الفيزياء وأحكام اللغة العربية
-التعليل و الاستدلال-
د. محمد كشاش (*)
تمهيد:
اقتضت حياة العربي –القائمة على الترحال – أن يولي مظاهر الحياة الطبيعية جل اهتمامه، لأن الأرض و ما يختزن باطنها والسماء وما يجري فيها من أفلاك تمثلان دعائم الحياة وأركانـها وركائزها.فبالنجوم كانوا يهتدون(1)، ومن مدخرات الأرض كانوا يأكلون ويلبسون، ومن موجوداتها كانوا يقضون حوائجهم.نقلت المصادر صورة حياة العرب، جاء فيها:"…وأما أهل الوبر منهم قطان الصحارى وعمّار الفلوات وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها وكانوا زمان النعجة ووقت التبدي يراعون جهات إيماض البروق ومنشأ السحاب وجلجلة الرعد فيؤمونها منتجعين لمنابت الكلأ ومرتادين لمواقع القطـر فيخيمون هناك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي يقوّضون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا يزالون في حل وترحال" (2)
اضطرهم الواقع المعيشي- كما هو مبين- إلى الاهتمام بالنجوم وأحوالها والحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة، وهي من متطلبات حياتهم، هداهم إليها حسهم الطبيعي وملاحظتهم، يدل على ذلك مثلهم السائر: أخطأ نَوْءُك (3)، فضلاً عن عنايتهم بالظاهرتين الطبيعيتين "المد" و"الجزر"، ورصدهم لهما.(4) كل هذه المباحث كانت بداية الفكر الفيزيائـي العربي، والذي يرجح أن يكون من أوائل العلوم العقلية عند العرب.
واستمر إيلاء العرب الأصول الفيزيائية الاهتمـام الوافي في حياتهم، وبخاصة فتحهم البلاد، يشدهم إلى ذلك معرفة أحوالها الطبيعية، وخصائصها المناخية وغيرهما. نقل المسعودي أن عمر بن الخطاب كتب إلى حكيم من حكماء العصر بعد فتحهم البلاد، قال: "إنا أُناسٌ عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره التربة والأهوية في سكانها" (5).
ونما اهتمام العرب بالفيزياء في العصور التالية للإسلام، حتى اعتبر من علومهم التي اهتدوا إليها بفطرهم. وهذا ظاهر في تقسيمهم للعلوم، يوم أخذوا يرسمون قواعد الثقافة، وأصول الفكر. ذكر ابن خلدون: "أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار، تحصيلاً وتعليماً، هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن للإنسان أن يقف عليها بطبيعة فكره، يهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يفقه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها… "(6).
وغذّت حركة الترجمة والنقل الفكر العربي بـزاد من العلوم الطبيعية، مما أثرى عقول العلماء، ورفدهم بأصول ومبادئ فيزيائية، انعكفوا على دراستها وتصويب خطئها وإزالة غامضها، نتيجة أخذهم بالمبدأ التجريبي .(7) أثبتت المصادر أن أبا جعفر المنصور بعث إلى ملك الروم يسأله أن يرسل إليه بكتب التعليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب أوقليدس وبعض كتب الطبيعيات، فقرأها المسلمون، واطلعوا على ما فيها (8).
و نضجت الطبيعيات (الفيزياء)، نظراً لعنايتهم بها، ولطول اشتغالهم بأصولها، يُبرر ذلك تحديدهم لمباحثها، على نحو قولهم: "الطبيعيات وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون، فينظر في الأجسام السماوية والعنصرية، وما يتولد عنها من إنسان وحيوان ونبات ومعدن، وما يتكون في الأرض من العيون والزلازل، وفي الجو من السحاب والبخار والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك"(9) وبعد التطور الفكري الذي أصابوه، والتغير الاجتماعي(10) الذي عايشوه، اضطروا إلى وضع أحكام وقواعد يضبطون بها لغتهم، ويصونون ألسنتهم من الزلل. انتدب جماعة من العلماء (11) أنفسهم لهذه المهمة، يشدهم إلى ذلك بالإضافة إلى العاملين المتقدمين- نظرتهم إلى العربية نظرة جلال وقدسية من جهة، يصدقه قول الشاعر:[من الكامل].
النحو يَبْسُطُ من لسان الألكَنِ
والمرء تُكْرِمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلها
فأجلها منها مُقِيمُ الألسن (12).
