أفعال اللغة و الخطاب الأدبي
خليفة بولفعة
جامعة الأغواط
يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اللغوية ،تداولية أفعال الكلام ويسميها بعض الباحثين الفرنسيين أفعال اللغة ،وهي نظرية انطلقت من فكرة جوهرية ، أسس لها "أوستن"John Langshaw Austin وتلميذه "سارل" Searle John، تتمثل في أن وظيفة اللغة الأساس لا تكمن وصف العالم أو التعبير عن الأفكار أو التأمل ونقل المعلومات-أي التوجه الوصفي الذي ندد به "أوستن" وأسماه الوهم الوصفي- بقدر ما هي مؤسسة تعمل على تحويل الأقوال إلى أفعال ضمن سياقات خاصة. ويفهم من هذا أن هناك أقوالا تتم في إطار اجتماعي ومؤسساتي تصبح أفعالا منجزة بمجرد النطق بها، مثل قول الرئيس:" أعلن حل البرلمان أو الدستور"،أو قول القاضي :"فتحت الجلسة".
ويقسم الباحثون هذه الأفعال اللغوية إلى أفعال مباشرة مثل أفعال العقود (زوج ،طلق ،باع ، اشترى ، بايع وعاهد ...) و وأفعال غير مباشرة ،مثل قولهم في المثال المشهور "هل بإمكانك أن تناولني الملح ؟ "، فظاهر هذا الكلام استفهام ولكن دلالته تشير إلى طلب بتقديم الملح (1) .وعليه فإن المنطلق الأساس لهذا التوجه ، يعني القطيعة مع نظرية "تشومسكي" التي ترى بأولوية النحو ، ونظرية"سوسير" التي ترى بأولوية اللسان( [1]).وبذلك فاللغة حسب " أوستن" وفلاسفة اللغة،ليست مجرد وصف للعالم ،بل هي فعل يؤثر في الواقع ويعدل في السلوك ويثير ردود الأفعال.(2)
وتعتبر هذه الظاهرة اللغوية جوهر إنتاج الأعمال الأدبية، خاصة في الرواية والشعر. فالسارد عندما يقوم بعملية الحكي لا يقصد تقديم سلسلة من الأحداث إلى المتلقي ،بقدر ما يكون هدفه إحداث أثر ما في متلقيه ،وبذلك فإن عملية السرد مثلها مثل العمليات الخطابية الأخرى تهدف إلى إيصال فكرة ما إلى المتلقي أو تضليله عنها(3).
وعلى هذا الأساس ،يبدو أن هذه الأفعال تعمل على تحديد الرؤية السردية "التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأحد أهم مكونات الخطاب السردي المتمثل في الراوي وعلاقته بالعمل السردي بوجه عام ،وذلك لاعتبار أن الحكي يستقطب دائما عنصرين أساسيين بدونهما لا يمكننا أن نتحدث عنه.هذان العنصران هما :القائم بالحكي ومتلقيه ، وبمعنى آخر الراوي والمروي له"(4) .وهذه الرؤية لا تتم دون منظومة سردية تؤطرها أفعال لغوية تتم من خلال عملية تفاعلية بين عنصرين اثنين هما المرسل والمتلقي من خلال عملية تفاعلية. ومن مظاهر ذلك ما نجده في أفعال منظومة السرد عند الروائية أحلام مستغامي:
(( ... اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء .. وكأنك تعتذر عن ماضيك ..)(5) وكذلك في حديثها عن "الذراع المبتورة" لـ(خالد بن طوبال) الذي فقد ذراعه أثناء حرب التحرير الجزائرية ...كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية (6)( ... وقد تزعج البعض ، تفسد على البعض راحتهم ، تفقدهم شهيتهم (7) ومع ذلك فهو يدرك بأن حياته ما زالت جرحا ينزف ، وتتضاعف مأساته في المنفى حين يدرك أن هؤلاء لا يعترفون بجرحه وإنما يعترفون بفنه فقط(8)،لا تقصد الروائية هنا تقديم صورة لبطل روايتها بقدر ما تحاول التأثير في المتلقي وإقناعه بفكرها وإيديولوجيتها عن طريق توظيف جانب موح من أيقونة الجسد "الذراع المبتورة"، التي هي في جانب منها صورة إنسانية مزعجة ومثيرة للشفقة معا ،ومن جهة أخرى رمز لهوية وطنية ذات بعد سياسي وتاريخي ، أي وسام معلق على هذا الجسد ،كما إنها شهادة على ظلم الإنسان وقهره (الاستعمار) وتنكره (بعد الاستقلال): اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء.... وكأنك تعتذر عن ماضيك ....
