دور اللغة العربية المعاصرة في تشكيل الفكر العربي الحديث
أ.د. فالح شبيب العجمي
جامعة الملك سعود / الرياض
1 - العلاقة بين اللغة والفكر
تنظر كثير من الدراسات المعنية بدراسة العلاقة بين اللغة والفكر إلى تلك العلاقة بأشكال مختلفة تبعاً للتيار الذي نشأت فيه ، وخلفية الدراسة ، والأهداف التي تسعى إليها ؛ لكن أغلبها تؤكد أن خلفية النظام اللغوي في أي لغة بشرية لا تعتمد على آلية إعادة إنتاج الأفكار منطوقة، بل هي التي تكوّن الأفكار(1) . فتشكيل الأفكار ليست عملية مستقلة ، بل جزء من القواعد الخاصة باللغة ، والتي تختلف بها قليلاً أو كثيراً عن قواعد لغة أخرى .
نحن ننظر إلى العالم ونراقبه ، لنشكل انطباعات تترتب في أذهاننا ؛ وهذا يعني أن الدور الأساسي في ترتيب هذه الانطباعات يكون للأنظمة اللغوية المستقرة في أذهاننا . ففي المقام الأول نقوم بقطع ما نراقبه في الواقع ، ونرتبه في شكل تصورات ودوال تعتمد على كوننا جزءاً من اتفاق لترتيبها بتلك الطريقة ؛ وهو الاتفاق الذي ارتضته الجماعة اللغوية ، وأدرج بوصفه جزءاً من عبارات اللغة .
ومن تلك الاتجاهات ما يقول بأنه إذا كان المتكلمون بأي لغة لديهم كلمات لوصف الأشياء ؛ بينما لا توجد لدى متكلمين بلغة أخرى الكلمات نفسها ، فإن متكلمي اللغة الأولى يجدون الأمر أسهل للحديث عن تلك الأشياء . ويتضح هذا الأمر حتى في الاختصاصات المختلفة ضمن إطار اللغة الواحدة ؛ حيث يكون التاجر ( الذي يملك مفردات أكثر في هذا المجال ) والطبيب ( الذي يملك مفردات طبية ) أقدر على الحديث عن الأمور التجارية للأول والظواهر الطبية للثاني بسهولة من غيرهما . الأمر الآخر في هذا الاتجاه ؛ أنه إذا كانت لغة ما تضع فروقاً لا تضعها لغة أخرى ، فإن مستخدمي اللغة الأولى يكونون أقدر على استقبال تلك الفروق في بيئتهم التي تلفت نظرهم إليه تلك الفروق اللغوية .
وبتوسيع هذه الظواهر لتشمل الأمور النحوية ، يمكن القول إن التصنيف النسقي فيما يخص النوع والعدد والزمن وغيرهما دقيق ومنتشر ، وأثر هذا التصنيف أقوى في مستخدمي اللغة من أثر الفروق في المفردات وحدها . بل إن هذه الأصناف النحوية الموجودة في لغة بعينها لا تساعد أصحاب اللغة فقط على استقبال العالم أو تصوره بطريقة معينة ، بل تساهم أيضاً في تقليص دوائر الاستقبال . فهي تعمل بوصفها غمامة على العين : فالمرء يستقبل ما تسمح به لغته ، أو ما ربّته عليه تلك اللغة ، أو هيأته لاستقباله ؛ فلغة المرء تتحكم في نظرته إلى العالم . لذلك يكون المتكلمون بلغات مختلفة لهم نظرات مختلفة إلى العالم . وهذا يعني أن اللغة تقدم شاشة أو قمعاً للحقيقة ( لفلترة الحقيقة ) ؛ فهي تحدد كيف يستقبل المتكلم ، وكيف ينظم العالم من حوله ، كلاً من العالم الحقيقي والعالم الاجتماعي . وتبعاً لذلك فهي ليست محايدة ، بل تذهب في طريق فرض العادات لكل من المظهر والتفكير .