وحث الأئمة من الصحابة على تعلم العربية- من جهة أخرى- لمكانتها السنية بين العلوم. روى الزبيدي أن "الأئمة من الصحابة الراشدين ومن تلاهم من التابعين يحضون على تعلم العربية وحفظها، والرعاية لمعانيها، إذ هي من الدين بالمكان المعلوم، فيها أنزل الله كتابه المهيمن على سائر كتبه، وبها بلغ عليه السلام وظائف طاعته، وشرائع أمره ونهيه.(13) لكل هذه الأمور نشط العلماء على مختلف ثقافتهم واختصاصاتهم، وجدّوا في وضع أبواب النحو وأصوله، "فكان لكل واحد منهم من الفضل بحسب ما بسط من القول، ومد من القياس، وفتق من المعاني وأوضح من الدلائل، وبين من العلل" (14).
استخدم علماء العربية في سعيهم الدؤوب واجتهادهم ما يتقنون من المعارف، ويحسنون من العلوم، بغية إطلاق قياس يرونه وتبسيط دليل يضعونه، وتفتيق علة تكمن خلف الحكم النحوي. وكان من البديهي أن يسخّر كل عالم معارفه في سبيل تفسير السلوك اللغوي المعين، عملاً بالمبدأ القائل: "كل وعاء ينضح بما فيه". فهل استخدم العلماء الأدلة الفيزيائية في أصولهم النحوية؟؟ وهل اتكأوا عليها في تشريع قواعد لغتهم، وتوضيح تركيب موادها؟ وأين ظهر فيزياء اللغة ؟
جملة أسئلة تثير فضول الدارس المتدبر لأصول اللغة والنحو، وهي تتطلب الإجابة عنها، لأن ما دخله الاستبهام صحَّ عنه الاستفهام. والمنهج العلمي يقتضـي ملاحظة الأحداث اللغوية، ومن ثم البناء عليها والاستناد إليها في تقرير الحقيقة.
الأصول الفيزيائية في أحكام العربية ( الأحداث والمعطيات):
انعكست مبادئ الفيزياء في كثير من قواعد العربية وتعليل أحكامها، وتسويغ قياسها. وهاكم جملة من المبادئ الفيزيائية التي انعكست في أحكام العربية:
1-قطبا المغنطيس المتماثلان يتنافران والمختلفان يتجاذبان (15)
أرخت هذه المعادلة سدولها على مسائل شتى في النحو العربي، منها عدم تقدم خبر"إن" وأخواتها عليهن مطلقاً(16)، فلا يجوز القول: "قائم إن زيداً"، بل يجب أن يتأخر الخبر، فيقال: "إن زيداً قائم" والعلة أن الخبر قد يأتي فعلاً: (جملة فعلية)، وإن في طبيعتها حرف مشبه بالفعل ، فلو جاز تقدم الخبر لتعاقب فعلان في جملة، وكأن الفعلين قطبا مغناطيس متماثلان، فلا يتجاذبان بل يتنافران، ولا علة غير ذلك. وإيضاح القضية يكمن في تجويزهم تقدم أخبار كان وأخواتها عليها، (17) فتقول: "قائما كان زيدٌ و"إن" في حقيقة أمرها فرعٌ على كان، وكأن تعمل عمل الفعل، فتقدم الخبر عليها محمول على مفعول قدم على الفعل كما في قوله تعالى: "فريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون" (18)، فكيف جاز لكان ولم يجز لِ "إن" ؟! ولا علة سوى وجود علة التنافر وبخاصة إنَ، "كان" فعل ناقص، لا يرقى إلى الفعلية إلا في الدلالة على الزمن. وبكلمة إن الفعلية ضعيفة في "كان" وقوية في "إن "كأن "إن، قطب مغنطيس متماثل مع الخبر، فيتنافران.
وعلى شاكلة هذه المسألة منع العلماء "اجتماع الأمثال"، لذلك فروا منها إلى القلب أو الحذف أو الفصل، ومن أمثلته قولهم في"دهدهتُ الحجر"، دهديتُ "قلبوا الهاء الأخيرة يـاء كراهة اجتماع الأمثال (19).