وحين تتحدث عنه في منفاه (فرنسا):تصفه بالرجل الذي يحمل ذاكرته على جسده ( وكنت تحمل ذاكرتك على جسدك ( (8) تقرأ على بعض الكراسي أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل .. محجوزة لمحاربين غيرك، حربهم لم تكن حربك، جراحهم ربما كانت على يدك ، وجراحك أنت غير معترف بها(9).
في حين تقدم صورة أخرى مقابلة تمثل أبشع صور الخيانة والانتهازية والمحسوبية: ( ... وقد تزعج البعض، تفسد على البعض راحتهم، تفقدهم شهيتهم).، وكذا في حديثها عن حسان الذي يمثل شريحة أخرى من المجتمع الجزائري في العاصمة ستكون لك ( خيوط) ستوصلك الطرق القصيرة هناك .. ولن توصلك الجسور هنا!)(10).ومنه نفهم أن الروائية في موقف رفض وتنديد لوضع ما ، فلم تكتفي بوصفه وعرضه على المتلقي بطريقة سافرة ،بل وظفت إستراتيجية السرد المكونة من أفعال لغوية ضمنية، توحي بصورة مباشرة بأفكار وإيديولوجية تعززها قوة بلاغية وحجاجية تعمل كلها على إثارة المتلقي والتأثير فيه.
لقد أصبحت هذه الذراع لعنة تطارده في كل مكان ( كنت تتأملين ذراعي الناقصة وأتأمل سوار يدك ، كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه )
. ويذكر بكل مرارة :
( أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك ذراعه وفي المدن المعلقة قلبه(11)
وقريب من هذا ما نجده عند الروائي إبراهيم الكوني:"..ولكن القدر فوت الفرصة .جاءت الأنباء بانكسار المقاومة في الحمادة أيضا و...باستشهاد الوالد.قيل انه قاوم ببسالة.بل إن أهل الصحراء نظموا القصائد بعدها تمجيدا لبطولته.ربما لأنهم لم يتوقعوا من رجل مزواج متيم بالسبايا الزنجيات أن يسطر المآثر في مقاومة الطليان.أحد الرعاة أخبره أن الهجوم المباغت لم يفقده السيطرة على نفسه،فطاف على القبيلة ، وجمع المقاتلين،وحارب حتى حوصر معسكره.طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ الذين هدهم العطش ورأوا ضرورة التسليم.انفصل عنهم مع عدد من المخلصين.اعتصم بجبل الحساونة حتى مات .مات بالعطش ،فاستسلمت القبيلة كغيرها من القبائل. تولى ابن عمته المشيخة بعد انتظار طويل .ولكنه لم يسعد بها،فقد تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع.لجأت بعض العشائر إلى غدامس ،ولجأت قبائل أخرى إلى "تامنغست" وعزمت بعض القبائل أن تنزح إلى السودان.ولم يفد سعي الشيخ الجديد لتجميعها.فشل في إقناع الشيوخ بالتذرع بالصبر والانتظار حتى يمر البلاء.وهو لا يزال يتنقل في الصحاري ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس مهام المشيخة.آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات"(12)
لا يريد الروائي هنا تقديم الأحداث ووصفها بطبيعة الحال ،ولكنه يوظف استراتيجيات مختلفة للتأثير في المتلقي ،سواء عن طريق عملية السرد المثيرة ،أو توظيف بعض الوحدات المعجمية الموحية مثل " جاءت الأنباء بالانكسار- طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ- القبيلة – استسلمت القبيلة- تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع- ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس المشيخة- ثم يحتم ذلك بقوله: آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات. إن الراوي هنا لا يصف ولا يسرد بقدر ما يندد بوضع سياسي متعفن،تسوده الخيانة والقبلية والبداوة والخضوع والاستسلام ،بالرغم من المظاهر الخادعة والشعارات الزائفة التي يروج لها .باختصار شديد ، يوظف الروائي ريشته لرسم صورة متعددة الأبعاد لأزمة العالم العربي.وتظهر هنا قوة عملية الفعل اللغوي المتمثلة في السرد الذي يعتبر وسيلة لغوية يوظفها الروائي للتأثير في المتلقي .
