دوار الهنادوة!
ذاكرتي مثل سحابة شتاء هذه الأيام ،تتداعى إليها نتف كانما هي تحاول أن تعطي ولكن بقدر،القرية هنا مثلما عرفتها تقبع عند ضفة النهر،ربما لا تمتاز بشيء إلا ذلك الموقع،قيل : إن الباشا مر من هنا،ترك أثرا من بناء ما يزال بعضه موجودا،انتهبها غول ما ندري صفته كل ما تعيه ذاكرتي ذلك الحدث الكبير،احتربت القرية ومن ثم احترقت،البعض ما يزال يتذكر،الكثيرون نسوا بل تعمدوا أن يعايشوا المعلبات نساؤهم يطبخن بالسمن الصناعي،أبناؤهم مثل أعواد الذرة المهشمة جوار حائط ذلك الدوار لا يعرفون لبابه مفتاحا،يوم أن كانت الإبل تمضي الصيف حاملة أحمال الفول والقمح،النورج كان يسبح في فضاء الجرن،والثيران ترغي ولأصواتها نشوة الخصوبة وقوة الفحولة،ما أدري لم صارت هكذا عجفاء،لا تدرك الإناث،واهنة كأنما خارت قواها حتى لا تعود مرة ثانية تناطح ذلك الغول!
البعد عن موطن الأجداد يترك المرء عاريا،حتى صرت مثل شجرة الجميز العملاقة حين ضربها الخريف لا غطاء بل ولا دفء،بعد مرور أعوامي التى قاربت الخمسين ما يزال بي حنين لأن أستمع لحكاية جدتي: في ذلك الدوار كانت النسوة منشغلات بولادة طفل جديد،الجمال تسربت من الجرن،تعاهدت أن تنال وجبة الغداء؛ كان حماما محشوا بالفريك!
الشيخ هنداوي كان رجلا طيبا ،استند على عصاه،أمسك بها هاشا ،مسح على لحيته،إنه يحب أن يحدث الخير حتى ولو كان الطعام،القرية تسامعت بكرمه،ومن يومها يقال : لقد ضيف الجمال !
الغول يكره هذا،يحاول ألا يبقى من تلك الضفة الأخرى ما يكشف عواره،يجيد التلاعب بسن القلم،كل أزقة القرية تعرف مشيته،لم يكن يدفع غير الإثم!
من بعيد وقفت أستشرف القادم من العمر،الهجانة كانوا هنا،يضربون الأرض بأقدامهم التى تشبه خفاف الإبل،لعيونهم بريق يخيف في ليلة العتمة،وحدي كنت أتلصص عليها،لشعرها حين ينسدل إغواء الجمال،كان مثل أغصان الصفصاف المدلاة،علم بها الغول،هو لا يترك للحالمين كوة ينظرون الأمل من بين نوافذه،أترضى بهذا المجدور؟
نبات على كوبري عبد
اليوم نحن على موعد مع جز الحشائش،لقد غفلنا عنها طوال الشتاء؛ظننا أن البرد سيقضي عليها،ثمة جذورمنها ما تزال تتخفى تحت أوراق الشجر،إنها عوالق تتحين بعض دفء لتعلو فوق السيقان،لا نفع لها مثل هؤلاء الطغام الذين سودوا وجه الوطن،ليتهم اندثروا مع تهاويم السحر الأسود الذي انتشر في كل النواحي،لقد أطلقوا أعواد البخور الشيطانية،استحضروا كل الترهات،استجلبوا العرافين،حاولوا جاهدين أن يسدوا تلك الثغرة،بل تمنوا له أن يجيد امتطاء ظهر الجواد،لكنه ويا للعجز لم يتمالك نفسه،كان يعاني من رجرجة ،لم يحسن يوما أن يمسك بالعنان،بالفعل كلما رأيته خلته قد جيىء به قسرا،ليس له هذا،الكلمات حين أدخلها عقلي أعجز،لا بل أنا العيي،هو نابهة ،يحسن كل شيء بل هو مرود في حلبة يدور معها كيفما اتفق له،الأمنيات الحالمة لا تطهو اللحم ولا تصنع ثريدا،السنوات العجاف،الخيول الضامرات كأنما هي جعل فرض علينا أن نقامر بها في متاهة العجز،هيهات يحسن الأصم بالحداء!
أبي أمسك بالمعول استحثني أن آتي على جذر العليق،كلما قطعت واحدا وجدت حبائله تمتد مثل ورم سرطاني،كنت دائما أتخوف أن يغافلنا يوم المطر الشديد،بالفعل حدث هذا،الأوراق الخضراء حجبت عنها شمس الحياة وها نحن نشتكي البرودة ونعاني الموات،حين كنت أعبر كوبري عبد ،ذلك المعبر الخرساني،وجدت ترعة النوبارية أصابها الجفاف،تذكرت يوم أن جاء زميل لنا من الحج الأكبر،فوق الحطب أعد قصعة من لحم الإبل،آه تذكرت هو من أولاد علي سمالوسي ويفتخر له مايشاء من ذلك ،فلقد ربح الحج واغتنمنا بعض قطع من لحم،لم تعد النار تعطي الجمر،ولا حتى شربنا غبوقا،عادت الأحجار بيضاء لا تسر الجوعى،فوق كل ذلك غامت عيني وراء تلك المتاهة التى ضربت أوتاد الخيمة،إنه يلهو بل يذرف أحيانا دموع التماسيح،انتشى يوم جف النبع ،من بعيد رأيت حرفوشا يقف عند نهاية المعبر،يبدو أنه مصاب بارتعاشة في أطرافه،يتسول طلب بعض مال،هيهات يجد مع مثقوب الحافظة ما يشتهي،استدرت وقد استجمعت شتات أمري،حرفوش وعبد،فيما مضى كان يحلو الشتاء،والآن النفس نهب،والصدر مرجل!
عاودت السير ناحية الماضي،أزمعت الرحيل إليه،لكن بعض العوالق تمسك بي،فالعليق وهو واحدها ، آه ظنت أنني تخلصت منه،إنه يعلم اللحظة التي يداهم فيها الحديقة،أبي فعل بنا هذا،ليته كان يمتلك معولا حادا،رجوته أن يدع طيبته،لقد أمسك بي وقال: إن العليق يعلم الكسول صنعته!
