حقيقة رأي البصريين والكوفيين
في الاستشهاد بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية
د. عبد الفتاح محمد عبوش
في الاستشهاد بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية
د. عبد الفتاح محمد عبوش
تباينت آراء المحدثين في حقيقة استشهاد نحاة البصرة ، والكوفة بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية .
ـ فمنهم من ذهب إلى أن البصريين هم أول من فتح باب الطعن على القراءات القرآنية ، متواترها ، وشاذها ، ثم تطاير شررُ هذه الحملة إلى بعض نحاة الكوفة ، فأسهم فيها(1) .
ويرى هؤلاء أن الدافع الذي حدا بالبصريين إلى هذه التهمة ، هو أن استقراءهم كان ناقصاً حين اعتمدوا في الأخذ عن القبائل المشهورة ، وأغفلوا القبائل المغمورة ، حيث توقفوا عند كثير من القراءات القرآنية التي تمثل لهجات لهذه القبائل ، فتجهموا لها ، ووقفوا منها موقف المعارضة(2) .
ـ وذهب آخرون إلى رد هذه التهمة عن البصريين ، واعتبروا ما جاء من ذلك عنهم ، إنما هو من متأخري نحاة البصرة ، وليس ممن أصل أصولهم النحوية ، ومد أقيستها ، وشرح عللها ، حيث كان القرآن الكريم وقراءاته مدداً لا ينضب لقواعدهم ، وتوقف نفر منهم إزاء أحرف قليلة في القراءات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وجدوها لا تطرد مع قواعدهم ، بينما تطرد معها قراءات أخرى آثروها ، وتوسع في وصف ذلك بعض المعاصرين ، فقالوا إنهم كانوا يردون بعض القراءات ، ويضعفونها ، كأن ذلك كان ظاهرة عامة عندهم ، مع أنه لا يوجد في كتاب سيبويه نصوص صريحة تشهد لهذه التهمة الكبرى(3) .
ونحن إذ نقف على هذه الآراء المتباينة ، يجدر بنا أن نستجلي الحقيقة التي تكمن خلف هذه التهم ، والردود عليها ، وذلك بالرجوع إلى مصادر البصريين ، والكوفيين ، وإلى مظانِّ كتب القراءات القرآنية ، متواترها ، وشاذها ـ سواء كانت كتب الرواية أم الدراية ـ لنتبين المنابع التي استقى منها البصريون قواعدهم النحوية ، ومن ثم الحكم على ما خالفها بالشذوذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه ، حتى لو كان وارداً في القراءات القرآنية . ونعمل في الاتجاه نفسِه مع الكوفيين ؛ لكي تتعادل كفتا الحكم على كلا الرأيين .
وقبل أن نخوض غمار كتب الفريقين ، نرى أن نقف على الحد الفاصل بين القراءات المتواترة ، والشاذة ؛ ليكون ذلك معيناً لنا على استجلاء الحقيقة في استدلال كلا الفريقين على قواعدهم النحوية لكلا النوعين من القراءات .
فالقراءات القرآنية ـ كما هو معلوم ـ تقسم بالمجمل على قسمين : متواترة ، أو صحيحة ، وشاذة . وأركان القراءة الصحيحة ثلاثة كانت منذ القرن الأول هي المعتمدة في نقل القراءات. وقد أحكم ابن الجزري تقعيدها ، وضبطها بعبارة محكمة، وأفاض في شرح أركانها ، إذ يقول : ( كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصح سندها ، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ، ولا يحل إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، سواء كانت عن الأئمة السبعة ، أم عن العشرة ، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين . ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة ، أطلق عليها ضعيفة ، أو شاذة ، أو باطلة ، سواء كانت عن السبعة ، أو عمن هو أكبر منهم . وهذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف ،والخلف... الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه )(4) .
إذن أركان القراءة الصحيحة ثلاثة :
1ـ صحة السند مع ثبوت الرواية .
2ـ موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .
3ـ موافقة العربية ولو بوجه .
ونحن نفصل القول في هذه الأركان الثلاثة ؛ لنرى كيف وقف كلا الفريقين منها.