ومنه أيضاً عدم دخول "الألف واللام" على المضاف، قال سيبويه: "واعلم أنه ليس في العربية مضاف يدخل عليه الألف واللام غير المضاف إلى المعرفة في باب الصفة المشبهة، وذلك في قولك: "هذا الحسن الوجه…"(20). وتفسيره أن المضاف يكتسب التعريف من المضاف إليه، ولو دخلته "الألف واللام" لاجتمعت عليه علامتا تعريف: الإضافة والألف واللام وهاتان العلامتان من أقطاب متجانسة، فتنتفران.
أما جواز دخولها على المضاف في باب الصفة المشبهه فمبرر ذلك أن هذه الصفة غير محضة، أي لا تفيد الاسم تخصيصاً ولا تعريفاً (21).
2- الطاقة الكامنة تتناسب طرداً مع وزن الجسم:
احتسب الفيزيائيون الطاقة وفق المعادلة التالية: الطاقة الكامنة=ق (وزن الجسم)×ف (المسافة العمودية)(22) وفيها يظهر تناسب الطاقة طرداً مع وزن الجسم. وقد رعى علماء العربية القاعدة المذكورة، فكانت الطاقة تقابل المعنى الكامن في المادة اللغوية، ووزن الجسم يقابل بناء المادة، وكلما ازدادت حروف الكلمة (وزنها)) ازداد معناها. تتجلى هذه الحقيقة في فصل عقده ابن جني في خصائصه أسماه: "باب في قـوة اللفظ لقوة المعنى "جاء فيه: "هذا فصل من العربية حسن، منه قولهم: خَشُن واخشوشن فمعنى خشُن دون اخشوشن، لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ومنه قول عمر (رضي الله عنه):اخشوشنوا وتمعددوا : أي اصلبوا وتناهوا في الخُشْنَة. وكذلك قولهم: أعشب المكان، فإذا أرادوا كثرة العشب فيه قالوا: اعشوشب. ومثله حلا واحلولى وخلُق واخلولق، وغدن واغدودن. ومثله باب فعل وافتعل، نحو قدر واقتدر. فاقتدر أقوى معنى من قولهم: قدر"(23).
وينطبق هذا المبدأ أيضاً على بنية الجملة كما ينطبق على بنية الكلمة، فزيادة الألفاظ في الجملة تتناسب طرداً مع زيادة المعاني. وقد تنبه علماء العربية إلى هذا القانون الفيزيائي ورعوه في أحكامهم، يشهد لذلك مساءلة الفيلسوف الفارابي النحوي المبرد، قـال: "إني أجد في كلام العرب حشواً، يقولون: عبد الله قائم وإن عبد الله قائم وإن عبد الله لقائم والمعنى واحد، فأجابه المبرد: بل المعاني مختلفة. فـ"عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، و"إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل" وإن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر(24) وهكذا اختلفت الدلالة باختلاف بنية الجملة(25).
ونزولا عند المعاني المختلفة التي تفرضها زيادة الألفاظ في الجملة، رسم البلاغيون معالم لغوية في تأدية الخبر، وفيها:"ينبغي أن يُقتصر من التركيب على قدر الحاجة، فإن كان خالي الذهن من الحُكم والتردد فيه استغني عن مؤكدات الحكم، وإن كان متردداً فيه طالبا له حَسُن تقويته بمؤكد، وإن كان منكراً وجب توكيده بحسب الإنكار.. ويسمى الضرب الأول ابتدائياً، والثاني طلبياً والثالث إنكارياً. (26)
3- الثقل والخفة:
الثقل في العربية صدى لوزن الجسم الذي يظهر نتيجة ما يحتاج من قوة لتحركه، ويرمز إليها بالمعادلة: ق (القوة)=ك (كمية المادة)×(المعدل الزمني للتغير)(27). انعكست هذه الحقيقة في العربية من خلال تمييز العلماء بين اللفظ الثقيل والخفيف، وقد وضعوا معياراً توصلوا فيه إلى معرفة الثقيل من الخفيف، قالوا: "الثقل والخفة يعرفان من طريق المعنى لا من طريق اللفظ. فالخفيف من الكلمات ما قلت مدلولاته ولوازمه، والثقيل ما كثر ذلك فيه، فخفة الاسم أنه يدل على مسمى واحد ولا يلزمه غيره في تحقق معناه، كلفظة "رَجُل" فإن معناها ومسماها الذكر من بني آدم، والفرس هو الحيوان الصهال، ولا يقترن بذلك زمان ولا غيره، ومعنى ثقل الفعل أن مدلولاته ولوازمه كثيرة، فمدلولاته الحدث والزمان، ولوازمه الفاعل والمفعول والتصرف وغير ذلك (28).