تركته لتقاوموا ،وهل تطيب الحياة لمن أدمنوا الترهل؟
حكيم أيها الوالد،لكننا ضعفاء عالة نتكفف الناس،هكذا أجبته،لا عيب فيكم غير التعجل،سأمسك في العام القادم المعول حتى أنهي ذلك الخطر.
عفوا حذاء مشترك
في أحيان كثيرة تحدث أشياء يصعب علي تفسيرها،ربما هي خارج المنطق فلا قيمة لها،صرت واهن الجسد،أحمل عبء السنين على ظهري،التعب نال مني،أعيش في عالمين لا يوجد رابط بينهما، أول أمس ارتحلت مرة ثانية حيث عالم فرض علي أن أتواجد فيه،لا بد من الذهاب مبكرا،ولأنني عجل دائما ،الذاكرة غامت حين بحثت في خزانة الأحذية لأدس قدمي في ذلك الحذاء الأسود،لم أستبن أي واحد هو لي،ولأن الأحداث متداخلة،والأفكار مضطربة،فقد هاتفني ولدي غاضبا ؛أنني بدلت إحدى فردتي الحذاء،حمدت الله أنهما تتشابهان كثيرا،وأن لم ألبس واحدة من حذاء زوجتي،يحدث كثيرا أن يكون الجورب هكذا،غلبتني سخرية توشك أن تحيلني هازئا،اليوم تغيم رؤية الوطن تحت وقع النشوة الكبرى؛ المعدمون يهتفون بالفوز في ملهاة تضرب أوتاد الخيمة،السمار ينشدون أهازيج النصر،لكنهم لا يلتحفون غير العراء،ولا يتناولون سوى بضعة أرغفة يابسة ،ما تفيد تلك السخافة إلا مزيدا من التسول،الأواني فارغة،شرائح البطاطس بيضاء فلا لحم لدينا،ولن نتناول المرق!
ولأنني كاتب قصة تشغلني مفرداتي،تبحث فكرتي عن بطل ليمثل على خشبة المسرح،من بعيد تأتي كلماتها ،ما عاد العراق سوى ثوب خلق،بغداد يؤمها ابن العلقمي،ودمشق ألف وجه كاذب يكتب لها الدستور.
كل العواصم صارت مدن ملح،المخدرون يقبعون في الزاوية المعتمة يلوكون الحكايات القديمة ،يجترون الأحداث نفسها،ذاكرتهم متوقفة عند بطولات الزعيم الخالد،وفي نهاية اليوم البطيء مثل دودة الحائط المتشح بالعفونة واللزوجة يزحفون إلى مخادعهم،يضاجعون الفقر ،ويتناولون أرغفة الدعم التى تشبه صكوك الغفران،وفي الصباح يصلون قبلة البيت الحرام،حقا بلغ بي العذر نهايته،فالجورب ذو ألوان متعددة،من كل أرتدي،حتى الكتب على المائدة مضطربة،أحاول أن أمزق ذلك الثوب المسدل حجابا عن عيني،القطار كان يمر من هنا،منذ سنوات كنا نبتاع الآن العملة الخضراء زاحمت الجنيه،العتمة تطبق مثل ذئب عم سلطان ؛يالها من حادثة تعاود ملحة كلما سمعت نباح الكلاب خارج البيت،إنه يقتنص الفراخ من الكن،أمي كانت تفجع كل صباح في دجاجاتها،الآن هو يبيعنا البيض الواحدة بجنيه ونصف،لم يعد يمزق بطونها ،ما سرقه طوال سنين الغفلة التى أدمنا فيها الحكي،حتى غفلنا عن أحذيتنا،بل سرق منا عطر القارورة اليتيمة،رائحة أجسادنا أشبه بخزانة عتيقة دس فيها الزمن أشياءه!
أحاول جاهدا أن أتخلى عن بعض أفكاري،ما يضيرني أن أرتدي شارة هؤلاء!
لساني يعجز أن يؤدي بعض تلك الحروف الهجين،يكفيه الانفصال عن واقع مدلس،الملهاة تسير فيها الشياه ولاتدري أن المقصلة منتصبة،ذئب عمي سلطان يقترب كل ليلة من حظيرتنا،الجراء الصغيرة صاحبته،عرف كيف يترك لها الفتات،صرت غير آمن،سأترك الحديقة،ما عادت تعطي ثمارها،سأتاجر في المعلبات وحلوى الأطفال،لا سأجمع قطع الحديد،وأغطية العصائر المعلبة،في " بنها" كنت أشاهد رجلا يبيع المياه في عربات القطار،لم تعد بي حاجة لحذاء متسق،سأتسول حافيا،حتى الكتب ما أجدت نفعا،ولا زجاجة العطر بقادرة أن تمحو الرائحة.
جيب عوض المثقوب
اقترب الشهر من منتصفه،أدار الأستاذ عوض يده في جيبه،تلك كانت عادته حين تسأله زوجه عن بعض مال،فكلما كانت قرارة الجيب ذات عمق دل ذلك أن المرتب قد أوشك على النفاد،التفت إليها قائلا:كم بقي على نهاية الشهر؟
- أم خليل: لايزال الشهر على حاله!
- لا عليك ربما وضعت باقي المائة جنيه في مكان ما.
هو كثيرا ما ينسى أشياءه،ولذلك من باب الحيطة،كانت تضع يدها على المرتب كله، وتشعره أنهم يستمعون لنصحه وتدبيره كل يوم،كم هي ماهرة!
عوض يعمل معلما ،ولأن مهنته تسلب أصحاب العقول قدراتهم،إنهم طوال اليوم ما بين شرح وتصويب أخطاء،يدورون من فصل إلى فصل،يحدث أحيانا أن تجده أم خليل وقد أرقه النوم،فيأتى بإشارات متتابعة،افهم يا علي،تعالي امسحى الخطأ يا أمينة،رائع إنشادك يا إيهاب، صفقوا لهدى !
