حقيقة رأي البصريين والكوفيين في الاستشهاد بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    حقيقة رأي البصريين والكوفيين في الاستشهاد بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية

    حقيقة رأي البصريين والكوفيين
    في الاستشهاد بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية

    د. عبد الفتاح محمد عبوش
    تباينت آراء المحدثين في حقيقة استشهاد نحاة البصرة ، والكوفة بالقراءات القرآنية على قواعدهم النحوية .
    ـ فمنهم من ذهب إلى أن البصريين هم أول من فتح باب الطعن على القراءات القرآنية ، متواترها ، وشاذها ، ثم تطاير شررُ هذه الحملة إلى بعض نحاة الكوفة ، فأسهم فيها(1) .
    ويرى هؤلاء أن الدافع الذي حدا بالبصريين إلى هذه التهمة ، هو أن استقراءهم كان ناقصاً حين اعتمدوا في الأخذ عن القبائل المشهورة ، وأغفلوا القبائل المغمورة ، حيث توقفوا عند كثير من القراءات القرآنية التي تمثل لهجات لهذه القبائل ، فتجهموا لها ، ووقفوا منها موقف المعارضة(2) .
    ـ وذهب آخرون إلى رد هذه التهمة عن البصريين ، واعتبروا ما جاء من ذلك عنهم ، إنما هو من متأخري نحاة البصرة ، وليس ممن أصل أصولهم النحوية ، ومد أقيستها ، وشرح عللها ، حيث كان القرآن الكريم وقراءاته مدداً لا ينضب لقواعدهم ، وتوقف نفر منهم إزاء أحرف قليلة في القراءات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وجدوها لا تطرد مع قواعدهم ، بينما تطرد معها قراءات أخرى آثروها ، وتوسع في وصف ذلك بعض المعاصرين ، فقالوا إنهم كانوا يردون بعض القراءات ، ويضعفونها ، كأن ذلك كان ظاهرة عامة عندهم ، مع أنه لا يوجد في كتاب سيبويه نصوص صريحة تشهد لهذه التهمة الكبرى(3) .
    ونحن إذ نقف على هذه الآراء المتباينة ، يجدر بنا أن نستجلي الحقيقة التي تكمن خلف هذه التهم ، والردود عليها ، وذلك بالرجوع إلى مصادر البصريين ، والكوفيين ، وإلى مظانِّ كتب القراءات القرآنية ، متواترها ، وشاذها ـ سواء كانت كتب الرواية أم الدراية ـ لنتبين المنابع التي استقى منها البصريون قواعدهم النحوية ، ومن ثم الحكم على ما خالفها بالشذوذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه ، حتى لو كان وارداً في القراءات القرآنية . ونعمل في الاتجاه نفسِه مع الكوفيين ؛ لكي تتعادل كفتا الحكم على كلا الرأيين .
    وقبل أن نخوض غمار كتب الفريقين ، نرى أن نقف على الحد الفاصل بين القراءات المتواترة ، والشاذة ؛ ليكون ذلك معيناً لنا على استجلاء الحقيقة في استدلال كلا الفريقين على قواعدهم النحوية لكلا النوعين من القراءات .
    فالقراءات القرآنية ـ كما هو معلوم ـ تقسم بالمجمل على قسمين : متواترة ، أو صحيحة ، وشاذة . وأركان القراءة الصحيحة ثلاثة كانت منذ القرن الأول هي المعتمدة في نقل القراءات. وقد أحكم ابن الجزري تقعيدها ، وضبطها بعبارة محكمة، وأفاض في شرح أركانها ، إذ يقول : ( كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصح سندها ، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ، ولا يحل إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، سواء كانت عن الأئمة السبعة ، أم عن العشرة ، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين . ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة ، أطلق عليها ضعيفة ، أو شاذة ، أو باطلة ، سواء كانت عن السبعة ، أو عمن هو أكبر منهم . وهذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف ،والخلف... الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه )(4) .
    إذن أركان القراءة الصحيحة ثلاثة :
    1ـ صحة السند مع ثبوت الرواية .
    2ـ موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .
    3ـ موافقة العربية ولو بوجه .
    ونحن نفصل القول في هذه الأركان الثلاثة ؛ لنرى كيف وقف كلا الفريقين منها.
    أـ صحة السند :
    والمقصود بصحة السند هو أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له(5) . فلكي تُقبلُ أيَّةُ قراءة لا بد من ثبوت النقل ، ثم يأتي الركنان الآخران. ولا يجوز إعمال الرأي والاجتهاد في القراءة ، إذ إنَّها سنةٌ يتلقاها الآخر عن الأول إلى منتهاها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
    ونحن نلمس هذا التوجه من لدن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، منذ الصدر الأول للدعوة الإسلامية . إذ يروي ابن مجاهد بسنده عن سيدنا علي (رض) قال :
    ( إن رسول الله (ص) يأمركم أن تقرؤوا القرآن كما عُلمتم )(6) .
    والناظر في كتب القراءات الشاذة يرى مواضع قد ردت فيها مفردات بسبب الطعن في صحة النقل .
    فقد ذكر ابن خالويه أن الحسن قرأ قوله تعالى : ( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)[ق/4] . قرأ الحسن : ( ألقياً ) بنون توكيد خفيفة . قال ابن خالويه : ولا يقرأ به ؛ لأن في سنده ضعفاً(7) .وشيخ نحاة البصرة يؤكد هذا المعنى في كتابه ، إذ يقول :
    ( وأما قوله عز وجل : (إنا كلَّ شئ خلقناه بقدر )[القمر/ 49] . فإنما هو على قوله: زيداً ضربتُه ، وهو عربي كثير . وقد قرأ بعضهم : ( وأما ثمودَ فهديناهم ) [فصلت/ 17] . إلا أن القراءة لا تخالف ؛ لأن القراءة السنة )(8) .
    فسيبويه يرى أن ( كل ) نصبت على إضمار فعل يفسره ( خلقناه ) والتقدير عنده : ضربتُ زيداً ضربتُه . إلا أنهم لا يُظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بذكر الثاني(9) .
    وقد وصف سيبويه هذا الوجه بأنه عربي كثير .
    وأما النص القرآني الثاني ( وأما ثمودَ ) ، فنلاحظ مع أنه على قياس العربية ، إلا أن قراءة النصب شاذة(10) . ولما لم يقو سندها ـ مع كثرتها في العربية ـ نلاحظ أن سيبويه يقف منها موقف المتحرج ، وكأني به يقول : مع كثرة ورود وجه النصب في ( ثمودَ ) على قياس العربية ، إلا أن هذه القراءة ضعيفة السند . وعبر عن ذلك بقوله : إلا أن القراءة لا تخالف لأن القراءة السنة .
    ومن هنا نستطيع أن نقول : إن سيبويه ـ في كتابه ـ لم يُخَطِّئْ قراءةً شاذة فضلاً عن المتواترة ، بل احتج بالنوعين على قواعده النحوية ، ممَّا سوف يلقانا في قابل الصفحات بإذن الله .
    وإذا ما اتجهنا إلى الأخفش الأوسط ( 215هـ ) ، نلاحظ أنه يغفل هذا التوجه في كتابه ( معاني القرآن ) ، الذي يعكس فيه شخصيته في الاستشهاد بالقراءات القرآنية ؛ لذلك نراه كثيراً ما يصف قراءة متواترة بأنها اضطرار(11) . أو أنها رديئة(12) . أو ربما وصل به الأمر بأن يصفها بالقبح(13) . مما يشير إلى ضعف هذا الوازع عنده .
    ففي قوله تعالى : ( فَرِهانٌ مقبوضةٌ )[البقرة/ 283] . قرأ أبو عمرو : ( فَرُهُنٌ ) بضم الراء ، والهاء ، وبدون ألف . وهي قراءة سبعية متواترة(14) .
