علم الأصوات عند العرب *
د.محمد حسان الطيان
رئيس مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة بالكويت
علم الأصوات Phonétique علم جديد قديم’: جديد لأنه واحد من فروع علم اللسانيات Linguistque الذي لا يعدو تأسيسهُ مطلعَ هذا القرن على يد اللغوي السويسري فردينان دوسوسّور (’1857 ـ 1913’)(1)’.
وقديمٌ لأنه واحد من العلوم التي تقوم عليها كل لغة’، فاللغة أصوات تتألف منها كلمات تنظم في جمل فتؤدي معاني شتّى’، أو هي على حد تعبير ابن جني’: >’أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم’<( 2)’. والصوت كما قال الجاحظ’: >’هو آلة اللفظ’، والجوهرُ الذي يقوم به التقطيع’، وبه يوجد التأليف’، ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً إلا بظهور الصوت’. ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف’<( 3)’.
ولما كان الأمر كذلك فقد عُني أصحاب كلِّ لغة بأصواتها منذ أقدم العصور’، من ذلك ما أُثِر عن قدماء اليونان كأفلاطون وأرسطو من ملاحظات صوتية متناثرة’، وكذا ما ورد عن قدماء الرومان أمثال بريسكيان وترنتيانوس’. أما الهنود فكانوا أكثر اتساعاً وأعمق أثراً في آرائهم الصوتية’، وهم أول من نظر إلى الدراسات الصوتية على أنها فرع مستقل من فروع علم اللغة’، واشتهر منهم بانيني بكتابه المسمى Ashtadhyayi( 4)’.
وجاء العرب المسلمون فخطَوا بهذه الدراسات الصوتية خطوات واسعة’، وضربوا فيها بسهم وافرا’، شهد بذلك نَصَفَةُ الدارسين من الغربيين’، غير أولي الهوى والزيغ’، حتى قال قائلهم’: >’لم يسبق الأوربيين في هذا العلم إلا قومان العرب والهنود’<( 5)’. وقال المستشرق الألماني شادِه عن الأصوات عند سيبويه’: >’فيستحق ما قد وصل إليه من غايات علم الأصوات أن نعتبره( 6) كما أجمع على تسميته كل من درسه من علماء الشرق والغرب مفخراً من أعظم مفاخر العرب’<(7)’.
ومع أن علم الأصوات لم يعرف بهذا الاسم عند العرب إلا في مرحلة لاحقة’، فإنه لم يغب عن مصنفات المتقدمين من علماء العربية (’نحوها وصرفها وعروضها وبلاغتها وموسوعاتها الأدبية’) والطب والحكمة والموسيقى والقراءة والتجويد’... ذلك أنه مازج هذه العلوم المختلفة وداخَلَها حتى لا تكاد تقع على كتاب فيها يخلو من كلام في علم الأصوات أو أثارةٍ منه’. قال أبو نصر الفارابي’: >’وعلم قوانين الألفاظ المفردة يفحص أولاً في الحروف المعجمة عن عددها’، ومن أين خرج كل واحد منها في آلات التصويت وعن المصوت منها وغير المصوت وعما يتركب منها في اللسان وعمّا لا يتركّب’<( 8)’.
ويمكن أن نصنّف العلوم التي أسهمت ولو على نحوٍ ما في علم الأصوات’، في زمرٍ ثلاث’:
1 ـ علوم العربية’: النحو والصرف والبلاغة والعروض’...
2 ـ علوم الحكمة والفلسفة والطب والموسيقى’.
3 ـ علوم القراءة والتجويد والرسم والضبط’.
{1}
أما الزمرة الأولى فتبدأ بظهور أول معجم في العربية’، وهو كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (’175هـ’) والذي بُني على أساس صوتي’، وصدِّر بمقدمة صوتية تعد أول دراسة صوتية منظمة وصلت إلينا في تاريخ الفكر اللغوي عند العرب(9 )’. ولا غروَ فصاحبها الخليل مفتاح العلوم ومصرفها’، وصاحب العروض’، ذو الباع الطويل بالموسيقى وغير ذلك مما له مساس بعلم الأصوات’، بل إن حمزة الأصفهاني ينسب إليه كتاباً مستقلاً في الأصوات اسمه >’تراكيب الأصوات’<( 10)’. وكان الخليل أسبق من ذاق الحروف ليتعرف مخارجها’: >’وإنما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف نحو’: أَبْ’، أَتْ’، أَحْ’، أَعْ’، أَغْ’، فوجد العين أدخل الحروف في الحلق’، فجعلها أول الكتاب ثم ما قرب منها الأرفع فالأرفع حتى أتى على آخرها وهو الميم’<(11)’.