وقانون الخفة والثقل في العربية- كما هو ملاحظ- يتماشى طرداً مع مصطلح "القوة" عند الفيزيائيين، لأن القوة عندهم تناسب طرداً مع ثقل الجسم ووزنه.
وعلى ضوء المعيار المذكور ميزوا بين الاسم والصفة في الثقل، حين اعتبروا الاسم أخف من الصفة، لأن الصفة ثقلت بالاشتقاق وبالحاجة إلى الموصوف وتتحمل الضمير (29)، وميزوا أيضاً بين الحركة الإعرابية والبنائية من جهة ثانية، فكانت المثقلة بالمعنـى ثقيلة، والخفيفة منه خفيفة. قال الشريف الجرجاني: "الحركة الإعرابية مع كونها طارئة أقوى من البنائية الدائمة، لأن الإعرابية علم لمعان معتورة يتميز بعضها عن بعض ، فالإخلال بها يفضي إلى التباس المعاني وفوات ما هو الغرض الأصلي من وضع الألفاظ وهيئتها، أعني الإبانة عما في الضمير".
4- طرق انتقال الحرارة:
تنتقل الحرارة عادة من الأجسام التي حرارتها أعلى إلى الأجسام التي تكون حراراتها أقل. ويتم الانتقال بطرق ثلاث، هي الإيصال (Conduction)، والحمل (Convection) والإشعاع (Radiation) (30)، وبانتقال الحرارة إلى جسم تقوى فعاليته وترتفع وتـيرة عمله. ومثلما تنتقل الحرارة إلى الأجسام، تنتقل الحرارة إلى الأفعال، فيتعدى اللازم، ويتم ذلك عبر الطرق التالية: وهي "الهمزة وتثقيل الحشو وحرف الجر تتصل ثلاثتها بغير المتعدي فتصيره متعدياً وبالمتعدي إلى مفعول واحد فتصيره ذا مفعولين، نحو قولك: أذهبته وفرحته وخرجت به وأحفرته بئراً، وعلمته القرآن وغصبت عليه الضيعة وتتصل الهمزة بالمتعدي إلى اثنين فتنقله إلى ثلاثة نحو أعلمت " (31).
-التعليل و الاستدلال-
د. محمد كشاش (*)
تمهيد:
اقتضت حياة العربي –القائمة على الترحال – أن يولي مظاهر الحياة الطبيعية جل اهتمامه، لأن الأرض و ما يختزن باطنها والسماء وما يجري فيها من أفلاك تمثلان دعائم الحياة وأركانـها وركائزها.فبالنجوم كانوا يهتدون(1)، ومن مدخرات الأرض كانوا يأكلون ويلبسون، ومن موجوداتها كانوا يقضون حوائجهم.نقلت المصادر صورة حياة العرب، جاء فيها:"…وأما أهل الوبر منهم قطان الصحارى وعمّار الفلوات وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها وكانوا زمان النعجة ووقت التبدي يراعون جهات إيماض البروق ومنشأ السحاب وجلجلة الرعد فيؤمونها منتجعين لمنابت الكلأ ومرتادين لمواقع القطـر فيخيمون هناك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي يقوّضون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا يزالون في حل وترحال" (2)
اضطرهم الواقع المعيشي- كما هو مبين- إلى الاهتمام بالنجوم وأحوالها والحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة، وهي من متطلبات حياتهم، هداهم إليها حسهم الطبيعي وملاحظتهم، يدل على ذلك مثلهم السائر: أخطأ نَوْءُك (3)، فضلاً عن عنايتهم بالظاهرتين الطبيعيتين "المد" و"الجزر"، ورصدهم لهما.(4) كل هذه المباحث كانت بداية الفكر الفيزيائـي العربي، والذي يرجح أن يكون من أوائل العلوم العقلية عند العرب.
واستمر إيلاء العرب الأصول الفيزيائية الاهتمـام الوافي في حياتهم، وبخاصة فتحهم البلاد، يشدهم إلى ذلك معرفة أحوالها الطبيعية، وخصائصها المناخية وغيرهما. نقل المسعودي أن عمر بن الخطاب كتب إلى حكيم من حكماء العصر بعد فتحهم البلاد، قال: "إنا أُناسٌ عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره التربة والأهوية في سكانها" (5).