    قال الأخفش : قراءةُ ضم الراء ، والهاء قبيحةٌ . وعلَّل ذلك بأن ( فَعْلاً ) لا يُجمع على ( فُعُل) إلا قليلاً شاذاً(15) .
    وقال أبو عمرو : قالت العرب ( رُهُنٌ ) ؛ ليفصلوا بينه وبين ( رهان ) الخيل(16) .
    فالأخفش يقبح هذه القراءة المتواترة ، مع أن العرب قد أدارتها على ألسنتها .
    وإذ نيمم وجهنا تلقاء الكسائي الذي قرأ كتاب سيبويه ـ هو والفراء ـ على الأخفش، نجد أن الرجل يتبع النهج نفسَه .
    ففي قوله تعالى : ( قد سمع الله قول )[المجادلة/1] . قرأ الجمهور ببيان الدال من السين، وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي بالإدغام . وهما قراءتان متواترتان(17) .
    قال أبو حيان : قال خلف بن هشام البزار : سمعت الكسائي يقول : من قرأ : ( قد سمع ) ، فبيَّن الدال عند السين ، فلسانه أعجمي ليس بعربي . قال أبو حيان : ولا يُلتفت إلى هذا القول فالجمهور على البيان(18) .
    وقال الآلوسي : ( ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين صحيح متواتر ، بل الجمهور على البيان )(19) .
    والفراء يحذو حذو شيخه ، ويترسم خُطاه في ذلك . فتراه مرةً يرد قراءة متواترة ، وينسب الوهم إلى القراء بأنهم لم يكونوا متقنين ، وفطنين ، وإنما يتطرق الوهم إلى ذاكرتهم ، فيخطِئون في قراءة كلمة لم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد قرأ بها .
    من ذلك قوله تعالى : ( وما أنتم بمصرخيَّ )[إبراهيم/22] . قرأ حمزة ، والأعمش ، ويحيى ابن وثاب ، وحمران بن أعين : ( بمصرخيِّ ) بكسر الياء ، وهي قراءة سبعية متواترة(20) قال الفراء : ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى فإنه قل من سلم منهم من الوهم . ولعله ظن أن الباء في : ( بمصرخي ) خافضة للحرف كلِّه ، والياء من المتكلم خارجة عن ذلك(21) . والنحويون يعللون ذلك بأن الكسر مطرد في لغة بني يربوع في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم ، وخص ذلك بالوصل . قال شاعرهم، وهو الأغلب العجلي :
    قال لها : هل لك يا تافيِّ
    قالت له : ما أنت بالمرضيِّ
    وكذلك فإن هذه اللغة حكاها قطرب ، وأجازها أبو عمرو(22) .
    وهذه القراءة صحت سماعاً ، كما أنها صحت قياساً ، إذ الياء كسرت إتباعاً للكسرة التي بعدها في : ( بمصرخيِّ إنِي ) ، واللسان معها يعمل من موضع واحد ، ووجه واحد . ففيها الانسجام ، وتقريب الأصوات بعضها من بعض ، وذلك ما يميل إليه البدو أمثال بني يربوع(23) .
    ويكرر الفراء نسب الوهم للقراء في مواطن متعددة(24).
    والفراء لم يقف عند هذا الحد ، فهو نفسُه يقع في الوهم الذي ألصقه بغيره .
    ففي قوله تعالى : ( تلك إذاً قسمةٌ ضيزى ) [النجم/22] . يقول : والقراء جميعاً لم يهمزوا ( ضيزى ) . ومن العرب من يقول :ضَيْزى . وبعضهم يقول : قسمةٌ ضَأْزى ، وضُؤْزى ، بالهمز ، ولم يقرأ بها أحد نعلمه(25) .
    والحق أن ( ضَأْزى ) بالهمز هي قراءة سبعية متواترة ، قرأ بها ابن كثير(26) .
    ومن هنا نلاحظ أن الفراء أكثر من تقبيح قراءة متواترة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ووصف أخرى بالرداءة ، وثالثة بالوهم ـ كما مر ـ ، ورابعة بالشذوذ ، وخامسة يقول عنها : لا أستحبها على هذا الوجه . كل ذلك مما يدلنا على أنه لم يلتزم بما التزم به سيبويه من أن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ، بل اتبع منهج أستاذه الأخفش في رد كثير من القراءات ، كما سنرى بإذن الله .
    ومن المعروف كذلك أن المازني كان أحد اثنين قرأا كتاب سيبويه على الأخفش الأوسط ، وتتلمذ على يديه ، وحذا حذوه في التنكر لبعض القراءات المتواترة ، فراح يطعن على القراء ، ويسخر منهم ، وعدهم من الجهلاء الذين يتعلقون بالألفاظ ، ويجهلون المعاني(27) .
    والمبرد الذي ختمت المدرسة البصرية به ، لم يكن ليستطيع التخلص مما طبعه به أستاذُه المازني من رد بعض القراءات المتواترة ، والشاذة ، وإن كان ذلك عنده أقل مما هو موجود عند الفراء ، والأخفش الأوسط .
    ففي كتابَيْه ( المقتضب ) ، ( والكامل ) ، نجد أن الرجل قد ساقه قلمُه للطعن في بعض القراءات ، ولم يلتزم بالقاعدة المشهورة المذكورة سلفاً ، مما سنجده أمامنا بإذن الله .
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    ب ـ موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .
    من الثابت أن المصاحف العثمانية كانت قد كتبت على قراءة واحدة ، وخطها يحتمل لأكثر من قراءة ؛ لأنها مجردة عن النقط ، والشكل . وعندما وزعت على الأمصار لم تتوحد رسومُها في كثير من الكلمات ، فقد كُتبت هذه الكلمات في مواضع محددة بصورة ، وكتبت في مواضع أخرى بصورة أخرى .
    ومن هنا يمكن أن نقول : إن مخالفة الرسم لأحد المصاحف العثمانية اعتماداً على مصحف عثماني آخر لا يعد مخالفة ؛ لأن ذلك كان مراد عثمان(رض) ، وهو إنفاذ القراءات الصحيحة المتواترة في المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار .
    والموافقة تكون على قسمين :
    تحقيقاً : وهو أن يتطابق اللفظ مع مرسوم الخط دون زيادة ، أو نقصان ، وعليه أكثر مفردات القرآن .
    احتمالاً : وهو ما يوافق الرسم ولو تقديراً .
    ويرى ابن الجزري : ( أنَّ مخالفَ صريح الرسم في حرف مدغم ، أو مبدل ،أو ثابت ، أو
    محذوف ، أو نحو ذلك ، لا يعد مخالفاً ، إذا ثبتت القراءة به ، ووردت مشهورة مستفاضة . ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد ، وحذف ياء ( تسئلني ) ، وقراءة : ( وأكون من الصالحين ) ، والظاء من ( بظنين ) ، ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود ، فإن الخلاف في ذلك يغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتمشية صحة القراءة ، وشهرتها ، وتلقيها بالقبول ، وذلك بخلاف زيادة كلمة ، ونقصانها ، وتقديمها ، وتأخيرها ، حتى لو كانت حرفاً واحداً من حروف المعاني ، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه . وهذا هو الحد الفاصل في اتباع الرسم ، ومخالفته )(28) .
    ولو طبقنا هذه الضوابط في رسم المصحف ؛ لرصد موقف البصريين ، والكوفيين في مصادرهم منها ، لوجدنا أن كلا الفريقين يحترم هذه الضوابط ، إلا ما ند عن القصد ، وزل به القلم عند بعض الكوفيين .