أـ صحة السند :
والمقصود بصحة السند هو أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له(5) . فلكي تُقبلُ أيَّةُ قراءة لا بد من ثبوت النقل ، ثم يأتي الركنان الآخران. ولا يجوز إعمال الرأي والاجتهاد في القراءة ، إذ إنَّها سنةٌ يتلقاها الآخر عن الأول إلى منتهاها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
ونحن نلمس هذا التوجه من لدن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، منذ الصدر الأول للدعوة الإسلامية . إذ يروي ابن مجاهد بسنده عن سيدنا علي (رض) قال :
( إن رسول الله (ص) يأمركم أن تقرؤوا القرآن كما عُلمتم )(6) .
والناظر في كتب القراءات الشاذة يرى مواضع قد ردت فيها مفردات بسبب الطعن في صحة النقل .
فقد ذكر ابن خالويه أن الحسن قرأ قوله تعالى : ( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)[ق/4] . قرأ الحسن : ( ألقياً ) بنون توكيد خفيفة . قال ابن خالويه : ولا يقرأ به ؛ لأن في سنده ضعفاً(7) .وشيخ نحاة البصرة يؤكد هذا المعنى في كتابه ، إذ يقول :
( وأما قوله عز وجل : (إنا كلَّ شئ خلقناه بقدر )[القمر/ 49] . فإنما هو على قوله: زيداً ضربتُه ، وهو عربي كثير . وقد قرأ بعضهم : ( وأما ثمودَ فهديناهم ) [فصلت/ 17] . إلا أن القراءة لا تخالف ؛ لأن القراءة السنة )(8) .
فسيبويه يرى أن ( كل ) نصبت على إضمار فعل يفسره ( خلقناه ) والتقدير عنده : ضربتُ زيداً ضربتُه . إلا أنهم لا يُظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بذكر الثاني(9) .
وقد وصف سيبويه هذا الوجه بأنه عربي كثير .
وأما النص القرآني الثاني ( وأما ثمودَ ) ، فنلاحظ مع أنه على قياس العربية ، إلا أن قراءة النصب شاذة(10) . ولما لم يقو سندها ـ مع كثرتها في العربية ـ نلاحظ أن سيبويه يقف منها موقف المتحرج ، وكأني به يقول : مع كثرة ورود وجه النصب في ( ثمودَ ) على قياس العربية ، إلا أن هذه القراءة ضعيفة السند . وعبر عن ذلك بقوله : إلا أن القراءة لا تخالف لأن القراءة السنة .
ومن هنا نستطيع أن نقول : إن سيبويه ـ في كتابه ـ لم يُخَطِّئْ قراءةً شاذة فضلاً عن المتواترة ، بل احتج بالنوعين على قواعده النحوية ، ممَّا سوف يلقانا في قابل الصفحات بإذن الله .
وإذا ما اتجهنا إلى الأخفش الأوسط ( 215هـ ) ، نلاحظ أنه يغفل هذا التوجه في كتابه ( معاني القرآن ) ، الذي يعكس فيه شخصيته في الاستشهاد بالقراءات القرآنية ؛ لذلك نراه كثيراً ما يصف قراءة متواترة بأنها اضطرار(11) . أو أنها رديئة(12) . أو ربما وصل به الأمر بأن يصفها بالقبح(13) . مما يشير إلى ضعف هذا الوازع عنده .
ففي قوله تعالى : ( فَرِهانٌ مقبوضةٌ )[البقرة/ 283] . قرأ أبو عمرو : ( فَرُهُنٌ ) بضم الراء ، والهاء ، وبدون ألف . وهي قراءة سبعية متواترة(14) .
قال الأخفش : قراءةُ ضم الراء ، والهاء قبيحةٌ . وعلَّل ذلك بأن ( فَعْلاً ) لا يُجمع على ( فُعُل) إلا قليلاً شاذاً(15) .
وقال أبو عمرو : قالت العرب ( رُهُنٌ ) ؛ ليفصلوا بينه وبين ( رهان ) الخيل(16) .
فالأخفش يقبح هذه القراءة المتواترة ، مع أن العرب قد أدارتها على ألسنتها .
وإذ نيمم وجهنا تلقاء الكسائي الذي قرأ كتاب سيبويه ـ هو والفراء ـ على الأخفش، نجد أن الرجل يتبع النهج نفسَه .
ففي قوله تعالى : ( قد سمع الله قول )[المجادلة/1] . قرأ الجمهور ببيان الدال من السين، وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي بالإدغام . وهما قراءتان متواترتان(17) .
