دروب القراءات النقدية
د. مصطفى عطية
للقراءات النقدية دروب ثلاثة ؛ أولها : قراءة نص إبداعي مفردا كان أو نصوصا أو كتابا ، وثانيها :قراءة مجمل المسيرة الإبداعية كلها ، أو على الأقل إلى وقت كتابة الدراسة النقدية عن أعمال المبدع المختار ، وثالثها : نقد النقد ، أي المناقشة النقدية لما قيل عن الإبداع من نقد .
هذه الدروب الثلاثة تأتي على الترتيب ، فمن المنطقي أن يقرأ الناقد النص مفردا ويناقشه ، ثم ينتقل إلى قراءة الكتاب الحاوي لنصوص عدة ، ومن ثم مناقشة مجمل التجربة الإبداعية ، ثم تأتي مرحلة النقد على النقد ، التي تنطلق من النص أيضا، فسواء اتفقت أو اختلفت مع ما طُرِح من آراء نقدية ، فإن حكمها هو النص ، هل يحتمل ويصدق عليه ما قيل أم لا ؟ بجانب مناقشة الفرضيات النقدية المذكورة بالعودة إلى مناهج النقدية ومقولاتها ونظرياتها .
لو تأملنا النهج الأول سنجد أنه يتوقف عند جزء من كل ، وفرع من أصل ، وملمح من وجه ، فمن الصعب أن نصدر حكما تعميميا شاملا على تجربة الشاعر ذاته ، لأن الذات الشاعرة متقلبة متبدلة ، فقد تبدع في نص وتأتي بجديد فينبهر الناقد بهذا الإبداع ، وسرعان ما يحتفي بالمبدع كله ، وهو غير واع لتطوره الإبداعي، وقد يكرر المبدع نفسه في نص ، ولا ينتبه الدارس إلى هذا التكرار ، فيتوقف عند النص ، ويدور حوله ويحتفي به ، دون أدنى إشارة إلى الإضافة الإبداعية .
وهذا النهج مهم ومطلوب ونحتاجه بشدة ، من أجل مناقشة وتقييم النص الأدبي وإرشاد المبدع والقارئ على السواء ، وكذلك من أجل تسليط الضوء على نصوص بعينها ، ذات منحى جديد، ورؤية مختلفة ، وتقنيات مبتدعَة ، فتكون الدراسة هنا أشبه بضوء المصباح عندما يتركز على بقعة معينة من أجل إيضاح تفاصيلها بكل ما فيها . وبالطبع هذا يصدق على التناول المكتوب المنشور ، أو الشفاهي في حوار أو ندوة ، ولا يمكن الاستغناء عن ذاك التوجه ، بهدف متابعة الجديد في الحياة الإبداعية ، واحتياجنا إلى مناقشة أعمال بعينها ، فهو مفيد غاية الإفادة إذا أحسنّا تطبيقه ، وأقصينا التعميم الفضفاض الذي يرفع أو يخفض التجارب والنصوص دون معايير علمية واضحة ، وينبغي البعد بلغتنا النقدية عن الهجوم الحاد الذي يترك آثارا نفسية عند المبدع ، يصعب محوها ، خاصة إذا كان في سنوات تكوينه الأولى ، ويحيل النقاش النقدي إلى صراع شخصي ، وعناد فكري .
وفي جميع الأحوال ، لابد أن يكون الناقد / الدارس ملما بأعمال المبدع ، كي يتلافى أوجه النقص في رؤيته ، ويكون حكمه حلقة من حلقات نقدية حول تجربة المبدع. وللعلم فإن هذا النهج يمكن أن يكون موضوعا لدراسة قصيرة ، وأيضا محورا لكتاب أو أطروحة ، فكم من الكتب الإبداعية متميزة في إبداعها وإضافتها ، خصوصا إذا كانت كبيرة الحجم ، عكف المبدع على كتابتها في سنوات ، واضعا فيها عصارة خبرته وثقافته ورؤاه ، والمثال الأبرز على ذلك ما قاله الروائي الإنجليزي الشهير " جيمس جويس " وهو يؤلف روايته الخالدة " عوليس " : " سأترك كتابا يعكف عليه النقاد قرنا كاملا " . وكان على حق في ذلك ، فالرواية طويلة ، كبيرة الحجم ، كثيفة التعبيرات ، معقدة في بنائها ورؤاها ، واشتملت – فيما اشتملت عليه – على ألفاظ وتعبيرات من عشر لغات ، ولا يزال النقاد والأكاديميون عاكفين عليها ، وهذا ما نجده في أعمال خالدة أخرى كثيرة ، مثل قصيدة الأرض اليباب للشاعر الإنجليزي إليوت ، وبعض دواوين أمل دنقل ، مثل " أوراق الغرفة 8 ".