تعيذه بالله ثلاثا من عين جارتها أم سحر،فعينها نافذة،ولأنه طوال الأسبوع متعب،الدروس الخصوصية يالها من طاقة الستر التى فتحت لهم،ظل طوال سنوات عمله يكرهها،ولما كانت تجيد الكلام المعسول،روضته مثلما يفعل الحلو مع الأسود،أخذت بنصيحة أمها بعض تدلل وكثير تشكي،نسي أحلامه بأن يكون مثل الرافعي أو حتى أنيس منصور؛كان ينفق -قبل أن يتزوج- كل مرتبه على تلك الكتب،يطيل شعره ولا يهمه أن يراه الناس مثل ديك الجن،لقد كان أشبه بإنسان الكهف،يحتسي القهوة وينام كيفما اتفق له.
أول مرة رأته- حين رأته في زيارة مصطنعة للمدرسة ، أمها كانت العاملة هناك أشارت عليها بأن تأتي- نفرت منه،وهل تقبل فتاة برجل تعلوه فروة شاة.
لم تكن ذات نصيب من غنى،ربما أوشك قطار الزواج أن يغادرها دون أن تحجز به مقعدا!
ولأن جليلة - أمها- تبكي حرقة لحالها،أخذت بالحيلة مرة وبالمصارحة؛ أحيانا تثني على الأستاذ عوض زميلهم الجديد،تتحدث عن طيبته أمامها،لكنها أبدا ما ذكرت أنه يشبه غول أم الهيثم!
ندت منها ضحكة خفيفة ،حين تخيلته مقصوص الشعر مهندم الثياب،يا لحلاوة وجهه لو زاره زينهم الحلاق،وكيف تقنعه بهذا؟
لقد مضى على ذلك اليوم أكثر من خمسة عشر عاما،هاهو اليوم مستأنس ببيت الزوجية،انقطعت عنه عادته عن شراء الكتب،يعتاش من وظيفته،أفلحت أم خليل في تقليم أظافره،صنعت حوله سياجا من حديد،تفاخر به نسوة الحارة - رغم أنها كانت تعتقد في خطر ضربة عين جاراتهم ممن كن يتعاهدن بالحسد- التى تنزوي بعيدا جوار عزبة النخل،نسي الأستاذ عوض أحلامه التى روادته في سني عمره الأولى،لقد أدارت بوصلته بمهارة ،تعد له كل ليلة جدول الدروس الخصوصية،مثل قرد إفريقي ينتقل من "أتوبيس لآخر" ولأنها تعرف عدد زبائنه،بل وأماكنهم،كانت كثيرا ما ترافقه بل تنتظره حتى يأتي بالمعلوم،حدث ذات مرة أن تطلعت نفسه لبعض ماضيه-هي لم تكن معه-اقترب من سور الأزبكية ،جذبه "خان الخليلي
" يا لروعة نجيب!
أدار يده وأخرج عشرة جنيهات،اشترى تلك الرواية،غفل عن مواعيده،بل نسي أن يضع يده في
جيبه،ضاعت فلوسك يا عوض!
لعله أضاعها،أو لعل اللكع بالعتبة سرقوه
تأخر عن البيت فالساعة تقترب من منتصف الليل،لقد كانت صبيحة الجمعة،ويا لموعد منتظر،زوجين من
الحمام،أعدتهما!
فتحت له الباب،لقد عاد بوجه آخر،هل ترى أصابته عين أم سحر؟
أحضرت البخور،أعاذته بكرامة السيدة،وفي الصباح كان مثل طفل بين يديها!
الشقراء
كثيرون مروا من هنا ،ولأن الطريق موحش كان ذلك المنسدل غطاء رأسه تحنثا ،له لحية يتخللها العطر المنسكب من بين أنامل إحدى زوجاته الأربع ، بعينه وطف،ولصوته بكاء ،أعلم أنه يجذب بطنينه ،وبشارته المئين من المجاذيب ،وكنت يوما أحدهم ،شببت عن الطوق ،لا أدري متى،فأنا درعمي ،فلا طاقة لي بكل هذه البكائيات ، مرة اعتصرني الوجع آويت إلى ذلك الشيخ المتخدج دائما،جمعت أفكاري،بل وارتديت ثيابا تبدو مثل ثيابه،قلمت أظافري،أطلت لحيتي،تأبطت كتب الأوراد،مثل مجذوب السيدة تابعته كظله،الفتيات يتبعنه،غير ملقيات لزمنهن بالا،إنه يمسك بمفاتيح الجنة،يمكثن الساعات يستمعن ،لذلك الحداء والبكاء،أحال ثيابهن مثل أغربة سوداء،بل وجدت لبعضهن بياضا يشتهى تحت وقع سياط التزمت بدت نافرة،أعرفها جيدا،إنها الشقراء التى كان يحلو لي مغازلتها،كم كانت جميلة!
مولانا يبث عيونه بينهن ،ولأن صغرى الأربع عنده مدللة ،وشت إليه بجمال الشقراء،أحقا كنا يتركن شعورهن ويضعن زينتهن أمام مرآة عيونهن،في عجالة من أمره صدرت زفرة التعدد،حث عليه،استمال قلبها،إنه الإمام المقدم،والأشرطة المسجلة التى تملأ الطرقات لهجا بذكره،ليتني كنت الإمام!
لقد اقتنصها مثل يمامة أمسكتها يد ثعلب والغ في الدماء،يومها بكيتها،بل كرهته ولكن ذلك الخبر لو علمه لعرض بي؛سأحرم من درسه وفلسه،تكتمت أمري،والجرح ينزف،صرت أرى بغير عينه الوطفاء،كم هو لص!
ولأن درعميتي تغلبني،نزعت بي نحو تاريخ بغداد ،وجدته "ابن العلقمي" يلعب نفس الدور،الحية هي هي،بل لقد كان هو هو،شعرت بمدى ذلك الخداع الذى تلبسني أعواما،ما حيلتي وهو مطهر مصيب عند المجاذيب لا مجال للرأي،أدرت الأفكار في رأسي،لا سبيل إليه إلا بها،لكن هل تراها تهجره وتشي به؟
يا لسوء الخطة،لم أكن في يوم لص أعراض،دائما يشهد الله أن ثوبي طاهر،حين آويت إلى ركن بيتي المتهدم،فلقد سرق عمري أضعته سرابا وراءه،كنت مثل جرو تلقى إليه كسرات خبز مباركة من يد مولانا،لأول مرة بدلت ثيابي بما اشترته لي أمي ذات عام مضى،نزعت تلك اللحية المصطنعة هباء،أبصرت بغير عينه،لقد أفلحت هذه المرة،وجدتها تخاطبني:أنا وأنت وقعنا في مصيدة ،هي وجدته ذا علة ولأمر ما لا يفلح!
