الوظيفة الشعرية للنحو بين الجرجاني وجاكبسون
لمى عبد القادر
كلية الآداب - جامعة القادسية
"آن لمذهب عبد القاهر أن يحيى ، وأن يكون هو سبيل البحث النحوي" (د. إبراهيم مصطفى)
المقدمة :
تتفق اللسانيات المعاصرة على نقطة، هي أن الكلمات لا معنى لها ، وليس لها إلا وظائفها . وهذا يعني أن علاقات الكلمة ضمن الخطاب مع الكلمات الأخرى في السلسلة الكلامية ، هي التي تحدد معنى الكلمة ، ولا معنى للكلمة خارج الخطاب .
إن هذا الفهم للنحو هو الذي يضمن الكشف عن المعنى الدلالي النحوي في الخطاب وعن الوظيفة الشعرية للنحو في النص ، إلا أن هذا الفهم قد ابتعد عنه النحاة العرب قديما الا ما ندر منهم وخير مثال على ذلك هو عبد القاهر الجرجاني الذي سعى إلى كشف أهمية النظم، وما النظم إلا توخي معاني النحو . فسلط الأضواء على بعض النصوص القرآنية والشعرية التي تمثل طبقة عليا من الفصاحة والبلاغة وحاول البحث عن سر جماليتها ، وقرر انه في النظم مدركا بذلك الوظيفة الشعرية والدلالية للنحو.
وقد ترددت فكرة نحو الشعر وشعر النحو التي تدور في الفلك نفسه عند جاكبسون في كتابة قضايا الشعرية، فلفت انتباهي ذلك التقارب في الأفكار بين عالمين تباعدا زمانا ومكانا .
وقد افتتحت هذا البحث بتوطئة تحدثت فيها عن النحو قبل الجرجاني ثم عن الطفرة التي أحدثها الجرجاني في منهج البحث النحوي. ثم أجريت موازنة بين أفكار الجرجاني وجاكبسون حول الوظيفة الشعرية والدلالية للنحو وأوجه الاتفاق والافتراق بينهما ، ثم عمدت إلى اختيار بعض النصوص الشعرية التي طبق عليها الجرجاني أفكاره هذه في دلائل الإعجاز .
ومن الله التوفيق.
* * * * *
توطئة :
مر النحو العربي قبل عبد القاهر بمراحل كبيرة بعد أن وضع سيبويه كتابه الشهير وصنف المبرد كتاب (المقتضب) ، وألـّف النحاة موسوعاتهم ، وقد ركز العلماء في دراساتهم للنحو على الأساليب الرصينة والعبارات البليغة إلى جانب عنايتهم بالإعراب والبناء .
كان حدهم للنحو لا يتجاوز أحوال أواخر الكلم من إعراب وبناء وفي هذا التحديد تضييق للبحث النحوي .
وظل هذا الحد للنحو مستمرًا ، وظل النحاة منشغلين بالعلل والأقيسة وأحوال البناء والإعراب ، وانشغلوا بالقواعد النحوية والخلافات النحوية . حتى جاء عبد القادر الجرجاني ففتح بابا جديدا لدراسة النحو وقد أنكر على النحاة اهتمامهم بأحوال الإعراب والبناء دون جوانب النحو الأخرى ، وأتهمهم بالتكلف والتعسف ، إذ قال (وأما النحو فظننته ضربا من التكلف وبابا من التعسف وشيئا لا يستند إلى أصل ولا يعتمد فيه على عقل . وان ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما يتصل لذلك مما تجده في المبادئ فهو فضل لا يجدي نفعا ولا تحصل منه فائدة … وأراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه لتعوذوا بالله منها ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بذلك…)(1)
قد تنبه عدد من المحدثين للطفرة التي أحدثها الجرجاني في منهج البحث النحوي العربي ، إذ قال د . إبراهيم مصطفى : "ولقد آن لمذهب عبد القادر أن يحيا وأن يكون هو سبيل البحث النحوي ، فإن من العقول ما أفاق لحظة من التفكير والتحرر وان الحس اللغوي أخذ ينتعش ويتذوق الأساليب ويزنها بقدراتها على رسم المعاني والتأثير بها من بعد ما عاف الصناعات اللفظية وسئم زخارفها" (2)
وقال د. أحمد مطلوب : "يختلف منهجه عن منهج النحاة في بحثه الأساليب النحوية كما يختلف في فهمه وتفسيره لهذه الأساليب اختلافا كبيرا فقد أعطى هذه الموضوعات حياة فقدتها على يد الذين قللوا من قيمة النحو وزهدوا فيه أو نظروا إليه نظرة ضيقة تنحسر في الإعراب والبناء" (3)
ومنهم من رأى أن النحو هو : (قانون تأليف الكلام وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة والجملة مع الجمل ، حتى تتسق العبارة ، ويمكن أن تؤدي معناها ) (4)
وبناء على ذلك تظهر خصوصية نظرة الجرجاني للنحو إذ انه تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب وبين أن الكلام نظم ، وأن رعاية هذا النظم واتباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة وإلإفهام .