وبسبب قوة تلك العلاقة والارتباط الشديد والتأثير المتبادل بين اللغة والفكر تنشأ حول الكلمات الدالة على قيم تعبيرية في فكر المجتمع هالات تكبر أو تصغر حسب أهمية تلك القيم في حياة ذلك المجتمع ؛ فكلمات مثل " الاستعمار " أو " الرق " تحيط بها هالات كبيرة جداً في لغات أفريقيا ، ولا توجد تلك الهالات في الكلمات المقابلة لها في أي لغة أوربية . وكلمات مثل "الثأر " أو " الجهاد " في الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن ترجمتها إلى أي لغة أخرى مع قيمتها التعبيرية التي تراكمت خلال تاريخ الكلمة الأولى في حياة العرب والكلمة الثانية في تاريخ المسلمين . ويستفسر أنيس فريحة في سياق دراسته أثر اللغة في سلوك الناس وتفكيرهم عن أسباب كثرة الجرائم في الشرق العربي دفاعاً عن العرض والشرف كقتل الأخت والأم والزوجة ، ثم يجيب عن ذلك التساؤل بأن منشأ ذلك ناجم " عن أثر كلمات لها فعل السحر : ثأر ، شرف ، عرض مثلوم ، غسل العار بالدم ، نخوة ، وغيرها من الكلمات التي تتضمن صوراً ذهنية ومُثُـلاً أخلاقية أو روحية تفرض على الناس سلوكاً معيناً . والغريب في الأمر أحياناً أن هذا الذي يقتل أخته أو زوجته أو أمه قد يكون سيء الأخلاق ، من رواد المحششة ، ولكنه يفعل ما يفعله متأثراً بسحر هذه الكلمات ، ويشعر بدافع يدفعه أن يتصرف كما تملي عليه عبارات اللغة " (2).
ومن أجل تلك القيم ثارت ثائرة المسلمين عندما تحدث الرئيس الأمريكي قبيل غزو أفغانستان عن الحملة الصليبية التي ينوي القيام بها " ضد الإرهاب " بسبب كل ما تحمله تلك العبارة في الثقافة الإسلامية ، بينما لا تحمل التاريخ نفسه في الثقافة الأمريكية . عندها لم يتردد عدوه اللدود أسامة بن لادن في استغلال هذا التباين من أجل تجييش مشاعر المسلمين ضد الحملة الأمريكية .
وفي الواقع أن مجموع هذه القيم التعبيرية التي تشكل مصدر تأثير اللغة في طرق التفكير تمثل في الوقت نفسه جزءاً كبيراً من ثقافة المجتمع ؛ وهو ما يسميه فوكو " منظومة الحقيقة " ، حيث يرى أن الحقيقة ليست خارج القوة ، بل إنها جزء من هذا العالم ينتج بواسطة صيغ متعددة من الإكراه ، يؤدي إلى تحولات منتظمة من القوة ؛ فكل مجتمع لديه منظومة للحقيقة ، ما يشكل سياسته العامة إزاء الحقيقة . تتضمن هذه المنظومة أنواع الكلام المقبول ، والذي يصلح أن يصبح حقيقة ، كما تشتمل على الآليات التي تمكن المرء من اختيار المقولات الصائبة وتستبعد الخاطئة ، والأدوات التي يعاقب بها كل من يخالف تلك المعايير ؛ بمعنى أن مهمة هذه المنظومة إبراز ما يصلح أن يعد حقيقة إلى الوجود(3) .
ولآثار اللغة في التفكير علاقة بالسلوك الاستهلاكي للمجتمع المستخدم . إذ نعرف أن المجتمعات تقسم إلى مجتمعات استهلاكية وأخرى إنتاجية ؛ وهي مصطلحات فيها تعميم ، لكن المفهوم من المصطلح الأول أن المجتمع يستهلك من إنتاج غيره أكثر مما يستهلك الآخرون من إنتاجه ، وقد تتفاوت مجتمعات هذا النوع بين مجتمع لا ينتج مطلقاً ومجتمع تزداد وارداته بشكل عام عن صادراته . كما يوجد ضمن النوع الثاني ، والذي يقصد به إجمالاً الدول الصناعية ، مجتمعات تستهلك من إنتاجها وإنتاج غيرها – على مستوى الفرد – أكثر من دول صناعية أخرى . غير أن هذه الفكرة اقتصادية بحتة ؛ ما يهمنا هنا في التقسيمات داخل المجتمع الاستهلاكي نفسه ، حيث يمكن أن تكون المجتمعات استهلاكية إيجابية ؛ وهي التي تستفيد من قوة اللغة في دفع الاستهلاك من المنتجات الوطنية إلى الأعلى(4) ، وأخرى استهلاكية سلبية ؛ وهي التي تكرس قوة اللغة في دفع الاستهلاك من منتجات الآخرين إلى الأعلى . والفئة الأولى هي التي تكون ثقافتها ذات طابع قومي ، حيث تعطى الرموز المحلية معاني متضمنة عالية القيمة . ثم تستخدم تلك الرموز في مقاومة الثقافة الاستهلاكية للسلع الأجنبية ، ويتمثل هذا الجانب بشكل جلي في كل من اليابان والصين . كما تظهر أحياناً على شكل رفض لهيمنة منتجات معينة ، ويبدو هذا الجانب واضحاً في مقاومة رموز المستعمر مثل : ماكدونالدز و كوكاكولا ؛ وتوجد أشكال من هذا الرفض في الثقافة الإسلامية والعربية بإيجاد رموز تحملها منتجات يُرغب في أن تكون منافسة مثل : زمزم كولا و مكة كولا .