كما تعمل الصيغ والمحددات النحوية والبلاغية على تقوية المعنى وإعطائه بعدا آخر، فهي تعتبر أيضا إحدى الموجهات الخطابية التي تعبر عن ذاتية المتلفظ وتواجده في الزمان والمكان،وبذلك فإن مثل هذا النوع من التوظيف ، يعمل على إبراز نوعية الحدث و درجة حدوثه وسلميته ؛ إما بشكل احتمالي أو تأكيدي.وهذا النوع يعمل على توجيه الخطاب وتقويته لإحداث أكبر أثر ممكن في المتلقي .مثل قول أبي الطيب المتنبي موظفا الفعل اللغوي المتمثل في النهي بصيغته الصريحة:
- فلا تغرُرْكَ ألســنةُ مَـــوالٍ تُقلّبُهَـنَّ أفئـدةٌ أعـــادي( [2])
- لا تَعْذُلِ المُشتاقَ في أشـــواقه حتى يكون َ حشاكَ في أحشـائهِ( [3])
يستعمل النهي بصيغته الصريحة(الفعل اللغوي المباشر) لحرصه على تبليغ ما يريده من تحذير أو تنبيه للمرسل إليه من هؤلاء الأصدقاء ، نفس الشيء في المثالين الآخرين فلا يحتاج المرسل إليه هنا إلى أي تأويل،وبذلك تحقق التحذير بصورة شمولية إلى المخاطب العياني والافتراضي على حد سواء . أما في الأمثلة التالية فنجده يغير من إستراتيجيته الخطابية مستعملا نفس الفعل اللغوي، إلا انه يضيف نون التوكيد إلى فعل المضارع المسبوق بلا الناهية لسبب إستراتيجي وتداولي يتطلبه السياق:
1- لا تَطْلُبنَّ كريماً بعـــد رؤيته
إنّ الكرامَ بأسخَاهُمْ يداً خُتِمـوا ( [4])
2- إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍ فلا تَسْتَــعِدَنّ الحُسَـام اليَمَانِيَا ( [5])
3- ولا تستطيلنّ الرّمــَاحَ لغارةٍ ولا تستجيدَنّ العتــاقَ المَذَاكِيَا ( [6])
وبذلك نجد أن في هذا النوع من التوظيف يتطلب تدرجا وسلمية في الفعل ، فنون التوكيد هنا لها دور تداولي يبرز أن درجة التوكيد أعلى منها في الصيغة السابقة ،وفي هذا المنحى تأكيد ناتج عن معرفة المرسل للمرسل إليه وإدراكه الجيد للموقف التواصلي وبعناصر السياق المهيكلة للخطاب . ويبرز من هذا الاستخدام أن الفعل اللغوي المتمثل في النهي درجات تحددها ظروف المرسل إليه وحالته ومنزلته ،وقربه أو بعده من المرسل ،كما يرجع ذلك إلى طبيعة الموضوع أو الأمر المنهي عنه .