قال أبو حيان : قال خلف بن هشام البزار : سمعت الكسائي يقول : من قرأ : ( قد سمع ) ، فبيَّن الدال عند السين ، فلسانه أعجمي ليس بعربي . قال أبو حيان : ولا يُلتفت إلى هذا القول فالجمهور على البيان(18) .
وقال الآلوسي : ( ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين صحيح متواتر ، بل الجمهور على البيان )(19) .
والفراء يحذو حذو شيخه ، ويترسم خُطاه في ذلك . فتراه مرةً يرد قراءة متواترة ، وينسب الوهم إلى القراء بأنهم لم يكونوا متقنين ، وفطنين ، وإنما يتطرق الوهم إلى ذاكرتهم ، فيخطِئون في قراءة كلمة لم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد قرأ بها .
من ذلك قوله تعالى : ( وما أنتم بمصرخيَّ )[إبراهيم/22] . قرأ حمزة ، والأعمش ، ويحيى ابن وثاب ، وحمران بن أعين : ( بمصرخيِّ ) بكسر الياء ، وهي قراءة سبعية متواترة(20) قال الفراء : ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى فإنه قل من سلم منهم من الوهم . ولعله ظن أن الباء في : ( بمصرخي ) خافضة للحرف كلِّه ، والياء من المتكلم خارجة عن ذلك(21) . والنحويون يعللون ذلك بأن الكسر مطرد في لغة بني يربوع في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم ، وخص ذلك بالوصل . قال شاعرهم، وهو الأغلب العجلي :
قال لها : هل لك يا تافيِّ
قالت له : ما أنت بالمرضيِّ
وكذلك فإن هذه اللغة حكاها قطرب ، وأجازها أبو عمرو(22) .
وهذه القراءة صحت سماعاً ، كما أنها صحت قياساً ، إذ الياء كسرت إتباعاً للكسرة التي بعدها في : ( بمصرخيِّ إنِي ) ، واللسان معها يعمل من موضع واحد ، ووجه واحد . ففيها الانسجام ، وتقريب الأصوات بعضها من بعض ، وذلك ما يميل إليه البدو أمثال بني يربوع(23) .
ويكرر الفراء نسب الوهم للقراء في مواطن متعددة(24).
والفراء لم يقف عند هذا الحد ، فهو نفسُه يقع في الوهم الذي ألصقه بغيره .
ففي قوله تعالى : ( تلك إذاً قسمةٌ ضيزى ) [النجم/22] . يقول : والقراء جميعاً لم يهمزوا ( ضيزى ) . ومن العرب من يقول :ضَيْزى . وبعضهم يقول : قسمةٌ ضَأْزى ، وضُؤْزى ، بالهمز ، ولم يقرأ بها أحد نعلمه(25) .
والحق أن ( ضَأْزى ) بالهمز هي قراءة سبعية متواترة ، قرأ بها ابن كثير(26) .
ومن هنا نلاحظ أن الفراء أكثر من تقبيح قراءة متواترة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ووصف أخرى بالرداءة ، وثالثة بالوهم ـ كما مر ـ ، ورابعة بالشذوذ ، وخامسة يقول عنها : لا أستحبها على هذا الوجه . كل ذلك مما يدلنا على أنه لم يلتزم بما التزم به سيبويه من أن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ، بل اتبع منهج أستاذه الأخفش في رد كثير من القراءات ، كما سنرى بإذن الله .
ومن المعروف كذلك أن المازني كان أحد اثنين قرأا كتاب سيبويه على الأخفش الأوسط ، وتتلمذ على يديه ، وحذا حذوه في التنكر لبعض القراءات المتواترة ، فراح يطعن على القراء ، ويسخر منهم ، وعدهم من الجهلاء الذين يتعلقون بالألفاظ ، ويجهلون المعاني(27) .
والمبرد الذي ختمت المدرسة البصرية به ، لم يكن ليستطيع التخلص مما طبعه به أستاذُه المازني من رد بعض القراءات المتواترة ، والشاذة ، وإن كان ذلك عنده أقل مما هو موجود عند الفراء ، والأخفش الأوسط .