وتلاه كتاب سيبويه ـ حاوي علم الخليل ـ الذي تضمن دراسات صوتية أوفت على الغاية دقةً وأهميةً’، وتنوّعت بتنوع مادتها’؛ فكان منها ما يتعلق باللهجات والمقايسة بينها والاستدلال لها(12)’، ومنها ما يعرض للقراءات( 13)’، ومنها ما يتحدث عن ظواهر صوتية مختلفة كأحكام الهمز من تحقيق وتسهيل وهمزة بين بين( 14)’، والإمالة والفتح وما يتعلق بهما من أحكام( 15).. والإعلال والإبدال والتعليل الصوتي لهما( 16)’... إلى غير ذلك من مباحث صوتية مبثوثة في طيَّات الكتاب بأجزائه الأربعة’. ويستأثر الجزء الرابع بأجلّ هذه المباحث وهو باب الإدغام(17 ) الذي استهله سيبويه بذكر عدد الحروف العربية’، ومخارجها’، ومهموسها’، ومجهورها’، وأصولها وفروعها’، وما إلى ذلك مما يدخل في تكوين النظام الصوتي العربي ليغدو أساساً ومرجعاً لكل من صنف في هذا الباب من النحاة واللغويين والقراء(18 )’.
ثم تتابعت كتب النحو واللغة بعد سيبويه تنحو نحوه وتقفو أثره في تخصيص حيّز للدراسات الصوتية مرددةً تعبيراته ومصطلحاته في كل ما يتعلق بمخارج الحروف وصفاتها( 19) ـ وهو الباب الذي يعنينا هنا ـ وكان على رأسها’، مما وصل إلينا’، المقتضب( 20) للمبرد (’285هـ’) والأصول في النحو لابن السراج (’316هـ’) ورسالة الاشتقاق( 21) له أيضاً’، والجمهرة( 22) لابن دريد (’312هـ’) والجمل( 23) للزجاجي (’340هـ’) والتهذيب( 24) للأزهري (’370هـ’)’. ومما يدخل في هذا الباب شروح سيبويه المختلفة وفي مقدمتها شرح السيرافي( 25)( 26) (’368هـ’) والرمّاني(27) (’384هـ’) والأعلم الشنتمري( 28) (’476هـ’) وشرح أبي علي الفارسي (’377هـ’) المسمى >’تعليقة على كتاب سيبويه’<(29 )( 30)’، وغيرها من شروح الكتاب’، ولعل ما لم يصلنا منها أغزر مادة صوتية مما وصلنا فهي كثيرة أربت على الخمسين شرحاً( 31)’.
وتلا ذلك كله كتاب المفصل للزمخشري (’538هـ’) الذي نسج على منوال سيبويه أيضاً فختم كتابه بباب الإدغام مستهلاً بذكر حروف العربية ومخارجها وصفاتها( 32)’، وكان بهذا المادةَ الصوتية التي بنى عليها ابنُ يعيش (’643هت’) شرحَهُ الغنيَّ بالدراسة الصوتية( 33)’. ولا يكاد يدانيه في ذلك إلا الرضيُّ الأَسْتَراباذي (’686هـ’) في شرحه للشافية حيث تداخل علم الصوت بعلم الصرف(34)’.
ولا بد من الإشارة إلى أن ثمة كتباً تحمل اسم الأصوات أو ما يشاكلها لم تصل إلينا’، لكن المصادر حفظت أسماءها’، مثل كتاب الأصوات لقطرب النحوي(35 ) (’206هـ’) تلميذ سيبويه’، والأصوات للأخفش( 36) (’215هـ’) وليعقوب بن السكِّيت( 37) (’246هـ’) ولابن أبي الدنيا(38 ) (’281هـ’)’. وكتاب الصوت والبَحَّة ليحيى بن ماسويه( 39)’. ومن ذلك أيضاً كتاب الصوت لجالينوس الذي نقله إلى العربية حنين بن إسحاق( 40)’. ولعل من أعجب ما ذكر ابن النديم في هذا الباب كتاب آلة مصوتة تسمع على ستين ميلاً لمورطس( 41)’.