خليفة بولفعة
جامعة الأغواط
يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اللغوية ،تداولية أفعال الكلام ويسميها بعض الباحثين الفرنسيين أفعال اللغة ،وهي نظرية انطلقت من فكرة جوهرية ، أسس لها "أوستن"John Langshaw Austin وتلميذه "سارل" Searle John، تتمثل في أن وظيفة اللغة الأساس لا تكمن وصف العالم أو التعبير عن الأفكار أو التأمل ونقل المعلومات-أي التوجه الوصفي الذي ندد به "أوستن" وأسماه الوهم الوصفي- بقدر ما هي مؤسسة تعمل على تحويل الأقوال إلى أفعال ضمن سياقات خاصة. ويفهم من هذا أن هناك أقوالا تتم في إطار اجتماعي ومؤسساتي تصبح أفعالا منجزة بمجرد النطق بها، مثل قول الرئيس:" أعلن حل البرلمان أو الدستور"،أو قول القاضي :"فتحت الجلسة".
ويقسم الباحثون هذه الأفعال اللغوية إلى أفعال مباشرة مثل أفعال العقود (زوج ،طلق ،باع ، اشترى ، بايع وعاهد ...) و وأفعال غير مباشرة ،مثل قولهم في المثال المشهور "هل بإمكانك أن تناولني الملح ؟ "، فظاهر هذا الكلام استفهام ولكن دلالته تشير إلى طلب بتقديم الملح (1) .وعليه فإن المنطلق الأساس لهذا التوجه ، يعني القطيعة مع نظرية "تشومسكي" التي ترى بأولوية النحو ، ونظرية"سوسير" التي ترى بأولوية اللسان( [1]).وبذلك فاللغة حسب " أوستن" وفلاسفة اللغة،ليست مجرد وصف للعالم ،بل هي فعل يؤثر في الواقع ويعدل في السلوك ويثير ردود الأفعال.(2)
وتعتبر هذه الظاهرة اللغوية جوهر إنتاج الأعمال الأدبية، خاصة في الرواية والشعر. فالسارد عندما يقوم بعملية الحكي لا يقصد تقديم سلسلة من الأحداث إلى المتلقي ،بقدر ما يكون هدفه إحداث أثر ما في متلقيه ،وبذلك فإن عملية السرد مثلها مثل العمليات الخطابية الأخرى تهدف إلى إيصال فكرة ما إلى المتلقي أو تضليله عنها(3).
وعلى هذا الأساس ،يبدو أن هذه الأفعال تعمل على تحديد الرؤية السردية "التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأحد أهم مكونات الخطاب السردي المتمثل في الراوي وعلاقته بالعمل السردي بوجه عام ،وذلك لاعتبار أن الحكي يستقطب دائما عنصرين أساسيين بدونهما لا يمكننا أن نتحدث عنه.هذان العنصران هما :القائم بالحكي ومتلقيه ، وبمعنى آخر الراوي والمروي له"(4) .وهذه الرؤية لا تتم دون منظومة سردية تؤطرها أفعال لغوية تتم من خلال عملية تفاعلية بين عنصرين اثنين هما المرسل والمتلقي من خلال عملية تفاعلية. ومن مظاهر ذلك ما نجده في أفعال منظومة السرد عند الروائية أحلام مستغامي:
(( ... اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء .. وكأنك تعتذر عن ماضيك ..)(5) وكذلك في حديثها عن "الذراع المبتورة" لـ(خالد بن طوبال) الذي فقد ذراعه أثناء حرب التحرير الجزائرية ...كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية (6)( ... وقد تزعج البعض ، تفسد على البعض راحتهم ، تفقدهم شهيتهم (7) ومع ذلك فهو يدرك بأن حياته ما زالت جرحا ينزف ، وتتضاعف مأساته في المنفى حين يدرك أن هؤلاء لا يعترفون بجرحه وإنما يعترفون بفنه فقط(8)،لا تقصد الروائية هنا تقديم صورة لبطل روايتها بقدر ما تحاول التأثير في المتلقي وإقناعه بفكرها وإيديولوجيتها عن طريق توظيف جانب موح من أيقونة الجسد "الذراع المبتورة"، التي هي في جانب منها صورة إنسانية مزعجة ومثيرة للشفقة معا ،ومن جهة أخرى رمز لهوية وطنية ذات بعد سياسي وتاريخي ، أي وسام معلق على هذا الجسد ،كما إنها شهادة على ظلم الإنسان وقهره (الاستعمار) وتنكره (بعد الاستقلال): اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء.... وكأنك تعتذر عن ماضيك ....