ففي كتابَيْه ( المقتضب ) ، ( والكامل ) ، نجد أن الرجل قد ساقه قلمُه للطعن في بعض القراءات ، ولم يلتزم بالقاعدة المشهورة المذكورة سلفاً ، مما سنجده أمامنا بإذن الله .
ـ فمنهم من ذهب إلى أن البصريين هم أول من فتح باب الطعن على القراءات القرآنية ، متواترها ، وشاذها ، ثم تطاير شررُ هذه الحملة إلى بعض نحاة الكوفة ، فأسهم فيها(1) .
ويرى هؤلاء أن الدافع الذي حدا بالبصريين إلى هذه التهمة ، هو أن استقراءهم كان ناقصاً حين اعتمدوا في الأخذ عن القبائل المشهورة ، وأغفلوا القبائل المغمورة ، حيث توقفوا عند كثير من القراءات القرآنية التي تمثل لهجات لهذه القبائل ، فتجهموا لها ، ووقفوا منها موقف المعارضة(2) .
ـ وذهب آخرون إلى رد هذه التهمة عن البصريين ، واعتبروا ما جاء من ذلك عنهم ، إنما هو من متأخري نحاة البصرة ، وليس ممن أصل أصولهم النحوية ، ومد أقيستها ، وشرح عللها ، حيث كان القرآن الكريم وقراءاته مدداً لا ينضب لقواعدهم ، وتوقف نفر منهم إزاء أحرف قليلة في القراءات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وجدوها لا تطرد مع قواعدهم ، بينما تطرد معها قراءات أخرى آثروها ، وتوسع في وصف ذلك بعض المعاصرين ، فقالوا إنهم كانوا يردون بعض القراءات ، ويضعفونها ، كأن ذلك كان ظاهرة عامة عندهم ، مع أنه لا يوجد في كتاب سيبويه نصوص صريحة تشهد لهذه التهمة الكبرى(3) .
ونحن إذ نقف على هذه الآراء المتباينة ، يجدر بنا أن نستجلي الحقيقة التي تكمن خلف هذه التهم ، والردود عليها ، وذلك بالرجوع إلى مصادر البصريين ، والكوفيين ، وإلى مظانِّ كتب القراءات القرآنية ، متواترها ، وشاذها ـ سواء كانت كتب الرواية أم الدراية ـ لنتبين المنابع التي استقى منها البصريون قواعدهم النحوية ، ومن ثم الحكم على ما خالفها بالشذوذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه ، حتى لو كان وارداً في القراءات القرآنية . ونعمل في الاتجاه نفسِه مع الكوفيين ؛ لكي تتعادل كفتا الحكم على كلا الرأيين .
وقبل أن نخوض غمار كتب الفريقين ، نرى أن نقف على الحد الفاصل بين القراءات المتواترة ، والشاذة ؛ ليكون ذلك معيناً لنا على استجلاء الحقيقة في استدلال كلا الفريقين على قواعدهم النحوية لكلا النوعين من القراءات .
فالقراءات القرآنية ـ كما هو معلوم ـ تقسم بالمجمل على قسمين : متواترة ، أو صحيحة ، وشاذة . وأركان القراءة الصحيحة ثلاثة كانت منذ القرن الأول هي المعتمدة في نقل القراءات. وقد أحكم ابن الجزري تقعيدها ، وضبطها بعبارة محكمة، وأفاض في شرح أركانها ، إذ يقول : ( كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصح سندها ، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ، ولا يحل إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، سواء كانت عن الأئمة السبعة ، أم عن العشرة ، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين . ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة ، أطلق عليها ضعيفة ، أو شاذة ، أو باطلة ، سواء كانت عن السبعة ، أو عمن هو أكبر منهم . وهذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف ،والخلف... الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه )(4) .
إذن أركان القراءة الصحيحة ثلاثة :
1ـ صحة السند مع ثبوت الرواية .
2ـ موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .
3ـ موافقة العربية ولو بوجه .
ونحن نفصل القول في هذه الأركان الثلاثة ؛ لنرى كيف وقف كلا الفريقين منها.