على أن أول من أفرد المباحث الصوتية بمؤلف مستقل’، ونظر إليها على أنها علم قائم بذاته ابنُ جني (’392هـ’) في كتابه سر صناعة الإعراب الذي بسط فيه الكلام على حروف العربية’: مخارجها’، وصفاتها’، وأحوالها’، وما يعرض لها من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف’، والفرق بين الحرف والحركة’، والحروف الفروع المستحسنة والمستقبحة’، ومزج الحروف وتنافرها.. إلى غير ذلك من مباحث بوّأَتْهُ المقامَ الأول في هذا الفن’، فعدَّ بحقٍّ رائدَ الدراسات الصوتية’، وهو يعني ذلك إذ يقول’: >’وما علمتُ أن أحداً من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض’، ولا أشبعه هذا الإشباع’، ومن وجد قولاً قاله’، والله يعين على الصواب بقدرته’<(42)’.
ولا تقتصر جهود ابن جني الصوتية على ما في سر الصناعة وإنما تتعدّاه إلى كتبه الأخرى’، وفي مقدمتها الخصائص الذي تضمن مادة صوتيةً غنيّةً جاء بعضها منثوراً في تضاعيف الكتاب( 43)’، وأُفرد بعضها الآخر في أبواب مستقلة مثل باب في كمية الحركات’، وباب في مطل الحركات’، وباب في مطل الحروف’...(44) إلخ’.
ويبدو أن موضوع طول الحركات والأصوات قد استبدّ بابن جني إلى حدٍّ جعله يفرد له رسالةً’، لم تصلنا’، سماها >’رسالة في مدّ الأصوات ومقادير المدات’< ذكر ياقوت أنّه كتبها إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري وأنها في ست عشرة ورقة بخطّ ولده عال( 45)’.
هذا وإن من وراء ما ذكرناه من كتب في علوم العربية كتباً أخرى حوت مادة صالحة في الصوت وما إليه’، نذكر منها’: كتابَ الجيم حيث عني أبو عمرو الشيباني (’206هـ’) بلغات القبائل ولهجاتها المختلفة(46 )’، والبيانَ والتبيين حيث تكلم الجاحظ (’255هـ’) على اللثغة’، والصوت ونسج الكلمة العربية وتردّدِ الحروف فيها( 47)’، والزينةَ حيث تكلّم أبو حاتم الرازي (’322هـ’) على جرس حروف المدّ(48 ) وقابل بين العربية والفارسية من حيث أصواتُ كلٍّ منهما مما يدخل تحت علم اللغة التقابلي( 49)’، وإعجازَ القرآن حيث تكلم الباقلاني (’403هـ’) على صفات الحروف وعلاقتها بفواتح السور( 50)’، وسرَّ الفصاحة حيث عقد الخفاجي (’466هـ’) فصلاً مفرداً للأصوات تكلم فيه على ماهيتها وإدراكها’، وفصلاً مفرداً للحروف تكلم فيه على حدِّها واختلافها ومخارجها وصفاتها’، ثم تناولها موضوع تأليف الحروف وتنافرها( 51)’، والتفسيرَ الكبيرَ حيث تكلم الفخر الرازي (’606هـ’) على الأصوات وتولّدِها وأقسامها وعلاقتها بعلم التشريح( 52)’. والمباحثَ المشرقية في علم الإلهيات الطبيعيات له أيضاً حيث تكلم على آلية التصويت كلاماً مُعجِباً يتوافق مع كثير مما جاء به علم الفيزياء الحديث( 53)’.
ولا نكاد نجد بعد هذا في كتب المتأخرين من النحاة واللغويين ما يمكن أن يتّسم بالأصالة في دراسة أصوات اللغة’، سوى تلك المحاولة التي جاءت في كتاب مفتاح العلوم للسكاكي (’626هـ’) من رسم بدائي لأعضاء النطق(54)’.