أما النهج الثاني فهو قراءة مجمل أعمال المبدع ، سواء كان حيا أو متوفيا، وهذا مطلوب ، بل يحتاج إليه كل سنوات عديدة ، لتقديم قراءة حول مسيرته الإبداعية وما حققه من تطورات وإضافات ، فيرى نفسه بعين ناقدة ، ويرى أصداء مسيرته في عيون النقاد والقراء على السواء . إن هذه الطريقة تحتاج إلى دربة وصبر من الناقد / الدارس وهو يتأمل مسيرة المبدع ، وينظر فيما أبدع ، وكيف تطور، وبمن تأثر ، وأبرز التيارات التي تفاعل معها ، فتكون المحصلة مفيدة للمبدع والقارئ والناقد على السواء ، لأنها أشبه بتقديم لوحة نقدية مكتملة .
يقال هذا ، لأننا – وللأسف – وجدنا مبدعين بدأوا حياتهم بدايات مبشرة بإبداع كبير ، وسرعان ما تجمدوا عند بداياتهم ، وثبتت قناعاتهم الجمالية والفكرية عند عقود خلت ، بل تحجرت ، وصارت جزءا من تركيبتهم النفسية ، ونصّبوا أنفسهم حكما على تيارات جديدة جاءت بعدهم ، وكأن الإبداع توقف عند جيلهم وحدهم . وقد ناقشتُ منذ سنوات في القاهرة الأعمال الكاملة لأحد شعراء جيل الستينيات ، وقد أصبح صاحبها اسما لامعا في عالم الصحافة الأدبية ، وصدرت أعماله الكاملة في طبعة فخمة عن دار نشر حكومية ، وكانت الندوة احتفاء بصدورها ، وكم كانت المفاجأة ، عندما وجدت وأنا أفرّ صفحات الديوان وقصائده ؛ أن موضوعات الديوان الأخير ومضامينه بل وجمالياته ، هي نفسها الموجودة الديوان الأول ، فالتعبيرات والصور متقاربة ، مكرورة الألفاظ والدلالات ، والأجواء الفكرية واحدة ، بالرغم من أن الفارق بينها يزيد على ثلاثة عقود ، ونفس الأمر مع سائر الدواوين الأخرى ، التي حواها المجلدان الفاخران ، وللأسف فإن بقية المناقشين أمعنوا في المدح .
و السبب في ذلك بسيط ، بل في منتهى البساطة ، فقد توقف المبدع ، وكل من يتوقف سيدور في حلقة مفرغة ، يعيد ما كتبه بدون وعي في غالب الأحيان، أو يردد ما أبدعه أبناء جيله ، الذين اتبعوا نفس المذهب الأدبي . فالمسؤولية بالطبع تقع على عاتق المبدع الذي لم يجدد نفسه ، مثلما تتحملها الحياة الثقافية ، وما فيها من مجاملات خصوصا للمبدعين العاملين في المجلات الأدبية والصفحات الثقافية ، فهم وسيلة النشر من خلال إقامة علاقة جيدة معهم .
والغريب أن في مثل هذه الحالات ، تبدو هناك ظاهرة لافتة للنظر ، تتمثل فيما يدور من همس بين النقاد والمناقشين قبل الندوة أو بعدها على المقاهي أو في الجلسات الخاصة ، حيث يكون كلامهم على النقيض ، فإذا كان النقاش في الندوة احتفائيا ، وإن جاءت إشارة بالذم ، فهي تأتي عابرة ومغلفة بعشرات الكلمات الرقيقة، أما ما يقال خارج الندوة فهو كلام صريح واضح وأحيانا يكون حادا قاسيا، يفيد المبدع ذاته لو أنه حرص على سماعه وتحمل قسوة عباراته ، بدلا من اختياله أمام عدسات المصورين .