ونما اهتمام العرب بالفيزياء في العصور التالية للإسلام، حتى اعتبر من علومهم التي اهتدوا إليها بفطرهم. وهذا ظاهر في تقسيمهم للعلوم، يوم أخذوا يرسمون قواعد الثقافة، وأصول الفكر. ذكر ابن خلدون: "أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار، تحصيلاً وتعليماً، هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن للإنسان أن يقف عليها بطبيعة فكره، يهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يفقه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها… "(6).
وغذّت حركة الترجمة والنقل الفكر العربي بـزاد من العلوم الطبيعية، مما أثرى عقول العلماء، ورفدهم بأصول ومبادئ فيزيائية، انعكفوا على دراستها وتصويب خطئها وإزالة غامضها، نتيجة أخذهم بالمبدأ التجريبي .(7) أثبتت المصادر أن أبا جعفر المنصور بعث إلى ملك الروم يسأله أن يرسل إليه بكتب التعليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب أوقليدس وبعض كتب الطبيعيات، فقرأها المسلمون، واطلعوا على ما فيها (8).
و نضجت الطبيعيات (الفيزياء)، نظراً لعنايتهم بها، ولطول اشتغالهم بأصولها، يُبرر ذلك تحديدهم لمباحثها، على نحو قولهم: "الطبيعيات وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون، فينظر في الأجسام السماوية والعنصرية، وما يتولد عنها من إنسان وحيوان ونبات ومعدن، وما يتكون في الأرض من العيون والزلازل، وفي الجو من السحاب والبخار والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك"(9) وبعد التطور الفكري الذي أصابوه، والتغير الاجتماعي(10) الذي عايشوه، اضطروا إلى وضع أحكام وقواعد يضبطون بها لغتهم، ويصونون ألسنتهم من الزلل. انتدب جماعة من العلماء (11) أنفسهم لهذه المهمة، يشدهم إلى ذلك بالإضافة إلى العاملين المتقدمين- نظرتهم إلى العربية نظرة جلال وقدسية من جهة، يصدقه قول الشاعر:[من الكامل].
النحو يَبْسُطُ من لسان الألكَنِ
والمرء تُكْرِمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلها
فأجلها منها مُقِيمُ الألسن (12).
وحث الأئمة من الصحابة على تعلم العربية- من جهة أخرى- لمكانتها السنية بين العلوم. روى الزبيدي أن "الأئمة من الصحابة الراشدين ومن تلاهم من التابعين يحضون على تعلم العربية وحفظها، والرعاية لمعانيها، إذ هي من الدين بالمكان المعلوم، فيها أنزل الله كتابه المهيمن على سائر كتبه، وبها بلغ عليه السلام وظائف طاعته، وشرائع أمره ونهيه.(13) لكل هذه الأمور نشط العلماء على مختلف ثقافتهم واختصاصاتهم، وجدّوا في وضع أبواب النحو وأصوله، "فكان لكل واحد منهم من الفضل بحسب ما بسط من القول، ومد من القياس، وفتق من المعاني وأوضح من الدلائل، وبين من العلل" (14).
استخدم علماء العربية في سعيهم الدؤوب واجتهادهم ما يتقنون من المعارف، ويحسنون من العلوم، بغية إطلاق قياس يرونه وتبسيط دليل يضعونه، وتفتيق علة تكمن خلف الحكم النحوي. وكان من البديهي أن يسخّر كل عالم معارفه في سبيل تفسير السلوك اللغوي المعين، عملاً بالمبدأ القائل: "كل وعاء ينضح بما فيه". فهل استخدم العلماء الأدلة الفيزيائية في أصولهم النحوية؟؟ وهل اتكأوا عليها في تشريع قواعد لغتهم، وتوضيح تركيب موادها؟ وأين ظهر فيزياء اللغة ؟
جملة أسئلة تثير فضول الدارس المتدبر لأصول اللغة والنحو، وهي تتطلب الإجابة عنها، لأن ما دخله الاستبهام صحَّ عنه الاستفهام. والمنهج العلمي يقتضـي ملاحظة الأحداث اللغوية، ومن ثم البناء عليها والاستناد إليها في تقرير الحقيقة.
