متى عرف الأدب العربي فن القصة؟
د. إبراهيم عوض
والسؤال المعتاد في هذا الموضع هو: منذ متى عرَف الأدب العربي فن القصص؟
وفي الجواب عن هذا نقول:
إن بعض الدارسين يميلون إلى القول بأن القصة أحد الفنون الأدبية الطارئة على الأدب العربي، استمدَّها من الآداب الغربية في هذا العصر، والحق - وخصوصًا بعد أن قرأنا ما قرأناه في المواد الثلاث الماضيات - أن هذا الرأي رأي فطير متسرِّع، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قَصص كثير؛ منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاجتماعي، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي، ومنه ما وُضِع للتسلية ليس إلاَّ، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل؛ مثل: "رسالة النمر والثعلب"؛ لسهل بن هارون (ت 215هـ)، و"رسالة التوابع والزوابع"؛ لابن شهيد (382 - 426هـ)، و"رسالة الغفران"، و"رسالة الصاهل والشاحج"؛ للمعري (363 - 449هـ)، و"سلامان وأبسال" و"رسالة الطير"؛ لابن سينا (370 - 427هـ)، و"رسالة حي بن يقظان"؛ لكل من ابن سينا وابن الطفيل (ت 581هـ)، والسهروردي (549 - 587هـ)، وقصص "ألف ليلة وليلة"، و"سيرة عنترة"، و"سيرة سيف بن ذي يزن"، ومنه القصير كالحكايات التي تغصُّ بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة؛ منها: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعة مجلدات كبار، و"كليلة ودمنة"؛ لابن المقفع (ت146هـ)، و"البخلاء"؛ للجاحظ (163 - 255هـ)، و"الفرج بعد الشدة"، و"نشوار المحاضرة"؛ للقاضي التنوخي (327 - 384هـ)، و"المقامات"، و"عرائس المجالس"؛ للثعالبي (350 - 429هـ)، و"مصارع العشاق"؛ للسراج القاري (417 - 500هـ)، و"سلوان المطاع في عدوان الأتباع"؛ لابن ظفر الصقلي (ت 565هـ)، و"المكافأة"؛ لابن الداية (ت 340هـ)، و"غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة"؛ للوطواط (632 - 719هـ)، و"المستطرف من كل فن مستظرف"؛ للأبشيهي (790 - 852هـ)، و"عجائب المقدور في أخبار تيمور"، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء"؛ لابن عربشاه (791 - 854هـ)، وبعض قَصص "ألف ليلة وليلة" أيضًا، وما ذكره ابن النديم في "الفهرست" من كتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُوِيت عن ملوك بابل، أو أُلِّفت بالعربية، فكانت حوالي مائة وأربعين كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ثمانين كتابًا، كلها في أخبار العُشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما أُلِّف بعد ذلك...، ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة: "وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد...، وهَلُمَّ جرًّا.
على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق، أن الفن القصصي لم يعرف عند العرب إلا في عصر التدوين بعد أن انتشر نور الإسلام، وتخلَّص العرب من الأُمية، وأصبحوا أمةً كاتبةً قارئة، مثقَّفة كأحسن ما تكون الأُمم ثقافةً وتحضُّرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية، وهذا الحكم يستند أولاً إلى أن حب القصص نزعة فطرية، لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلاً عن مجتمع كامل كالمجتمع العربي قبل الإسلام، وفي الفقرة التالية للفقرة التي استشهدنا بها قبل قليل، يؤكد كاتب مادة "Storytelling" في "الويكيبيديا" عن حق أن جميع المجتمعات البشرية قديمًا وحديثًا، قد عرَفت رواية القصص، وهذه هي عبارته نصًّا: "People in all times and places have told stories"، وثانيًا إلى أن لدينا قصصًا كثيرًا تدور وقائعه في الجاهلية، وينتسب أبطاله إليها، وقد اقتصر دور الكتاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصص، وقد يكونون تدخَّلوا بأسلوبهم في صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه، ومن الواضح أن هذا القصص يصوِّر المجتمع العربي قبل الإسلام تصويرًا لا يستطيعه إلا أصحابه.