أما ثقافة الفئة الثانية فتستشعر اللذة أينما كانت ، ولا تسبغ على الرموز ذات الطابع المحلي قيمة خاصة . وأفراد هذه الفئة يحرصون على اقتناء ما يدل على مركز اجتماعي أعلى مما يشغلونه فعلاً ، وقد أصبحت مرجعية هؤلاء هي الفئة التي تستحق أن تُقلّـد والتي " يطلق عليها في وسائل الإعلام الناس الحلوين ( beautiful people ) والشلة النفاثة ( jet set ) من فنانين وممثلين ومرموقين ( celebrity ) ورياضيين وساسة والأغنياء الحديثي النعمة من السماسرة وقابضي العمولات ... فملابس كاردان وسيارات مرسيدس وفيديو سوني تتعدى القيمة الاستعمالية الفعلية إلى قيمة استعمالية ثانوية ( cult ) " .(5)
2 - مستوى نضج الفكر العربي الحديث
إذا استخلصنا مما ذكر أعلاه أن الفكر نتاج لمستوى التعامل مع اللغة واستخدامها بالشكل الأمثل في تطوير القدرات الفكرية وبناء تراكماتها في الأجيال المتتابعة ، وإذا استلهمنا الحقيقة العلمية التي لم تعد تقبل الجدل من أن اللغة كائن حي يتطور متلائماً مع حاجات المجتمع الذي يستخدم تلك اللغة ، فإننا سنجد أن أكبر عوائق نضج الفكر العربي الحديث تتمثل في النظر إلى اللغة بوصفها فقهاً تصح عليه الأحكام المطلقة ، وينبري له من ينصبون أنفسهم سدنة اللغة، ليوزعوا معايير الصحة والخطأ والقوة والضعف . وإذا كان هذا الأمر مقبولاً في القرن الثاني الهجري ( فترة نشأة النحو العربي ) ، فإنه لا يمكن أن يكون كذلك في عصرنا بعد أن اتضحت المعايير المهنية للدراسة العلمية واتضحت الحقائق غير المؤدلجة المتصلة باللغة وبطبيعتها وعلاقتها بالمجتمع المتحدث بها . لكننا نجد – رغم ذلك كله – في بعض المؤسسات التي أوكلت إليها مهمة العناية باللغة والقيام بالأبحاث الرصينة ذات الصبغة الجماعية من مثل المعجمات والمصطلحات العلمية والأعمال الأخرى التي تحتاج إلى عمل تراكمي طويل ، شيئاً مماثلاً لما كان عند القدماء من القناعة بجمود اللغة ووجوب الحفاظ عليها كما هي أو كما قرر لنا بذلك علماء القرن الثاني الهجري ؛ ففي أحد قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة تصدمنا عبارة : " وقد رأى مجمع اللغة العربية قياسية هذه الصيغة معتمداً على مذهب الأخفش وظاهر مذهب سيبويه " .
