الشعر وثيقة تاريخية
عبد اللطيف المعاني
تعد الوثائق ذات الحمولة الثقافية ذات أهمية كبيرة في بناء النص التاريخي، فهي ذخائر حية تحفظ ذاكرة الشعوب بمختلف تحولاتها الحضارية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية. ويعد الشعر من أهم هذه الوثائق.
فالقصيدة بنية لغوية مركبة يكشف تفاعل عناصرها عن موقف الشاعر[1]،فالشعر ذاكرة وبوح وانفعال وموقف وتجسيد. ولغة خاصة. وخيال يحمل التمرّد على الواقع ليسبح بالمراد والمتمنَّى. ينحو نحو الجمال، ويسعى لدغدغة المشاعر وإثارتها، كما يقوم بتسجيل الملاحم والبطولات، وتوثيق مجريات المجتمع وأحداثه الاجتماعية، وما يتخلله من تفاصيل، وبهذا المعنى فإن علاقة الشعر مع التاريخ هي علاقة وثيقة.
1- شعر أيام العرب وقيمته التاريخية:
لم يكن الشعر العربيُّ القديم، بمعزلٍ عن تأريخ الأحداث والموقف منها، وإعادة صياغتها، وهذا ملاحظٌ لدى الشعراء بشكل جليّ فقد تميزت حياة العرب قبل الإسلام بكونها حياة حربية تقوم على سفك الدمـاء. وكان الشِّعر لا يزدهر إلاَّ في الحرب، لذلك فإنَّ القبائلَ العربية التي لم يكن بينها حروب، ولم تعرف بوقائع وأيام لم يزدهر فيها شعر يقول ابن سلام: "وإنَّما كان يكثر الشعرُ بالحروب التي بين الأحياء، نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يغيرون ويُغَار عليهم، والذي قلل شعر قريش أنَّه لم يكن بينهم نائرة، ولم يُحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان..."[2]
فقد أدت الكلمة دورًا مشرفًا في جميع وَقائع القوم، فكان الشعر العربي منذ أقدم العصور يُواكِب المعارك والأيام والحروب، وكان للشعراء دورٌ في المعارك لا يقلُّ عن دور الفرسان فيها. فكانوا يحرِّضون على القتال، ويذكون رُوحَ الحَمِيَّة والحماسة، ويشجعون المقاتلين، ويَستَثِيرون الهمم والعزائم، ويذكرون الأمجاد والأحساب.
وإذا ما انتَهت المعركة رَثَوا أبطالَها وفرسانَها، وافتخروا بما حقَّقه الجيش من انتصار، وما أَوقَع في جند العدو من هزائم، واتَّخذ الشعراء من ذلك كله وسائلَ فخر ودعاية.
وقد بلغ من مشاركة هذا الشعر في المعركة أنْ صار وثيقةً تاريخية مهمَّة عند المؤرخين والباحثين والدارسين، عند تَسجِيل أيام العرب وحروبها، بل هو من أهم الوثائق في هذا الميدان. وسنتناول هنا بعضا من أيام العرب لنرى كيف تفاعل الإبداع الشعري مع الحدث التاريخي.
1-1 شعر حرب البسوس.
نشبت حرب البسوس بين بكر وتغلب، وكلتاهما من ربيعة، وما تذكره الوثائق التاريخية حول أسباب هذه الحرب، أن كليبا قتل ناقة البسوس مما جعل جساساً يقوم بقتله لكن استقراء الوثائق التاريخية يكشف عن أسباب أخرى بعضها اجتماعي يعود إلى طبيعة التنظيم القبلي في المجتمع الجاهلي فالنص التاريخي يصّور كليبا ملكًا قويًا شديداً و يشير إلى سيطرته المطلقة في إقليمه المحلي. "لما فض كليب بن ربيعة جموع اليمن في خزازى وهزمهم اجتمعت عليه معد كلها وجعلوا له قسم الملك وتاجه ونجيبته وطاعته، وغبر بذلك حينا من دهره ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه لما هو فيه من عزة وانقياد معد له، حتى بلغ من بغيه، أنه كان يحمي مواقع السحاب، فلا يرعى حماه، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالًا له، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره، و لا يغير إلا بإذنه، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره، ولم يكن بكري ولا تغلبي يجير رجلاً ولا بعيراً ولا يحمي حمى إلا بأمره..."[3]، كما أنه يبرز أهمية المياه للقبيلة العربية، فالوسط الطبيعي الصحراوي يجعل القبيلة ترتحل طلبا للماء، بل تقاتل غيرها من القبائل للاستحواذ على مصادر الماء"...ثم ظعن ابنا وائل بعد ذلك; فمرت بكر على نهي يقال له شبيب، فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على نهي آخر يقال له الأحصى، فنفاهم عنه وقال لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على بطن الجريب فمنعهم إياه، فمضوا حتى نزلوا الذنائب، وأتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل، وهو واقف على غدير الذنائب، فقال له: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشاَ! فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون. فقال له هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أوقد ذكرتها! أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل، أتراك مانعي أن أذب على حماي! فعطف علية جساس فرسه فطعنه برمح"[4] ويبين المصدر التاريخي كذلك طبيعة نفسية الإنسان الجاهلي فهو معتز بنفسه لا يقبل أن يشاركه أحد مكانته ولو في المشاعر والأحاسيس" حدث مرة أن دخل كليب على امرأته جليلة فقال لها فقال هل تعلمين على الأرض أمنع مني ذمة؟ فسكتت، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت، ثم أعاد عليها الثالثة فقالت: أخي جساس وندمانه ابن عمه عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان.