•••
أما ما يقوله بعض المستشرقين ويتابعهم عليه بعض الكُتاب العرب من أن العرب يَنقصهم الخيال والعاطفة، وأنهم من ثَمَّ لم يعرفوا فن القصص - فأقل ما يقال فيه هو أنه سُخف وتنطُّع؛ إذ الميل إلى القصص هو ميل غريزي لدى كل البشر، كما أن الخيال والعواطف هي هبة من الله لم يَحرِم منها أُمة من الأُمم، بل كل الأُمم فيها سواء، ومن ذلك ما نقله د. أحمد أمين في "فجر الإسلام"، عن المستشرق البريطاني ديلاسي أوليري (De Lacy O'Leary) في كتابه: "Arabia Before Muhammad" من أن العربي ضعيف الخيال جامد العواطف، وإن كان قد عقب على ذلك بأن الناظر في شعر العرب - وإن لم يرَ فيه أي أثر للشعر القصصي أو التمثيلي، أو الملاحم الطويلة التي تُشيد بذكر مفاخر الأمة؛ كـ"إلياذة" هوميروس، و"شاهنامه" الفردوسي - سوف يلاحظ رغم ذلك براعة الشاعر العربي في فن الفخر والحماسة والغزل والوصف، والتشبيه والمجاز، وهو مظهر من مظاهر الخيال، كما أن بكاء ذلك الشاعر للأطلال والديار، وذِكره للأيام والحوادث، ووصْفه لشعوره ووِجدانه، وتصويره لالتياعه وهيامه، كل ذلك دليل على تمتُّعه بالعواطف الحية، ويردِّد أحمد حسن الزيات في تاريخه للأدب العربي شيئًا قريبًا مما نقَله أحمد أمين عن أوليري، وإن اختلفَت مُسوغاته؛ إذ من رأيه أن مزاولة هذا الفن تقتضي الرؤية والفكرة، والعرب أهل بديهة وارتجال، كما تتطلَّب الإلمام بطبائع الناس، وهم قد شغَلوا بأنفسهم عن النظر فيمن عداهم، فضلاً عن احتياجه إلى التحليل والتطويل، على حين أنهم أشد الناس اختصارًا للقول، وأقلهم تعمُّقًا في البحث، مع قلة تعرُّضهم للأسفار البعيدة، والأخطار الشديدة، ثم إن هذا الفن هو نوع من أنواع النثر، والنثر الفني ظل في حكم العدم أزمان الجاهلية وصدر الإسلام حتى آخر الدولة الأموية، حين وضع ابن المقفع الفارسي مناهج النثر، وفكَّر في تدوين شيء من القصص.
بيد أن عددًا من كبار النُّقاد ومؤرخي الأدب عندنا، تولَّى تفنيد هذه التهمة المتسرعة التي إن صحت - وهي لا يمكن أن تصِح - كان معناها أن الله - سبحانه وتعالى - حين خلَق الخيال والرؤية، كتب على كل منهما لافتةً تقول: "ممنوع اللمس! للأوربيين فقط!"، والحق أنني لا أدري كيف يفكر أصحاب هذا الزعم العجيب الذي لا يقول به العقل ولا الذوق، ولا التاريخ ولا الواقع ولا الشواهد! ومن العاقلين الذين تولَّوا تفنيد هذه التهمة السخيفة المتخلفة، الدكاترة: زكي مبارك، الذي أكد في الجزء الأول من "النثر الفني في القرن الرابع"، أن العرب "كجميع الأمم لهم قصص وأحاديث، وخرافات وأساطير، يقضون بها أوقات الفراغ، ويصورون بها عاداتهم وطباعهم وغرائزهم من حيث لا يقصدون"، كما ردَّ عمر الدسوقي باستفاضة في كتابه: "في الأدب العربي الحديث" على هذه الفِرية العنصرية، وأدحَضها على أساس علمي وفلسفي، مُبينًا أن ما كتبه العرب وما ترجموه من قصص في القديم والحديث، يُنبئ بجلاء عما يتمتَّعون به من خيال ومهارة فنية في هذا السبيل، بل يذهب أحمد أمين أيضًا في كتابه: "فجر الإسلام"، إلى أنه كانت هناك صلة بين عرب الجاهلية وآداب غيرهم من الأُمم؛ كالإغريق والفرس، تمثَّلت في أنهم أخذوا بعض القصص، فاحتفظوا به؛ يَروونه، ويتسامرون به على الحال التي نقلوه عليها دون تبديلٍ، أو صاغوه في قالب يتَّفق وذوقهم، علاوةً على قصصهم الأصيل الذي لم يأخذوه عن غيرهم مما نجده في "أيام العرب" وما يسميه بـ"أحاديث الهوى".