ولازلت أذكر ، أن روائيا كبيرا وهو أيضا صحافي شهير ، أصدر رواية وامتلأت الصفحات الثقافية بالثناء عليها ، وقد قرأت الرواية بالفعل وكونت رأيا حولها ، وعندما قابلت أحد الكتّاب الشباب من النهمين في متابعة أعمال هذا الأديب تحديدا ، وسألته عن رأيه في الرواية الجديدة، ابتسم وأقسم أنه لم يقرأها ، ولكنه أكّد أن الرواية ستحتوي على كذا وكذا وكذا ، فقلت هذا صحيح ، كيف عرفت ؟ فقال بكل ثقة – وأيضا بحنق - : لو قرأت مجمل أعمال هذا الروائي ، ستعرف أنه مفلس، يكرر نفسه بشكل أو بآخر ، مرة يغير المكان والزمان ، فتتغير تبعا لذلك الأحداث ويبقى المضمون متشابها ، أو يغير الشخصيات الأساسية في أعمارها وطبيعة عملها ، وستتغير الأحداث حتما ، وتظل الدلالة واحدة ، والمحصلة في النهاية أن لا جديد يطرحه ، لأنه يحافظ على الرواية الأولى التي يظن أن الشهرة جاءته من مضمونها.
ونصل إلى النهج الثالث ، وهو نقد النقد أو النقد على النقد ، ونعني به : مناقشة ما يدور من نقد مطروح ، مكتوبا كان أو شفاهيا ، وهو من الأهمية بمكان ، لأنه إرشاد للناقد ومراجعة لما قال ، وإرشاد للمبدع ، حتى لا يظن أن ما طُرِح هو حكم نهائي لا خلاف عليه ، خصوصا أن كثيرين من المتصدرين للندوات تحت عنوان أنهم نقاد ليسوا نقادا ، وإنما متذوقون انطباعيون ، يحكمون بقناعاتهم الخاصة ، أو ممن لديهم شهوة الكلام والرغبة في الظهور ، وفي الحالتين فإن الحكم النقدي غير دقيق . كما أنه نهج مهم لشباب النقاد كي يعرفوا مدى صواب أو خطأ نهوجهم النقدية وآرائهم ، وأيضا كي لا تتضخم ذواتهم عندما لا يجدون تعقيبات عليهم .
والغريب في الأمر ، أن " نقد النقد " يكاد أن يتوارى في الحياة الثقافية ، وإن وُجِد فهو ضعيف في طرحه ، فكثيرون من النقاد الحقيقيين – على قلتهم – يؤثرون السلامة ، ويفضلون عدم الدخول في مراجعات ونقاشات نقدية ، مع شباب صغير ربما لا يفهم توجيهاتهم على محمل صحيح ، أو يحبذون توفير أوقاتهم وجهودهم لأعمال أخرى ، مما يترك آثارا سلبية على تكوين النقاد ، وإيجاد حوار نقدي حقيقي.
ومن حسنات الناقد الكبير د. محمد مندور – رحمه الله - ، أنه كان يعتني بهذا اللون من النقد، وكان يكتب مقالات يناقش فيها شباب النقاد ، بعدما يكون قد قرأ النص الإبداعي بعناية ، مبتعدا عن الأستاذية المفتعلة أو العبارات الجارحة ، فحرصه على موهبة الناقد الشاب وعلى استمراره أهم بكثير من الانتصار لرأي ما .
ويظل السؤال في ختام المقال : متى يكون لدينا حياة نقدية حقيقية ، تتفاعل فيها الدروب الثلاثة ، بحوارات عقلانية ، تنأى عن الأهواء ، وترتفع إلى أخلاق المثقفين المثلى ، وتضع نصب عينيها أن النقد هو الجناح الآخر للإبداع ؟ فلا إبداع دون نقد ، مثلما أنه لا نقد دون إبداع .