والمشكلة عند العرب قديماً وحديثاً تكمن في التعالي والقفز فوق الواقع والاستخفاف بمعطيات كثيرة ومتكررة تؤكد وجود مشاكل جوهرية ، وخلل تنظيمي في تركيب اللغة وصرفها وأصواتها وضعف واضح في وحدتها ؛ يستدل على ذلك من كتابات أهلها وقراءاتهم وفهمهم وإفهامهم . وأسباب تلك المشاكل وذلك الخلل تتأتى من تجنب الاهتمام بقدرة اللغة على نقل الأفكار واستخدامها فيما وجدت من أجله من جهة ، ومن جهة أخرى الانغلاق في بوتقة تاريخية محددة دون السماح بخروج اللغة منها وتوسيع آلياتها للقيام بوظائفها المتجددة . ومن هنا تحول مستخدمو هذه اللغة إلى فريقين : فريق تكونت لديه القناعة بأن لغتهم الرسمية دخلت أرشيف التاريخ ؛ فهي ليست في حالة وهن أو مرض ، بل في حالة ميئوس منها ، وليست لغة قابلة للحياة ، فالاهتمام بها يعد تخلفاً وتعلقاً بأشياء ليست من العصر ، ولا تفيد في شيء من السمعة الحسنة لدى المجتمع ، ولا الفائدة المرجوة في عمل أو معاش . أما الفريق الآخر فيؤمن بسياسة الأقفاص التي توضع فيها اللغة تحت شروط المشروعية الأربعة :
1 - التجميد التاريخي
2 - التعليب وجاهزية القوالب
3 - الإقفال وعدم السماح بالإضافة
4 - المصادقة بالختم من الجهات المخولة
فما يتصف بهذه الصفات الأربع فهو سليم وعربي ومقبول ، وما ينقصه شرط من شروط المشروعية الأربعة فهو فاسد وغير مقبول . فالتجميد مرتبط بتاريخانية النصوص موضع المحاكمة ، والتعليب مرده إلى جاهزية القوالب الموضوعة من قبل والتي لا يقبل الاجتهاد فيها، والإقفال يعود سبب وضعه إلى عدم الرغبة في السماح بإضافة إلى اللغة في شيء من العناصر أو البنى الصرفية أو الهياكل التركيبية بوصفها لغة كاملة يجب أن تبقى على حالها (بمعنى أن تموت ) . أما الختم عليها فيعني الفتوى من جهة مخولة بأن ما تجمد تاريخياً في هيكل معلب ومقفل هو نفسه الأصل القديم ، حتى لا توجد نسخ مزورة منه ، لا تتمتع بمباركة صاحب الفتوى . ومن هنا نجد أن العناصر لا تقبل في العربية إلا إن وجدت لدى الجوهري أو ابن منظور أو الفيروزابادي أو الزبيدي وغيرهم من المصرح لهم بالختم . كما أن التراكيب لا تكون عربية إلا إن أجازها سيبويه أو الفراء وغيرهما من أصحاب الصلاحية .
والمشكلة أن الفريقين يعرفان حالتها المزرية ، لكن أولهما ينظر إليها بوصفها جيفة منتنة يجب تجاوزها ، بينما ينظر إليها الآخر بوصفها طوطماً يجب تقديسه والحفاظ عليه بهيئته التي لا تمس . فيتملك الأول الخجل من استخدامها ومن الافتخار بها ، ويتملك الآخر الخوف عليها ومنها في أشكالها المتطورة والمتجددة مع استمرار الحياة وتنوع مناحي الفكر ، كمن يريد لحبيبته أن تموت حتى تبقى ذكراها خالدة في ذهنه وخالية من ملذات العشق الجسدي .
ونكاد نجد إجماعاً بين المنتمين إلى الفريق الثاني على المبالغة في تحقيق الشرطين الأول والرابع ؛ وتعود أسباب تلك المبالغة إلى بعض العوامل الاجتماعية والأنثروبولوجية المتعلقة بضعف الرغبة في الإبداع . فيكون بالتالي استيراد النصوص من الفترات التاريخية السابقة والحكم على ما يأتي بعدها في ضوء القواعد المستخلصة من النصوص القديمة . كما أصبحت في كثير من الحالات حتى طرق استخلاص القواعد تتجمد عند مرحلة زمنية ، ويُقتصر على ما ورد في مصادر الدرس اللغوي الأولى ؛ وهي بلا شك من مقومات تكوين العقل العربي المقلد ، أو إذا صحت لنا الاستعارة من طرحنا الأنثروبولوجي السابق : إنشاء طوطم العقل ، وهي الحالة التي يصبح فيها العقل غير قابل للاستخدام ، بل يصبح إجلاله متمثلاً في عدم ذكره والخوف منه . ومن هنا كانت مرجعية الخبر أو النص اللغوي ونقل الحكم عن شخصية معترف بها أو مصدر موثوق به أساس العلم والمعرفة ، بل هي مقومات السماح للإنسان بالكلام المقبول .