فسكت كليب ومضت مدة، وبينما هي تغسل رأسه وتسرحه ذات يوم إذ قال لها من أعز وائل؟ قالت أخواي جساس وهمام. فنزع رأسه من يدها وخرج. وكانت لجساس خالة اسمها البسوس بنت منقذ جاءت ونزلت على ابن أختها جساس... ولها ناقة خوارة ومعها فصيل لها فلما خرج كليب غاضبا من قول زوجه جليلة رأى فصيل الناقة فرماه بقوسه فقتله..."[5]
وتستمر الرواية التاريخية في إبراز دور العامل النفسي فيما قام به كليب "ثم إن كليبا أعاد القول على امرأته فقال من أعز بني وائل؟ فقالت أخواي! فأضمرها في نفسه وأسرها وسكت، حتى مرت به إبل جساس وفيها ناقة البسوس، فأنكر الناقة، ثم قال: ما هذه الناقة؟ قالوا لخالة جساس. فقال: أو بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني؟ إرم ضرعها يا غلام، فأخذ القوس ورمى ضرعها فاختلط دمها بلبنها."[6]
كما يحضر عامل آخر يعد من القيم الجاهلية وهو حفظ الجوار، فحينما رأت البسوس ما حل بناقتها وهي في جوار ابن أختها أنشدت[7]
أيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل
فإني في قوم عن الجار أموات
ودونك أذواذي إليك فإنني
محاذرة أن يغدروا ببنياتي
لعمرك لو أصبحت في دار منقد
لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
مما جعل جساسا يطلب منها السكوت ويعدها بالانتقام، ولذلك سميت هذه الأبيات بالموثبات لأن البسوس لما أنشدتها أوغرت الصدور[8]،وهنا يظهر دور الكلمة في نشوب حرب البسوس.
إذا كانت الوثيقة التاريخية قد كشفت السياق الاجتماعي والنفسي الذي كان وراء مقتل كليب، فإن الإبداع الشعري سيكشف عن آثار هذه الحرب النفسية. فبكاء المهلهل أخاه كليبا يبرز مدى عمق الأثر الذي خلفه هذا الحادث في نفسيته ومن ذلك قوله:[9]
أن في الصدر من كُلَيْب شجونا
هَاجِسَاتٍ نَكَأْنَ مِنْهُ الْجِرَاحَا
أَنْكَرَتْنِي حَلِيلَتِي إذْ رَأَتْنِي
كاسفَ اللونِ لاَ أطيقُ المزاحا
يَا خَلِيلَيَّ نَادِيَا لِي كُلَيْباً
وَاعلما أنهُ ملاقٍ كفاحا
يَا خَلِيلَيَّ نَادِيا لِي كُلَيْباً
وَاعْلَمَا أَنَّهُ هَائِماً مُلْتَاحَا
يَا خَلِيلَيَّ نَادِيَا لِي كُلَيْباً
قبلَ أنْ تبصرَ العيونَ الصباحا
ويحَ أمي وَويحها لقتيلٍ
مِنْ بَنِي تَغْلِبٍ وَوَيْحاً وَوَاحَا
يَا قَتِيلاً نَمَاهُ فَرْعٌ كَرِيمٌ
فقدهُ قدْ أشابَ مني المساحا
كيفَ أسلو عنِ البكاءِ وَقومي
قَدْ تَفَانَوْا فَكَيْفَ أَرْجُو الْفَلاَحَا
ونراه في قصيدة أخرى يسير في نفس المنحى:[10]
كُلَيْبُ لاَ خَيْرَ في الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا
إنْ أنتَ خليتها في منْ يخليها
كُلَيْبُ أَيُّ فَتَى عِزٍّ وَمَكْرُمَة ٍ
تحتَ السفاسفِ إذْ يعلوكَ سافيها
نعى النعاة ُ كليباً لي فقلتُ لهمْ
مادتْ بنا الأرضُ أمْ مادتْ رواسيها
لَيْتَ السَّمَاءَ عَلَى مَنْ تَحْتَهَا وَقَعَتْ
وَحَالَتِ الأَرْضُ فَانْجَابَتْ بِمَنْ فِيهَا
أضحتْ منازلُ بالسلانِ قدْ درستْ
تبكي كليباً وَلمْ تفزعْ أقاصيها
الْحَزْمُ وَالْعَزْمُ كَانَا مِنْ صَنِيعَتِهِ
ما كلَّ آلائهِ يا قومُ أحصيها
القائدُ الخيلَ تردي في أعنتها
زَهْوَاً إذَا الْخَيْلُ بُحَّتْ فِي تَعَادِيها
النَّاحِرُ الْكُومَ مَا يَنْفَكُّ يُطْعِمُهَا
وَالْوَاهِبُ المِئَة َ الْحَمْرَا بِرَاعِيهَا
منْ خيلِ تغلبَ ما تلقى أسنتها
إِلاَّ وَقَدْ خَضَّبَتْهَا مِنْ أَعَادِيهَا
تكونُ أولها في حينِ كرتها
وَ أنتَ بالكرَّ يومَ الكرَّ حاميها
لاَ أَصْلَحَ الله مِنَّا مَنْ يُصَالِحُكُمْ
ما لاحتِ الشمسُ في أعلى مجاريها
إن هذه الحالة النفسية لا يمكن أن تندمل إلا بالثأر، فقد كان العربي في الجاهلية حريصا على إدراك الثأر للأخ، وقد أكد المهلهل رغبته الشديدة في الثأر لأخيه كليب قائلا:
لما نعى الناعي كليباً أظلمتْ
شمسُ النهارِ فما تريدُ طلوعا
قتلوا كليباً ثم قالوا أرتعوا
كذبوا لقدْ منعوا الجيادَ رتوعا
كَلاَّ وَأَنْصَابٍ لَنَا عَادِيَّة
مَعْبُودَة ٍ قَدْ قُطِّعَتْ تَقْطِيعَا
حتى أبيدَ قبيلة ً وَقبيلة ً
وَقبيلة ً وَقبيلتينِ جميعا
وَتَذُوقَ حَتْفاً آلُ بَكْرٍ كُلُّها
وَنَهُدٌ مِنْهَا سَمْكَهَا الْمَرْفُوعَا
حَتَّى نَرَى أَوْصَالَهُمْ وَجَمَاجِماً
مِنْهُمْ عَلَيْهَا الخَامِعَاتُ وُقُوعَا
وَنرى سباعَ الطيرِ تنقرُ أعيناً
وَتَجُرُّ أَعْضَاءً لَهُمْ وَضُلُوَعا
وَالْمَشْرَفِيَّة َ لاَ تُعَرِّجُ عَنْهُمُ
ضَرْباً يَقُدُّ مَغَافِراً وَدُرُوعَا
وَالْخَيْلَ تَقْتَحِمُ الْغُبَارَ عَوَابِساً
يومَ الكريهة ِ ما يردنَ رجوعا
فالصورة هنا تكتمل لتقدم لنا صورة شمولية عن طبيعة المجتمع الجاهلي، بل طبيعة الفرد الجاهلي.