    فسيبويه في كتابه على كثرة ما يورد من قراءات متواترة ، وشاذة ، ليحتج بها على كلام العرب ، نراه يأتي بكلام العرب المسموع ، والمطرد .
    ففي باب ( ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة ) ، أي : الحال المنصوبة من صاحب الحال المعرفة ، يمثِّل بقول العرب : ( هذا عبدُ الله منطلقٌ ) ، ويورد تعليلين للخليل في هذا الكلام :
    الأول : أن تجعل ( منطلق ) خبراً لمبتدأ محذوف ، تقديره : هو منطلقٌ ، أو هذا منطلقٌ .
    الثاني : أن يكون ( منطلق ) خبراً ثانياً للمبتدأ ( هذا ) ، وهو كقولك : هذا حلوٌ حامضٌ .
    ثم يأتي سيبويه بقراءة شاذة ، ومخالفة لرسم المصحف ، وينسبها لابن مسعود ، وتتفق مع الوجه الثاني ، وهو قوله تعالى : ( هذا بعلي شيخاً )[هود/72] . قرأها ابن مسعود : ( هذا بعلي شيخٌ ) ، ثم استشهد لهذه القراءة ببيت من الشعر ادَّعى أنه سمعه من العرب ، وهو قوله :
    من يكُ ذا بتٍ فهذا بتي مقيظٌ مصيفٌ مشتي(29)
    فسيبويه يحترم رسم المصحف العثماني ، ولا يخالفه في أية قراءة على طول كتابه ، وإنما أورد هذه القراءة المخالفة لرسم المصحف ؛ ليستدل بها على أنه يجوز تعدد الأخبار للمبتدأ الواحد ، وشاهده هو قراءة ابن مسعود التي يعضد بها هذا الوجه ممن سمعه من العرب . وابن مسعود ـ كما هو معلوم ـ كان له مصحف خاصٌّ به خطه من فم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الوجه الذي سمعه منه ، ثم عندما توحدت المصاحف في زمن عثمان أُحْرِقَتْ تلك المصاحفُ الخاصةُ عند ابن مسعود ، وعند غيره .
    وإذا ما اتجهنا إلى الأخفش الأوسط ، فسنراه يضطرب في اتباع خط المصحف أو قل يتوهم . ففي قوله تعالى : ( صراط الذين )[الفاتحة/7] . يذكر أن في ( صراط ) لغتين : السين ، والصاد . ثم يختار قراءة الصاد ، معللاً ذلك ؛ بأنها مكتوبة كذلك في جميع القرآن(30) .
    وهذا شئ يحمد له . ولكن من المعروف أن ( صراط ) تقرأ على أربعة أوجه :
    ( صراط) بالصاد ، و (سراط ) بالسين ، و ( زراط ) بالزاي الخالصة ، وبالإشمام بين الصاد ، والزاي ، وكلها قراءات متواترة(31) .
    وفي لسان العرب : أن الأصل ( سراط ) بالسين ، و ( صراط ) بالصاد لغة ، وأن عامة العرب تقولها بالسين ، وقريش الأولون تقولها بالصاد(32) .
    وهذا الحرص الكبير من الأخفش نراه يتبدد عندما يأتي إلى قوله تعالى : ( لولا أخرتني إلى أجل قريب فاصدَّقَ وأكنْ من الصالحين )[ المنافقون/ 1] . قال الأخفش : إن ( لولا ) هنا بمعنى (هلاَّ)، وأن (أصَّدَّق) جوابٌ للاستفهام ، ثم عطف (أكنْ) على موضع ( فأصدق) ؛
    لأن جواب الاستفهام ـ إذا لم يكن فيه فاء ـ جُزِمَ ، ثم يُورد قراءة متواترة لأبي عمرو : ( فأصدق وأكونُ ) بزيادة ( واو ) في ( أكن ) ، ثم يعلق بقوله : عطفها ( أكون ) على ما بعد الفاء ، وذلك خلاف الكتاب(33) .
    وقراءة ( أكون ) بالواو سبعية متواترة نسبت لأبي عمرو(34) . وهي ـ كما مر معنا ـ مما يغتفر في حد رسم المصحف ، إذ لا يؤثر ذلك على المعنى مع الشهرة لهذه القراءة.
    وإذا ما اتجهنا إلى الفراء نلحظ أن الرجل وضع خط المصحف المجمع عليه عند أئمة القراءة فيصلاً في قبول القراءة من عدمه . مع إغفاله بعض ما يجوز مما يخالف رسم المصحف مما هو متفق عليه عند القراء .
    ففي قوله تعالى :( أو جاءوكم حَصِرَتْ صدُورُهم )[النساء/90]. يقول : وقد قرأ الحسن البصري : ( حَصِرةً ) بتاء مربوطة . كأنه لم يعرف الوجه(35)
    فالفراء يرفض قراءة ( حصرةً ) ، مع أنها عشرية ،قرأ بها يعقوب أيضاً(36).وبهذا يخالف الكوفيين . وجرى في رفضه هذا على القاعدة المقررة عند الجمهور : أن الجملة الفعلية الماضية المثبتة إذا وقعت حالاً فلا بد من (قد) تسبقها ظاهرةً ، أو مقدرةً ؛ لتقربه من الحال نحو: ( وقد فصَّل لكم ما حرَّم عليكم )[الأنعام/119] . فإن لم تكن ظاهرةً قُدرت نحو : ( أو جاءوكم حصرتْ صدورهم ) .
    وربما يسوقه معنى قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف لأن يعتبرها أشبه بالصواب من قراءة النص المصحفي .
    ففي قوله تعالى : ( وفومها وعدسها وبصلها )[البقرة/61] .يذكر أن معنى
    ( فومها) ـ وهي لغة قديمة ـ هو الحنطة ، والخبز جميعاً . وينقل عن العرب أنهم سمعوا أهل هذه اللغة يقولون : فوِّموا لنا بالتشديد ، يريدون : اختبزوا . ثم يورد قراءة شاذة ، ومخالفة لرسم المصحف لعبد الله بن مسعود : ( وثومها ) بالثاء المثلثة(37) . ويقول عنها : فكأنه أشبه المعنيين بالصواب . ويعلل ذلك ؛ لأنه أتى ما يشاكله من العدس والبصل ، وشبهه(38) .
    والفراء لا يقف عند هذا الحد ، بل ربما اتهم اللجنة الرباعية التي كتبت المصاحف بسوء الهجاء ، وضعف البصيرة في رسم بعض كلمات المصحف .
    ففي قوله تعالى : ( وَلأوْضَعوا خلالكم )[]التوبة/47] . قال الفراء : الإيضاع : السير بين القوم بالنمائم . كتبت بلام ألف، وألف بعد ذلك : ( لاأوضعوا ) ، ولم يكتب لها نظير، وذلك أنهم لا يكادون يستمرون في الكتاب على جهة واحدة . ألا ترى أنهم كتبوا ( فما تغنِ النُّذُرُ )[القمر/5] . بغير ياء ، و( وما تغني الآياتُ والنذرُ )[يونس/101] بالياء ، وهو من سوء هجاء الأولين(39) .والمعروف أن أكثر المصاحف مكتوب فيها : ( لاأوضعوا ) بزيادة ألف ، وكان مكتوب في بعضها الآخر ( لأوضعوا ) بدون ألف ، ووُضِع المصحفُ الذي بين أيدينا على هذا الوجه(40) .
    والفراء ربما دفعه حرصه الشديد على أن يقرأ بما يوافق خط المصحف تحقيقاً ، أن يَرُدَّ قراءةً متواترة يحتملها رسم المصحف احتمالاً . ومن هنا كانت تخطئته لهذه القراءة .