أـ صحة السند :
والمقصود بصحة السند هو أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له(5) . فلكي تُقبلُ أيَّةُ قراءة لا بد من ثبوت النقل ، ثم يأتي الركنان الآخران. ولا يجوز إعمال الرأي والاجتهاد في القراءة ، إذ إنَّها سنةٌ يتلقاها الآخر عن الأول إلى منتهاها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
ونحن نلمس هذا التوجه من لدن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، منذ الصدر الأول للدعوة الإسلامية . إذ يروي ابن مجاهد بسنده عن سيدنا علي (رض) قال :
( إن رسول الله (ص) يأمركم أن تقرؤوا القرآن كما عُلمتم )(6) .
والناظر في كتب القراءات الشاذة يرى مواضع قد ردت فيها مفردات بسبب الطعن في صحة النقل .
فقد ذكر ابن خالويه أن الحسن قرأ قوله تعالى : ( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)[ق/4] . قرأ الحسن : ( ألقياً ) بنون توكيد خفيفة . قال ابن خالويه : ولا يقرأ به ؛ لأن في سنده ضعفاً(7) .وشيخ نحاة البصرة يؤكد هذا المعنى في كتابه ، إذ يقول :
( وأما قوله عز وجل : (إنا كلَّ شئ خلقناه بقدر )[القمر/ 49] . فإنما هو على قوله: زيداً ضربتُه ، وهو عربي كثير . وقد قرأ بعضهم : ( وأما ثمودَ فهديناهم ) [فصلت/ 17] . إلا أن القراءة لا تخالف ؛ لأن القراءة السنة )(8) .
فسيبويه يرى أن ( كل ) نصبت على إضمار فعل يفسره ( خلقناه ) والتقدير عنده : ضربتُ زيداً ضربتُه . إلا أنهم لا يُظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بذكر الثاني(9) .
وقد وصف سيبويه هذا الوجه بأنه عربي كثير .
وأما النص القرآني الثاني ( وأما ثمودَ ) ، فنلاحظ مع أنه على قياس العربية ، إلا أن قراءة النصب شاذة(10) . ولما لم يقو سندها ـ مع كثرتها في العربية ـ نلاحظ أن سيبويه يقف منها موقف المتحرج ، وكأني به يقول : مع كثرة ورود وجه النصب في ( ثمودَ ) على قياس العربية ، إلا أن هذه القراءة ضعيفة السند . وعبر عن ذلك بقوله : إلا أن القراءة لا تخالف لأن القراءة السنة .
ومن هنا نستطيع أن نقول : إن سيبويه ـ في كتابه ـ لم يُخَطِّئْ قراءةً شاذة فضلاً عن المتواترة ، بل احتج بالنوعين على قواعده النحوية ، ممَّا سوف يلقانا في قابل الصفحات بإذن الله .
وإذا ما اتجهنا إلى الأخفش الأوسط ( 215هـ ) ، نلاحظ أنه يغفل هذا التوجه في كتابه ( معاني القرآن ) ، الذي يعكس فيه شخصيته في الاستشهاد بالقراءات القرآنية ؛ لذلك نراه كثيراً ما يصف قراءة متواترة بأنها اضطرار(11) . أو أنها رديئة(12) . أو ربما وصل به الأمر بأن يصفها بالقبح(13) . مما يشير إلى ضعف هذا الوازع عنده .
ففي قوله تعالى : ( فَرِهانٌ مقبوضةٌ )[البقرة/ 283] . قرأ أبو عمرو : ( فَرُهُنٌ ) بضم الراء ، والهاء ، وبدون ألف . وهي قراءة سبعية متواترة(14) .
قال الأخفش : قراءةُ ضم الراء ، والهاء قبيحةٌ . وعلَّل ذلك بأن ( فَعْلاً ) لا يُجمع على ( فُعُل) إلا قليلاً شاذاً(15) .
وقال أبو عمرو : قالت العرب ( رُهُنٌ ) ؛ ليفصلوا بينه وبين ( رهان ) الخيل(16) .
فالأخفش يقبح هذه القراءة المتواترة ، مع أن العرب قد أدارتها على ألسنتها .
وإذ نيمم وجهنا تلقاء الكسائي الذي قرأ كتاب سيبويه ـ هو والفراء ـ على الأخفش، نجد أن الرجل يتبع النهج نفسَه .
ففي قوله تعالى : ( قد سمع الله قول )[المجادلة/1] . قرأ الجمهور ببيان الدال من السين، وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي بالإدغام . وهما قراءتان متواترتان(17) .