أحسست برعدة من كلماتها المعراة من برقع الحياء،أعلم دلالة الألفاظ؛أنا درعمي،أبانت عن وجهها الأشقر،مثلما نزعت لحيتي، أنا البكر الرشيد،وهل أملك مالا؟
لست أنت ابنة سعيد بن المسيب ،ولا أنا تلميذه؛هكذا أجبت!
يكفي أن الزيف قد ارتحل موليا،أجيد سرد قصصه،سنبتاع على حكاياته،وهل نكمل الخدج مرة ثانية؟
الطريق من هنا أشارت إلي مثل ابنة الرجل الصالح ،تبعتني،وكم يحلو للعفاف رجاء،الجموع في الأزقة صنعت من خطبه كومة يلهو بها الأطفال،رحلة عمر بلا فائدة،الناس استردت وعيها،المغول يسقطون تحت سيف قطز،ويا للفاجعة بيبرس فوق صهوة جواده،ابتسمت من طرف خفي،أنت صاحب القلعة،دونك القلب ذي سهم" كيوبيد"!
أفقت من نومي،المؤذن يدعو جموع المتدثرين بذلك الغطاء الشتوي "حي على الفلاح" القيصر في حلب.
حلب
الساعة الثانية من اليوم الثالث عشر من ديسمبر في العقد الثاني من المائة الأولى من الألفية الثالثة،ولأنه قادم من غياهب التاريخ،ليس من بعيد تماما ،إنه قد سلم لتوه مفاتيح غرناطة،لقد حمل كل أوزار آبائه وأعمامه،لقد زفر هناك حيث وجد بقايا سفن طارق،لا يهم فبنو الأحمر ما يزالون يمضغون القات،يتدثرون بتلك السيوف والخناجر،وفي المساء تتراقص النسوة ولعا بتلك الثياب المخملية،وحين ذاك يحلو النسيان،وتبلغ حميا الصهباء منتهاها،البعض سيقول ليتك ما سردت ،بل وهل أملك غير الأنين؟
فرديناندو الوغد لن يضاجع نساءكل بني الأحمر،تلك ثمالة رأي،لا تلزمني أن أتحلى بالوقار،ها قد استبانت الوقاحة علانية دون مواربة كشفت عن ساقي عنزة.
أمرني أن أمحو ما خطت يميني،امتنعت فلقد تملكني النزق ،وأوجعني الحرق،دعني أمزق ثيابي،سأمشي في الطرقات عاريا،لقد جننت،هذا منتهى حالي،أترى ذلك السر مما يمكن كتمانه،لقد رأيت إيزابيلا تتمتطى في كل الحارات والأزقة،تبيع الهوى،وتختال ميسا وقدا، لم أعتد بهذه اللغة،ولربما الآلام أفاقتني،كنت تخدرني بالنكبة العربية الكبرى،تعللني - أمي- بسعد وطارق!
وها أنا اليوم وجدت كل ذلك سرابا،لقد شاهدت فرديناندو يرتدي عمامته الحمراء ،يمتطي صهوة جواد عربي أصيل،الخيول هنا ضامرات عجاف،ولكن خيله مزينات فاتنات،لا تسمعني غير أهازيج الطرب،لقد مللت من حديثك المغالي في كرامات لا تجد من يتوضأ لها،بالفعل هذا كان حديثي الليلة في رؤيا وجدت أثرها في نفسي،ولأنني درعمي ،فتاريخ الأندلس حاضر في ذهني،قم يا صلاح الدين ،وما دريت بالمحنة التى تضرب مقامك،امتط صهوة جوادك،ريتشارد على أبواب القدس يراقص فرجينيا،يا للفاجعة،ما عاد غير مدن الملح أستطعم ماءها الأجاج،ماذا أقول ؟ولقد رأيتهما معا،يتخادنان في وضح النهار وقد تراقصت أمامهما نار كسرى،لعنة الله تنزلت،الأماني منك نار يا قيصر ،إنه إيفان الرهيب،لقد شاهدته هنا يوزع هدايا عيد الميلاد،تقرع أجراس آيا صوفيا فرحا،تتنادى البيع صلوات في محفل حيي،أبرهة أدرك ثأرك،ما عاد هنا عبد المطلب- فذا هو أبو رغال بعينيه وطف- أعلم أنني أهذى،وهل أجدى علي عقلي نفعا؟
أنا مصاب في كبدي،نعم وعلتي لا شك قاتلتي،واليوم فقط أحببت أن ألهو،أن أستحضر كل النوائب ومن ثم أبصق عليها،كرهت أن أتجمل بثياب العيد،حين أبصرت ابن عباد يلطمني أدركت كم كنت حقيرا!
ليتني أنفذت تلك النصال في كبدي المقرحة،ولقد هممت أن أسب سيف الدولة ،وهل عادت لحلب دولة؟
أن أهجو المتنبي،فلقد خدعني بسيفياته،الجنون هو أسلم طريق للحياة،دعوني أهتف في الحارة أن الأندلس تتكرر،وقرطبة ما بكتها،ولا القدس آزرتها،مدن المحميات صارت للملح سكنا ،عارا وخيانة،وهل تطلبون منا نحن المتخمون بالمرارة أن ندافع وحدنا،لعنة الله عليكم يا من ضاجعتم الخطيئة!
الكلمات التى أتصبر بها الآن مثلي والهة حيرى، قدرنا أن نقتات الهزيمة،أن نتبادل كؤوس الخمر حتى الثمالة،نعم ما بالكأس غير دمائنا،لم تبق غير أمتار مرهونة في سوق النخاسة،يقامرون به علانية دون مواربة،أيها المتعجلون خرابا دعوا القاهرة عامرة،دعوها تلملم جراحها،وهل من الحكمة أن تحترق مرتين.