    ففي قوله تعالى : ( لا يَلِتْكم من أعمالكم )[الحجرات/14] . قال الفراء : هي من : لات، يليتُ ، أي : لا ينقصُكم ، ولا يظلمُكم . وجمهور القراء يقرؤونها كذلك .
    وقرأ أبو عمرو من السبعة ، ويعقوب من العشرة : ( يأْلِتْكم ) بألف ساكنة
    بعد ياء(41) .
    قال الفراء : لست أشتهيها ؛ لأنها بغير ألف كتبت في المصاحف . وليس هذا بموضع يجوز فيه سقوط الهمزة ؛ لأنها ساكنة ، وإنما تُلقى الهمزة إذا سكِّن ما قبلها . فإذا سكِّنت هي ثبتت فلم تسقط . وإنما اجترأ من قرأها ( يأْلِتْكم ) أنه وجد : ( وما أَلَتْناهم )[الطور/21] . في موضع ، فأخذوا من ذلك . فالقرآن يأتي باللغتين : لات يليت ، و ألَتَ يأْلتُ(42) .
    فالفراء يردُّ قراءةً سبعية عشرية ثبتَ تواترُها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكيف يتهم القراء بأنهم يقرؤون حروفَ القرآن في موضع يشتبه عليهم من موضع آخر ؟! وفي هذا جرأة على كتاب الله . فأبو عمرو بن العلاء يقول : ( لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قرئ به لقرأتُ حرف كذا كذا وحرف كذا
    كذا )(43) .
    وإذا ما اتجهنا إلى المبرد ، لنستجلي الحقيقة فيما بين أيدينا من المصادر التي حوت آراءه ، لوجدنا أن المبرد أقل جرأة من الفراء في رد قراءات متواترة خالفت رسم المصحف مما هو مسموح به في حد الرسم القرآني .
    ففي قوله تعالى : ( أو جاءوكم حَصِرَتْ صدورُهم ) ، والتي أوردناها سلفاً . نلاحظ أن المبرد يرد قراءة ( حَصِرَتْ ) بالتاء المفتوحة ، والتي عليها الخط المصحفي، بحيث تكون تاءُ التأنيث الساكنةِ اتصلت بالفعل . وهي قراءة متواترة ، ومتفق عليها عند القراء السبعة . ولمَّا لم تكن مسبوقة بـ( قد) ردَّ هذه القراءة ؛ لأنها لا تتفق مع قياسه النحوي . إذ يذهب البصريون إلى وجوب أن يسبق الفعلَ الماضي الواقع حالاً بـ(قد) . فلكي يهرب من هذا القياس أنكر هذه القراءة ، فقال : فأمَّا القراءةُ الصحيحةُ ، فإنما هي ( أو جاءوكم حَصِرَةً صدورُهم )(44) . بتاء مربوطة ، منونة بالفتح مما يُشْعِرُ بأن ما اتفق عليه القراءُ خطأٌٌ عنده .
    وقراءة ( حصرةً ) متواترة كما ذكرنا لم يقرأ بها من العشرة إلا يعقوب(45) . ويذهب الكوفيون ، والأخفش إلى عدم اشتراط أن يُسبق الفعل الماضي الواقع حالاً بـ( قد) ، وقد عقد ابن الأنباري في كتابه ( الإنصاف في مسائل الخلاف ) مسألة في ذلك. وراح يسوق الدليل تلو الدليل ، من السماع ، والقياس ؛ لتوهين مذهب الكوفيين(46). والمتتبع لأبي حيان في ( البحر المحيط ) يراه ـ وفي مواطن عدة ـ يضعِّفُ رأيَ البصريين ، ولا يقدِّر ( قد) مع الفعل الماضي ، فيقول : ( جاء منه ما لا يحصى كثرة بغير ( قد ) )(47) . ويقول : ( ولا يحتاج إلى إضمار ( قد ) ؛ لأنه قد كثر وقوع الماضي حالاً في لسان العرب بغير (قد) فساغ القياس عليه )(48) . ويقول في موطن آخر: ( وقد أجاز الأخفش من البصريين وقوع الماضي حالاً بغير (قد) وهو الصحيح ، إذ كثر ذلك في لسان العرب كثرة توجبُ القياس ، ويبعد فيها
    التأويل )(49) .
    والمبرد ملتزم بالخط المصحفي التزاماً كبيراً إلا ما زلَّ به قلمُه ، وندَّ عن قصده ، كما بينا . وهو يرفض وجهاً من القراءة جائزاً في لغات العرب ؛ لأنه يخالف خط المصحف .
    ففي قوله تعالى : ( فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا )[هود/116] . يقول : ( لولا ) هنا بمعنى ( هلاَّ ) ، والنحويون يجيزون الرفع في ( قليلاً ) في مثل هذا من الكلام ، ولا يجيزونه في القرآن؛ لئلا يُغَيَّرَ خطُ المصحف(50) .
    وقراءة ( إلا قليلٌ ) بالرفع شاذة ؛ لأنها تخالف رسم المصحف . قرأ بها زيد بن علي(51).
    ج ـ موافقة العربية ولو بوجه :
    من المعروف أن القرآن الكريم كان قد أنزل على سبعة أحرف مما أتاح لمن لم يستطع أن يقرأه على حرف ، أن يقرأه على حرف يستطيعه .
    وبعد أن توسعت الفتوحات الإسلامية ، ودخل الناس ـ من غير العرب ـ في دين الله أفواجاً ، كَثُرَ اللحنُ بين الناس ، مما دفع المهتمين بشؤون اللغة بالتفكير بوضع قواعدَ للغة العربية كان الهدفُ منها تعليمي بالدرجة الأساس .
    وعندما جَمَعَ علماءُ اللغةِ اللغةَ ، وضعوا قواعدها وفاقاً للمشهور ، والمطَّردِ من الأمثلة ، وجعلوا كلَّ ما جاء مخالفاً لهذا المطَّرد شاذاً يحفظ ، ولا يقاس عليه . وخير من يمثل هذا الاتجاه سيبويه في كتابه ( الكتاب ) ، الذي يتسق من أوله إلى آخره على هذا النهج . وعندما نزل القرآنُ الكريمُ ، وتعلَّمه الصحابة الكرام ، وبدؤوا يقرؤونه على قراءات مختلفة ، كان الناس يتكلمون اللغة دون تأثر بقاعدة نحوية، أو منطق لغوي محدد .
    إن المنهج الذي اتبعه النحاة ، واللغويون في تقعيد قواعدهم كانوا ينظرون من خلاله إلى القراءات القرآنية ، فكل ما لم يتفق ، أو يطَّرد مع قواعدهم التي وضعوها عدُّوه شاذاً لا يؤخذ به ، وخطَّؤوه ، وعدُّوه مما لا يجوز في قياس عربية ؛ لأن القياس يؤخذ على الشائع ، وليس على الشاذ ، أو المفرد ، أو النادر .
    وقد تعرض ـ نتيجةً لهذا المقياس ـ كثيرٌ من القراءات القرآنية إلى التخطئة تارةً ، والرد ، والنكران من قبل النحاة تارةً أخرى . والقراء يُجمعون على أن القراءة إذا تَوافَرَ فيها الضابطان الأوَّلان : صحة النقل ، وموافقة خط المصحف ، فهي القراءة المقبولة التي لا يردها فشوُّ لغةٍ ، ولا قياسُ عربية . لذلك قال أبو عمرو
    الداني (444هـ) :
    ( وأئمة القراءة لا تعمل في شئ من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل ، والروايةُ إذا ثَبَتَتْ عنهم لا يردُّها فشوُّ لغة ولا قياسُ عربية ؛ لأن القراءة سنةٌ متبعةٌ يلزم قبولُها ، والمصيرُ إليها )(52).