1-2: القيمة التاريخية لشعر أيام العرب:
لا نريد أن نختم حديثنا عن شعر أيام العرب دون أن نورد رأيا ساقه أحد الباحثين[11]،فهو يرى أنه " ليس لأحد أن يعتمد على أيام العرب اعتماد المؤرخ المحقق، سواء أكان ذلك بالنسبة لسير وقائعها، أو تحديد تواريخ معينة لهذه الوقائع، ذلك أن روايات الأيام قد وصلت إلينا بسبل يسهل التشكيك بها"[12]والسبب في ذلك عنده أن الأجيال قد توارثتها " بطريق المشافهة، وهي طريقة تحتمل التحريف والوضع، ثم إن هذه الأيام قد وقعت بين القبائل العربية في جاهليتها ورواتها لابد وأن يكونوا من هذه القبيلة أو تلك فكانت العاطفة القبلية، أو العصبية القبلية على وجه التخصيص عاملا مهما في إبرازها بصورة تبتعد عن الأصل في أحيان كثيرة وذلك حسب رغبة رواتها."[13] ويستمر في ذكر الأسباب التي تقلل من القيمة التاريخية لهذا المصدر التاريخي منذ القدم فيقول "وقد وجد البعض في إغفال الطبري لأيام العرب دليل على عدم الثقة بها."[14] ويستطرد في ذكر الأسباب المضعفة لهذا المصدر فيؤكد" وإن مما ينمي الظن بعدم جدوى الاعتماد على الأيام من الناحية التاريخية هو دأب رواتها على تغليب الجانب القصصي على النسق التاريخي عند سرد حوادثها، إضافة إلى أن معظم هؤلاء الرواة يبوبونها حسب القبائل...دون مراعاة لزمن وقوع كل منها."[15]
إذا كان الاعتماد على الرواية الشفهية هو من بين الأسباب التي تؤثر على القيمة التاريخية لأيام العرب، فإن الكتابة تقوي من قيمة الشعر كمصدر تاريخي فقد انتهى الدكتور ناصر الدين الأسد إلى أن الأدلة العقلية والأدلة الصريحة التي جمعها ونظمها في سلك واحد تؤكد" أن بعض الشعر الجاهلي كان يقيد، سواء أكان الشعراء الجاهليون أنفسهم يقيدونه بخط أيديهم، ام كانوا يستكتبون غيرهم لتقييد شعرهم."[16] وبذلك يكون الشعر الذي قيل في هذه المناسبات أوثق من الرواية التاريخية.
2- شعر الغزوات والفتوحات الإسلامية:
2-1:شعر غزوة بدر:
عرف الشعر العربي في العصر الإسلامي منذ طلائعه الأولى، فنوناً شعرية كثيرة من مدح وهجاء وغزل وفخر ووصف ورثاء وزهد وغيرها، ولكن لم يعرف فنا يصطلح عليه بفن الجهاد، وإن كان قد عرف أغراضا قريبة منه وضع لها المؤرخون والنقاد مصطلحات كشعر الحرب وشعر الحماسة، وغيرهما.
ويخطئ من يظن أن الشعر، لم يقف يدافع عن الرسول الكريم، يوم جهاده الأكبر في الدعوة الإسلامية. فقد كان للشعر دور بارز في الذود عن الدعوة، لذلك يمكن اعتباره إلى جانب كتب السيرة النبوية مصدرا تاريخيا هاما ولعل القصائد التي نظمت في الغزوات لتدل على محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال السمع والطاعة. وهذا مثال من شعر حسان بن ثابت كدليل على ذلك[17]:
مستشعري حذق الماذي يقدمهم
جلذ النجيزة ماض غير رعديد
أعني الرسول فإن الله فضله
على البرية بالتقوى وبالجود
وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم
وماء بدر زعمتم غير مورود
وقد وردنا ولم نسمع لقولكم
حتى شربنا رواء غير تصريد
مستعصمين بحبل لله غير منجذم
مستحكم من حبال الله غير ممدود
ماض على الهول ركاب لما قطعوا
إذا الكماة تحاموا في الصناديد
2-2: شعر فتح الشام وفارس وتكذيب آراء.
ولقد حظيت الفتوح الإسلامية، باهتمام علمائنا المسلمين فأفردوا لتأريخها الفصول الطوال، سيما وأنها تتحدث عن أكثر الحقب إشراقا في تاريخ الأمة، ألا وهي حقبة نشر الدعوة الإسلامية خارج حدود الجزيرة العربية، والقضاء على ما كان يسمى ملك فارس والروم.
وقد تغنى المسلمون بهذه الانتصارات بقصائد وأراجيز عبروا من خلالها عن فرحهم، وصدق عقيدتهم. وتعتبر هذه الأشعار وثيقة تاريخية توثق لهذه الحقبة الزمنية في تاريخ الدعوة الإسلامية، لذا نجدها مبثوتة في كتب التاريخ ككتاب الطبري، وكتب الجغرافيا كمعجم البلدان لياقوت الحموي.