ويقول محمود تيمور في كتابه: "محاضرات في القصص في أدب العرب: ماضيه وحاضره": "سارعنا إلى الإنكار على الأدب العربي أن فيه قصةً، وما كان ذلك الإنكار إلا لأننا وضعنا نُصب أعيننا القصة الغربية في صياغتها الخاصة بها وإطارها المرسوم بها، ورجعنا نتخذها المقياس والميزان، وفتَّشنا عن أمثالها في أدبنا العربي، فإذا هو خِلْوٌ منها أو يكاد.
وشد ما أخطأنا في هذا الوزن والقياس، فللأدب العربي قصص ذو صبغة خاصة به وإطار مرسوم له، وهو يصور نفسية المجتمع العربي وخلاله، فلا يقصر في التصوير، وإننا لنشهد فيه ملامحنا وسِماتنا وضاحة، وكأننا لم نفقد في مجتمعنا العربي حتى اليوم ما يكشف عنه ذلك القصص من ملامح وسمات، على الرغم من تعاقُب العصور وتطاول الآماد، وهو في جوهره وثيق الصلة بالوشائج الإنسانية التي هي جوهر القصص الفني، وإن تبايَنت الصياغة واختلف الإطار".
ومن الطريف أن تيمور كان يرى عكس هذا الرأي قبلاً، زاعمًا أن البيئات الصحراوية ينقصها الخيال، وأن ما تركه لنا العرب في هذا الميدان شيء ضئيل لا قيمة له، وإن صُنِّف هذا التراث الضئيل - الذي لا قيمة له كما كان يقول - إلى قَصص عاطفي وقصص حربي بطولي، وقصص علمي فلسفي، وهو ما يجده القارئ في مقال لتيمور عن "نشوء القصة وتطورها"، منشور في عدد سبتمبر 1936م من المجلة الجديدة، وكذلك في مقدمته لمجموعة "الشيخ سيد العبيط"، ولست في الواقع أعرف كيف يفكر أصحاب هذه الدعاوى العجيبة، فعرب الصحراء لديهم خيالهم كأي بشر آخرين، وكان العرب القدماء يعتقدون في الغول والشياطين، وعزيف الجن، ووادي عبقر، كما كانت لهم أساطيرهم وحكاياتهم الغرامية والسياسية والحربية والاجتماعية... إلخ.
ويظن بعض القوم ممن يزعمون على العرب المزاعم أن الصحراء - لكونها مكشوفة - لا تمد أهلها بالخيال، وكأن الخيال عنصر يأتي للإنسان من خارج نفسه، لا من باطنها بوصفه غريزةً من الغرائز التي تجري في الدماء، ولا يَشتريها الإنسان ولا يَكتسبها، ومعروف أن الصحراء تَعِج بكُثبان الرمال التي تَحجب رؤية ما وراءها، ما دُمنا نسمع من يقول بانبساط الصحراء دون عوائق أو خفايا، فضلاً عن أن مَن يقدر عليه أن يضلَّ طريقه يومًا في الصحراء، فقد انتهى أمره، إلا من كُتِب له عُمر جديد، بما يدل على أن الحياة فيها ليست سَمْنًا وعسلاً، بل عناءً يقتضي صاحبه يقظةً مستمرةً، وإلا ضاع، فكيف يقال: إن الصحراء ميدان مكشوف لا يبعث على الخيار؛ لأن الحياة فيه سهلة لا تَستفز الأحلام؟!