قال أبو حيان : قال خلف بن هشام البزار : سمعت الكسائي يقول : من قرأ : ( قد سمع ) ، فبيَّن الدال عند السين ، فلسانه أعجمي ليس بعربي . قال أبو حيان : ولا يُلتفت إلى هذا القول فالجمهور على البيان(18) .
وقال الآلوسي : ( ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين صحيح متواتر ، بل الجمهور على البيان )(19) .
والفراء يحذو حذو شيخه ، ويترسم خُطاه في ذلك . فتراه مرةً يرد قراءة متواترة ، وينسب الوهم إلى القراء بأنهم لم يكونوا متقنين ، وفطنين ، وإنما يتطرق الوهم إلى ذاكرتهم ، فيخطِئون في قراءة كلمة لم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد قرأ بها .
من ذلك قوله تعالى : ( وما أنتم بمصرخيَّ )[إبراهيم/22] . قرأ حمزة ، والأعمش ، ويحيى ابن وثاب ، وحمران بن أعين : ( بمصرخيِّ ) بكسر الياء ، وهي قراءة سبعية متواترة(20) قال الفراء : ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى فإنه قل من سلم منهم من الوهم . ولعله ظن أن الباء في : ( بمصرخي ) خافضة للحرف كلِّه ، والياء من المتكلم خارجة عن ذلك(21) . والنحويون يعللون ذلك بأن الكسر مطرد في لغة بني يربوع في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم ، وخص ذلك بالوصل . قال شاعرهم، وهو الأغلب العجلي :
قال لها : هل لك يا تافيِّ
قالت له : ما أنت بالمرضيِّ
وكذلك فإن هذه اللغة حكاها قطرب ، وأجازها أبو عمرو(22) .
وهذه القراءة صحت سماعاً ، كما أنها صحت قياساً ، إذ الياء كسرت إتباعاً للكسرة التي بعدها في : ( بمصرخيِّ إنِي ) ، واللسان معها يعمل من موضع واحد ، ووجه واحد . ففيها الانسجام ، وتقريب الأصوات بعضها من بعض ، وذلك ما يميل إليه البدو أمثال بني يربوع(23) .
ويكرر الفراء نسب الوهم للقراء في مواطن متعددة(24).
والفراء لم يقف عند هذا الحد ، فهو نفسُه يقع في الوهم الذي ألصقه بغيره .
ففي قوله تعالى : ( تلك إذاً قسمةٌ ضيزى ) [النجم/22] . يقول : والقراء جميعاً لم يهمزوا ( ضيزى ) . ومن العرب من يقول :ضَيْزى . وبعضهم يقول : قسمةٌ ضَأْزى ، وضُؤْزى ، بالهمز ، ولم يقرأ بها أحد نعلمه(25) .
والحق أن ( ضَأْزى ) بالهمز هي قراءة سبعية متواترة ، قرأ بها ابن كثير(26) .
ومن هنا نلاحظ أن الفراء أكثر من تقبيح قراءة متواترة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ووصف أخرى بالرداءة ، وثالثة بالوهم ـ كما مر ـ ، ورابعة بالشذوذ ، وخامسة يقول عنها : لا أستحبها على هذا الوجه . كل ذلك مما يدلنا على أنه لم يلتزم بما التزم به سيبويه من أن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ، بل اتبع منهج أستاذه الأخفش في رد كثير من القراءات ، كما سنرى بإذن الله .
ومن المعروف كذلك أن المازني كان أحد اثنين قرأا كتاب سيبويه على الأخفش الأوسط ، وتتلمذ على يديه ، وحذا حذوه في التنكر لبعض القراءات المتواترة ، فراح يطعن على القراء ، ويسخر منهم ، وعدهم من الجهلاء الذين يتعلقون بالألفاظ ، ويجهلون المعاني(27) .
والمبرد الذي ختمت المدرسة البصرية به ، لم يكن ليستطيع التخلص مما طبعه به أستاذُه المازني من رد بعض القراءات المتواترة ، والشاذة ، وإن كان ذلك عنده أقل مما هو موجود عند الفراء ، والأخفش الأوسط .
ففي كتابَيْه ( المقتضب ) ، ( والكامل ) ، نجد أن الرجل قد ساقه قلمُه للطعن في بعض القراءات ، ولم يلتزم بالقاعدة المشهورة المذكورة سلفاً ، مما سنجده أمامنا بإذن الله .

تعليق