التي تناولت الدلالة بشكل عام، والدرس البلاغي، والأسلوبية بشكل خاص، فإنها تعد بعشرات العناوين في المطبوع منها، ناهيك عن الرسائل التي لا زالت مخطوطة.
وإنصافًا للحق، وعرفانًا لأهل الفضل، فالفضل يعود إلى بعض الأقطار العربية الشرقية تحديدًا وكانت هي السباقة في رفع لواء الدراسات اللغوية الحديثة، وبفضلها أشرق شعاع هذه الصحوة الفكرية من ربوع أرض مصر، وسورية، ولبنان فالعراق، فأضاء بنوره أصقاع الأقطار العربية إلى أن عم ضياؤه بقية البلدان العربية.
إذا كان البحث اللغوي في ثوبه التجديدي الحداثي كغيره من البحوث الأدبية والعلمية الأخرى، هو الذي يشير إلى اهتمام المنشغلين في حقله من أجل تطويره وازدهاره، فمن حق القارئ العربي أن يسأل ما المقصود بعلم اللغة الحديث، وتوجهاته؟ أهو التنصل من الدرس اللغوي التراثي؟ أم هو امتداد لـه وإضافة إليه في المنهج والأسلوب والدراسة؟ وقد نحاول الإجابة باختصار على حسب ما يراه أهل هذا الاختصاص من علماء وباحثين لغويين محدثين ومعاصرين.
ونبدأ الحديث عن التعريف اللغوي ثم الاصطلاحي بشكل مختصر جدًا للكلمات الثلاث "العلم/ اللغة /الحديث".
العلم نقيض الجهل، وعَلِم علمًا، وعلّم هو نفسه، ورجل عالم وعليم: من صار يمتلك العلوم الدينية أو الدنيوية، وعلمت الشيء أعلمه علماً، عرفته وعلمَ وفَقِه: أي تعلم وتفقه(1) .
أما العلم من حيث الاصطلاح فهو في قول د/ عبد العزيز مطر علم خاص، وعلم عام في شقه الخاص: فهو ما يعبر عنه بالمصطلح Science). كعلم الفيزياء والكيمياء، والنبات. وأهم ما يخص أو ما يميز العلم خمس خصائص:
الموضوع، والمنهج، والوسيلة، والهدف، ودقة القوانين.
والعلم بمعناه العام: أي مجموع المسائل والأصول الكلية التي تجمعها جهة واحدة، كعلم الكلام، وعلم النحو، وعلم الأرض، وعلم الكونيات وعلمك الآثار(2) .
تعريف كلمة لغة
جاء في لسان العرب لابن منظور ت 711هـ) في تعريف "لفظة لغة": "اللغة من الأسماء الناقصة وأصلها لغوة من لغا إذا تكلم، واللغة: اللسن"(3) .
وقال ابن جني ت 392هـ): "أما تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فُعلة من لغوتُ أي تكلّمت، وأصلها لُغوة ككُرَة وقُلَة"(4) .
وورد في هذا السياق نفسه لمفهوم كلمة لغة والمراد بها كلمة: قال صلى الله عليه وسلم بشأن الآداب في المسجد يوم الجمعة: "من مس الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة لـه. لغا أي تكلم".
أصل كلمة لغة
إن أصل كلمة لغة يرجع إلى أصل سامي، إنها من الكلمة اليونانية Logos ومعناها كلام، وقد دخلت الكلمة إلى العربية في وقت مبكر، ولكنهم تحدثوا أيضاً عن اللغة بالمعنى الاصطلاحي، الذي نعرفه اليوم لكلمة: كلام، قالوا لغته فاسدة أو لغته جيدة.
ثم تغيرت دلالة هذه الكلمة في العربية إلى أن حلت شيئاً فشيئاً محل كلمة لسان(5) .
تعريف علم اللغة الحديث في شقه الاصطلاحي
تعددت التعاريف الاصطلاحية لهذا العلم الحديث بتعدد المراجع التي تناولت المسألة لكنها تلتقي في المفهوم والمعنى بشكل عام.