    وعليه اتفق القراءُ ، وعلماءُ العربية على أن القراءة ليس فيها مجالٌ للقياس إذا ما صح نقلُها ، ووافقت رسمَ المصحف .

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      مصادر نحاة البصرة والكوفة :
      اعتمد نحاة البصرة ، والكوفة ـ في تأصيل قواعد النحو ، وإقامة بنيانه ـ على السماع ، والتعليل ، والقياس . والسماع عندهم إنما كانوا يستمدونه من نبعين ثرَّين كبيرين :
      الأول : نبع النقل عن قرَّاءِ القرآن الكريم ، ولا ضَيْرَ في ذلك ، فالبصرة كانت من أهم الأمصار الإسلامية التي كانت تنشط فيها حركةُ تعلُّمِ ، وتعليمِ القرآنِ الكريم ، روايةً ،ودرايةً. أما الكوفةُ فقد كانت موطنَ روايةِ القراءات ، إذ نلحظ أنَّ ثلاثةً من القراء السبعة الذين تواترت قراءاتُهم هم من الكوفة .
      الثاني : نبع السماع من أفواه العرب الذين يوثق بفصاحتهم ، ومن أجل ذلك رحل الخليلَ ، ومن ثم تبعه الكسائي إلى موطنهم في الجزيرة ، يُحَدِّثانهم ، ويُشافِهَانِهم ، ويأخذان عنهم الأشعارَ ، والأرجازَ ، واللغاتِ ، حتى جمعا كمَّاً هائلاً منها ، استطاعا فيما بعد أن يستنبطا منها قواعدَهما النحوية التي نراها مبثوثةً في ثنايا مصادرهم.
      والمشهور عن الخليل أنه كان يستنبطُ القاعدة النحوية من الأمثلة الكثيرة المطَّردة على ألسنةِ العرب، فإذا جاء ما يخالف هذه القاعدة المستنبطة عدَّه شاذاً يحفظ ، ولا يقاس عليه .
      أما الكسائي ، فقد كان كثيراً ما يتساهل في هذا المنفرد ، والشاذ ، وربما اعتبره أصلاً ، وقعَّد عليه قاعدةً نحويةً ، وهذا لا ينسحب على القراءات القرآنية الصحيحة، والشاذة . فالاستدلال بهما على القواعد النحوية ، إنما كان يأخذ ميداناً آخر . إذ إن تصنيفها إلى : متواترة ، وشاذة ، إنما كان من باب التواتر من عدمه . فكل قراءة اجتمعت فيها الضوابط الثلاثة ـ التي ذكرناها سلفاً ـ فهي صحيحة متواترة ، وما خرج عن هذه الضوابط عدَّه الرواةُ شاذاً . والاستشهاد بالقراءات القرآنية المتواترة ، والشاذة ،إنما كان تحكمه مدى موافقة هذه القراءة للقاعدة النحوية ، التي أصَّلها كلٌ منهما . فإذا وافقت هذه القراءة القاعدة النحوية ، فهي مقبولة عند كلا الفريقين ـ سواء كانت صحيحة متواترة أم شاذة ـ وإذا ما اصطدمت هذه القراءة مع قواعدهم النحوية ، ردُّوها مرةً ، وخطَّؤوها ، وأنكروها تارةً أخرى ، وهذا ما سوف نلاحظه لاحقاً بإذن الله . ومن هنا نلاحظ في مصادر كلا الفريقين كثيراً من القراءات الشاذة التي استدلوا بها على قواعدهم ، ما دامت هذه القراءات لا تصطدم بتلك القواعد ، ومتى ما كان أمرها كذلك ، ردُّوها ، وطعنوا بها ، وبمن رواها .
      وقل مثل ذلك مع القراءات الصحيحة المتواترة . فإذا ما جاءت القراءة المتواترة متفقةً مع القاعدة النحوية ، جعلوها دليلاً على تلك القاعدة ، وإذا كان العكس نراهم يردُّون هذه القراءة ، ويصفونها بالقبح تارةً ، والرداءةِ ، والشذوذِ تارة أخرى ، وهذا ما سوف يلقانا في قابل الصفحات بإذن الله .
      ويمكن أن نستثني من هذا الحكم الخليلَ بنَ أحمد ، وتلميذَه سيبويه ، اللذين عرضا الاستدلال بالقراءات القرآنية ، صحيحِها ، وشاذِّها ، وعلَّلوها ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
      ونحن إذ نبحث عن موقف كلا الطرفين من القراءات ، يجدر بنا أن نُحصي القراءاتِ المتواترةَ ، والشاذةَ في مظانِّ كتبِ النحو ، وغيرِها عند كلا الفريقين كلاً على حِدَةٍ ؛ لنقف على موقفه من هذه القراءات ، وسنكتفي بأهمِّ تلك المظانِّ التي تعكسُ لنا رأيَ الفريقين في القراءات القرآنية ، متَّبعين الترتيبَ الزمني لأعلام المِصْرَيْن ، ومن ثم نَلْحَظُ أيُّ الفريقين الذي حمل شرارة الطعن في القراءات ، شاذِّها ، ومتواتِرِها ؟ .
      الخليل وسيبويه :
      ونحن إذ نقف على كتاب سيبويه ، والذي ـ كما قيل ـ يعدُّ سِجِلاًّ لآراء
      الخليل ، ومن ثم نفتش عن القراءات المتواترة ، والشاذة التي طعن بها الخليلُ ، فلا نجدُ دليلاً واحداً يؤكد ما نفتش عنه . بل إنَّ الخليلَ كان يحترم القراءاتِ الشاذةَ فضلاً عن المتواترة وربما اعتبر عدداً لا يستهان به من القراءات الشاذة مما يوافق القياس عنده .
      ففي قوله تعالى : ( يا جبال أوِّبي معه والطَّيْرَ )[سبأ/10] . قرأ أبو عمرو :
      ( والطيرُ ) بالرفع ، وهي قراءة شاذة(53) . قال الخليل : فأمَّا العربُ ، فأكثر ما رأيناهم يقولون : يا زيدُ والنضرُ . بالرفع . وقال الخليل : هو القياس ؛ لأنك أشركتَ بين النَّضْرِ ، والأول في (يا) ، ولم تجعلْها خاصةً بالنضر(54) . فالخليل يرى أنَّهُ عندما تعطفُ اسماً فيه الألفُ ، واللامُ على المنادى المبني ، فالقياسُ عنده الرفعُ ؛ لأن الاسم التابع للمنادى المرفوع المبني منادى مرفوعٌ مثلُه ؛ لأن العطفَ يقتضي التشريك بين الاسمين : التابعِ ، والمتبوعِ .
      أمَّا سيبويه ، فقد أكثرَ من إيرادهِ للآياتِ القرآنيةِ كشاهدٍ على لغات العرب ، وجَعَلَها الشاهدَ الأعلى فصاحةً على القاعدة النحوية . فقد أحصيتُ له اثنتين وستين قراءةً لآياتٍ من الذكر الحكيم ، وكان في كل هذه القراءات له ميدانٌ خاصٌ به يحترمُ المتواترَ ، والشاذَّ منها .
      فمن ميدانِه الخاصِّ أنه إذا ما أَتَتْ قراءةٌ متواترةٌ تخالفُ قياسَه النحوي ، فلا يتعرَّض لها بذكر من ذلك قوله تعالى : ( أنْ نقولَ له كُنْ فيكونُ )[النحل/40] . وقد قرئت هذه الآيةُ: ( فيكونَ ) نصباً ، وهي قراءة متواترة ، قرأ بها ابن عامر ، والكسائي(55) .