أما الجبال - والجزيرة العربية مملوءة بها - فهذه حكاية أخرى، ثم هناك الليالي المقمرة التي لا يعرفها سكان المدن، وهي ليال تُنطِق بجمالها وروعتها الحجرَ، وتُلهمه الفن الأصيل، فكيف ببني الإنسان؟!
وفي ذات السياق يبدي محمد مفيد الشوباشي، في كتابه القيم: "القصة العربية القديمة"، استنكاره لما لاحَظه من أنه: "لا يزال بيننا أناس ينكرون على العرب كل ميزة حضارية، وينظرون بعين الاستهانة والازدراء إلى آياتهم الباهرة في ميادين الأدب والفن والعلم، وقد شمِلت استهانتهم وزرايتهم - فيما شمِلتا - القصة العربية القديمة! وسندهم في هذا أن قصص العرب كانت؛ إما أخبارًا أو حكايات، أو شعرًا روائيًّا، فهي لا تشبه القصة الحديثة التي نعرفها بحال، وعلى ذلك لا تستحق أن تسمى: قصصًا".
وبحق يقرر د. محمد حسين هيكل في "ثورة الأدب" وفي مقال له بعنوان: "رأي في القصة العربية" منشور في "هلال" أغسطس 1948م أن فن القصص قد عرفته جميع الأمم القديمة والحديثة، وأن "القصة" - كما نعرفها اليوم - ليست إلا شكلاً من الأشكال التي اتخذها هذا الفن على مدى تاريخه الطويل، وأن هذا الشكل سوف يتطور ولا شك في المستقبل إلى صور وألوان أخرى، أما بالنسبة إلى الأدب العربي القديم، فهو يؤكد حفوله بالأعمال القصصية المُعبِّرة عن أوضاع العصور التي ظهَرت فيها وملامحها شعرًا ونثرًا.
د. إبراهيم عوض
والسؤال المعتاد في هذا الموضع هو: منذ متى عرَف الأدب العربي فن القصص؟
وفي الجواب عن هذا نقول:
إن بعض الدارسين يميلون إلى القول بأن القصة أحد الفنون الأدبية الطارئة على الأدب العربي، استمدَّها من الآداب الغربية في هذا العصر، والحق - وخصوصًا بعد أن قرأنا ما قرأناه في المواد الثلاث الماضيات - أن هذا الرأي رأي فطير متسرِّع، ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قَصص كثير؛ منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاجتماعي، ومنه الفلسفي، ومنه الوعظي، ومنه الأدبي، ومنه ما وُضِع للتسلية ليس إلاَّ، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل؛ مثل: "رسالة النمر والثعلب"؛ لسهل بن هارون (ت 215هـ)، و"رسالة التوابع والزوابع"؛ لابن شهيد (382 - 426هـ)، و"رسالة الغفران"، و"رسالة الصاهل والشاحج"؛ للمعري (363 - 449هـ)، و"سلامان وأبسال" و"رسالة الطير"؛ لابن سينا (370 - 427هـ)، و"رسالة حي بن يقظان"؛ لكل من ابن سينا وابن الطفيل (ت 581هـ)، والسهروردي (549 - 587هـ)، وقصص "ألف ليلة وليلة"، و"سيرة عنترة"، و"سيرة سيف بن ذي يزن"، ومنه القصير كالحكايات التي تغصُّ بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة؛ منها: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعة مجلدات كبار، و"كليلة ودمنة"؛ لابن المقفع (ت146هـ)، و"البخلاء"؛ للجاحظ (163 - 255هـ)، و"الفرج بعد الشدة"، و"نشوار المحاضرة"؛ للقاضي التنوخي (327 - 384هـ)، و"المقامات"، و"عرائس المجالس"؛ للثعالبي (350 - 429هـ)، و"مصارع العشاق"؛ للسراج القاري (417 - 500هـ)، و"سلوان المطاع في عدوان الأتباع"؛ لابن ظفر الصقلي (ت 565هـ)، و"المكافأة"؛ لابن الداية (ت 340هـ)، و"غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة"؛ للوطواط (632 - 719هـ)، و"المستطرف من كل فن مستظرف"؛ للأبشيهي (790 - 852هـ)، و"عجائب المقدور في أخبار تيمور"، و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء"؛ لابن عربشاه (791 - 854هـ)، وبعض قَصص "ألف ليلة وليلة" أيضًا، وما ذكره ابن النديم في "الفهرست" من كتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُوِيت عن ملوك بابل، أو أُلِّفت بالعربية، فكانت حوالي مائة وأربعين كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو ثمانين كتابًا، كلها في أخبار العُشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما أُلِّف بعد ذلك...، ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة: "وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل"، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد...، وهَلُمَّ جرًّا.