وقد حاول المستشرقون التشكيك في الأسباب التي دعت المسلمين إلى تلك الفتوح، فيوليوس فلهاوزن يرى أن هناك أسباب اقتصادية بحثة وراء ذلك" ولم تكن الحكومة الإسلامية يهمها سوى خمل الخراج إلى بيت المال على المقدار المفروض له، الذميون بقرة، الوالي يمسكها من قرنها حتى تسكن، وعامل الخراج يحلبها."[18]
ويقول فيليب حتي: " إن الحاجة المادية حملت الفائض من سكان البادية القاحلة إلى ما يتاخم الهلال الخصيب، من مناطق هي أحفل بأسباب الحياة" ويضيف" والواقع أن التوسع العربي الإسلامي، إنما دعت إليه عوامل اقتصادية بعيدة الغور."[19]
وربما يعتبر أبلغ رد على هؤلاء ما سجلته أشعار الفاتحين أنفسهم مما جاشت به صدورهم، فكانت الأشعار نفسها هي الرد الحقيقي على ما تقدم من شبهات مغرضة، وأقوال داحضة، فأسباب الفتوح كانت دينية خالصة وليس كما يدعون.
يقول خالد بن الوليد في قصيدة بعنوان "جدوا وجندلوا":[20]
سنحمل في جمع اللئام الكواذب
وتعري رؤوسنا منهم بالقواضب
ونهزم جيش الكفر منا بهمة
تطول على أعلى الجبال الرواسب
وينصر دين الله في كل مشهد
بفتيان صدق من كرام الأعرب
فيا معشر الأصحاب جدوا وجندلوا
وكروا على خيل كرام المناسب
فدونكم قصد الصليب وبادروا
لنرضي إله الخلق معطي المواهب
كما يعبر قتادة بن أيشم الكناني عن نفس المعنى في قوله:[21]
سأحمل في الروم الكلاب النوابح
وأضربهم ضربا بحد الصفائح
وأرضي رسول الله خير مؤمل
نبي الهدى للدين أشرف ناصح
وفي معركة القادسية نجد أحد أبناء الخنساء يقول قبل استشهاده:[22]
فبادروا الحرب كماة في العدد
إما بفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم غنم الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد
2-3شعر الفتوحات العثمانية والارتباط العربي التركي:
لقد عبر الشعراء العرب عن فرحهم بالانتصارات التي حققها الخلفاء العثمانيون، فهذا الشاعر الأمير منجك بن محمد الدمشقي يمدح الخليفة إبراهيم الأول بمناسبة فتح الجزيرة اليونانية كريت بقصيدة يقول فيها[23]:
ملك من الإيمان جرد صارما
بالحق حتى الكفر أصبح مسلما
قد جهز السفن التي لو صادفت
رضوى بأيسر لمحة لتهما
وتلهب البحر الخضم مهابة
منه فظنته كريت جهنما
وكذلك فعل الشاعر محمد بن عمر العرضي الحلبي عند فتح قلعة نيوه، إذ نظم قصيدة يقول فيها[24]:
مليك بكلكله قد أنا
خَ فانقاد صعب وانزاح جمحُ
ونكس أعلام كفر عتت
ولما شقها عاد صلح
ففي مهرق الأرض أمسوا كخط
سقيم له صارم الدين يمحو
قد استله يمن سلطاننا
وتدبير صدر توخاه نصح
فلله فتح مبين إذا
وما هو إلا من الله منح
لذا أنشأ الحال تاريخه
لنصر من الله حام وفتح
وانبرى الشاعر البهائي البعلي يمدح الخليفة العثماني محمدا الرابع بمناسبة فتح إيوار [25]:
بالفتح زاد الدين عزاً واعتلى
والله أعظم منة وتفضلا
بالنصر أنجز وعده سبحانه
وأعز جند المسلمين أولي الولا
في جحفل سدوا البسيطة كثرة
لم تلف مثلهم النواظر جحفلا
إن هذه الأشعار تفند ما ردده بعض القوميين العرب، من كون العثمانيين غرباء ومحتلين وتبرز أن أساس هذه العلاقة الحب والأخوة في الله.
فالعرب رحبوا بالعثمانيين، بل دعوهم إلى تخليصهم من جبروت الدولة المملوكية وظلمها وتعطيلها الأحكام الشرعية،" فقد راسل المصريون السلطان سليمان الأول منذ بداية توليه عرش بلاده لكي يقدم إلى مصر على رأس جيشه فيستولي عليها ويطرد الشراكسة. كما رحب أهل الشام به وأسرع العلماء إلى ملاقاة جيشه. وفي الأرشيف العثماني في متحف( طوب قابي سراي) في إستانبول عريضة رفعها علماء حلب إلى السلطان سليم يقدمون له ولاءهم... وكذلك فعل أهل المغرب الغربي"[26]
شعر الجهاد في المغرب وملاحم البطولات المغربية:
عرف المغاربة عبر تاريخهم المجيد بعدم الاستسلام واليأس، و بالصبر والمصابرة في مجابهة التحديات ومطاردة الانكسارات.و قد واكب الأدب المغربي وخاصة الشعر المغربي "مسيرة المغرب الجهادية" وعبر على أن المغرب كان مسرحاً لسلسلة من النضالات المتواصلة التاريخية، وخلد في طي دواوينه ملاحم رائعة لبطولات الجيوش المغربية وبلائها في ميادين الجهاد والاستشهاد داخل البلاد وخارجها، فكانت النصوص الشعرية فيه كثيرة ومتنوعة، بدءا من العصر الإدريسي الذي كان فترة لتثبيت دعائم الإسلام بالمغرب، ثم مرورا بغيرها من الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، إلى عهد الدولة العلوية الشريفة.