      وقد تعرَّض سيبويه لقراءة الرفع فقط ، حيث إن القياس عنده في باب العطف بالفاء، إذا أتى بعدها فعلٌ مرفوعٌ ، وهو جوابٌ للأمرِ ، فإنَّما هو على أنْ يكون هذا الفعلُ المعطوف في موضع مبتدأ ، ولا يجوز إضمار ( أنْ ) الناصبة ، وهو مرفوع ؛ لأنه منقطع عما قبله .
      فسيبويه يعتبر قراءةَ الرفع هي القياس ، ولم يتعرضْ لقراءة النصب ( فيكونَ ) ، ولكنه لم يغْفَلْ وجهَ النَّصْبِ ، حيث جوَّزه في ضرورة الشعر ، ومثَّل له بقول الشاعر:
      سأتركُ منزلي لبني تميمٍ وألحقَ بالحجازِ لأستريحا(56) .
      وسيبويه قد أورد في كتابه أربعاً وعشرين آيةً من كتاب الله . في كل آية وجهان متواتران لم يُنْكِرْ إلا وجهاً واحداً منها .
      ففي قوله تعالى : ( فتوبوا إلى بارِئِكم )[البقرة/54] . فقد قرئت هذه الآيةُ بكسر الهمزة ، واختلاسِ حركتِها ، وإسكانِها(57) .
      وقد أنكر سيبويه قراءةَ الإسكانِ المتواترةَ ، ولكنْ للحقِّ لم يصرِّح بذلك ، ولكنه اعتبر أن قراءة الإسكان إنما هي اختلاسٌ لحركة الكسرة ، فَيُسْرِعون اللفظَ ، وقد اشتبه ذلك على الرواة وقد عدَّ سيبويه الإسكانَ ، والإشمامَ جائزاً في المرفوع ، والمجرور ، وإنما يختصُ ذلك بالشعر ، وجعل منه قوله :
      فاليوم أشربْ غيرَ مستحقبٍ إثماً من اللهِ ولا واغِلِ
      وقد اعتبر سيبويه أنَّ السكونَ الموضوع فوق الباء ، إنما هو علامة الإشمام ، وليس علامةَ السكون(58) .
      قال أبو عمرو الداني ، بعد ذكرِ قراءةِ الإسكانِ لأبي عمرو ، وحكاية إنكار سيبويه لها : ( والإسكان أصحُّ في النقل ، وأكثرُ في الأداء ، وهو الذي أختارُه
      وآخذُ به ... وأئمة القراءةِ لا تعملُ في شئٍ من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية )(59) .
      ونحن نبرر لسيبويه ما ذهب إليه ؛ لأنه نصَّ على أنَّ القراءةَ سنةٌ يأخذها الآخِرُ عن الأول . ولو ثَبَتَتْ لديه روايةُ الإسكانِ لما أنكرها ، ما دام الاختلاف في الإشمام ، والإسكان قد نُقِلَ عن أبي عمرو ، ثم أنَّ الدائرة التي وُضِعتْ فوق الهمزة من ( بارئْكم ) ، إنما هي علامةُ الإشمام ، وليست سكوناً كما مثَّل في ( أشربْ ) ، كما فُهِمَ من حديثه .
      ـ أما القراءات الشاذة ، فقد أورد سيبويه في كتابه إحدى وأربعين قراءةً شاذةً احتج في معظمها على قواعده النحوية .
      فهو يصف بعضها بأنها جيدة(60) . ويصف بعضها الآخر بأنها عربية قوية ، ويجوِّزُها(61) . ويصف بعضها بأنها كثيرة على ألسنة العرب(62) . ويصف بعضها بأنها على لغة من لغات العرب(63) .
      ففي قوله تعالى : ( الزانيةُ والزاني فاجْلِدوا )[النور/2] . قرأ عيسى بن عمر ، ويحيى بن يَعْمُرْ ، وعمر بن فايد : ( الزانيةَ ) بالنصب ، وهي قراءة شاذة(64) . وقد اعتلَّ سيبويه لهذا الوجه من القراءة ، وهو عنده من باب الاشتغال ، حيث إنها بتقدير فعلٍ مضمرٍ ، أي : ( فاجلدوا الزانيةَ والزاني ) . وجاز دخول الفاء مع الأمر ؛ لمضارعتِه للشرط . ثم علَّق سيبويه على قراءة النصب ، فقال : والنصب في العربية على ما ذكرت لك من القوة(65) .
      والحق أن سيبويه لم يطعن في قراءة شاذة ، ولا وصفها بالقبح ، أو اللحن ، أو الرداءة . وأقصى جهدِه أنَّه وصفَ إحداها بأنَّها قليلة(66) . وربما وصل به الأمرُ إلى أن يصف أخرى بأنها ضعيفة ؛ لأنها ليست على القياس(67). وهذا ديدنُه من أوَّلِ كتابه إلى آخره .


      الأخفش الأوسط :
      من المعروف أن الأخفش هو أحدُ تلاميذِ سيبويه ، وهو الوحيدُ الذي روى عنه كتابَه ، وعنه أخذَهُ أبو عمر الجُرْمي ، وأبو عثمان المازني ، والكسائي ، والفراء.
      وفي رأيِ الدكتور شوقي ضيف ـ رحمه الله ـ أنَّه هو الذي فتحَ أبوابَ الخلافِ عليه ، وأعدَّ لتنشأَ فيما بعد مدرسةُ الكوفة(68) . ويمكن أن نقف على آراء الأخفش حول استدلاله بالقراءات على قواعده النحوية من خلال كتابه ( معاني القرآن ) . فقد استدل فيه بما يقرُب من مئة واثنتين وعشرين قراءة . منها اثنتان وسبعون متواترةً ، وخمسون شاذةً .
      وإذا ما تصفحنا هذه القراءات ، فسوف نجد مصطلحاتٍ جديدةً ، بل قُلْ مبتكرَةً ، ظهرت عند الأخفش حول القراءات التي لا تتفق مع قياسه النحوي ، الذي كثيراً ما خالف فيه أستاذَه سيبويه ، بل قل مدرستَه البصرية .
      فقد يصف قراءة متواترة بأنها لغة ٌ شاذةٌ قليلةٌ(69) . أو أنها خلاف الكتاب(70) . أو أنها غلط من القارئ(71) . أو أنها لا تكادُ تُعرَفُ ؛ لأنها خلافُ الكتاب(72) . أو أنها قبيحة(73) . أو أنها ليس لها مذهبٌ في العربية(74) . أو أنها لحن(75) . أو أنها رديئة(76).
      ففي قوله تعالى : ( فَرِهانٌ مقبوضةٌ )[البقرة/283] . فقد ذكرنا سلفاً أنَّ أبا عمرو قرأها : ( فَرُهُنٌ ) بضم الراء ، وبدون ألف ، وهي متواترة .
      قال الأخفش : ( رُهُنٌ ) هو جمع ( رَهْنٌ ) ، كسُقُفٌ ، وسَقْفٌ ، وهذا الجمع قبيح لا يجوز(77). وقد ذكرنا تعليل أبي عمرو لهذا الجمع .
      وفي قوله تعالى : ( ما أنتم بِمُصْرِخِيَّ )[إبراهيم/22] . ذكرنا أن حمزة قرأ : ( بمصرخيِّ ) بكسر الياء الثانية ، وهي قراءةٌ متواترةٌ . قال الأخفش عنها : وقراءةُ الكسر لحنٌ لم نسمعْ به من أحد من العرب ، ولا أهلِ النحو(78). وذكرنا أنها لغةٌ لبني يربوع ، فلا مجال لردها ؛ لأنها لغةٌ مسموعةٌ عن عربٍ فصحاءَ .
      ـ أما القراءات الشاذة فقد كان لها نصيبٌ وافرٌ من الألفاظ . فقد يصف إحداها بأنها خطأ(79) . وأخرى بأنها قليلة(80) . وأخرى بأنها رديئة(81). وأخرى بأنها قبيحة(82) .