على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق، أن الفن القصصي لم يعرف عند العرب إلا في عصر التدوين بعد أن انتشر نور الإسلام، وتخلَّص العرب من الأُمية، وأصبحوا أمةً كاتبةً قارئة، مثقَّفة كأحسن ما تكون الأُمم ثقافةً وتحضُّرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية، وهذا الحكم يستند أولاً إلى أن حب القصص نزعة فطرية، لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلاً عن مجتمع كامل كالمجتمع العربي قبل الإسلام، وفي الفقرة التالية للفقرة التي استشهدنا بها قبل قليل، يؤكد كاتب مادة "Storytelling" في "الويكيبيديا" عن حق أن جميع المجتمعات البشرية قديمًا وحديثًا، قد عرَفت رواية القصص، وهذه هي عبارته نصًّا: "People in all times and places have told stories"، وثانيًا إلى أن لدينا قصصًا كثيرًا تدور وقائعه في الجاهلية، وينتسب أبطاله إليها، وقد اقتصر دور الكتاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصص، وقد يكونون تدخَّلوا بأسلوبهم في صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه، ومن الواضح أن هذا القصص يصوِّر المجتمع العربي قبل الإسلام تصويرًا لا يستطيعه إلا أصحابه.
•••
أما ما يقوله بعض المستشرقين ويتابعهم عليه بعض الكُتاب العرب من أن العرب يَنقصهم الخيال والعاطفة، وأنهم من ثَمَّ لم يعرفوا فن القصص - فأقل ما يقال فيه هو أنه سُخف وتنطُّع؛ إذ الميل إلى القصص هو ميل غريزي لدى كل البشر، كما أن الخيال والعواطف هي هبة من الله لم يَحرِم منها أُمة من الأُمم، بل كل الأُمم فيها سواء، ومن ذلك ما نقله د. أحمد أمين في "فجر الإسلام"، عن المستشرق البريطاني ديلاسي أوليري (De Lacy O'Leary) في كتابه: "Arabia Before Muhammad" من أن العربي ضعيف الخيال جامد العواطف، وإن كان قد عقب على ذلك بأن الناظر في شعر العرب - وإن لم يرَ فيه أي أثر للشعر القصصي أو التمثيلي، أو الملاحم الطويلة التي تُشيد بذكر مفاخر الأمة؛ كـ"إلياذة" هوميروس، و"شاهنامه" الفردوسي - سوف يلاحظ رغم ذلك براعة الشاعر العربي في فن الفخر والحماسة والغزل والوصف، والتشبيه والمجاز، وهو مظهر من مظاهر الخيال، كما أن بكاء ذلك الشاعر للأطلال والديار، وذِكره للأيام والحوادث، ووصْفه لشعوره ووِجدانه، وتصويره لالتياعه وهيامه، كل ذلك دليل على تمتُّعه بالعواطف الحية، ويردِّد أحمد حسن الزيات في تاريخه للأدب العربي شيئًا قريبًا مما نقَله أحمد أمين عن أوليري، وإن اختلفَت مُسوغاته؛ إذ من رأيه أن مزاولة هذا الفن تقتضي الرؤية والفكرة، والعرب أهل بديهة وارتجال، كما تتطلَّب الإلمام بطبائع الناس، وهم قد شغَلوا بأنفسهم عن النظر فيمن عداهم، فضلاً عن احتياجه إلى التحليل والتطويل، على حين أنهم أشد الناس اختصارًا للقول، وأقلهم تعمُّقًا في البحث، مع قلة تعرُّضهم للأسفار البعيدة، والأخطار الشديدة، ثم إن هذا الفن هو نوع من أنواع النثر، والنثر الفني ظل في حكم العدم أزمان الجاهلية وصدر الإسلام حتى آخر الدولة الأموية، حين وضع ابن المقفع الفارسي مناهج النثر، وفكَّر في تدوين شيء من القصص.