موازنة بين الجرجاني وجاكبسون في الوظيفة الشعرية :
لما كان الشعر هو اللغة في وظيفتها الجمالية –بحسب جاكسون –وأن موضوع علم الأدب ليس الأدب وإنما الأدبية وهي التي تجعل من إنتاج ما إنتاجا أدبيا . فلابد أن يكون لكل مستوى من مستويات اللغة دور ووظيفة شعرية يدعم بها شعرية النص وجماليته. (5)
النحو أحد مستويات اللغة إذ هو العلاقة التركيبية بين الألفاظ ولا جمال لنص جمعت ألفاظه دون ترتيب ومراعاة العلاقات بين الألفاظ وما هذه العلاقات إلا معاني النحو بحسب الجرجاني .
في أي صياغة لممارسة لغوية لابد من استحضار عمليتي الاختيار والتأليف وهي الثنائية التي تنبه لها سويسر من قبل (6)، فالوظيفة الشعرية تعرض مبدأ التعادل للحدث ، فهي إسقاط محور الاختيار الاستبدالي على محور التأليف السياقي المعتمد على التجاور المكاني. (7)
وتلعب هذه الثنائية دورا مهما في اللغة الشعرية وما يميزها عن اللغة المعيارية ، ولما كان الشعر كلاما يتأسس على لغة تختلف عن اللغة المعيارية ، فصار لكل مستوى من مستويات اللغة وظيفة تصب في شعرية النص .
تلتزم اللغة المعيارية بهذه المستويات والقواعد الصوتية ، والصرفية ، والنحوية المتواضع عليها فهي تتسم بالانضباط والاستقرار والالتزام بها لتحقق الهدف من اللغة ألا وهو التوصيل .
أما اللغة الشعرية فقد تعتمد على إحداث خروقات في هذه الضوابط والقواعد جريا وراء الوظيفة الجمالية التي تنبع من القول نفسه من تركبيها الذاتي (8). إذ لا يخلو الشعر من الانزياح عن قوانين اللغة ، سواء كانت حرفية أم نحوية ؟ وذلك لأن هذا الانزياح يمثل وظيفة جمالية تصب في شعرية النص.(9)
وقد تنبه الجرجاني إلى ثنائية اللغة الشعرية واللغة المعيارية لكن لم يصرح بها بشكل مباشر إلا إنه أومأ إلى مستويات الكلام التي بدأها من الكلام العادي وصولا إلى الكلام المعجز ، ولا يمكن التفرقة بين هذه المستويات من الكلام دون الوقوف على المستوى الأدبي. (10)
ومما تقدم نخلص إلى أن الشعر كلام ، ولدراسته لابد من الاستعانة بعلوم اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية للكشف عن أسرار النص الشعري ، وبذا يكون لكل من مستويات اللغة وظيفة شعرية يخدم بها جمالية النص الشعري . سواء كان متماشيا مع القواعد اللغوية أو خارقا لها .
ويصدق هذا الكلام على النحو بوصفه أحد مستويات اللغة إذ تظهر وظيفته الشعرية بتوخي القواعد والضوابط النحوية أو بخرقها والإنزياح عنها ، ولا يكون هذا الاستعمال أو ذاك غير مقصود من المبدع بل هو استعمال مقصود منه الخرق لقوانين النحو المعياري ليزيد النص جمالا .
