أمراض الكتابة والصحّة القرائية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    أمراض الكتابة والصحّة القرائية

    أمراض الكتابة والصحّة القرائية



    الباحث والكاتب بشير العبيدي
    رئيس المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية




    في كلّ نهار ينسلخُ من ليلٍ، تطالعنا نصائح في الصحّة الغذائيّة والصحَّة الجسديّة والصحَّة النفسيّة والصحَّة الحيوانيّة وغير ذلك.
    لكنّنا نادراً ما نصادف من يحذّر من مرض قلّما ينتبه إليه النَّاس، هو مرضُ الكتابة وتأمين الصحّة القرائيّة.
    أيكون للكتابة مرضٌ؟
    أجلْ ! بل في الكتابة والقراءة أمراضٌ معدية فتّاكة.

    إن الكتابة هي جزء غير هيّن من الحياة. وهي، وعلى غرار سائر مظاهر الحياة البشريّة، تكون عرضةً لشتّى أنواع الأمراض المعدية. ولأنّ الكتابة تنتهي بالقراءة، فإن الصحّة القرائيّة لا تقل أهميّة عن بقية مظاهر الصحّة العامة، إن لم تكن أهمّها إطلاقا، لشدّة تأثيرها على العقل والوجدان. وإن حماية الطفولة والشباب من القراءة الرّديئة هي من أوكد الواجبات في المجتمعات، والوقاية أفضل من العلاج.

    وأذكر من بين تلك الأمراض القرائيّة المعدية : أوجاع الكتّاب، فإنّ أهل القلم هم أكثر أهل الأرض آلاما، وأغلب إبداعهم هو تعويض نفسيٌّ عن قروح عميقة قلّما ينتبه إلى خطورتها القرّاء. وحين يدمن القرّاء على قلم من الأقلام، تنتقل العدوى إليهم عبر التخييل والتمثيل الذي هو جوهر الكتابة الإبداعية، فيصبح ذلك التخييل هو محرّك الأوهام والآلام عند القرّاء وينشأ إحساس قويٌّ بالإحباط المتولّد عن فارق ما بين المنظور والمُتَخيّل. وهذا يؤدّي إلى استزادة القراءة من نفس القلم، كما يستزيد السكران من الخمرة، مثلما قال الشاعر الجاهليّ الأعشى :
    وكأس شربتُ على لذّة وأخرى تداويتُ منها بها !

    ومن بين الأمراض، الإسهال اللغوي واسمه بالفرنسيّة (لوغوري)، وهو أن ترى الكاتب لا يتوقف عن الكتابة والتأليف والنظم والكلام، ويسبّب الأذى لمن حوله بثرثرة لا أوَّل لها ولا آخر، وكلّما زاد تشجيع النَّاس وثناؤهم أو تفاعلهم، زاد الإسهال الكلامي استفحالا، ويظن الجاهل بالقراءة أن ذلك الكاتب المصاب بالإسهال اللغوي بحر زاخر من العلم، فيفتتن به، وهو في واقع الأمر هراء كلاميّ وسقط لفظيّ، مظهره أن يقول الكاتب الأشياء البسيطة في صفحات وصفحات من الإسهال الكلامي المملّ، مع زركشة لغوية وطلاسم كلامية توحي للمبتدئ الغافل أنّه أمام جهبذ من الجهابذة، وهو في حقيقة الأمر أمام كاتب يحتاج إلى النوم في عيادة نفسية، بله أن يكتب ليعالج هموم الناس.

    ومن بين الأمراض القرائيّة، مرض الرّداءة اللغوية، وهو فساد اللسان وتنكّبه على قانون اللغة المشترك، فحين يقرأ القارئ بلهجات رديئة وكلام مبتذل، ويكرر ذلك في يومه وليله، يوشك أن يقتل الرديء الجيّد المستجاد في مخيّلته، ويفسد نظامها المعتاد. كما أنّ مرض الرّداءة اللغوية يسبب التلعثم في الكلام، والخبط والخلط حين يتكلم المدمن على الرّديء أمام الناس، فيقول جملا متناقضة ويخرج من جوفه أفكارا مدموغة المنطق ركيكة البيان. ولذلك فقد ذكر الله في القرآن الكريم أنه بعد خلق الإنسان عَلَّمَه البيان، وأردف الخلق بالبيان دون واو العطف، في دلالة قويّة على سرعة تدارك الخلق بالبيان كي لا يفسد العقل، فإن اللسان هو في جوهره الاسم الآخر لعقل الإنسان.

    ومن بين الأمراض القرائيّة وأشدّها فتكا في نظري، قرائيّة الانغماس الزمني، ومفادها أنّ القارئ يقتصر البتّة على قراءة كتب الماضي البعيد أو الحاضر الصّاخب أو المستقبل الحالم، أو قراءة لشخص واحد والتتيّم به، مع قطع الصِّلة بأنواع الكتب وأساليب الكتبة ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهذا يسبّب مرض الانغماس الزمني، حيث ترى هذا الصنف من القرّاء لا يرى الإنسان والكون إلا من خلال ثقب ضيّق معتّم، مما ينتج عنه الغلوّ والتطرّف والقحط الفكري والجدب الوجدانيّ، وينعكس على السلوك في شكل تديّن حطبيّ أو إلحاد مرضي، وما شاكل من أمراض لها من خلال النفوس أعراض. وهذا نراه حين نصغي لخطب المتطرّفين والغلاة المجرمين، تراهم يردّدون جملا وقوالب كلامية بعينها، وهي موجودة في كتب تراثية نبت الربيع على قبورها.

    ويوجد علمٌ عظيم النفع يكافح أمراض القراءة هذه، هو علم تحليل الخطاب، فهو عظيم النفع، ويتيح تفكيك الكلام وكشف مستوره المزروع في ثنايا الكلام. كما يكافح هذه الأمراض القرائيّة علم المنطق، فحين يتدرب القارئ على المنطق سيكتشف بسهولة ألاعيب الكتّاب وأساليبهم في سحر قرّائهم. وكذلك علم البلاغة والبيان لمعرفة الجيّد وتمييزه عن الرديء، كما يتسلّح المرء بالنظر في آي القرآن الكريم والتدقيق في قمّته البلاغية، طلبا للاختصار.

    وستبقى القراءة الحذرة المحفوفة بالشك والتسآل أفضل وسيلة. كما سيبقى الخطاب المعتدل والمتّزن والمختصر والمحايد قدر الإمكان هو أفضل الأساليب لتشكيل قرائيّة صحّية وتربية ملكة النقد والتقييم والتقويم. فالكتابة هي في نهاية التحليل صدى الزّمن، ماضيا كان أم حاضرا أو مستقبلا. وليس كلّ الصّدى صوت بلابل. ولله الأمر من قبل ومن بعد".


    .
يعمل...