وحين تتحدث عنه في منفاه (فرنسا):تصفه بالرجل الذي يحمل ذاكرته على جسده ( وكنت تحمل ذاكرتك على جسدك ( (8) تقرأ على بعض الكراسي أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل .. محجوزة لمحاربين غيرك، حربهم لم تكن حربك، جراحهم ربما كانت على يدك ، وجراحك أنت غير معترف بها(9).
في حين تقدم صورة أخرى مقابلة تمثل أبشع صور الخيانة والانتهازية والمحسوبية: ( ... وقد تزعج البعض، تفسد على البعض راحتهم، تفقدهم شهيتهم).، وكذا في حديثها عن حسان الذي يمثل شريحة أخرى من المجتمع الجزائري في العاصمة ستكون لك ( خيوط) ستوصلك الطرق القصيرة هناك .. ولن توصلك الجسور هنا!)(10).ومنه نفهم أن الروائية في موقف رفض وتنديد لوضع ما ، فلم تكتفي بوصفه وعرضه على المتلقي بطريقة سافرة ،بل وظفت إستراتيجية السرد المكونة من أفعال لغوية ضمنية، توحي بصورة مباشرة بأفكار وإيديولوجية تعززها قوة بلاغية وحجاجية تعمل كلها على إثارة المتلقي والتأثير فيه.
لقد أصبحت هذه الذراع لعنة تطارده في كل مكان ( كنت تتأملين ذراعي الناقصة وأتأمل سوار يدك ، كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه )
. ويذكر بكل مرارة :
( أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك ذراعه وفي المدن المعلقة قلبه(11)
وقريب من هذا ما نجده عند الروائي إبراهيم الكوني:"..ولكن القدر فوت الفرصة .جاءت الأنباء بانكسار المقاومة في الحمادة أيضا و...باستشهاد الوالد.قيل انه قاوم ببسالة.بل إن أهل الصحراء نظموا القصائد بعدها تمجيدا لبطولته.ربما لأنهم لم يتوقعوا من رجل مزواج متيم بالسبايا الزنجيات أن يسطر المآثر في مقاومة الطليان.أحد الرعاة أخبره أن الهجوم المباغت لم يفقده السيطرة على نفسه،فطاف على القبيلة ، وجمع المقاتلين،وحارب حتى حوصر معسكره.طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ الذين هدهم العطش ورأوا ضرورة التسليم.انفصل عنهم مع عدد من المخلصين.اعتصم بجبل الحساونة حتى مات .مات بالعطش ،فاستسلمت القبيلة كغيرها من القبائل. تولى ابن عمته المشيخة بعد انتظار طويل .ولكنه لم يسعد بها،فقد تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع.لجأت بعض العشائر إلى غدامس ،ولجأت قبائل أخرى إلى "تامنغست" وعزمت بعض القبائل أن تنزح إلى السودان.ولم يفد سعي الشيخ الجديد لتجميعها.فشل في إقناع الشيوخ بالتذرع بالصبر والانتظار حتى يمر البلاء.وهو لا يزال يتنقل في الصحاري ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس مهام المشيخة.آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات"(12)
لا يريد الروائي هنا تقديم الأحداث ووصفها بطبيعة الحال ،ولكنه يوظف استراتيجيات مختلفة للتأثير في المتلقي ،سواء عن طريق عملية السرد المثيرة ،أو توظيف بعض الوحدات المعجمية الموحية مثل " جاءت الأنباء بالانكسار- طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ- القبيلة – استسلمت القبيلة- تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع- ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس المشيخة- ثم يحتم ذلك بقوله: آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات. إن الراوي هنا لا يصف ولا يسرد بقدر ما يندد بوضع سياسي متعفن،تسوده الخيانة والقبلية والبداوة والخضوع والاستسلام ،بالرغم من المظاهر الخادعة والشعارات الزائفة التي يروج لها .باختصار شديد ، يوظف الروائي ريشته لرسم صورة متعددة الأبعاد لأزمة العالم العربي.وتظهر هنا قوة عملية الفعل اللغوي المتمثلة في السرد الذي يعتبر وسيلة لغوية يوظفها الروائي للتأثير في المتلقي .