بيد أن عددًا من كبار النُّقاد ومؤرخي الأدب عندنا، تولَّى تفنيد هذه التهمة المتسرعة التي إن صحت - وهي لا يمكن أن تصِح - كان معناها أن الله - سبحانه وتعالى - حين خلَق الخيال والرؤية، كتب على كل منهما لافتةً تقول: "ممنوع اللمس! للأوربيين فقط!"، والحق أنني لا أدري كيف يفكر أصحاب هذا الزعم العجيب الذي لا يقول به العقل ولا الذوق، ولا التاريخ ولا الواقع ولا الشواهد! ومن العاقلين الذين تولَّوا تفنيد هذه التهمة السخيفة المتخلفة، الدكاترة: زكي مبارك، الذي أكد في الجزء الأول من "النثر الفني في القرن الرابع"، أن العرب "كجميع الأمم لهم قصص وأحاديث، وخرافات وأساطير، يقضون بها أوقات الفراغ، ويصورون بها عاداتهم وطباعهم وغرائزهم من حيث لا يقصدون"، كما ردَّ عمر الدسوقي باستفاضة في كتابه: "في الأدب العربي الحديث" على هذه الفِرية العنصرية، وأدحَضها على أساس علمي وفلسفي، مُبينًا أن ما كتبه العرب وما ترجموه من قصص في القديم والحديث، يُنبئ بجلاء عما يتمتَّعون به من خيال ومهارة فنية في هذا السبيل، بل يذهب أحمد أمين أيضًا في كتابه: "فجر الإسلام"، إلى أنه كانت هناك صلة بين عرب الجاهلية وآداب غيرهم من الأُمم؛ كالإغريق والفرس، تمثَّلت في أنهم أخذوا بعض القصص، فاحتفظوا به؛ يَروونه، ويتسامرون به على الحال التي نقلوه عليها دون تبديلٍ، أو صاغوه في قالب يتَّفق وذوقهم، علاوةً على قصصهم الأصيل الذي لم يأخذوه عن غيرهم مما نجده في "أيام العرب" وما يسميه بـ"أحاديث الهوى".
ويقول محمود تيمور في كتابه: "محاضرات في القصص في أدب العرب: ماضيه وحاضره": "سارعنا إلى الإنكار على الأدب العربي أن فيه قصةً، وما كان ذلك الإنكار إلا لأننا وضعنا نُصب أعيننا القصة الغربية في صياغتها الخاصة بها وإطارها المرسوم بها، ورجعنا نتخذها المقياس والميزان، وفتَّشنا عن أمثالها في أدبنا العربي، فإذا هو خِلْوٌ منها أو يكاد.
وشد ما أخطأنا في هذا الوزن والقياس، فللأدب العربي قصص ذو صبغة خاصة به وإطار مرسوم له، وهو يصور نفسية المجتمع العربي وخلاله، فلا يقصر في التصوير، وإننا لنشهد فيه ملامحنا وسِماتنا وضاحة، وكأننا لم نفقد في مجتمعنا العربي حتى اليوم ما يكشف عنه ذلك القصص من ملامح وسمات، على الرغم من تعاقُب العصور وتطاول الآماد، وهو في جوهره وثيق الصلة بالوشائج الإنسانية التي هي جوهر القصص الفني، وإن تبايَنت الصياغة واختلف الإطار".