وقد سبق الكلام عن الوجه الجديد للنحو العربي الذي كشفه الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) إذ انه رأى في النحو ذاك الأساس الذي يفرق بين الأساليب المختلفة من الكلام فتبدو من منظور النحو المعياري أساليب متساوية كالتقديم والتأخير والإخبار بالوصف أو الإخبار بالفعل. (11)
وقد اقترب مفهوم الجرجاني للنحو وعلاقته بالأساليب اللغوية من مفهوم جاكبسون ، وما قاله عن الوظيفة الشعرية للنحو ، ويظهر هذا التقارب في جملة أمور منها :
أولا: التفريق بين المستوى المعجمي والمستوى النحوي للغة
إذ يقـــول الجرجاني: (الكلام على ضربين : ضرب أنت تصل منه إلى الغرض لدلالة الفظ وحده … وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض لدلالة اللفظ وحده) (12)
وقال في موضع آخر: (إن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها من الفوائد) (13)
فهو يفرق في كلامه المتقدم بين المعنى المعجمي للفظ وما يدل عليه الكلام بدلالة اللفظ وحده وبين المعنى النحوي الذي يتحقق من خلال فهم الكلام بضم بعضه إلى بعض بحسب العلاقات النحوية بين الألفاظ ، فيظهر المعنى بواسطة المستوى النحوي للغة .
أما جاكبسون فقد تنبه إلى هذه الثنائية القائمة بين المستوى المعجمي المادي للغة وبين المستوى النحوي لها وقد وصفها جاكبسون بأنها واقعة بنيوية موضوعية. (14)
ثانيا: ترجيح النحو على ضروب المجاز
إذ قال الجرجاني في هذا المعنى: إن المزية في قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) (15) ليس للاستعارة وحدها ولكن لنظم العبارة ومجيء الرأس فاعلا و (الشيب) تمييزا ، ولو قيل (اشتعل شيب الرأس) لذهبت تلك المزية. (16)
انتهى إلى أن الاستعارة والتشبيه وسائر ضروب المجاز لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيها حكم من أحكام النحو. (17)
أما جاكبسون فقد اقترب من هذا المعنى كثيرا إذ رأى أن صور النحو تحل محل المجازات ، وضرب مثلا لذلك قصيدة (بلا صور) إذ قال: (إن صور النحو في قصيدة (بلا صور) هي التي تصير مهيمنة وهي التي تحل محل المجازات . وتعتبر {كذا} القصائد الغنائية لبوشكن... شأنها شأن أنشودة معركة هوسيت ، أمثلة بليغة عن الاستخدام المحتكر للأدوات النحوية. (18)
كلية الآداب - جامعة القادسية
"آن لمذهب عبد القاهر أن يحيى ، وأن يكون هو سبيل البحث النحوي" (د. إبراهيم مصطفى)
المقدمة :
تتفق اللسانيات المعاصرة على نقطة، هي أن الكلمات لا معنى لها ، وليس لها إلا وظائفها . وهذا يعني أن علاقات الكلمة ضمن الخطاب مع الكلمات الأخرى في السلسلة الكلامية ، هي التي تحدد معنى الكلمة ، ولا معنى للكلمة خارج الخطاب .
إن هذا الفهم للنحو هو الذي يضمن الكشف عن المعنى الدلالي النحوي في الخطاب وعن الوظيفة الشعرية للنحو في النص ، إلا أن هذا الفهم قد ابتعد عنه النحاة العرب قديما الا ما ندر منهم وخير مثال على ذلك هو عبد القاهر الجرجاني الذي سعى إلى كشف أهمية النظم، وما النظم إلا توخي معاني النحو . فسلط الأضواء على بعض النصوص القرآنية والشعرية التي تمثل طبقة عليا من الفصاحة والبلاغة وحاول البحث عن سر جماليتها ، وقرر انه في النظم مدركا بذلك الوظيفة الشعرية والدلالية للنحو.
وقد ترددت فكرة نحو الشعر وشعر النحو التي تدور في الفلك نفسه عند جاكبسون في كتابة قضايا الشعرية، فلفت انتباهي ذلك التقارب في الأفكار بين عالمين تباعدا زمانا ومكانا .
وقد افتتحت هذا البحث بتوطئة تحدثت فيها عن النحو قبل الجرجاني ثم عن الطفرة التي أحدثها الجرجاني في منهج البحث النحوي. ثم أجريت موازنة بين أفكار الجرجاني وجاكبسون حول الوظيفة الشعرية والدلالية للنحو وأوجه الاتفاق والافتراق بينهما ، ثم عمدت إلى اختيار بعض النصوص الشعرية التي طبق عليها الجرجاني أفكاره هذه في دلائل الإعجاز .
ومن الله التوفيق.