      ففي قوله تعالى : ( لا تسمعوا لهذا القرآنِ والغَوْا فيه )[فصلت/26] . قرأ ابن أبي إسحاق ، و عيسى بن عمر ( والغُوا ) بضم الغين ، وهي قراءة شاذة(83).
      قال الأخفش : وهذه اللغة قبيحة قليلة(84) . وقد انتصر ابن جني لهذه القراءة ، ووجد لها وجهاً مسموعاً من لغات العرب ، فلا سبيل لردها(85) .
      ومن هنا يمكن أن نقول : إن الأخفش الأوسط هو أول من حمل باب الطعن على القراءات القرآنية ، متواترِها ، وشاذِّها عندما لا تتسق مع قياسه النحوي ، وما الألفاظ التي سقناها عنه إلا دليل قاطعٌ على أنَّ الرجل هو أول من فتح باب الطعن على القراءات ، الذي دخل فيه من دخل من بعده .
      الكسائي والفراء :
      وإذا ما اتجهنا إلى المدرسة الكوفية متمثلةً برائِدَيْها ، ومؤسسَيْها ، الكسائي، والفراء . نلاحظ أن الرجلين أخذا مخالفات الأخفش لسيبويه ، وتوسعا في الرواية ، والقياس مما جعلهما ينفذان إلى تأسيس مدرسة الكوفة . والدليل الذي يحدونا إلى ذلك هو أنَّ الألفاظَ التي مرت معنا في تخطئةِ الأخفش للقراءات نجدُها نفسَها عند الفراء في كتابه ( معاني القرآن ) .
      زد على ذلك أنهما كانا كثيراً ما يعضِّدا رأْيَيْهما في الطعن بقراءة صحيحة ، أو شاذة ما وجدا من مخالفات في مصحف ابن مسعود ـ الذي كان قد نزل بالكوفة ، وأقرأ المسلمين من مصحفه الخاص ردحاً من الدهر ـ تعضد هذه المخالفات .
      والحق أنَّ ما ورد عن الكسائي من ألفاظٍ يطعن فيها بقراءات متواترة ، وشاذة يعد قليلاً ، قياساً إلى ما ورد عن تلميذه الفراء .
      ففي قوله تعالى : ( فبذلك فلْيفرحوا )[يونس/58] . قرأ العامة بالياء ( فليفرحوا ) وروى زيدُ ابنُ ثابت عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قرأ : ( فلتفرحوا ) بالتاء . وهي قراءة عشرية صحيحة(86) .
      وقراءة التاء معناها : فلتفرحوا يا أصحاب محمدٍ بالقرآن ، هو خيرٌ مما يجمع الكافرون(87). قال الفراء : وكان الكسائي يعيب هذه القراءة ( فلتفرحوا ) ؛ لأنه وجده قليلاً ، فجعله عيباً(88) . وقد انتصر ابن جني لهذه القراءة ، وقال : إن الذي حسَّن التاء هنا أنه أَمْرٌ لهم بالفرح ، فخوطِبوا بالتاء ؛ لأنها أذهبُ في قوة الخطاب(89). ومن هنا فلا سبيل لرد الكسائي لهذه القراءة العشرية .
      أما الفراء ، فقد ضرب بسهم وافر من الألفاظ النابية في تخطِئَتِهِ للقراءات المتواترة ، والشاذة على حد سواء . بل نستطيع أن نقول : إنَّه فَضُلَ النحاةَ كلَّهم ـ ومن المدرستين ـ في عدد الألفاظ التي يطعن فيها بالقراءات .
      ففي كتابه ( معاني القرآن ) ، والذي يعكس صورةً مكتملةً للمذهب الكوفي ، نجدُهُ يتركُ العنانَ لقلمه في الطَّعن بالقراءات التي يجدها لا تتفق مع قياسه النحوي سواءٌ كانت صحيحةً أم شاذةً.
      فقد أحصيت له ما يقاربُ من مئة وثمانيةٍ وتسعين وجها إقرائياً لقراءات . منها مئةٌ واثنتان وعشرون قراءةً صحيحة ، وستٌ وسبعون قراءةً شاذةً . فأما القراءات المتواترة ، فقد طعن بثمانِ عشرة منها.

      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4
        فهو يصف بعضَها بالخطأ(90) . وبعضَها الآخر بأنَّه لا يشتهيها(91) . وبعضَها الآخر بأنها قبيحة(92) . وبعضها الآخر بأنه لا يحبُّها لشذوذها(93) . وبعضها الآخر بأنَّها ضعيفة(94) . وقد يتهم بعض القراءِ بالوهم ، ويردُّها(95) . وقد يمنع بعضَها الآخر(96).
        ففي قوله تعالى : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامَ )[النساء/1] . فقد قرأ حمزة : ( والأرحامِ ) بالخفض ، وهي قراءة سبعية متواترة(97).وقد وصف الفراءُ هذه القراءةَ بالقبح . وحجته أن العرب لا تعطف الاسمَ الظاهرَ على الضمير المجرور بحرف الجرِّ ، إلا بإعادة الخافض ، على تقدير : ( بِهِ وبالأرحامِ ) . وقد اشترك الكوفيون ، وبعضُ متأخِّري البصريين في تخطئة هذه القراءة(98) .
        وقد انتصر غيرُ عالمٍ لهذه القراءة ، وساقوا الدليل تلو الدليل من النثر ، والنظم لتعضيدها ، وتقويتها . من ذلك قول الشاعر :
        فاليومَ قرَّبْتَ تهجونا وتشتُمنا فاذهبْ فما بِكَ والأيامِ من عجبِ
        وكان ابن جني له رأيٌ آخرُ في إجازتها . حيث يَعْتقدُ أنْ تكون هناك باءٌ ثانية
        ( وبالأرحامِ ) ، ثم حذفت هذه الباءُ الثانيةُ ؛ لتقدم ذكرها(99) .
        ـ أمَّا القراءاتُ الشاذة ، فقد كان لها نصيب وافر من ألفاظِ التخطئة لديه . فمن بين ستٍّ وسبعين قراءة شاذة طعن في سبع منها .
        فهو يصف إحداها بالوهم(100) . ويصف أخرى بأنه لا يشتهيها لشذوذها(101) . ويصف أخرى بأنها غلط(102) . ويصف أخرى بالقبح(103) . ويصف أخرى بأنها شاذة(104). ففي قوله تعالى : ( فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنُهم )[الأحقاف/25] . قرأ الحسن البصري : ( لا تُرى ) بالتاء ، وهي قراءة شاذة(105) . قال الفراء : قراءة التاء فيها قُبْحٌ في العربية ؛ لأن العرب إذا جعلت فعل المؤنثِ قبل (إلاَّ ) ذكروه ، فقالوا : لم يقمْ إلا جاريتُك(106) . وقد انتصر ابنُ جني لهذه القراءة ، وعلل جوازها ؛ بأنه وجد لها دليلاً من لسان العرب ، ولو كان المعنى ضعيفاً . ومثلُها قولُ ذي الرمة:
        برى النحزُ والأجرالُ ما في غُروضِها فما بقيتْ إلاَّ الصدورُ الجراشعُ(107)
        ومن هنا فلا سبيل لرد هذه القراءة ؛ لأن لها مثلاً في كلام العرب ، حتى لو كان قليلاً . والقراءة إذا ثبتت لا يردها فشوُّ لغة ، ولا قياسُ عربية ، كما أسلفنا .


        المبرد (285هـ) :
        هو آخر أئمة نحاة البصرة ، وقد تتلمذ على يد أبي عمر الجُرْمي ، ثم على يد أبي عثمان المازني ، فقد قرأ عليهما كتاب سيبويه كما هو معروف .