ذاكرتي مثل سحابة شتاء هذه الأيام ،تتداعى إليها نتف كانما هي تحاول أن تعطي ولكن بقدر،القرية هنا مثلما عرفتها تقبع عند ضفة النهر،ربما لا تمتاز بشيء إلا ذلك الموقع،قيل : إن الباشا مر من هنا،ترك أثرا من بناء ما يزال بعضه موجودا،انتهبها غول ما ندري صفته كل ما تعيه ذاكرتي ذلك الحدث الكبير،احتربت القرية ومن ثم احترقت،البعض ما يزال يتذكر،الكثيرون نسوا بل تعمدوا أن يعايشوا المعلبات نساؤهم يطبخن بالسمن الصناعي،أبناؤهم مثل أعواد الذرة المهشمة جوار حائط ذلك الدوار لا يعرفون لبابه مفتاحا،يوم أن كانت الإبل تمضي الصيف حاملة أحمال الفول والقمح،النورج كان يسبح في فضاء الجرن،والثيران ترغي ولأصواتها نشوة الخصوبة وقوة الفحولة،ما أدري لم صارت هكذا عجفاء،لا تدرك الإناث،واهنة كأنما خارت قواها حتى لا تعود مرة ثانية تناطح ذلك الغول!
البعد عن موطن الأجداد يترك المرء عاريا،حتى صرت مثل شجرة الجميز العملاقة حين ضربها الخريف لا غطاء بل ولا دفء،بعد مرور أعوامي التى قاربت الخمسين ما يزال بي حنين لأن أستمع لحكاية جدتي: في ذلك الدوار كانت النسوة منشغلات بولادة طفل جديد،الجمال تسربت من الجرن،تعاهدت أن تنال وجبة الغداء؛ كان حماما محشوا بالفريك!
الشيخ هنداوي كان رجلا طيبا ،استند على عصاه،أمسك بها هاشا ،مسح على لحيته،إنه يحب أن يحدث الخير حتى ولو كان الطعام،القرية تسامعت بكرمه،ومن يومها يقال : لقد ضيف الجمال !
الغول يكره هذا،يحاول ألا يبقى من تلك الضفة الأخرى ما يكشف عواره،يجيد التلاعب بسن القلم،كل أزقة القرية تعرف مشيته،لم يكن يدفع غير الإثم!
من بعيد وقفت أستشرف القادم من العمر،الهجانة كانوا هنا،يضربون الأرض بأقدامهم التى تشبه خفاف الإبل،لعيونهم بريق يخيف في ليلة العتمة،وحدي كنت أتلصص عليها،لشعرها حين ينسدل إغواء الجمال،كان مثل أغصان الصفصاف المدلاة،علم بها الغول،هو لا يترك للحالمين كوة ينظرون الأمل من بين نوافذه،أترضى بهذا المجدور؟
نبات على كوبري عبد
اليوم نحن على موعد مع جز الحشائش،لقد غفلنا عنها طوال الشتاء؛ظننا أن البرد سيقضي عليها،ثمة جذورمنها ما تزال تتخفى تحت أوراق الشجر،إنها عوالق تتحين بعض دفء لتعلو فوق السيقان،لا نفع لها مثل هؤلاء الطغام الذين سودوا وجه الوطن،ليتهم اندثروا مع تهاويم السحر الأسود الذي انتشر في كل النواحي،لقد أطلقوا أعواد البخور الشيطانية،استحضروا كل الترهات،استجلبوا العرافين،حاولوا جاهدين أن يسدوا تلك الثغرة،بل تمنوا له أن يجيد امتطاء ظهر الجواد،لكنه ويا للعجز لم يتمالك نفسه،كان يعاني من رجرجة ،لم يحسن يوما أن يمسك بالعنان،بالفعل كلما رأيته خلته قد جيىء به قسرا،ليس له هذا،الكلمات حين أدخلها عقلي أعجز،لا بل أنا العيي،هو نابهة ،يحسن كل شيء بل هو مرود في حلبة يدور معها كيفما اتفق له،الأمنيات الحالمة لا تطهو اللحم ولا تصنع ثريدا،السنوات العجاف،الخيول الضامرات كأنما هي جعل فرض علينا أن نقامر بها في متاهة العجز،هيهات يحسن الأصم بالحداء!
أبي أمسك بالمعول استحثني أن آتي على جذر العليق،كلما قطعت واحدا وجدت حبائله تمتد مثل ورم سرطاني،كنت دائما أتخوف أن يغافلنا يوم المطر الشديد،بالفعل حدث هذا،الأوراق الخضراء حجبت عنها شمس الحياة وها نحن نشتكي البرودة ونعاني الموات،حين كنت أعبر كوبري عبد ،ذلك المعبر الخرساني،وجدت ترعة النوبارية أصابها الجفاف،تذكرت يوم أن جاء زميل لنا من الحج الأكبر،فوق الحطب أعد قصعة من لحم الإبل،آه تذكرت هو من أولاد علي سمالوسي ويفتخر له مايشاء من ذلك ،فلقد ربح الحج واغتنمنا بعض قطع من لحم،لم تعد النار تعطي الجمر،ولا حتى شربنا غبوقا،عادت الأحجار بيضاء لا تسر الجوعى،فوق كل ذلك غامت عيني وراء تلك المتاهة التى ضربت أوتاد الخيمة،إنه يلهو بل يذرف أحيانا دموع التماسيح،انتشى يوم جف النبع ،من بعيد رأيت حرفوشا يقف عند نهاية المعبر،يبدو أنه مصاب بارتعاشة في أطرافه،يتسول طلب بعض مال،هيهات يجد مع مثقوب الحافظة ما يشتهي،استدرت وقد استجمعت شتات أمري،حرفوش وعبد،فيما مضى كان يحلو الشتاء،والآن النفس نهب،والصدر مرجل!
عاودت السير ناحية الماضي،أزمعت الرحيل إليه،لكن بعض العوالق تمسك بي،فالعليق وهو واحدها ، آه ظنت أنني تخلصت منه،إنه يعلم اللحظة التي يداهم فيها الحديقة،أبي فعل بنا هذا،ليته كان يمتلك معولا حادا،رجوته أن يدع طيبته،لقد أمسك بي وقال: إن العليق يعلم الكسول صنعته!