أ.د. فالح شبيب العجمي
جامعة الملك سعود / الرياض
1 - العلاقة بين اللغة والفكر
تنظر كثير من الدراسات المعنية بدراسة العلاقة بين اللغة والفكر إلى تلك العلاقة بأشكال مختلفة تبعاً للتيار الذي نشأت فيه ، وخلفية الدراسة ، والأهداف التي تسعى إليها ؛ لكن أغلبها تؤكد أن خلفية النظام اللغوي في أي لغة بشرية لا تعتمد على آلية إعادة إنتاج الأفكار منطوقة، بل هي التي تكوّن الأفكار(1) . فتشكيل الأفكار ليست عملية مستقلة ، بل جزء من القواعد الخاصة باللغة ، والتي تختلف بها قليلاً أو كثيراً عن قواعد لغة أخرى .
نحن ننظر إلى العالم ونراقبه ، لنشكل انطباعات تترتب في أذهاننا ؛ وهذا يعني أن الدور الأساسي في ترتيب هذه الانطباعات يكون للأنظمة اللغوية المستقرة في أذهاننا . ففي المقام الأول نقوم بقطع ما نراقبه في الواقع ، ونرتبه في شكل تصورات ودوال تعتمد على كوننا جزءاً من اتفاق لترتيبها بتلك الطريقة ؛ وهو الاتفاق الذي ارتضته الجماعة اللغوية ، وأدرج بوصفه جزءاً من عبارات اللغة .
ومن تلك الاتجاهات ما يقول بأنه إذا كان المتكلمون بأي لغة لديهم كلمات لوصف الأشياء ؛ بينما لا توجد لدى متكلمين بلغة أخرى الكلمات نفسها ، فإن متكلمي اللغة الأولى يجدون الأمر أسهل للحديث عن تلك الأشياء . ويتضح هذا الأمر حتى في الاختصاصات المختلفة ضمن إطار اللغة الواحدة ؛ حيث يكون التاجر ( الذي يملك مفردات أكثر في هذا المجال ) والطبيب ( الذي يملك مفردات طبية ) أقدر على الحديث عن الأمور التجارية للأول والظواهر الطبية للثاني بسهولة من غيرهما . الأمر الآخر في هذا الاتجاه ؛ أنه إذا كانت لغة ما تضع فروقاً لا تضعها لغة أخرى ، فإن مستخدمي اللغة الأولى يكونون أقدر على استقبال تلك الفروق في بيئتهم التي تلفت نظرهم إليه تلك الفروق اللغوية .
وبتوسيع هذه الظواهر لتشمل الأمور النحوية ، يمكن القول إن التصنيف النسقي فيما يخص النوع والعدد والزمن وغيرهما دقيق ومنتشر ، وأثر هذا التصنيف أقوى في مستخدمي اللغة من أثر الفروق في المفردات وحدها . بل إن هذه الأصناف النحوية الموجودة في لغة بعينها لا تساعد أصحاب اللغة فقط على استقبال العالم أو تصوره بطريقة معينة ، بل تساهم أيضاً في تقليص دوائر الاستقبال . فهي تعمل بوصفها غمامة على العين : فالمرء يستقبل ما تسمح به لغته ، أو ما ربّته عليه تلك اللغة ، أو هيأته لاستقباله ؛ فلغة المرء تتحكم في نظرته إلى العالم . لذلك يكون المتكلمون بلغات مختلفة لهم نظرات مختلفة إلى العالم . وهذا يعني أن اللغة تقدم شاشة أو قمعاً للحقيقة ( لفلترة الحقيقة ) ؛ فهي تحدد كيف يستقبل المتكلم ، وكيف ينظم العالم من حوله ، كلاً من العالم الحقيقي والعالم الاجتماعي . وتبعاً لذلك فهي ليست محايدة ، بل تذهب في طريق فرض العادات لكل من المظهر والتفكير .