ويقول الدكتور محمود فهمي حجازي تحت عنوان "علم اللغة الحديث": "علم اللغة في أبسط تعريفاته هو دراسة اللغة على نحو علمي، وتدرس اللغة في إطار علم اللغة في المجالات الآتية: أ-الأصوات، ب- بناء الكلمة الصرف)، ج-بناء الجملة النحو)، د-المفردات ودلالتها"(6) .
ويبدو لنا أن تعريف د/ عبد العزيز مطر في مستهل هذا السياق أوسع وأشمل من التعريف السابق. جاء عنه: "علم اللغة: هو العلم الذي يدرس اللغة أو اللهجة، دراسة موضوعية، غرضها الكشف عن خصائصها وعن القوانين اللغوية التي تسير عليها ظواهرها: الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، والاشتقاقية؛ والكشف عن العلاقات التي تربط هذه الظواهر بعضها ببعض، وتربطها بالظواهر النفسية، وبالمجتمع، وبالبيئة الجغرافية"(7) .
تاريخ ظهور البحث اللغوي
إن الحديث عن تاريخ ظهور البحث اللغوي طويل جدًّا، ويطول بنا المقام لسرد مراحله الزمنية عبر التاريخ القديم والحديث. وكيف تطور عبر هذه الحقب من القرون الغابرة إلى أن ظهر في شكله الحداثي مع القرن التاسع عشر في غرب أوربا. ولا مانع من أن نعطي لمحة عن تاريخ ظهور البحث اللغوي قديماً وحديثاً في شكل مختصر جداً، معتمدين في التحديد على الكتب اللغوية التي تناولت المسألة بشكل دقيق ومحدد.
إن ظهور الدرس اللغوي ليس جديد العهد، وإنما يعود تاريخ نشأته إلى قرون قبل الميلاد. وتتفق جل آراء الباحثين اللغويين والمؤرخين على أن الدرس اللغوي بدأ أول ما بدأ عند الهنود في القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد على يد بعض اللغويين الهنود، وعلى رأسهم إمام نحوييهم بانيني PANINI. فظهور السنسكريتية التي هي أساس أداة الأدب "الفيدي" الكتاب المقدس لديانة الهنود ولعل اهتمامهم بدراسة لغتهم في هذا الوقت المبكر كان لهدف ديني في المقام الأول من أجل قراءة نصوص الفيدي قراءة صحيحة.
وجاءت دراستهم للغتهم على درجة عالية من التنظيم، والدقة، واشتملت هذه الدراسة على علم اللغة، وفروعها من دراسة الأصوات، والاشتقاق، والنحو والمعاجم، وفقه اللغة. وأهم دراسة أظهروا فيها تفوقهم: الدراسات الصوتية خاصة، ثم النحو وميزوا الفعل عن الاسم وحروف الجر والأدوات المتممة.
واليونانيون هم بدورهم درسوا لغتهم دراسة صوتية وصفية، وكانت دراستهم للغتهم تكاد تكون متزامنة مع دراسة الهنود، دون أن نجد في الكتب اللغوية أية إشارة تأثر الأولى بالثانية بعكس تأثير الرومان في الإغريق.
ويلتقي الدكتور أحمد مختار عمر، والدكتور محمود السعران حينما يتناولان الدرس اللغوي عند اليونان(8) بحيث يؤكدان أن التفكير اللغوي عند اليونانيين بدأ مرتبطاً بالفلسفة، وكان اللغويون الأوائل فلاسفة والبداية الحقيقية لدراسة لغتهم كانت منذ زمان، "أوربيدس 480-406ق. م" الذي فرق بين حروف العلة والحروف الصحيحة، ثم جاء بعده "أفلاطون حوالي "428-347ق. م" ويعرض التحليل الصوتي لوحدات التقطيع الثاني في حواره كراتيل Cratyle وجاء بعده "أرسطو 384-322 ق.م" وتناول التحليل الصوتي في كتابه "فن الشعر" وعرف الصوت "الحرف" و حدوثه في اللسان والشفتين الخ... غير أن دراسة الإغريق للغتهم كما يزعم جورج مونين(9) كانت تتركز على بنية اللغة ونشأتها ولم تكن هذه الدراسة مهتمة بتطور اللغة وتنوعها.