الأصول الفيزيائية في أحكام العربية ( الأحداث والمعطيات):
انعكست مبادئ الفيزياء في كثير من قواعد العربية وتعليل أحكامها، وتسويغ قياسها. وهاكم جملة من المبادئ الفيزيائية التي انعكست في أحكام العربية:
1-قطبا المغنطيس المتماثلان يتنافران والمختلفان يتجاذبان (15)
أرخت هذه المعادلة سدولها على مسائل شتى في النحو العربي، منها عدم تقدم خبر"إن" وأخواتها عليهن مطلقاً(16)، فلا يجوز القول: "قائم إن زيداً"، بل يجب أن يتأخر الخبر، فيقال: "إن زيداً قائم" والعلة أن الخبر قد يأتي فعلاً: (جملة فعلية)، وإن في طبيعتها حرف مشبه بالفعل ، فلو جاز تقدم الخبر لتعاقب فعلان في جملة، وكأن الفعلين قطبا مغناطيس متماثلان، فلا يتجاذبان بل يتنافران، ولا علة غير ذلك. وإيضاح القضية يكمن في تجويزهم تقدم أخبار كان وأخواتها عليها، (17) فتقول: "قائما كان زيدٌ و"إن" في حقيقة أمرها فرعٌ على كان، وكأن تعمل عمل الفعل، فتقدم الخبر عليها محمول على مفعول قدم على الفعل كما في قوله تعالى: "فريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون" (18)، فكيف جاز لكان ولم يجز لِ "إن" ؟! ولا علة سوى وجود علة التنافر وبخاصة إنَ، "كان" فعل ناقص، لا يرقى إلى الفعلية إلا في الدلالة على الزمن. وبكلمة إن الفعلية ضعيفة في "كان" وقوية في "إن "كأن "إن، قطب مغنطيس متماثل مع الخبر، فيتنافران.
وعلى شاكلة هذه المسألة منع العلماء "اجتماع الأمثال"، لذلك فروا منها إلى القلب أو الحذف أو الفصل، ومن أمثلته قولهم في"دهدهتُ الحجر"، دهديتُ "قلبوا الهاء الأخيرة يـاء كراهة اجتماع الأمثال (19).
ومنه أيضاً عدم دخول "الألف واللام" على المضاف، قال سيبويه: "واعلم أنه ليس في العربية مضاف يدخل عليه الألف واللام غير المضاف إلى المعرفة في باب الصفة المشبهة، وذلك في قولك: "هذا الحسن الوجه…"(20). وتفسيره أن المضاف يكتسب التعريف من المضاف إليه، ولو دخلته "الألف واللام" لاجتمعت عليه علامتا تعريف: الإضافة والألف واللام وهاتان العلامتان من أقطاب متجانسة، فتنتفران.
أما جواز دخولها على المضاف في باب الصفة المشبهه فمبرر ذلك أن هذه الصفة غير محضة، أي لا تفيد الاسم تخصيصاً ولا تعريفاً (21).
2- الطاقة الكامنة تتناسب طرداً مع وزن الجسم:
احتسب الفيزيائيون الطاقة وفق المعادلة التالية: الطاقة الكامنة=ق (وزن الجسم)×ف (المسافة العمودية)(22) وفيها يظهر تناسب الطاقة طرداً مع وزن الجسم. وقد رعى علماء العربية القاعدة المذكورة، فكانت الطاقة تقابل المعنى الكامن في المادة اللغوية، ووزن الجسم يقابل بناء المادة، وكلما ازدادت حروف الكلمة (وزنها)) ازداد معناها. تتجلى هذه الحقيقة في فصل عقده ابن جني في خصائصه أسماه: "باب في قـوة اللفظ لقوة المعنى "جاء فيه: "هذا فصل من العربية حسن، منه قولهم: خَشُن واخشوشن فمعنى خشُن دون اخشوشن، لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ومنه قول عمر (رضي الله عنه):اخشوشنوا وتمعددوا : أي اصلبوا وتناهوا في الخُشْنَة. وكذلك قولهم: أعشب المكان، فإذا أرادوا كثرة العشب فيه قالوا: اعشوشب. ومثله حلا واحلولى وخلُق واخلولق، وغدن واغدودن. ومثله باب فعل وافتعل، نحو قدر واقتدر. فاقتدر أقوى معنى من قولهم: قدر"(23).