وبسبب قوة تلك العلاقة والارتباط الشديد والتأثير المتبادل بين اللغة والفكر تنشأ حول الكلمات الدالة على قيم تعبيرية في فكر المجتمع هالات تكبر أو تصغر حسب أهمية تلك القيم في حياة ذلك المجتمع ؛ فكلمات مثل " الاستعمار " أو " الرق " تحيط بها هالات كبيرة جداً في لغات أفريقيا ، ولا توجد تلك الهالات في الكلمات المقابلة لها في أي لغة أوربية . وكلمات مثل "الثأر " أو " الجهاد " في الثقافة العربية والإسلامية لا يمكن ترجمتها إلى أي لغة أخرى مع قيمتها التعبيرية التي تراكمت خلال تاريخ الكلمة الأولى في حياة العرب والكلمة الثانية في تاريخ المسلمين . ويستفسر أنيس فريحة في سياق دراسته أثر اللغة في سلوك الناس وتفكيرهم عن أسباب كثرة الجرائم في الشرق العربي دفاعاً عن العرض والشرف كقتل الأخت والأم والزوجة ، ثم يجيب عن ذلك التساؤل بأن منشأ ذلك ناجم " عن أثر كلمات لها فعل السحر : ثأر ، شرف ، عرض مثلوم ، غسل العار بالدم ، نخوة ، وغيرها من الكلمات التي تتضمن صوراً ذهنية ومُثُـلاً أخلاقية أو روحية تفرض على الناس سلوكاً معيناً . والغريب في الأمر أحياناً أن هذا الذي يقتل أخته أو زوجته أو أمه قد يكون سيء الأخلاق ، من رواد المحششة ، ولكنه يفعل ما يفعله متأثراً بسحر هذه الكلمات ، ويشعر بدافع يدفعه أن يتصرف كما تملي عليه عبارات اللغة " (2).
ومن أجل تلك القيم ثارت ثائرة المسلمين عندما تحدث الرئيس الأمريكي قبيل غزو أفغانستان عن الحملة الصليبية التي ينوي القيام بها " ضد الإرهاب " بسبب كل ما تحمله تلك العبارة في الثقافة الإسلامية ، بينما لا تحمل التاريخ نفسه في الثقافة الأمريكية . عندها لم يتردد عدوه اللدود أسامة بن لادن في استغلال هذا التباين من أجل تجييش مشاعر المسلمين ضد الحملة الأمريكية .
وفي الواقع أن مجموع هذه القيم التعبيرية التي تشكل مصدر تأثير اللغة في طرق التفكير تمثل في الوقت نفسه جزءاً كبيراً من ثقافة المجتمع ؛ وهو ما يسميه فوكو " منظومة الحقيقة " ، حيث يرى أن الحقيقة ليست خارج القوة ، بل إنها جزء من هذا العالم ينتج بواسطة صيغ متعددة من الإكراه ، يؤدي إلى تحولات منتظمة من القوة ؛ فكل مجتمع لديه منظومة للحقيقة ، ما يشكل سياسته العامة إزاء الحقيقة . تتضمن هذه المنظومة أنواع الكلام المقبول ، والذي يصلح أن يصبح حقيقة ، كما تشتمل على الآليات التي تمكن المرء من اختيار المقولات الصائبة وتستبعد الخاطئة ، والأدوات التي يعاقب بها كل من يخالف تلك المعايير ؛ بمعنى أن مهمة هذه المنظومة إبراز ما يصلح أن يعد حقيقة إلى الوجود(3) .
ولآثار اللغة في التفكير علاقة بالسلوك الاستهلاكي للمجتمع المستخدم . إذ نعرف أن المجتمعات تقسم إلى مجتمعات استهلاكية وأخرى إنتاجية ؛ وهي مصطلحات فيها تعميم ، لكن المفهوم من المصطلح الأول أن المجتمع يستهلك من إنتاج غيره أكثر مما يستهلك الآخرون من إنتاجه ، وقد تتفاوت مجتمعات هذا النوع بين مجتمع لا ينتج مطلقاً ومجتمع تزداد وارداته بشكل عام عن صادراته . كما يوجد ضمن النوع الثاني ، والذي يقصد به إجمالاً الدول الصناعية ، مجتمعات تستهلك من إنتاجها وإنتاج غيرها – على مستوى الفرد – أكثر من دول صناعية أخرى . غير أن هذه الفكرة اقتصادية بحتة ؛ ما يهمنا هنا في التقسيمات داخل المجتمع الاستهلاكي نفسه ، حيث يمكن أن تكون المجتمعات استهلاكية إيجابية ؛ وهي التي تستفيد من قوة اللغة في دفع الاستهلاك من المنتجات الوطنية إلى الأعلى(4) ، وأخرى استهلاكية سلبية ؛ وهي التي تكرس قوة اللغة في دفع الاستهلاك من منتجات الآخرين إلى الأعلى . والفئة الأولى هي التي تكون ثقافتها ذات طابع قومي ، حيث تعطى الرموز المحلية معاني متضمنة عالية القيمة . ثم تستخدم تلك الرموز في مقاومة الثقافة الاستهلاكية للسلع الأجنبية ، ويتمثل هذا الجانب بشكل جلي في كل من اليابان والصين . كما تظهر أحياناً على شكل رفض لهيمنة منتجات معينة ، ويبدو هذا الجانب واضحاً في مقاومة رموز المستعمر مثل : ماكدونالدز و كوكاكولا ؛ وتوجد أشكال من هذا الرفض في الثقافة الإسلامية والعربية بإيجاد رموز تحملها منتجات يُرغب في أن تكون منافسة مثل : زمزم كولا و مكة كولا .