د.محمد حسان الطيان
رئيس مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة بالكويت
علم الأصوات Phonétique علم جديد قديم’: جديد لأنه واحد من فروع علم اللسانيات Linguistque الذي لا يعدو تأسيسهُ مطلعَ هذا القرن على يد اللغوي السويسري فردينان دوسوسّور (’1857 ـ 1913’)(1)’.
وقديمٌ لأنه واحد من العلوم التي تقوم عليها كل لغة’، فاللغة أصوات تتألف منها كلمات تنظم في جمل فتؤدي معاني شتّى’، أو هي على حد تعبير ابن جني’: >’أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم’<( 2)’. والصوت كما قال الجاحظ’: >’هو آلة اللفظ’، والجوهرُ الذي يقوم به التقطيع’، وبه يوجد التأليف’، ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً إلا بظهور الصوت’. ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف’<( 3)’.
ولما كان الأمر كذلك فقد عُني أصحاب كلِّ لغة بأصواتها منذ أقدم العصور’، من ذلك ما أُثِر عن قدماء اليونان كأفلاطون وأرسطو من ملاحظات صوتية متناثرة’، وكذا ما ورد عن قدماء الرومان أمثال بريسكيان وترنتيانوس’. أما الهنود فكانوا أكثر اتساعاً وأعمق أثراً في آرائهم الصوتية’، وهم أول من نظر إلى الدراسات الصوتية على أنها فرع مستقل من فروع علم اللغة’، واشتهر منهم بانيني بكتابه المسمى Ashtadhyayi( 4)’.
وجاء العرب المسلمون فخطَوا بهذه الدراسات الصوتية خطوات واسعة’، وضربوا فيها بسهم وافرا’، شهد بذلك نَصَفَةُ الدارسين من الغربيين’، غير أولي الهوى والزيغ’، حتى قال قائلهم’: >’لم يسبق الأوربيين في هذا العلم إلا قومان العرب والهنود’<( 5)’. وقال المستشرق الألماني شادِه عن الأصوات عند سيبويه’: >’فيستحق ما قد وصل إليه من غايات علم الأصوات أن نعتبره( 6) كما أجمع على تسميته كل من درسه من علماء الشرق والغرب مفخراً من أعظم مفاخر العرب’<(7)’.
ومع أن علم الأصوات لم يعرف بهذا الاسم عند العرب إلا في مرحلة لاحقة’، فإنه لم يغب عن مصنفات المتقدمين من علماء العربية (’نحوها وصرفها وعروضها وبلاغتها وموسوعاتها الأدبية’) والطب والحكمة والموسيقى والقراءة والتجويد’... ذلك أنه مازج هذه العلوم المختلفة وداخَلَها حتى لا تكاد تقع على كتاب فيها يخلو من كلام في علم الأصوات أو أثارةٍ منه’. قال أبو نصر الفارابي’: >’وعلم قوانين الألفاظ المفردة يفحص أولاً في الحروف المعجمة عن عددها’، ومن أين خرج كل واحد منها في آلات التصويت وعن المصوت منها وغير المصوت وعما يتركب منها في اللسان وعمّا لا يتركّب’<( 8)’.
ويمكن أن نصنّف العلوم التي أسهمت ولو على نحوٍ ما في علم الأصوات’، في زمرٍ ثلاث’:
1 ـ علوم العربية’: النحو والصرف والبلاغة والعروض’...
2 ـ علوم الحكمة والفلسفة والطب والموسيقى’.
3 ـ علوم القراءة والتجويد والرسم والضبط’.
{1}
أما الزمرة الأولى فتبدأ بظهور أول معجم في العربية’، وهو كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (’175هـ’) والذي بُني على أساس صوتي’، وصدِّر بمقدمة صوتية تعد أول دراسة صوتية منظمة وصلت إلينا في تاريخ الفكر اللغوي عند العرب(9 )’. ولا غروَ فصاحبها الخليل مفتاح العلوم ومصرفها’، وصاحب العروض’، ذو الباع الطويل بالموسيقى وغير ذلك مما له مساس بعلم الأصوات’، بل إن حمزة الأصفهاني ينسب إليه كتاباً مستقلاً في الأصوات اسمه >’تراكيب الأصوات’<( 10)’. وكان الخليل أسبق من ذاق الحروف ليتعرف مخارجها’: >’وإنما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف نحو’: أَبْ’، أَتْ’، أَحْ’، أَعْ’، أَغْ’، فوجد العين أدخل الحروف في الحلق’، فجعلها أول الكتاب ثم ما قرب منها الأرفع فالأرفع حتى أتى على آخرها وهو الميم’<(11)’.