د. مصطفى عطية
للقراءات النقدية دروب ثلاثة ؛ أولها : قراءة نص إبداعي مفردا كان أو نصوصا أو كتابا ، وثانيها :قراءة مجمل المسيرة الإبداعية كلها ، أو على الأقل إلى وقت كتابة الدراسة النقدية عن أعمال المبدع المختار ، وثالثها : نقد النقد ، أي المناقشة النقدية لما قيل عن الإبداع من نقد .
هذه الدروب الثلاثة تأتي على الترتيب ، فمن المنطقي أن يقرأ الناقد النص مفردا ويناقشه ، ثم ينتقل إلى قراءة الكتاب الحاوي لنصوص عدة ، ومن ثم مناقشة مجمل التجربة الإبداعية ، ثم تأتي مرحلة النقد على النقد ، التي تنطلق من النص أيضا، فسواء اتفقت أو اختلفت مع ما طُرِح من آراء نقدية ، فإن حكمها هو النص ، هل يحتمل ويصدق عليه ما قيل أم لا ؟ بجانب مناقشة الفرضيات النقدية المذكورة بالعودة إلى مناهج النقدية ومقولاتها ونظرياتها .
لو تأملنا النهج الأول سنجد أنه يتوقف عند جزء من كل ، وفرع من أصل ، وملمح من وجه ، فمن الصعب أن نصدر حكما تعميميا شاملا على تجربة الشاعر ذاته ، لأن الذات الشاعرة متقلبة متبدلة ، فقد تبدع في نص وتأتي بجديد فينبهر الناقد بهذا الإبداع ، وسرعان ما يحتفي بالمبدع كله ، وهو غير واع لتطوره الإبداعي، وقد يكرر المبدع نفسه في نص ، ولا ينتبه الدارس إلى هذا التكرار ، فيتوقف عند النص ، ويدور حوله ويحتفي به ، دون أدنى إشارة إلى الإضافة الإبداعية .
وهذا النهج مهم ومطلوب ونحتاجه بشدة ، من أجل مناقشة وتقييم النص الأدبي وإرشاد المبدع والقارئ على السواء ، وكذلك من أجل تسليط الضوء على نصوص بعينها ، ذات منحى جديد، ورؤية مختلفة ، وتقنيات مبتدعَة ، فتكون الدراسة هنا أشبه بضوء المصباح عندما يتركز على بقعة معينة من أجل إيضاح تفاصيلها بكل ما فيها . وبالطبع هذا يصدق على التناول المكتوب المنشور ، أو الشفاهي في حوار أو ندوة ، ولا يمكن الاستغناء عن ذاك التوجه ، بهدف متابعة الجديد في الحياة الإبداعية ، واحتياجنا إلى مناقشة أعمال بعينها ، فهو مفيد غاية الإفادة إذا أحسنّا تطبيقه ، وأقصينا التعميم الفضفاض الذي يرفع أو يخفض التجارب والنصوص دون معايير علمية واضحة ، وينبغي البعد بلغتنا النقدية عن الهجوم الحاد الذي يترك آثارا نفسية عند المبدع ، يصعب محوها ، خاصة إذا كان في سنوات تكوينه الأولى ، ويحيل النقاش النقدي إلى صراع شخصي ، وعناد فكري .
وفي جميع الأحوال ، لابد أن يكون الناقد / الدارس ملما بأعمال المبدع ، كي يتلافى أوجه النقص في رؤيته ، ويكون حكمه حلقة من حلقات نقدية حول تجربة المبدع. وللعلم فإن هذا النهج يمكن أن يكون موضوعا لدراسة قصيرة ، وأيضا محورا لكتاب أو أطروحة ، فكم من الكتب الإبداعية متميزة في إبداعها وإضافتها ، خصوصا إذا كانت كبيرة الحجم ، عكف المبدع على كتابتها في سنوات ، واضعا فيها عصارة خبرته وثقافته ورؤاه ، والمثال الأبرز على ذلك ما قاله الروائي الإنجليزي الشهير " جيمس جويس " وهو يؤلف روايته الخالدة " عوليس " : " سأترك كتابا يعكف عليه النقاد قرنا كاملا " . وكان على حق في ذلك ، فالرواية طويلة ، كبيرة الحجم ، كثيفة التعبيرات ، معقدة في بنائها ورؤاها ، واشتملت – فيما اشتملت عليه – على ألفاظ وتعبيرات من عشر لغات ، ولا يزال النقاد والأكاديميون عاكفين عليها ، وهذا ما نجده في أعمال خالدة أخرى كثيرة ، مثل قصيدة الأرض اليباب للشاعر الإنجليزي إليوت ، وبعض دواوين أمل دنقل ، مثل " أوراق الغرفة 8 ".