.
عبد اللطيف المعاني
تعد الوثائق ذات الحمولة الثقافية ذات أهمية كبيرة في بناء النص التاريخي، فهي ذخائر حية تحفظ ذاكرة الشعوب بمختلف تحولاتها الحضارية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية. ويعد الشعر من أهم هذه الوثائق.
فالقصيدة بنية لغوية مركبة يكشف تفاعل عناصرها عن موقف الشاعر[1]،فالشعر ذاكرة وبوح وانفعال وموقف وتجسيد. ولغة خاصة. وخيال يحمل التمرّد على الواقع ليسبح بالمراد والمتمنَّى. ينحو نحو الجمال، ويسعى لدغدغة المشاعر وإثارتها، كما يقوم بتسجيل الملاحم والبطولات، وتوثيق مجريات المجتمع وأحداثه الاجتماعية، وما يتخلله من تفاصيل، وبهذا المعنى فإن علاقة الشعر مع التاريخ هي علاقة وثيقة.
1- شعر أيام العرب وقيمته التاريخية:
لم يكن الشعر العربيُّ القديم، بمعزلٍ عن تأريخ الأحداث والموقف منها، وإعادة صياغتها، وهذا ملاحظٌ لدى الشعراء بشكل جليّ فقد تميزت حياة العرب قبل الإسلام بكونها حياة حربية تقوم على سفك الدمـاء. وكان الشِّعر لا يزدهر إلاَّ في الحرب، لذلك فإنَّ القبائلَ العربية التي لم يكن بينها حروب، ولم تعرف بوقائع وأيام لم يزدهر فيها شعر يقول ابن سلام: "وإنَّما كان يكثر الشعرُ بالحروب التي بين الأحياء، نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يغيرون ويُغَار عليهم، والذي قلل شعر قريش أنَّه لم يكن بينهم نائرة، ولم يُحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان..."[2]
فقد أدت الكلمة دورًا مشرفًا في جميع وَقائع القوم، فكان الشعر العربي منذ أقدم العصور يُواكِب المعارك والأيام والحروب، وكان للشعراء دورٌ في المعارك لا يقلُّ عن دور الفرسان فيها. فكانوا يحرِّضون على القتال، ويذكون رُوحَ الحَمِيَّة والحماسة، ويشجعون المقاتلين، ويَستَثِيرون الهمم والعزائم، ويذكرون الأمجاد والأحساب.
وإذا ما انتَهت المعركة رَثَوا أبطالَها وفرسانَها، وافتخروا بما حقَّقه الجيش من انتصار، وما أَوقَع في جند العدو من هزائم، واتَّخذ الشعراء من ذلك كله وسائلَ فخر ودعاية.
وقد بلغ من مشاركة هذا الشعر في المعركة أنْ صار وثيقةً تاريخية مهمَّة عند المؤرخين والباحثين والدارسين، عند تَسجِيل أيام العرب وحروبها، بل هو من أهم الوثائق في هذا الميدان. وسنتناول هنا بعضا من أيام العرب لنرى كيف تفاعل الإبداع الشعري مع الحدث التاريخي.
1-1 شعر حرب البسوس.
نشبت حرب البسوس بين بكر وتغلب، وكلتاهما من ربيعة، وما تذكره الوثائق التاريخية حول أسباب هذه الحرب، أن كليبا قتل ناقة البسوس مما جعل جساساً يقوم بقتله لكن استقراء الوثائق التاريخية يكشف عن أسباب أخرى بعضها اجتماعي يعود إلى طبيعة التنظيم القبلي في المجتمع الجاهلي فالنص التاريخي يصّور كليبا ملكًا قويًا شديداً و يشير إلى سيطرته المطلقة في إقليمه المحلي. "لما فض كليب بن ربيعة جموع اليمن في خزازى وهزمهم اجتمعت عليه معد كلها وجعلوا له قسم الملك وتاجه ونجيبته وطاعته، وغبر بذلك حينا من دهره ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه لما هو فيه من عزة وانقياد معد له، حتى بلغ من بغيه، أنه كان يحمي مواقع السحاب، فلا يرعى حماه، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالًا له، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره، و لا يغير إلا بإذنه، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره، ولم يكن بكري ولا تغلبي يجير رجلاً ولا بعيراً ولا يحمي حمى إلا بأمره..."[3]، كما أنه يبرز أهمية المياه للقبيلة العربية، فالوسط الطبيعي الصحراوي يجعل القبيلة ترتحل طلبا للماء، بل تقاتل غيرها من القبائل للاستحواذ على مصادر الماء"...ثم ظعن ابنا وائل بعد ذلك; فمرت بكر على نهي يقال له شبيب، فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على نهي آخر يقال له الأحصى، فنفاهم عنه وقال لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على بطن الجريب فمنعهم إياه، فمضوا حتى نزلوا الذنائب، وأتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل، وهو واقف على غدير الذنائب، فقال له: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشاَ! فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون. فقال له هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أوقد ذكرتها! أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل، أتراك مانعي أن أذب على حماي! فعطف علية جساس فرسه فطعنه برمح"[4] ويبين المصدر التاريخي كذلك طبيعة نفسية الإنسان الجاهلي فهو معتز بنفسه لا يقبل أن يشاركه أحد مكانته ولو في المشاعر والأحاسيس" حدث مرة أن دخل كليب على امرأته جليلة فقال لها فقال هل تعلمين على الأرض أمنع مني ذمة؟ فسكتت، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت، ثم أعاد عليها الثالثة فقالت: أخي جساس وندمانه ابن عمه عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان.