تركته لتقاوموا ،وهل تطيب الحياة لمن أدمنوا الترهل؟
حكيم أيها الوالد،لكننا ضعفاء عالة نتكفف الناس،هكذا أجبته،لا عيب فيكم غير التعجل،سأمسك في العام القادم المعول حتى أنهي ذلك الخطر.
عفوا حذاء مشترك
في أحيان كثيرة تحدث أشياء يصعب علي تفسيرها،ربما هي خارج المنطق فلا قيمة لها،صرت واهن الجسد،أحمل عبء السنين على ظهري،التعب نال مني،أعيش في عالمين لا يوجد رابط بينهما، أول أمس ارتحلت مرة ثانية حيث عالم فرض علي أن أتواجد فيه،لا بد من الذهاب مبكرا،ولأنني عجل دائما ،الذاكرة غامت حين بحثت في خزانة الأحذية لأدس قدمي في ذلك الحذاء الأسود،لم أستبن أي واحد هو لي،ولأن الأحداث متداخلة،والأفكار مضطربة،فقد هاتفني ولدي غاضبا ؛أنني بدلت إحدى فردتي الحذاء،حمدت الله أنهما تتشابهان كثيرا،وأن لم ألبس واحدة من حذاء زوجتي،يحدث كثيرا أن يكون الجورب هكذا،غلبتني سخرية توشك أن تحيلني هازئا،اليوم تغيم رؤية الوطن تحت وقع النشوة الكبرى؛ المعدمون يهتفون بالفوز في ملهاة تضرب أوتاد الخيمة،السمار ينشدون أهازيج النصر،لكنهم لا يلتحفون غير العراء،ولا يتناولون سوى بضعة أرغفة يابسة ،ما تفيد تلك السخافة إلا مزيدا من التسول،الأواني فارغة،شرائح البطاطس بيضاء فلا لحم لدينا،ولن نتناول المرق!
ولأنني كاتب قصة تشغلني مفرداتي،تبحث فكرتي عن بطل ليمثل على خشبة المسرح،من بعيد تأتي كلماتها ،ما عاد العراق سوى ثوب خلق،بغداد يؤمها ابن العلقمي،ودمشق ألف وجه كاذب يكتب لها الدستور.
كل العواصم صارت مدن ملح،المخدرون يقبعون في الزاوية المعتمة يلوكون الحكايات القديمة ،يجترون الأحداث نفسها،ذاكرتهم متوقفة عند بطولات الزعيم الخالد،وفي نهاية اليوم البطيء مثل دودة الحائط المتشح بالعفونة واللزوجة يزحفون إلى مخادعهم،يضاجعون الفقر ،ويتناولون أرغفة الدعم التى تشبه صكوك الغفران،وفي الصباح يصلون قبلة البيت الحرام،حقا بلغ بي العذر نهايته،فالجورب ذو ألوان متعددة،من كل أرتدي،حتى الكتب على المائدة مضطربة،أحاول أن أمزق ذلك الثوب المسدل حجابا عن عيني،القطار كان يمر من هنا،منذ سنوات كنا نبتاع الآن العملة الخضراء زاحمت الجنيه،العتمة تطبق مثل ذئب عم سلطان ؛يالها من حادثة تعاود ملحة كلما سمعت نباح الكلاب خارج البيت،إنه يقتنص الفراخ من الكن،أمي كانت تفجع كل صباح في دجاجاتها،الآن هو يبيعنا البيض الواحدة بجنيه ونصف،لم يعد يمزق بطونها ،ما سرقه طوال سنين الغفلة التى أدمنا فيها الحكي،حتى غفلنا عن أحذيتنا،بل سرق منا عطر القارورة اليتيمة،رائحة أجسادنا أشبه بخزانة عتيقة دس فيها الزمن أشياءه!
أحاول جاهدا أن أتخلى عن بعض أفكاري،ما يضيرني أن أرتدي شارة هؤلاء!
لساني يعجز أن يؤدي بعض تلك الحروف الهجين،يكفيه الانفصال عن واقع مدلس،الملهاة تسير فيها الشياه ولاتدري أن المقصلة منتصبة،ذئب عمي سلطان يقترب كل ليلة من حظيرتنا،الجراء الصغيرة صاحبته،عرف كيف يترك لها الفتات،صرت غير آمن،سأترك الحديقة،ما عادت تعطي ثمارها،سأتاجر في المعلبات وحلوى الأطفال،لا سأجمع قطع الحديد،وأغطية العصائر المعلبة،في " بنها" كنت أشاهد رجلا يبيع المياه في عربات القطار،لم تعد بي حاجة لحذاء متسق،سأتسول حافيا،حتى الكتب ما أجدت نفعا،ولا زجاجة العطر بقادرة أن تمحو الرائحة.
جيب عوض المثقوب
اقترب الشهر من منتصفه،أدار الأستاذ عوض يده في جيبه،تلك كانت عادته حين تسأله زوجه عن بعض مال،فكلما كانت قرارة الجيب ذات عمق دل ذلك أن المرتب قد أوشك على النفاد،التفت إليها قائلا:كم بقي على نهاية الشهر؟
- أم خليل: لايزال الشهر على حاله!
- لا عليك ربما وضعت باقي المائة جنيه في مكان ما.
هو كثيرا ما ينسى أشياءه،ولذلك من باب الحيطة،كانت تضع يدها على المرتب كله، وتشعره أنهم يستمعون لنصحه وتدبيره كل يوم،كم هي ماهرة!
عوض يعمل معلما ،ولأن مهنته تسلب أصحاب العقول قدراتهم،إنهم طوال اليوم ما بين شرح وتصويب أخطاء،يدورون من فصل إلى فصل،يحدث أحيانا أن تجده أم خليل وقد أرقه النوم،فيأتى بإشارات متتابعة،افهم يا علي،تعالي امسحى الخطأ يا أمينة،رائع إنشادك يا إيهاب، صفقوا لهدى !