أما النهج الثاني فهو قراءة مجمل أعمال المبدع ، سواء كان حيا أو متوفيا، وهذا مطلوب ، بل يحتاج إليه كل سنوات عديدة ، لتقديم قراءة حول مسيرته الإبداعية وما حققه من تطورات وإضافات ، فيرى نفسه بعين ناقدة ، ويرى أصداء مسيرته في عيون النقاد والقراء على السواء . إن هذه الطريقة تحتاج إلى دربة وصبر من الناقد / الدارس وهو يتأمل مسيرة المبدع ، وينظر فيما أبدع ، وكيف تطور، وبمن تأثر ، وأبرز التيارات التي تفاعل معها ، فتكون المحصلة مفيدة للمبدع والقارئ والناقد على السواء ، لأنها أشبه بتقديم لوحة نقدية مكتملة .
يقال هذا ، لأننا – وللأسف – وجدنا مبدعين بدأوا حياتهم بدايات مبشرة بإبداع كبير ، وسرعان ما تجمدوا عند بداياتهم ، وثبتت قناعاتهم الجمالية والفكرية عند عقود خلت ، بل تحجرت ، وصارت جزءا من تركيبتهم النفسية ، ونصّبوا أنفسهم حكما على تيارات جديدة جاءت بعدهم ، وكأن الإبداع توقف عند جيلهم وحدهم . وقد ناقشتُ منذ سنوات في القاهرة الأعمال الكاملة لأحد شعراء جيل الستينيات ، وقد أصبح صاحبها اسما لامعا في عالم الصحافة الأدبية ، وصدرت أعماله الكاملة في طبعة فخمة عن دار نشر حكومية ، وكانت الندوة احتفاء بصدورها ، وكم كانت المفاجأة ، عندما وجدت وأنا أفرّ صفحات الديوان وقصائده ؛ أن موضوعات الديوان الأخير ومضامينه بل وجمالياته ، هي نفسها الموجودة الديوان الأول ، فالتعبيرات والصور متقاربة ، مكرورة الألفاظ والدلالات ، والأجواء الفكرية واحدة ، بالرغم من أن الفارق بينها يزيد على ثلاثة عقود ، ونفس الأمر مع سائر الدواوين الأخرى ، التي حواها المجلدان الفاخران ، وللأسف فإن بقية المناقشين أمعنوا في المدح .
و السبب في ذلك بسيط ، بل في منتهى البساطة ، فقد توقف المبدع ، وكل من يتوقف سيدور في حلقة مفرغة ، يعيد ما كتبه بدون وعي في غالب الأحيان، أو يردد ما أبدعه أبناء جيله ، الذين اتبعوا نفس المذهب الأدبي . فالمسؤولية بالطبع تقع على عاتق المبدع الذي لم يجدد نفسه ، مثلما تتحملها الحياة الثقافية ، وما فيها من مجاملات خصوصا للمبدعين العاملين في المجلات الأدبية والصفحات الثقافية ، فهم وسيلة النشر من خلال إقامة علاقة جيدة معهم .
والغريب أن في مثل هذه الحالات ، تبدو هناك ظاهرة لافتة للنظر ، تتمثل فيما يدور من همس بين النقاد والمناقشين قبل الندوة أو بعدها على المقاهي أو في الجلسات الخاصة ، حيث يكون كلامهم على النقيض ، فإذا كان النقاش في الندوة احتفائيا ، وإن جاءت إشارة بالذم ، فهي تأتي عابرة ومغلفة بعشرات الكلمات الرقيقة، أما ما يقال خارج الندوة فهو كلام صريح واضح وأحيانا يكون حادا قاسيا، يفيد المبدع ذاته لو أنه حرص على سماعه وتحمل قسوة عباراته ، بدلا من اختياله أمام عدسات المصورين .