* * * * *
توطئة :
مر النحو العربي قبل عبد القاهر بمراحل كبيرة بعد أن وضع سيبويه كتابه الشهير وصنف المبرد كتاب (المقتضب) ، وألـّف النحاة موسوعاتهم ، وقد ركز العلماء في دراساتهم للنحو على الأساليب الرصينة والعبارات البليغة إلى جانب عنايتهم بالإعراب والبناء .
كان حدهم للنحو لا يتجاوز أحوال أواخر الكلم من إعراب وبناء وفي هذا التحديد تضييق للبحث النحوي .
وظل هذا الحد للنحو مستمرًا ، وظل النحاة منشغلين بالعلل والأقيسة وأحوال البناء والإعراب ، وانشغلوا بالقواعد النحوية والخلافات النحوية . حتى جاء عبد القادر الجرجاني ففتح بابا جديدا لدراسة النحو وقد أنكر على النحاة اهتمامهم بأحوال الإعراب والبناء دون جوانب النحو الأخرى ، وأتهمهم بالتكلف والتعسف ، إذ قال (وأما النحو فظننته ضربا من التكلف وبابا من التعسف وشيئا لا يستند إلى أصل ولا يعتمد فيه على عقل . وان ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما يتصل لذلك مما تجده في المبادئ فهو فضل لا يجدي نفعا ولا تحصل منه فائدة … وأراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه لتعوذوا بالله منها ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بذلك…)(1)
قد تنبه عدد من المحدثين للطفرة التي أحدثها الجرجاني في منهج البحث النحوي العربي ، إذ قال د . إبراهيم مصطفى : "ولقد آن لمذهب عبد القادر أن يحيا وأن يكون هو سبيل البحث النحوي ، فإن من العقول ما أفاق لحظة من التفكير والتحرر وان الحس اللغوي أخذ ينتعش ويتذوق الأساليب ويزنها بقدراتها على رسم المعاني والتأثير بها من بعد ما عاف الصناعات اللفظية وسئم زخارفها" (2)
وقال د. أحمد مطلوب : "يختلف منهجه عن منهج النحاة في بحثه الأساليب النحوية كما يختلف في فهمه وتفسيره لهذه الأساليب اختلافا كبيرا فقد أعطى هذه الموضوعات حياة فقدتها على يد الذين قللوا من قيمة النحو وزهدوا فيه أو نظروا إليه نظرة ضيقة تنحسر في الإعراب والبناء" (3)
ومنهم من رأى أن النحو هو : (قانون تأليف الكلام وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة والجملة مع الجمل ، حتى تتسق العبارة ، ويمكن أن تؤدي معناها ) (4)
وبناء على ذلك تظهر خصوصية نظرة الجرجاني للنحو إذ انه تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب وبين أن الكلام نظم ، وأن رعاية هذا النظم واتباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة وإلإفهام .
موازنة بين الجرجاني وجاكبسون في الوظيفة الشعرية :
لما كان الشعر هو اللغة في وظيفتها الجمالية –بحسب جاكسون –وأن موضوع علم الأدب ليس الأدب وإنما الأدبية وهي التي تجعل من إنتاج ما إنتاجا أدبيا . فلابد أن يكون لكل مستوى من مستويات اللغة دور ووظيفة شعرية يدعم بها شعرية النص وجماليته. (5)
النحو أحد مستويات اللغة إذ هو العلاقة التركيبية بين الألفاظ ولا جمال لنص جمعت ألفاظه دون ترتيب ومراعاة العلاقات بين الألفاظ وما هذه العلاقات إلا معاني النحو بحسب الجرجاني .
في أي صياغة لممارسة لغوية لابد من استحضار عمليتي الاختيار والتأليف وهي الثنائية التي تنبه لها سويسر من قبل (6)، فالوظيفة الشعرية تعرض مبدأ التعادل للحدث ، فهي إسقاط محور الاختيار الاستبدالي على محور التأليف السياقي المعتمد على التجاور المكاني. (7)
وتلعب هذه الثنائية دورا مهما في اللغة الشعرية وما يميزها عن اللغة المعيارية ، ولما كان الشعر كلاما يتأسس على لغة تختلف عن اللغة المعيارية ، فصار لكل مستوى من مستويات اللغة وظيفة تصب في شعرية النص .