كما تعمل الصيغ والمحددات النحوية والبلاغية على تقوية المعنى وإعطائه بعدا آخر، فهي تعتبر أيضا إحدى الموجهات الخطابية التي تعبر عن ذاتية المتلفظ وتواجده في الزمان والمكان،وبذلك فإن مثل هذا النوع من التوظيف ، يعمل على إبراز نوعية الحدث و درجة حدوثه وسلميته ؛ إما بشكل احتمالي أو تأكيدي.وهذا النوع يعمل على توجيه الخطاب وتقويته لإحداث أكبر أثر ممكن في المتلقي .مثل قول أبي الطيب المتنبي موظفا الفعل اللغوي المتمثل في النهي بصيغته الصريحة:
- فلا تغرُرْكَ ألســنةُ مَـــوالٍ تُقلّبُهَـنَّ أفئـدةٌ أعـــادي( [2])
- لا تَعْذُلِ المُشتاقَ في أشـــواقه حتى يكون َ حشاكَ في أحشـائهِ( [3])
يستعمل النهي بصيغته الصريحة(الفعل اللغوي المباشر) لحرصه على تبليغ ما يريده من تحذير أو تنبيه للمرسل إليه من هؤلاء الأصدقاء ، نفس الشيء في المثالين الآخرين فلا يحتاج المرسل إليه هنا إلى أي تأويل،وبذلك تحقق التحذير بصورة شمولية إلى المخاطب العياني والافتراضي على حد سواء . أما في الأمثلة التالية فنجده يغير من إستراتيجيته الخطابية مستعملا نفس الفعل اللغوي، إلا انه يضيف نون التوكيد إلى فعل المضارع المسبوق بلا الناهية لسبب إستراتيجي وتداولي يتطلبه السياق:
1- لا تَطْلُبنَّ كريماً بعـــد رؤيته
إنّ الكرامَ بأسخَاهُمْ يداً خُتِمـوا ( [4])
2- إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍ فلا تَسْتَــعِدَنّ الحُسَـام اليَمَانِيَا ( [5])
3- ولا تستطيلنّ الرّمــَاحَ لغارةٍ ولا تستجيدَنّ العتــاقَ المَذَاكِيَا ( [6])
وبذلك نجد أن في هذا النوع من التوظيف يتطلب تدرجا وسلمية في الفعل ، فنون التوكيد هنا لها دور تداولي يبرز أن درجة التوكيد أعلى منها في الصيغة السابقة ،وفي هذا المنحى تأكيد ناتج عن معرفة المرسل للمرسل إليه وإدراكه الجيد للموقف التواصلي وبعناصر السياق المهيكلة للخطاب . ويبرز من هذا الاستخدام أن الفعل اللغوي المتمثل في النهي درجات تحددها ظروف المرسل إليه وحالته ومنزلته ،وقربه أو بعده من المرسل ،كما يرجع ذلك إلى طبيعة الموضوع أو الأمر المنهي عنه .

تعليق