تعيذه بالله ثلاثا من عين جارتها أم سحر،فعينها نافذة،ولأنه طوال الأسبوع متعب،الدروس الخصوصية يالها من طاقة الستر التى فتحت لهم،ظل طوال سنوات عمله يكرهها،ولما كانت تجيد الكلام المعسول،روضته مثلما يفعل الحلو مع الأسود،أخذت بنصيحة أمها بعض تدلل وكثير تشكي،نسي أحلامه بأن يكون مثل الرافعي أو حتى أنيس منصور؛كان ينفق -قبل أن يتزوج- كل مرتبه على تلك الكتب،يطيل شعره ولا يهمه أن يراه الناس مثل ديك الجن،لقد كان أشبه بإنسان الكهف،يحتسي القهوة وينام كيفما اتفق له.
أول مرة رأته- حين رأته في زيارة مصطنعة للمدرسة ، أمها كانت العاملة هناك أشارت عليها بأن تأتي- نفرت منه،وهل تقبل فتاة برجل تعلوه فروة شاة.
لم تكن ذات نصيب من غنى،ربما أوشك قطار الزواج أن يغادرها دون أن تحجز به مقعدا!
ولأن جليلة - أمها- تبكي حرقة لحالها،أخذت بالحيلة مرة وبالمصارحة؛ أحيانا تثني على الأستاذ عوض زميلهم الجديد،تتحدث عن طيبته أمامها،لكنها أبدا ما ذكرت أنه يشبه غول أم الهيثم!
ندت منها ضحكة خفيفة ،حين تخيلته مقصوص الشعر مهندم الثياب،يا لحلاوة وجهه لو زاره زينهم الحلاق،وكيف تقنعه بهذا؟
لقد مضى على ذلك اليوم أكثر من خمسة عشر عاما،هاهو اليوم مستأنس ببيت الزوجية،انقطعت عنه عادته عن شراء الكتب،يعتاش من وظيفته،أفلحت أم خليل في تقليم أظافره،صنعت حوله سياجا من حديد،تفاخر به نسوة الحارة - رغم أنها كانت تعتقد في خطر ضربة عين جاراتهم ممن كن يتعاهدن بالحسد- التى تنزوي بعيدا جوار عزبة النخل،نسي الأستاذ عوض أحلامه التى روادته في سني عمره الأولى،لقد أدارت بوصلته بمهارة ،تعد له كل ليلة جدول الدروس الخصوصية،مثل قرد إفريقي ينتقل من "أتوبيس لآخر" ولأنها تعرف عدد زبائنه،بل وأماكنهم،كانت كثيرا ما ترافقه بل تنتظره حتى يأتي بالمعلوم،حدث ذات مرة أن تطلعت نفسه لبعض ماضيه-هي لم تكن معه-اقترب من سور الأزبكية ،جذبه "خان الخليلي
" يا لروعة نجيب!
أدار يده وأخرج عشرة جنيهات،اشترى تلك الرواية،غفل عن مواعيده،بل نسي أن يضع يده في
جيبه،ضاعت فلوسك يا عوض!
لعله أضاعها،أو لعل اللكع بالعتبة سرقوه
تأخر عن البيت فالساعة تقترب من منتصف الليل،لقد كانت صبيحة الجمعة،ويا لموعد منتظر،زوجين من
الحمام،أعدتهما!
فتحت له الباب،لقد عاد بوجه آخر،هل ترى أصابته عين أم سحر؟
أحضرت البخور،أعاذته بكرامة السيدة،وفي الصباح كان مثل طفل بين يديها!
الشقراء
كثيرون مروا من هنا ،ولأن الطريق موحش كان ذلك المنسدل غطاء رأسه تحنثا ،له لحية يتخللها العطر المنسكب من بين أنامل إحدى زوجاته الأربع ، بعينه وطف،ولصوته بكاء ،أعلم أنه يجذب بطنينه ،وبشارته المئين من المجاذيب ،وكنت يوما أحدهم ،شببت عن الطوق ،لا أدري متى،فأنا درعمي ،فلا طاقة لي بكل هذه البكائيات ، مرة اعتصرني الوجع آويت إلى ذلك الشيخ المتخدج دائما،جمعت أفكاري،بل وارتديت ثيابا تبدو مثل ثيابه،قلمت أظافري،أطلت لحيتي،تأبطت كتب الأوراد،مثل مجذوب السيدة تابعته كظله،الفتيات يتبعنه،غير ملقيات لزمنهن بالا،إنه يمسك بمفاتيح الجنة،يمكثن الساعات يستمعن ،لذلك الحداء والبكاء،أحال ثيابهن مثل أغربة سوداء،بل وجدت لبعضهن بياضا يشتهى تحت وقع سياط التزمت بدت نافرة،أعرفها جيدا،إنها الشقراء التى كان يحلو لي مغازلتها،كم كانت جميلة!
مولانا يبث عيونه بينهن ،ولأن صغرى الأربع عنده مدللة ،وشت إليه بجمال الشقراء،أحقا كنا يتركن شعورهن ويضعن زينتهن أمام مرآة عيونهن،في عجالة من أمره صدرت زفرة التعدد،حث عليه،استمال قلبها،إنه الإمام المقدم،والأشرطة المسجلة التى تملأ الطرقات لهجا بذكره،ليتني كنت الإمام!
لقد اقتنصها مثل يمامة أمسكتها يد ثعلب والغ في الدماء،يومها بكيتها،بل كرهته ولكن ذلك الخبر لو علمه لعرض بي؛سأحرم من درسه وفلسه،تكتمت أمري،والجرح ينزف،صرت أرى بغير عينه الوطفاء،كم هو لص!
ولأن درعميتي تغلبني،نزعت بي نحو تاريخ بغداد ،وجدته "ابن العلقمي" يلعب نفس الدور،الحية هي هي،بل لقد كان هو هو،شعرت بمدى ذلك الخداع الذى تلبسني أعواما،ما حيلتي وهو مطهر مصيب عند المجاذيب لا مجال للرأي،أدرت الأفكار في رأسي،لا سبيل إليه إلا بها،لكن هل تراها تهجره وتشي به؟
يا لسوء الخطة،لم أكن في يوم لص أعراض،دائما يشهد الله أن ثوبي طاهر،حين آويت إلى ركن بيتي المتهدم،فلقد سرق عمري أضعته سرابا وراءه،كنت مثل جرو تلقى إليه كسرات خبز مباركة من يد مولانا،لأول مرة بدلت ثيابي بما اشترته لي أمي ذات عام مضى،نزعت تلك اللحية المصطنعة هباء،أبصرت بغير عينه،لقد أفلحت هذه المرة،وجدتها تخاطبني:أنا وأنت وقعنا في مصيدة ،هي وجدته ذا علة ولأمر ما لا يفلح!