ومن الطريف أن تيمور كان يرى عكس هذا الرأي قبلاً، زاعمًا أن البيئات الصحراوية ينقصها الخيال، وأن ما تركه لنا العرب في هذا الميدان شيء ضئيل لا قيمة له، وإن صُنِّف هذا التراث الضئيل - الذي لا قيمة له كما كان يقول - إلى قَصص عاطفي وقصص حربي بطولي، وقصص علمي فلسفي، وهو ما يجده القارئ في مقال لتيمور عن "نشوء القصة وتطورها"، منشور في عدد سبتمبر 1936م من المجلة الجديدة، وكذلك في مقدمته لمجموعة "الشيخ سيد العبيط"، ولست في الواقع أعرف كيف يفكر أصحاب هذه الدعاوى العجيبة، فعرب الصحراء لديهم خيالهم كأي بشر آخرين، وكان العرب القدماء يعتقدون في الغول والشياطين، وعزيف الجن، ووادي عبقر، كما كانت لهم أساطيرهم وحكاياتهم الغرامية والسياسية والحربية والاجتماعية... إلخ.
ويظن بعض القوم ممن يزعمون على العرب المزاعم أن الصحراء - لكونها مكشوفة - لا تمد أهلها بالخيال، وكأن الخيال عنصر يأتي للإنسان من خارج نفسه، لا من باطنها بوصفه غريزةً من الغرائز التي تجري في الدماء، ولا يَشتريها الإنسان ولا يَكتسبها، ومعروف أن الصحراء تَعِج بكُثبان الرمال التي تَحجب رؤية ما وراءها، ما دُمنا نسمع من يقول بانبساط الصحراء دون عوائق أو خفايا، فضلاً عن أن مَن يقدر عليه أن يضلَّ طريقه يومًا في الصحراء، فقد انتهى أمره، إلا من كُتِب له عُمر جديد، بما يدل على أن الحياة فيها ليست سَمْنًا وعسلاً، بل عناءً يقتضي صاحبه يقظةً مستمرةً، وإلا ضاع، فكيف يقال: إن الصحراء ميدان مكشوف لا يبعث على الخيار؛ لأن الحياة فيه سهلة لا تَستفز الأحلام؟!
أما الجبال - والجزيرة العربية مملوءة بها - فهذه حكاية أخرى، ثم هناك الليالي المقمرة التي لا يعرفها سكان المدن، وهي ليال تُنطِق بجمالها وروعتها الحجرَ، وتُلهمه الفن الأصيل، فكيف ببني الإنسان؟!
وفي ذات السياق يبدي محمد مفيد الشوباشي، في كتابه القيم: "القصة العربية القديمة"، استنكاره لما لاحَظه من أنه: "لا يزال بيننا أناس ينكرون على العرب كل ميزة حضارية، وينظرون بعين الاستهانة والازدراء إلى آياتهم الباهرة في ميادين الأدب والفن والعلم، وقد شمِلت استهانتهم وزرايتهم - فيما شمِلتا - القصة العربية القديمة! وسندهم في هذا أن قصص العرب كانت؛ إما أخبارًا أو حكايات، أو شعرًا روائيًّا، فهي لا تشبه القصة الحديثة التي نعرفها بحال، وعلى ذلك لا تستحق أن تسمى: قصصًا".
وبحق يقرر د. محمد حسين هيكل في "ثورة الأدب" وفي مقال له بعنوان: "رأي في القصة العربية" منشور في "هلال" أغسطس 1948م أن فن القصص قد عرفته جميع الأمم القديمة والحديثة، وأن "القصة" - كما نعرفها اليوم - ليست إلا شكلاً من الأشكال التي اتخذها هذا الفن على مدى تاريخه الطويل، وأن هذا الشكل سوف يتطور ولا شك في المستقبل إلى صور وألوان أخرى، أما بالنسبة إلى الأدب العربي القديم، فهو يؤكد حفوله بالأعمال القصصية المُعبِّرة عن أوضاع العصور التي ظهَرت فيها وملامحها شعرًا ونثرًا.

تعليق