تلتزم اللغة المعيارية بهذه المستويات والقواعد الصوتية ، والصرفية ، والنحوية المتواضع عليها فهي تتسم بالانضباط والاستقرار والالتزام بها لتحقق الهدف من اللغة ألا وهو التوصيل .
أما اللغة الشعرية فقد تعتمد على إحداث خروقات في هذه الضوابط والقواعد جريا وراء الوظيفة الجمالية التي تنبع من القول نفسه من تركبيها الذاتي (8). إذ لا يخلو الشعر من الانزياح عن قوانين اللغة ، سواء كانت حرفية أم نحوية ؟ وذلك لأن هذا الانزياح يمثل وظيفة جمالية تصب في شعرية النص.(9)
وقد تنبه الجرجاني إلى ثنائية اللغة الشعرية واللغة المعيارية لكن لم يصرح بها بشكل مباشر إلا إنه أومأ إلى مستويات الكلام التي بدأها من الكلام العادي وصولا إلى الكلام المعجز ، ولا يمكن التفرقة بين هذه المستويات من الكلام دون الوقوف على المستوى الأدبي. (10)
ومما تقدم نخلص إلى أن الشعر كلام ، ولدراسته لابد من الاستعانة بعلوم اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية للكشف عن أسرار النص الشعري ، وبذا يكون لكل من مستويات اللغة وظيفة شعرية يخدم بها جمالية النص الشعري . سواء كان متماشيا مع القواعد اللغوية أو خارقا لها .
ويصدق هذا الكلام على النحو بوصفه أحد مستويات اللغة إذ تظهر وظيفته الشعرية بتوخي القواعد والضوابط النحوية أو بخرقها والإنزياح عنها ، ولا يكون هذا الاستعمال أو ذاك غير مقصود من المبدع بل هو استعمال مقصود منه الخرق لقوانين النحو المعياري ليزيد النص جمالا .
وقد سبق الكلام عن الوجه الجديد للنحو العربي الذي كشفه الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) إذ انه رأى في النحو ذاك الأساس الذي يفرق بين الأساليب المختلفة من الكلام فتبدو من منظور النحو المعياري أساليب متساوية كالتقديم والتأخير والإخبار بالوصف أو الإخبار بالفعل. (11)
وقد اقترب مفهوم الجرجاني للنحو وعلاقته بالأساليب اللغوية من مفهوم جاكبسون ، وما قاله عن الوظيفة الشعرية للنحو ، ويظهر هذا التقارب في جملة أمور منها :
أولا: التفريق بين المستوى المعجمي والمستوى النحوي للغة
إذ يقـــول الجرجاني: (الكلام على ضربين : ضرب أنت تصل منه إلى الغرض لدلالة الفظ وحده … وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض لدلالة اللفظ وحده) (12)
وقال في موضع آخر: (إن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها من الفوائد) (13)
فهو يفرق في كلامه المتقدم بين المعنى المعجمي للفظ وما يدل عليه الكلام بدلالة اللفظ وحده وبين المعنى النحوي الذي يتحقق من خلال فهم الكلام بضم بعضه إلى بعض بحسب العلاقات النحوية بين الألفاظ ، فيظهر المعنى بواسطة المستوى النحوي للغة .
أما جاكبسون فقد تنبه إلى هذه الثنائية القائمة بين المستوى المعجمي المادي للغة وبين المستوى النحوي لها وقد وصفها جاكبسون بأنها واقعة بنيوية موضوعية. (14)
ثانيا: ترجيح النحو على ضروب المجاز
إذ قال الجرجاني في هذا المعنى: إن المزية في قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) (15) ليس للاستعارة وحدها ولكن لنظم العبارة ومجيء الرأس فاعلا و (الشيب) تمييزا ، ولو قيل (اشتعل شيب الرأس) لذهبت تلك المزية. (16)
انتهى إلى أن الاستعارة والتشبيه وسائر ضروب المجاز لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيها حكم من أحكام النحو. (17)
أما جاكبسون فقد اقترب من هذا المعنى كثيرا إذ رأى أن صور النحو تحل محل المجازات ، وضرب مثلا لذلك قصيدة (بلا صور) إذ قال: (إن صور النحو في قصيدة (بلا صور) هي التي تصير مهيمنة وهي التي تحل محل المجازات . وتعتبر {كذا} القصائد الغنائية لبوشكن... شأنها شأن أنشودة معركة هوسيت ، أمثلة بليغة عن الاستخدام المحتكر للأدوات النحوية. (18)

تعليق