فسكت كليب ومضت مدة، وبينما هي تغسل رأسه وتسرحه ذات يوم إذ قال لها من أعز وائل؟ قالت أخواي جساس وهمام. فنزع رأسه من يدها وخرج. وكانت لجساس خالة اسمها البسوس بنت منقذ جاءت ونزلت على ابن أختها جساس... ولها ناقة خوارة ومعها فصيل لها فلما خرج كليب غاضبا من قول زوجه جليلة رأى فصيل الناقة فرماه بقوسه فقتله..."[5]
وتستمر الرواية التاريخية في إبراز دور العامل النفسي فيما قام به كليب "ثم إن كليبا أعاد القول على امرأته فقال من أعز بني وائل؟ فقالت أخواي! فأضمرها في نفسه وأسرها وسكت، حتى مرت به إبل جساس وفيها ناقة البسوس، فأنكر الناقة، ثم قال: ما هذه الناقة؟ قالوا لخالة جساس. فقال: أو بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني؟ إرم ضرعها يا غلام، فأخذ القوس ورمى ضرعها فاختلط دمها بلبنها."[6]
كما يحضر عامل آخر يعد من القيم الجاهلية وهو حفظ الجوار، فحينما رأت البسوس ما حل بناقتها وهي في جوار ابن أختها أنشدت[7]
أيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل
فإني في قوم عن الجار أموات
ودونك أذواذي إليك فإنني
محاذرة أن يغدروا ببنياتي
لعمرك لو أصبحت في دار منقد
لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
مما جعل جساسا يطلب منها السكوت ويعدها بالانتقام، ولذلك سميت هذه الأبيات بالموثبات لأن البسوس لما أنشدتها أوغرت الصدور[8]،وهنا يظهر دور الكلمة في نشوب حرب البسوس.
إذا كانت الوثيقة التاريخية قد كشفت السياق الاجتماعي والنفسي الذي كان وراء مقتل كليب، فإن الإبداع الشعري سيكشف عن آثار هذه الحرب النفسية. فبكاء المهلهل أخاه كليبا يبرز مدى عمق الأثر الذي خلفه هذا الحادث في نفسيته ومن ذلك قوله:[9]
أن في الصدر من كُلَيْب شجونا
هَاجِسَاتٍ نَكَأْنَ مِنْهُ الْجِرَاحَا
أَنْكَرَتْنِي حَلِيلَتِي إذْ رَأَتْنِي
كاسفَ اللونِ لاَ أطيقُ المزاحا
يَا خَلِيلَيَّ نَادِيَا لِي كُلَيْباً
وَاعلما أنهُ ملاقٍ كفاحا
يَا خَلِيلَيَّ نَادِيا لِي كُلَيْباً
وَاعْلَمَا أَنَّهُ هَائِماً مُلْتَاحَا
يَا خَلِيلَيَّ نَادِيَا لِي كُلَيْباً
قبلَ أنْ تبصرَ العيونَ الصباحا
ويحَ أمي وَويحها لقتيلٍ
مِنْ بَنِي تَغْلِبٍ وَوَيْحاً وَوَاحَا
يَا قَتِيلاً نَمَاهُ فَرْعٌ كَرِيمٌ
فقدهُ قدْ أشابَ مني المساحا
كيفَ أسلو عنِ البكاءِ وَقومي
قَدْ تَفَانَوْا فَكَيْفَ أَرْجُو الْفَلاَحَا
ونراه في قصيدة أخرى يسير في نفس المنحى:[10]
كُلَيْبُ لاَ خَيْرَ في الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا
إنْ أنتَ خليتها في منْ يخليها
كُلَيْبُ أَيُّ فَتَى عِزٍّ وَمَكْرُمَة ٍ
تحتَ السفاسفِ إذْ يعلوكَ سافيها
نعى النعاة ُ كليباً لي فقلتُ لهمْ
مادتْ بنا الأرضُ أمْ مادتْ رواسيها
لَيْتَ السَّمَاءَ عَلَى مَنْ تَحْتَهَا وَقَعَتْ
وَحَالَتِ الأَرْضُ فَانْجَابَتْ بِمَنْ فِيهَا
أضحتْ منازلُ بالسلانِ قدْ درستْ
تبكي كليباً وَلمْ تفزعْ أقاصيها
الْحَزْمُ وَالْعَزْمُ كَانَا مِنْ صَنِيعَتِهِ
ما كلَّ آلائهِ يا قومُ أحصيها
القائدُ الخيلَ تردي في أعنتها
زَهْوَاً إذَا الْخَيْلُ بُحَّتْ فِي تَعَادِيها
النَّاحِرُ الْكُومَ مَا يَنْفَكُّ يُطْعِمُهَا
وَالْوَاهِبُ المِئَة َ الْحَمْرَا بِرَاعِيهَا
منْ خيلِ تغلبَ ما تلقى أسنتها
إِلاَّ وَقَدْ خَضَّبَتْهَا مِنْ أَعَادِيهَا
تكونُ أولها في حينِ كرتها
وَ أنتَ بالكرَّ يومَ الكرَّ حاميها
لاَ أَصْلَحَ الله مِنَّا مَنْ يُصَالِحُكُمْ
ما لاحتِ الشمسُ في أعلى مجاريها
إن هذه الحالة النفسية لا يمكن أن تندمل إلا بالثأر، فقد كان العربي في الجاهلية حريصا على إدراك الثأر للأخ، وقد أكد المهلهل رغبته الشديدة في الثأر لأخيه كليب قائلا:
لما نعى الناعي كليباً أظلمتْ
شمسُ النهارِ فما تريدُ طلوعا
قتلوا كليباً ثم قالوا أرتعوا
كذبوا لقدْ منعوا الجيادَ رتوعا
كَلاَّ وَأَنْصَابٍ لَنَا عَادِيَّة
مَعْبُودَة ٍ قَدْ قُطِّعَتْ تَقْطِيعَا
حتى أبيدَ قبيلة ً وَقبيلة ً
وَقبيلة ً وَقبيلتينِ جميعا
وَتَذُوقَ حَتْفاً آلُ بَكْرٍ كُلُّها
وَنَهُدٌ مِنْهَا سَمْكَهَا الْمَرْفُوعَا
حَتَّى نَرَى أَوْصَالَهُمْ وَجَمَاجِماً
مِنْهُمْ عَلَيْهَا الخَامِعَاتُ وُقُوعَا
وَنرى سباعَ الطيرِ تنقرُ أعيناً
وَتَجُرُّ أَعْضَاءً لَهُمْ وَضُلُوَعا
وَالْمَشْرَفِيَّة َ لاَ تُعَرِّجُ عَنْهُمُ
ضَرْباً يَقُدُّ مَغَافِراً وَدُرُوعَا
وَالْخَيْلَ تَقْتَحِمُ الْغُبَارَ عَوَابِساً
يومَ الكريهة ِ ما يردنَ رجوعا
فالصورة هنا تكتمل لتقدم لنا صورة شمولية عن طبيعة المجتمع الجاهلي، بل طبيعة الفرد الجاهلي.