وينطبق هذا المبدأ أيضاً على بنية الجملة كما ينطبق على بنية الكلمة، فزيادة الألفاظ في الجملة تتناسب طرداً مع زيادة المعاني. وقد تنبه علماء العربية إلى هذا القانون الفيزيائي ورعوه في أحكامهم، يشهد لذلك مساءلة الفيلسوف الفارابي النحوي المبرد، قـال: "إني أجد في كلام العرب حشواً، يقولون: عبد الله قائم وإن عبد الله قائم وإن عبد الله لقائم والمعنى واحد، فأجابه المبرد: بل المعاني مختلفة. فـ"عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، و"إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل" وإن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر(24) وهكذا اختلفت الدلالة باختلاف بنية الجملة(25).
ونزولا عند المعاني المختلفة التي تفرضها زيادة الألفاظ في الجملة، رسم البلاغيون معالم لغوية في تأدية الخبر، وفيها:"ينبغي أن يُقتصر من التركيب على قدر الحاجة، فإن كان خالي الذهن من الحُكم والتردد فيه استغني عن مؤكدات الحكم، وإن كان متردداً فيه طالبا له حَسُن تقويته بمؤكد، وإن كان منكراً وجب توكيده بحسب الإنكار.. ويسمى الضرب الأول ابتدائياً، والثاني طلبياً والثالث إنكارياً. (26)
3- الثقل والخفة:
الثقل في العربية صدى لوزن الجسم الذي يظهر نتيجة ما يحتاج من قوة لتحركه، ويرمز إليها بالمعادلة: ق (القوة)=ك (كمية المادة)×(المعدل الزمني للتغير)(27). انعكست هذه الحقيقة في العربية من خلال تمييز العلماء بين اللفظ الثقيل والخفيف، وقد وضعوا معياراً توصلوا فيه إلى معرفة الثقيل من الخفيف، قالوا: "الثقل والخفة يعرفان من طريق المعنى لا من طريق اللفظ. فالخفيف من الكلمات ما قلت مدلولاته ولوازمه، والثقيل ما كثر ذلك فيه، فخفة الاسم أنه يدل على مسمى واحد ولا يلزمه غيره في تحقق معناه، كلفظة "رَجُل" فإن معناها ومسماها الذكر من بني آدم، والفرس هو الحيوان الصهال، ولا يقترن بذلك زمان ولا غيره، ومعنى ثقل الفعل أن مدلولاته ولوازمه كثيرة، فمدلولاته الحدث والزمان، ولوازمه الفاعل والمفعول والتصرف وغير ذلك (28).
وقانون الخفة والثقل في العربية- كما هو ملاحظ- يتماشى طرداً مع مصطلح "القوة" عند الفيزيائيين، لأن القوة عندهم تناسب طرداً مع ثقل الجسم ووزنه.
وعلى ضوء المعيار المذكور ميزوا بين الاسم والصفة في الثقل، حين اعتبروا الاسم أخف من الصفة، لأن الصفة ثقلت بالاشتقاق وبالحاجة إلى الموصوف وتتحمل الضمير (29)، وميزوا أيضاً بين الحركة الإعرابية والبنائية من جهة ثانية، فكانت المثقلة بالمعنـى ثقيلة، والخفيفة منه خفيفة. قال الشريف الجرجاني: "الحركة الإعرابية مع كونها طارئة أقوى من البنائية الدائمة، لأن الإعرابية علم لمعان معتورة يتميز بعضها عن بعض ، فالإخلال بها يفضي إلى التباس المعاني وفوات ما هو الغرض الأصلي من وضع الألفاظ وهيئتها، أعني الإبانة عما في الضمير".
4- طرق انتقال الحرارة:
تنتقل الحرارة عادة من الأجسام التي حرارتها أعلى إلى الأجسام التي تكون حراراتها أقل. ويتم الانتقال بطرق ثلاث، هي الإيصال (Conduction)، والحمل (Convection) والإشعاع (Radiation) (30)، وبانتقال الحرارة إلى جسم تقوى فعاليته وترتفع وتـيرة عمله. ومثلما تنتقل الحرارة إلى الأجسام، تنتقل الحرارة إلى الأفعال، فيتعدى اللازم، ويتم ذلك عبر الطرق التالية: وهي "الهمزة وتثقيل الحشو وحرف الجر تتصل ثلاثتها بغير المتعدي فتصيره متعدياً وبالمتعدي إلى مفعول واحد فتصيره ذا مفعولين، نحو قولك: أذهبته وفرحته وخرجت به وأحفرته بئراً، وعلمته القرآن وغصبت عليه الضيعة وتتصل الهمزة بالمتعدي إلى اثنين فتنقله إلى ثلاثة نحو أعلمت " (31).

تعليق