ج-الرومان تلامذة اليونان وورثتُهم، إليهم يعود نقل بحوث اليونانيين اللغوية، وكان اليونانيون مقلدين أكثر منهم مبدعين ومجددين، ومن أشهر نحاتهم "فارو Varron" الذي عاش "في القرن الأول ق. م".
ثم "دوناتوس Donatus" الذي عاش في القرن الرابع الميلادي "وبرع في صناعة النحو" ثم "بريسكيان Priscien الذي عاش في القرن السادس الميلادي" صاحب كتاب اللغة(10) .
د-وكان العرب كغيرهم من الأمم السابقة سباقين لدراسة لغتهم، بعد أن استقر الدين الإسلامي واعتنقوه عقيدة في عبادتهم، فكان أن اهتموا بوضع ما يحفظ المصحف الشريف ويصونه أثناء تلاوته وحفظه خشية الوقوع في اللحن والتحريف، والتصحيف، في زمن أخذ فيه الاختلاط يعم الجزيرة العربية بين الأعجام والعرب الخلّص بسبب وحدة الإسلام، ولم يلبث الرجال المخلصون لعقيدتهم الإسلامية، والغيورون على لغتهم العربية التي بها نزل القرآن الكريم، أن دفعتهم فطرتهم الذاتية وإيمانهم القوي، فهبوا لوضع قواعد نحوية في بادئ الأمر كمرحلة أولى لتصون الألسنة من الوقوع في اللحن الذي أخذ يتفشى حتى في بيوت الأشراف من العرب وعلماء الأدب.
وكانت دراستهم للعربية قد انطلقت في بداية أمرها من الظاهرة الصوتية النحوية المتمثلة في تنقيط الإعراب زمان أبي الأسود ت 69هـ) بداية لمرحلة سوف تكون مرحلة الازدهار للدرس اللغوي في جميع خصائصه وتخصصاته، من دراسة مفردات أو دلالة، ونحو وصرف ودراسة صوتية، وبلاغية أو غيرها كالتي تخدم العربية وكتاب الله، لأن هذه الفترة شهدت الإقبال على دراسة العلوم الدينية من تفسير لكلام الله، والوقوف على غريب القرآن، ودلائل الإعجاز الربّاني، مع ظهور القراءات القرآنية، فكانت مسألة الدراسات اللغوية المرتبطة مكملة بل هي في خدمة العلوم الدينية، وظهور رجال كثيرين برعوا وتفوقوا في التأليف والتقعيد اللغوي والصوتي والبلاغي: نذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر، كالخليل بن أحمد الفراهيدي ت 175هـ)، وسيبويه ت 180هـ)، ويونس بن حبيب 183هـ) مروراً بأحمد بن فارس ت 312هـ)، وابن جني ت 395هـ)، وعبد القاهر الجرجاني ت 471هـ)، والزمخشري ت 538هـ)، والسكاكي ت 626هـ)، وغيرهم ممن قدموا خدمات جليلة للعربية ومجالات الدراسة بصفة عامة.
إن الحديث عن اللغة طويل ولا يمكن لنا مهما اختصرنا الكلام أن نذكر إلا نزرًا قليلاً فقط، وتجنبًا لإطالة الموضوع فإننا نتخطّى القرون الوسطى، ومجهوداتنا في البحث اللغوي المتواضع، تعتبر امتداداً لعهد النهضة الفكرية الأدبية والعلمية وعصر التنوير وما بعدها.
ومع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي شهد البحث اللغوي تطورًا ويقظة وتجديداً لم يسبق له مثيل من قبل على يد ثلة من الباحثين الغربيين الإنجليز، والفرنسيين، والألمان، والإيطاليين، وغيرهم من بعض الأقطار الأوربية ثم يصل الأمر فيما بعد إلى قارة أمريكا.
كانت الدراسات اللغوية في الغرب قد عرفت طريق الانتعاش، والازدهار منذ أن توصل "فردريك أوجست ولف" إلى ابتداع النقد المقارن للنصوص القديمة المكتوبة في سنة 1777م)(11) وكان هذا المنهج في رأي الدارسين اللغويين عاملاً رئيسًا وأساسيًّا أقيم على ضوئه تصنيف اللغات على أسر ومجموعات أساسية وفرعية.

تعليق