ولازلت أذكر ، أن روائيا كبيرا وهو أيضا صحافي شهير ، أصدر رواية وامتلأت الصفحات الثقافية بالثناء عليها ، وقد قرأت الرواية بالفعل وكونت رأيا حولها ، وعندما قابلت أحد الكتّاب الشباب من النهمين في متابعة أعمال هذا الأديب تحديدا ، وسألته عن رأيه في الرواية الجديدة، ابتسم وأقسم أنه لم يقرأها ، ولكنه أكّد أن الرواية ستحتوي على كذا وكذا وكذا ، فقلت هذا صحيح ، كيف عرفت ؟ فقال بكل ثقة – وأيضا بحنق - : لو قرأت مجمل أعمال هذا الروائي ، ستعرف أنه مفلس، يكرر نفسه بشكل أو بآخر ، مرة يغير المكان والزمان ، فتتغير تبعا لذلك الأحداث ويبقى المضمون متشابها ، أو يغير الشخصيات الأساسية في أعمارها وطبيعة عملها ، وستتغير الأحداث حتما ، وتظل الدلالة واحدة ، والمحصلة في النهاية أن لا جديد يطرحه ، لأنه يحافظ على الرواية الأولى التي يظن أن الشهرة جاءته من مضمونها.
ونصل إلى النهج الثالث ، وهو نقد النقد أو النقد على النقد ، ونعني به : مناقشة ما يدور من نقد مطروح ، مكتوبا كان أو شفاهيا ، وهو من الأهمية بمكان ، لأنه إرشاد للناقد ومراجعة لما قال ، وإرشاد للمبدع ، حتى لا يظن أن ما طُرِح هو حكم نهائي لا خلاف عليه ، خصوصا أن كثيرين من المتصدرين للندوات تحت عنوان أنهم نقاد ليسوا نقادا ، وإنما متذوقون انطباعيون ، يحكمون بقناعاتهم الخاصة ، أو ممن لديهم شهوة الكلام والرغبة في الظهور ، وفي الحالتين فإن الحكم النقدي غير دقيق . كما أنه نهج مهم لشباب النقاد كي يعرفوا مدى صواب أو خطأ نهوجهم النقدية وآرائهم ، وأيضا كي لا تتضخم ذواتهم عندما لا يجدون تعقيبات عليهم .
والغريب في الأمر ، أن " نقد النقد " يكاد أن يتوارى في الحياة الثقافية ، وإن وُجِد فهو ضعيف في طرحه ، فكثيرون من النقاد الحقيقيين – على قلتهم – يؤثرون السلامة ، ويفضلون عدم الدخول في مراجعات ونقاشات نقدية ، مع شباب صغير ربما لا يفهم توجيهاتهم على محمل صحيح ، أو يحبذون توفير أوقاتهم وجهودهم لأعمال أخرى ، مما يترك آثارا سلبية على تكوين النقاد ، وإيجاد حوار نقدي حقيقي.
ومن حسنات الناقد الكبير د. محمد مندور – رحمه الله - ، أنه كان يعتني بهذا اللون من النقد، وكان يكتب مقالات يناقش فيها شباب النقاد ، بعدما يكون قد قرأ النص الإبداعي بعناية ، مبتعدا عن الأستاذية المفتعلة أو العبارات الجارحة ، فحرصه على موهبة الناقد الشاب وعلى استمراره أهم بكثير من الانتصار لرأي ما .
ويظل السؤال في ختام المقال : متى يكون لدينا حياة نقدية حقيقية ، تتفاعل فيها الدروب الثلاثة ، بحوارات عقلانية ، تنأى عن الأهواء ، وترتفع إلى أخلاق المثقفين المثلى ، وتضع نصب عينيها أن النقد هو الجناح الآخر للإبداع ؟ فلا إبداع دون نقد ، مثلما أنه لا نقد دون إبداع .

تعليق