1-2: القيمة التاريخية لشعر أيام العرب:
لا نريد أن نختم حديثنا عن شعر أيام العرب دون أن نورد رأيا ساقه أحد الباحثين[11]،فهو يرى أنه " ليس لأحد أن يعتمد على أيام العرب اعتماد المؤرخ المحقق، سواء أكان ذلك بالنسبة لسير وقائعها، أو تحديد تواريخ معينة لهذه الوقائع، ذلك أن روايات الأيام قد وصلت إلينا بسبل يسهل التشكيك بها"[12]والسبب في ذلك عنده أن الأجيال قد توارثتها " بطريق المشافهة، وهي طريقة تحتمل التحريف والوضع، ثم إن هذه الأيام قد وقعت بين القبائل العربية في جاهليتها ورواتها لابد وأن يكونوا من هذه القبيلة أو تلك فكانت العاطفة القبلية، أو العصبية القبلية على وجه التخصيص عاملا مهما في إبرازها بصورة تبتعد عن الأصل في أحيان كثيرة وذلك حسب رغبة رواتها."[13] ويستمر في ذكر الأسباب التي تقلل من القيمة التاريخية لهذا المصدر التاريخي منذ القدم فيقول "وقد وجد البعض في إغفال الطبري لأيام العرب دليل على عدم الثقة بها."[14] ويستطرد في ذكر الأسباب المضعفة لهذا المصدر فيؤكد" وإن مما ينمي الظن بعدم جدوى الاعتماد على الأيام من الناحية التاريخية هو دأب رواتها على تغليب الجانب القصصي على النسق التاريخي عند سرد حوادثها، إضافة إلى أن معظم هؤلاء الرواة يبوبونها حسب القبائل...دون مراعاة لزمن وقوع كل منها."[15]
إذا كان الاعتماد على الرواية الشفهية هو من بين الأسباب التي تؤثر على القيمة التاريخية لأيام العرب، فإن الكتابة تقوي من قيمة الشعر كمصدر تاريخي فقد انتهى الدكتور ناصر الدين الأسد إلى أن الأدلة العقلية والأدلة الصريحة التي جمعها ونظمها في سلك واحد تؤكد" أن بعض الشعر الجاهلي كان يقيد، سواء أكان الشعراء الجاهليون أنفسهم يقيدونه بخط أيديهم، ام كانوا يستكتبون غيرهم لتقييد شعرهم."[16] وبذلك يكون الشعر الذي قيل في هذه المناسبات أوثق من الرواية التاريخية.
2- شعر الغزوات والفتوحات الإسلامية:
2-1:شعر غزوة بدر:
عرف الشعر العربي في العصر الإسلامي منذ طلائعه الأولى، فنوناً شعرية كثيرة من مدح وهجاء وغزل وفخر ووصف ورثاء وزهد وغيرها، ولكن لم يعرف فنا يصطلح عليه بفن الجهاد، وإن كان قد عرف أغراضا قريبة منه وضع لها المؤرخون والنقاد مصطلحات كشعر الحرب وشعر الحماسة، وغيرهما.
ويخطئ من يظن أن الشعر، لم يقف يدافع عن الرسول الكريم، يوم جهاده الأكبر في الدعوة الإسلامية. فقد كان للشعر دور بارز في الذود عن الدعوة، لذلك يمكن اعتباره إلى جانب كتب السيرة النبوية مصدرا تاريخيا هاما ولعل القصائد التي نظمت في الغزوات لتدل على محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال السمع والطاعة. وهذا مثال من شعر حسان بن ثابت كدليل على ذلك[17]:
مستشعري حذق الماذي يقدمهم
جلذ النجيزة ماض غير رعديد
أعني الرسول فإن الله فضله
على البرية بالتقوى وبالجود
وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم
وماء بدر زعمتم غير مورود
وقد وردنا ولم نسمع لقولكم
حتى شربنا رواء غير تصريد
مستعصمين بحبل لله غير منجذم
مستحكم من حبال الله غير ممدود
ماض على الهول ركاب لما قطعوا
إذا الكماة تحاموا في الصناديد
2-2: شعر فتح الشام وفارس وتكذيب آراء.
ولقد حظيت الفتوح الإسلامية، باهتمام علمائنا المسلمين فأفردوا لتأريخها الفصول الطوال، سيما وأنها تتحدث عن أكثر الحقب إشراقا في تاريخ الأمة، ألا وهي حقبة نشر الدعوة الإسلامية خارج حدود الجزيرة العربية، والقضاء على ما كان يسمى ملك فارس والروم.
وقد تغنى المسلمون بهذه الانتصارات بقصائد وأراجيز عبروا من خلالها عن فرحهم، وصدق عقيدتهم. وتعتبر هذه الأشعار وثيقة تاريخية توثق لهذه الحقبة الزمنية في تاريخ الدعوة الإسلامية، لذا نجدها مبثوتة في كتب التاريخ ككتاب الطبري، وكتب الجغرافيا كمعجم البلدان لياقوت الحموي.