أحسست برعدة من كلماتها المعراة من برقع الحياء،أعلم دلالة الألفاظ؛أنا درعمي،أبانت عن وجهها الأشقر،مثلما نزعت لحيتي، أنا البكر الرشيد،وهل أملك مالا؟
لست أنت ابنة سعيد بن المسيب ،ولا أنا تلميذه؛هكذا أجبت!
يكفي أن الزيف قد ارتحل موليا،أجيد سرد قصصه،سنبتاع على حكاياته،وهل نكمل الخدج مرة ثانية؟
الطريق من هنا أشارت إلي مثل ابنة الرجل الصالح ،تبعتني،وكم يحلو للعفاف رجاء،الجموع في الأزقة صنعت من خطبه كومة يلهو بها الأطفال،رحلة عمر بلا فائدة،الناس استردت وعيها،المغول يسقطون تحت سيف قطز،ويا للفاجعة بيبرس فوق صهوة جواده،ابتسمت من طرف خفي،أنت صاحب القلعة،دونك القلب ذي سهم" كيوبيد"!
أفقت من نومي،المؤذن يدعو جموع المتدثرين بذلك الغطاء الشتوي "حي على الفلاح" القيصر في حلب.
حلب
الساعة الثانية من اليوم الثالث عشر من ديسمبر في العقد الثاني من المائة الأولى من الألفية الثالثة،ولأنه قادم من غياهب التاريخ،ليس من بعيد تماما ،إنه قد سلم لتوه مفاتيح غرناطة،لقد حمل كل أوزار آبائه وأعمامه،لقد زفر هناك حيث وجد بقايا سفن طارق،لا يهم فبنو الأحمر ما يزالون يمضغون القات،يتدثرون بتلك السيوف والخناجر،وفي المساء تتراقص النسوة ولعا بتلك الثياب المخملية،وحين ذاك يحلو النسيان،وتبلغ حميا الصهباء منتهاها،البعض سيقول ليتك ما سردت ،بل وهل أملك غير الأنين؟
فرديناندو الوغد لن يضاجع نساءكل بني الأحمر،تلك ثمالة رأي،لا تلزمني أن أتحلى بالوقار،ها قد استبانت الوقاحة علانية دون مواربة كشفت عن ساقي عنزة.
أمرني أن أمحو ما خطت يميني،امتنعت فلقد تملكني النزق ،وأوجعني الحرق،دعني أمزق ثيابي،سأمشي في الطرقات عاريا،لقد جننت،هذا منتهى حالي،أترى ذلك السر مما يمكن كتمانه،لقد رأيت إيزابيلا تتمتطى في كل الحارات والأزقة،تبيع الهوى،وتختال ميسا وقدا، لم أعتد بهذه اللغة،ولربما الآلام أفاقتني،كنت تخدرني بالنكبة العربية الكبرى،تعللني - أمي- بسعد وطارق!
وها أنا اليوم وجدت كل ذلك سرابا،لقد شاهدت فرديناندو يرتدي عمامته الحمراء ،يمتطي صهوة جواد عربي أصيل،الخيول هنا ضامرات عجاف،ولكن خيله مزينات فاتنات،لا تسمعني غير أهازيج الطرب،لقد مللت من حديثك المغالي في كرامات لا تجد من يتوضأ لها،بالفعل هذا كان حديثي الليلة في رؤيا وجدت أثرها في نفسي،ولأنني درعمي ،فتاريخ الأندلس حاضر في ذهني،قم يا صلاح الدين ،وما دريت بالمحنة التى تضرب مقامك،امتط صهوة جوادك،ريتشارد على أبواب القدس يراقص فرجينيا،يا للفاجعة،ما عاد غير مدن الملح أستطعم ماءها الأجاج،ماذا أقول ؟ولقد رأيتهما معا،يتخادنان في وضح النهار وقد تراقصت أمامهما نار كسرى،لعنة الله تنزلت،الأماني منك نار يا قيصر ،إنه إيفان الرهيب،لقد شاهدته هنا يوزع هدايا عيد الميلاد،تقرع أجراس آيا صوفيا فرحا،تتنادى البيع صلوات في محفل حيي،أبرهة أدرك ثأرك،ما عاد هنا عبد المطلب- فذا هو أبو رغال بعينيه وطف- أعلم أنني أهذى،وهل أجدى علي عقلي نفعا؟
أنا مصاب في كبدي،نعم وعلتي لا شك قاتلتي،واليوم فقط أحببت أن ألهو،أن أستحضر كل النوائب ومن ثم أبصق عليها،كرهت أن أتجمل بثياب العيد،حين أبصرت ابن عباد يلطمني أدركت كم كنت حقيرا!
ليتني أنفذت تلك النصال في كبدي المقرحة،ولقد هممت أن أسب سيف الدولة ،وهل عادت لحلب دولة؟
أن أهجو المتنبي،فلقد خدعني بسيفياته،الجنون هو أسلم طريق للحياة،دعوني أهتف في الحارة أن الأندلس تتكرر،وقرطبة ما بكتها،ولا القدس آزرتها،مدن المحميات صارت للملح سكنا ،عارا وخيانة،وهل تطلبون منا نحن المتخمون بالمرارة أن ندافع وحدنا،لعنة الله عليكم يا من ضاجعتم الخطيئة!
الكلمات التى أتصبر بها الآن مثلي والهة حيرى، قدرنا أن نقتات الهزيمة،أن نتبادل كؤوس الخمر حتى الثمالة،نعم ما بالكأس غير دمائنا،لم تبق غير أمتار مرهونة في سوق النخاسة،يقامرون به علانية دون مواربة،أيها المتعجلون خرابا دعوا القاهرة عامرة،دعوها تلملم جراحها،وهل من الحكمة أن تحترق مرتين.