أما ثقافة الفئة الثانية فتستشعر اللذة أينما كانت ، ولا تسبغ على الرموز ذات الطابع المحلي قيمة خاصة . وأفراد هذه الفئة يحرصون على اقتناء ما يدل على مركز اجتماعي أعلى مما يشغلونه فعلاً ، وقد أصبحت مرجعية هؤلاء هي الفئة التي تستحق أن تُقلّـد والتي " يطلق عليها في وسائل الإعلام الناس الحلوين ( beautiful people ) والشلة النفاثة ( jet set ) من فنانين وممثلين ومرموقين ( celebrity ) ورياضيين وساسة والأغنياء الحديثي النعمة من السماسرة وقابضي العمولات ... فملابس كاردان وسيارات مرسيدس وفيديو سوني تتعدى القيمة الاستعمالية الفعلية إلى قيمة استعمالية ثانوية ( cult ) " .(5)
2 - مستوى نضج الفكر العربي الحديث
إذا استخلصنا مما ذكر أعلاه أن الفكر نتاج لمستوى التعامل مع اللغة واستخدامها بالشكل الأمثل في تطوير القدرات الفكرية وبناء تراكماتها في الأجيال المتتابعة ، وإذا استلهمنا الحقيقة العلمية التي لم تعد تقبل الجدل من أن اللغة كائن حي يتطور متلائماً مع حاجات المجتمع الذي يستخدم تلك اللغة ، فإننا سنجد أن أكبر عوائق نضج الفكر العربي الحديث تتمثل في النظر إلى اللغة بوصفها فقهاً تصح عليه الأحكام المطلقة ، وينبري له من ينصبون أنفسهم سدنة اللغة، ليوزعوا معايير الصحة والخطأ والقوة والضعف . وإذا كان هذا الأمر مقبولاً في القرن الثاني الهجري ( فترة نشأة النحو العربي ) ، فإنه لا يمكن أن يكون كذلك في عصرنا بعد أن اتضحت المعايير المهنية للدراسة العلمية واتضحت الحقائق غير المؤدلجة المتصلة باللغة وبطبيعتها وعلاقتها بالمجتمع المتحدث بها . لكننا نجد – رغم ذلك كله – في بعض المؤسسات التي أوكلت إليها مهمة العناية باللغة والقيام بالأبحاث الرصينة ذات الصبغة الجماعية من مثل المعجمات والمصطلحات العلمية والأعمال الأخرى التي تحتاج إلى عمل تراكمي طويل ، شيئاً مماثلاً لما كان عند القدماء من القناعة بجمود اللغة ووجوب الحفاظ عليها كما هي أو كما قرر لنا بذلك علماء القرن الثاني الهجري ؛ ففي أحد قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة تصدمنا عبارة : " وقد رأى مجمع اللغة العربية قياسية هذه الصيغة معتمداً على مذهب الأخفش وظاهر مذهب سيبويه " .