وتلاه كتاب سيبويه ـ حاوي علم الخليل ـ الذي تضمن دراسات صوتية أوفت على الغاية دقةً وأهميةً’، وتنوّعت بتنوع مادتها’؛ فكان منها ما يتعلق باللهجات والمقايسة بينها والاستدلال لها(12)’، ومنها ما يعرض للقراءات( 13)’، ومنها ما يتحدث عن ظواهر صوتية مختلفة كأحكام الهمز من تحقيق وتسهيل وهمزة بين بين( 14)’، والإمالة والفتح وما يتعلق بهما من أحكام( 15).. والإعلال والإبدال والتعليل الصوتي لهما( 16)’... إلى غير ذلك من مباحث صوتية مبثوثة في طيَّات الكتاب بأجزائه الأربعة’. ويستأثر الجزء الرابع بأجلّ هذه المباحث وهو باب الإدغام(17 ) الذي استهله سيبويه بذكر عدد الحروف العربية’، ومخارجها’، ومهموسها’، ومجهورها’، وأصولها وفروعها’، وما إلى ذلك مما يدخل في تكوين النظام الصوتي العربي ليغدو أساساً ومرجعاً لكل من صنف في هذا الباب من النحاة واللغويين والقراء(18 )’.
ثم تتابعت كتب النحو واللغة بعد سيبويه تنحو نحوه وتقفو أثره في تخصيص حيّز للدراسات الصوتية مرددةً تعبيراته ومصطلحاته في كل ما يتعلق بمخارج الحروف وصفاتها( 19) ـ وهو الباب الذي يعنينا هنا ـ وكان على رأسها’، مما وصل إلينا’، المقتضب( 20) للمبرد (’285هـ’) والأصول في النحو لابن السراج (’316هـ’) ورسالة الاشتقاق( 21) له أيضاً’، والجمهرة( 22) لابن دريد (’312هـ’) والجمل( 23) للزجاجي (’340هـ’) والتهذيب( 24) للأزهري (’370هـ’)’. ومما يدخل في هذا الباب شروح سيبويه المختلفة وفي مقدمتها شرح السيرافي( 25)( 26) (’368هـ’) والرمّاني(27) (’384هـ’) والأعلم الشنتمري( 28) (’476هـ’) وشرح أبي علي الفارسي (’377هـ’) المسمى >’تعليقة على كتاب سيبويه’<(29 )( 30)’، وغيرها من شروح الكتاب’، ولعل ما لم يصلنا منها أغزر مادة صوتية مما وصلنا فهي كثيرة أربت على الخمسين شرحاً( 31)’.
وتلا ذلك كله كتاب المفصل للزمخشري (’538هـ’) الذي نسج على منوال سيبويه أيضاً فختم كتابه بباب الإدغام مستهلاً بذكر حروف العربية ومخارجها وصفاتها( 32)’، وكان بهذا المادةَ الصوتية التي بنى عليها ابنُ يعيش (’643هت’) شرحَهُ الغنيَّ بالدراسة الصوتية( 33)’. ولا يكاد يدانيه في ذلك إلا الرضيُّ الأَسْتَراباذي (’686هـ’) في شرحه للشافية حيث تداخل علم الصوت بعلم الصرف(34)’.
ولا بد من الإشارة إلى أن ثمة كتباً تحمل اسم الأصوات أو ما يشاكلها لم تصل إلينا’، لكن المصادر حفظت أسماءها’، مثل كتاب الأصوات لقطرب النحوي(35 ) (’206هـ’) تلميذ سيبويه’، والأصوات للأخفش( 36) (’215هـ’) وليعقوب بن السكِّيت( 37) (’246هـ’) ولابن أبي الدنيا(38 ) (’281هـ’)’. وكتاب الصوت والبَحَّة ليحيى بن ماسويه( 39)’. ومن ذلك أيضاً كتاب الصوت لجالينوس الذي نقله إلى العربية حنين بن إسحاق( 40)’. ولعل من أعجب ما ذكر ابن النديم في هذا الباب كتاب آلة مصوتة تسمع على ستين ميلاً لمورطس( 41)’.