وقد حاول المستشرقون التشكيك في الأسباب التي دعت المسلمين إلى تلك الفتوح، فيوليوس فلهاوزن يرى أن هناك أسباب اقتصادية بحثة وراء ذلك" ولم تكن الحكومة الإسلامية يهمها سوى خمل الخراج إلى بيت المال على المقدار المفروض له، الذميون بقرة، الوالي يمسكها من قرنها حتى تسكن، وعامل الخراج يحلبها."[18]
ويقول فيليب حتي: " إن الحاجة المادية حملت الفائض من سكان البادية القاحلة إلى ما يتاخم الهلال الخصيب، من مناطق هي أحفل بأسباب الحياة" ويضيف" والواقع أن التوسع العربي الإسلامي، إنما دعت إليه عوامل اقتصادية بعيدة الغور."[19]
وربما يعتبر أبلغ رد على هؤلاء ما سجلته أشعار الفاتحين أنفسهم مما جاشت به صدورهم، فكانت الأشعار نفسها هي الرد الحقيقي على ما تقدم من شبهات مغرضة، وأقوال داحضة، فأسباب الفتوح كانت دينية خالصة وليس كما يدعون.
يقول خالد بن الوليد في قصيدة بعنوان "جدوا وجندلوا":[20]
سنحمل في جمع اللئام الكواذب
وتعري رؤوسنا منهم بالقواضب
ونهزم جيش الكفر منا بهمة
تطول على أعلى الجبال الرواسب
وينصر دين الله في كل مشهد
بفتيان صدق من كرام الأعرب
فيا معشر الأصحاب جدوا وجندلوا
وكروا على خيل كرام المناسب
فدونكم قصد الصليب وبادروا
لنرضي إله الخلق معطي المواهب
كما يعبر قتادة بن أيشم الكناني عن نفس المعنى في قوله:[21]
سأحمل في الروم الكلاب النوابح
وأضربهم ضربا بحد الصفائح
وأرضي رسول الله خير مؤمل
نبي الهدى للدين أشرف ناصح
وفي معركة القادسية نجد أحد أبناء الخنساء يقول قبل استشهاده:[22]
فبادروا الحرب كماة في العدد
إما بفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم غنم الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد
2-3شعر الفتوحات العثمانية والارتباط العربي التركي:
لقد عبر الشعراء العرب عن فرحهم بالانتصارات التي حققها الخلفاء العثمانيون، فهذا الشاعر الأمير منجك بن محمد الدمشقي يمدح الخليفة إبراهيم الأول بمناسبة فتح الجزيرة اليونانية كريت بقصيدة يقول فيها[23]:
ملك من الإيمان جرد صارما
بالحق حتى الكفر أصبح مسلما
قد جهز السفن التي لو صادفت
رضوى بأيسر لمحة لتهما
وتلهب البحر الخضم مهابة
منه فظنته كريت جهنما
وكذلك فعل الشاعر محمد بن عمر العرضي الحلبي عند فتح قلعة نيوه، إذ نظم قصيدة يقول فيها[24]:
مليك بكلكله قد أنا
خَ فانقاد صعب وانزاح جمحُ
ونكس أعلام كفر عتت
ولما شقها عاد صلح
ففي مهرق الأرض أمسوا كخط
سقيم له صارم الدين يمحو
قد استله يمن سلطاننا
وتدبير صدر توخاه نصح
فلله فتح مبين إذا
وما هو إلا من الله منح
لذا أنشأ الحال تاريخه
لنصر من الله حام وفتح
وانبرى الشاعر البهائي البعلي يمدح الخليفة العثماني محمدا الرابع بمناسبة فتح إيوار [25]:
بالفتح زاد الدين عزاً واعتلى
والله أعظم منة وتفضلا
بالنصر أنجز وعده سبحانه
وأعز جند المسلمين أولي الولا
في جحفل سدوا البسيطة كثرة
لم تلف مثلهم النواظر جحفلا
إن هذه الأشعار تفند ما ردده بعض القوميين العرب، من كون العثمانيين غرباء ومحتلين وتبرز أن أساس هذه العلاقة الحب والأخوة في الله.
فالعرب رحبوا بالعثمانيين، بل دعوهم إلى تخليصهم من جبروت الدولة المملوكية وظلمها وتعطيلها الأحكام الشرعية،" فقد راسل المصريون السلطان سليمان الأول منذ بداية توليه عرش بلاده لكي يقدم إلى مصر على رأس جيشه فيستولي عليها ويطرد الشراكسة. كما رحب أهل الشام به وأسرع العلماء إلى ملاقاة جيشه. وفي الأرشيف العثماني في متحف( طوب قابي سراي) في إستانبول عريضة رفعها علماء حلب إلى السلطان سليم يقدمون له ولاءهم... وكذلك فعل أهل المغرب الغربي"[26]
شعر الجهاد في المغرب وملاحم البطولات المغربية:
عرف المغاربة عبر تاريخهم المجيد بعدم الاستسلام واليأس، و بالصبر والمصابرة في مجابهة التحديات ومطاردة الانكسارات.و قد واكب الأدب المغربي وخاصة الشعر المغربي "مسيرة المغرب الجهادية" وعبر على أن المغرب كان مسرحاً لسلسلة من النضالات المتواصلة التاريخية، وخلد في طي دواوينه ملاحم رائعة لبطولات الجيوش المغربية وبلائها في ميادين الجهاد والاستشهاد داخل البلاد وخارجها، فكانت النصوص الشعرية فيه كثيرة ومتنوعة، بدءا من العصر الإدريسي الذي كان فترة لتثبيت دعائم الإسلام بالمغرب، ثم مرورا بغيرها من الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، إلى عهد الدولة العلوية الشريفة.
.

تعليق