والمشكلة عند العرب قديماً وحديثاً تكمن في التعالي والقفز فوق الواقع والاستخفاف بمعطيات كثيرة ومتكررة تؤكد وجود مشاكل جوهرية ، وخلل تنظيمي في تركيب اللغة وصرفها وأصواتها وضعف واضح في وحدتها ؛ يستدل على ذلك من كتابات أهلها وقراءاتهم وفهمهم وإفهامهم . وأسباب تلك المشاكل وذلك الخلل تتأتى من تجنب الاهتمام بقدرة اللغة على نقل الأفكار واستخدامها فيما وجدت من أجله من جهة ، ومن جهة أخرى الانغلاق في بوتقة تاريخية محددة دون السماح بخروج اللغة منها وتوسيع آلياتها للقيام بوظائفها المتجددة . ومن هنا تحول مستخدمو هذه اللغة إلى فريقين : فريق تكونت لديه القناعة بأن لغتهم الرسمية دخلت أرشيف التاريخ ؛ فهي ليست في حالة وهن أو مرض ، بل في حالة ميئوس منها ، وليست لغة قابلة للحياة ، فالاهتمام بها يعد تخلفاً وتعلقاً بأشياء ليست من العصر ، ولا تفيد في شيء من السمعة الحسنة لدى المجتمع ، ولا الفائدة المرجوة في عمل أو معاش . أما الفريق الآخر فيؤمن بسياسة الأقفاص التي توضع فيها اللغة تحت شروط المشروعية الأربعة :
1 - التجميد التاريخي
2 - التعليب وجاهزية القوالب
3 - الإقفال وعدم السماح بالإضافة
4 - المصادقة بالختم من الجهات المخولة
فما يتصف بهذه الصفات الأربع فهو سليم وعربي ومقبول ، وما ينقصه شرط من شروط المشروعية الأربعة فهو فاسد وغير مقبول . فالتجميد مرتبط بتاريخانية النصوص موضع المحاكمة ، والتعليب مرده إلى جاهزية القوالب الموضوعة من قبل والتي لا يقبل الاجتهاد فيها، والإقفال يعود سبب وضعه إلى عدم الرغبة في السماح بإضافة إلى اللغة في شيء من العناصر أو البنى الصرفية أو الهياكل التركيبية بوصفها لغة كاملة يجب أن تبقى على حالها (بمعنى أن تموت ) . أما الختم عليها فيعني الفتوى من جهة مخولة بأن ما تجمد تاريخياً في هيكل معلب ومقفل هو نفسه الأصل القديم ، حتى لا توجد نسخ مزورة منه ، لا تتمتع بمباركة صاحب الفتوى . ومن هنا نجد أن العناصر لا تقبل في العربية إلا إن وجدت لدى الجوهري أو ابن منظور أو الفيروزابادي أو الزبيدي وغيرهم من المصرح لهم بالختم . كما أن التراكيب لا تكون عربية إلا إن أجازها سيبويه أو الفراء وغيرهما من أصحاب الصلاحية .
والمشكلة أن الفريقين يعرفان حالتها المزرية ، لكن أولهما ينظر إليها بوصفها جيفة منتنة يجب تجاوزها ، بينما ينظر إليها الآخر بوصفها طوطماً يجب تقديسه والحفاظ عليه بهيئته التي لا تمس . فيتملك الأول الخجل من استخدامها ومن الافتخار بها ، ويتملك الآخر الخوف عليها ومنها في أشكالها المتطورة والمتجددة مع استمرار الحياة وتنوع مناحي الفكر ، كمن يريد لحبيبته أن تموت حتى تبقى ذكراها خالدة في ذهنه وخالية من ملذات العشق الجسدي .
ونكاد نجد إجماعاً بين المنتمين إلى الفريق الثاني على المبالغة في تحقيق الشرطين الأول والرابع ؛ وتعود أسباب تلك المبالغة إلى بعض العوامل الاجتماعية والأنثروبولوجية المتعلقة بضعف الرغبة في الإبداع . فيكون بالتالي استيراد النصوص من الفترات التاريخية السابقة والحكم على ما يأتي بعدها في ضوء القواعد المستخلصة من النصوص القديمة . كما أصبحت في كثير من الحالات حتى طرق استخلاص القواعد تتجمد عند مرحلة زمنية ، ويُقتصر على ما ورد في مصادر الدرس اللغوي الأولى ؛ وهي بلا شك من مقومات تكوين العقل العربي المقلد ، أو إذا صحت لنا الاستعارة من طرحنا الأنثروبولوجي السابق : إنشاء طوطم العقل ، وهي الحالة التي يصبح فيها العقل غير قابل للاستخدام ، بل يصبح إجلاله متمثلاً في عدم ذكره والخوف منه . ومن هنا كانت مرجعية الخبر أو النص اللغوي ونقل الحكم عن شخصية معترف بها أو مصدر موثوق به أساس العلم والمعرفة ، بل هي مقومات السماح للإنسان بالكلام المقبول .

تعليق