على أن أول من أفرد المباحث الصوتية بمؤلف مستقل’، ونظر إليها على أنها علم قائم بذاته ابنُ جني (’392هـ’) في كتابه سر صناعة الإعراب الذي بسط فيه الكلام على حروف العربية’: مخارجها’، وصفاتها’، وأحوالها’، وما يعرض لها من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف’، والفرق بين الحرف والحركة’، والحروف الفروع المستحسنة والمستقبحة’، ومزج الحروف وتنافرها.. إلى غير ذلك من مباحث بوّأَتْهُ المقامَ الأول في هذا الفن’، فعدَّ بحقٍّ رائدَ الدراسات الصوتية’، وهو يعني ذلك إذ يقول’: >’وما علمتُ أن أحداً من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض’، ولا أشبعه هذا الإشباع’، ومن وجد قولاً قاله’، والله يعين على الصواب بقدرته’<(42)’.
ولا تقتصر جهود ابن جني الصوتية على ما في سر الصناعة وإنما تتعدّاه إلى كتبه الأخرى’، وفي مقدمتها الخصائص الذي تضمن مادة صوتيةً غنيّةً جاء بعضها منثوراً في تضاعيف الكتاب( 43)’، وأُفرد بعضها الآخر في أبواب مستقلة مثل باب في كمية الحركات’، وباب في مطل الحركات’، وباب في مطل الحروف’...(44) إلخ’.
ويبدو أن موضوع طول الحركات والأصوات قد استبدّ بابن جني إلى حدٍّ جعله يفرد له رسالةً’، لم تصلنا’، سماها >’رسالة في مدّ الأصوات ومقادير المدات’< ذكر ياقوت أنّه كتبها إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري وأنها في ست عشرة ورقة بخطّ ولده عال( 45)’.
هذا وإن من وراء ما ذكرناه من كتب في علوم العربية كتباً أخرى حوت مادة صالحة في الصوت وما إليه’، نذكر منها’: كتابَ الجيم حيث عني أبو عمرو الشيباني (’206هـ’) بلغات القبائل ولهجاتها المختلفة(46 )’، والبيانَ والتبيين حيث تكلم الجاحظ (’255هـ’) على اللثغة’، والصوت ونسج الكلمة العربية وتردّدِ الحروف فيها( 47)’، والزينةَ حيث تكلّم أبو حاتم الرازي (’322هـ’) على جرس حروف المدّ(48 ) وقابل بين العربية والفارسية من حيث أصواتُ كلٍّ منهما مما يدخل تحت علم اللغة التقابلي( 49)’، وإعجازَ القرآن حيث تكلم الباقلاني (’403هـ’) على صفات الحروف وعلاقتها بفواتح السور( 50)’، وسرَّ الفصاحة حيث عقد الخفاجي (’466هـ’) فصلاً مفرداً للأصوات تكلم فيه على ماهيتها وإدراكها’، وفصلاً مفرداً للحروف تكلم فيه على حدِّها واختلافها ومخارجها وصفاتها’، ثم تناولها موضوع تأليف الحروف وتنافرها( 51)’، والتفسيرَ الكبيرَ حيث تكلم الفخر الرازي (’606هـ’) على الأصوات وتولّدِها وأقسامها وعلاقتها بعلم التشريح( 52)’. والمباحثَ المشرقية في علم الإلهيات الطبيعيات له أيضاً حيث تكلم على آلية التصويت كلاماً مُعجِباً يتوافق مع كثير مما جاء به علم الفيزياء الحديث( 53)’.
ولا نكاد نجد بعد هذا في كتب المتأخرين من النحاة واللغويين ما يمكن أن يتّسم بالأصالة في دراسة أصوات اللغة’، سوى تلك المحاولة التي جاءت في كتاب مفتاح العلوم للسكاكي (’626هـ’) من رسم بدائي لأعضاء النطق(54)’.

تعليق