        والمبرد شأنُه شأنَ نحاةِ الكوفة ، ومتأخري نحاة البصرة الذين اتخذوا ميداناً واضحاً نحو القراءات القرآنية . فقد كان معيار الاستشهاد عنده بالقراءات، هو موافقة هذه القراءة لقياسه النحوي . فإذا ما أتتْ هذه القراءة متوافقةً مع ذلك القياس ، فإنه يأخذ بها ، وإذا ما خالفت قياسَه النحوي ، فإنه يردُّها ، ويطعن بها ، ويلحِّنها ، سواءٌ كانت صحيحةً أو متواترة ً .
        والمبرد ـ كما هو معروف ـ له شخصيته المتميزة في السماع ، والقياس خرج به حتى على متقدمي نحاة البصرة . وليس أدلُّ على ذلك من كثرة المسائل التي خالف بها شيخَ النحاة سيبويه . حتى جمع ابنُ ولاَّد هذه المسائلَ في كتاب أسماه ( الانتصار ) ، انتصر فيه لسيبويه على المبرد كما هو معروف .
        ومن المعلوم أن للمبرد كتباً كثيرةً من أهمها : ( الكامل ) ، و( المقتضب ) . وقد جعلناهما محور هذه الدراسة ، فهما يعكسان شخصيته الاستشهادية بالقراءات القرآنية .
        وقد أحصيت له ستين آيةً ، في كل آية وجهان إقرائيان . منها ثمان وثلاثون قراءة صحيحة ، وعشرون قراءة شاذة .
        ـ أما القراءات المتواترة ، فقد طعن بسبعٍ منها ، وألفاظه كانت لا تختلف في مدلولها عن ألفاظ سابقيه .
        فقد يصف قراءة متواترة بأنها قبيحة(108) . ويصف أخرى بأنها خطأ(109) . ويصف أخرى بأنها لحن(110) . ويصف رابعةً بأنها غيرُ جائزة(111) .
        فهو يصف قراءة حمزة المذكورة سلفاً ( وبالأرحامِ ) بالجر بأنها قبيحة ، وبذلك يتفق مع الكوفيين في تخطئتها ، وردِّها(112) .
        وفي قوله تعالى : ( ثُمَّ لْيَقْطَعْ فلْينظرْ )[الحج/15] . قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي بتسكين لام ( لْيقطع ) ، وهي قراءة صحيحة متواترة(113) .
        قال المبرد : وإسكان لام ( لْيقطع ) لحنٌ ؛ لأن هذه اللام لو سُبقت بالفاء ، أو الواو لكان جائزاً ؛ لأنهما يصبحان وكأنَّهما من نفس الكلمة . أَمَا وأنَّها سُبقت بـ(ثم) ، فهي لحنٌ ؛ لأن (ثم) منفصلةٌ من الكلمة(114) .
        ووصْفُ المبردِ لها بأنَّها لحنٌ هو تطبيق للقاعدة المشهورة : أن العربية لا تبتدِئُ بساكنٍ ، ولا تقفُ على متحرك .
        والواضح أن هذه القراءة قرأ بها ثلاثةٌ من القرَّاء السبعة ، فهي قراءة قد تواتر نقلُها ، فلا سبيل لردها ؛ لأن القراءة إذا ثبتت بالنقل الصحيح المتواتر ، فلا يردُّها فشو لغة ، ولا قياس عربية ، كما قرر الداني سلفاً .
        ـ أما القراءات الشاذة ، فقد أحصيت له اثنتين وعشرين قراءة شاذة ، خطَّأ ثلاثاً منها.
        ففي قوله تعالى : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبْكم به اللهُ فيغفرُ لمن يشاء ويعذبُ من يشاءُ )[البقرة/284] .
        قرأ ابن عباس ، والأعرج : ( فيغفرَ ) بنصب الراء . وهي قراءة شاذة(115) .
        قال المبرد : إذا عطفت في الجزاء ، فيجوز الجزم ، والرفع ، وكذلك يجوز النصب ، وإن كان قبيحاً . وقد قُرئ هذا الحرفُ على ثلاثةِ أضربٍ : بالجزم ، والرفع ، والنصب(116). ومن هنا نرى أن المبرد يجوِّز وجهَ النصب في هذا الحرف . والعجيبُ منه أنَّه بعد ذلك يصف قراءة النصب بالقبح ، وهذا إنْ دلَّ على شئ ، إنما يدل على تشدده في قبول القراءة التي لا تطَّردُ مع قياسه النحوي ، وهذا ما لا يجوز أن يطبَّقَ على القراءات القرآنية متواترها، وشاذها . والله أعلم.
        أهم النتائج التي توصل إليها البحث :
        1ـ إن الخليل وسيبويه احتجا بالقراءات الشاذة فضلاً عن المتواترة . ثم إن سيبويه كان له ميدانٌ خاص به نحو القراءات القرآنية ، فإذا ما أتتْ هذه القراءةُ مخالفةً لقياسه النحوي ، فإنه لا يتعرض لها بالتخطئة ، أو النكران ، أو الردِّ ، كما هو الحال عند النحاة الذين خَلَفوه من البصريين ، والكوفيين .
        2ـ إن أوَّل من فتح باب الطعن على القراءات المتواترة ، والشاذة هو الأخفش الأوسط الذي نجد أولى مصطلحات الطعن في كتابه ( معاني القرآن ) ، ومن ثم مهَّد الطريق للكسائي ، والفراء ، والمازني في هذا الطعن .
        3ـ وجدنا أنَّ الفراء يَفْضُلُ النحاةَ كلَّهم ـ ومن المدرستين ـ في عدد القراءات الصحيحة ، والشاذة التي طعن بها . وهذا إن دلَّ على شئ ، فإنما يدل على جُرْأةِ هذا العالم الجليل على القراءات القرآنية . وهذا ينقُضُ رأيَ الذين يبرِّئون الكوفيين مما اتهموا به البصريين .
        4ـ إن الكوفيين ، ومتأخري نحاة البصرة كانوا ينظرون إلى القراءات القرآنية من خلال قواعدهم النحوية . فإذا أتتْ القراءةُ تطَّردُ مع قياسهم النحوي احتجوا بها ، وجعلوها الشاهد الأعلى فصاحةً ـ سواء كانت صحيحةً أو شاذةً ـ وإذا ما كانت هذه القراءةُ تصطدم مع قياسهم النحوي ، فإنهم يضعِّفونها ، ويردُّونها ، وربَّما رمُوا قارئها باللحن تارة ً ، وبالوهم تارة أخرى .

        ----------------
        الهوامش
        1ـ ينظر مقدمة المقتضب لعبد الخالق عضيمة 1/119 .
        2ـ ينظر اللهجات العربية في التراث د . أحمد علم الدين الجندي 1/191 .
        3ـ ينظر المدارس النحوية د . شوقي ضيف 19 .
        4ـ النشر في القراءات العشر لابن الجزري 1/9 .
        5ـ المصدر السابق 1/13 .
        6ـ السبعة في القراءات لابن مجاهد البغدادي 47 .
        7ـ ينظر إعراب ثلاثين سورة من القرآن لابن خالويه 140 ، ومختصر في شواذ القراءات لابن خالويه 144 .
        8ـ الكتاب لسيبويه 1/148 .
        9ـ ينظر الكتاب لسيبويه 1/81 .
        10ـ مختصر في شواذ القراءات 133 .
        11ـ ينظر معاني القرآن للأخفش 2/466 .
        12ـ نفسه 2/511 .
        13ـ نفسه 2/547 .
        14ـ السبعة في القراءات 194 .
        15ـ ينظر معاني القرآن للأخفش 1/391 .
        16ـ ينظر لسان العرب لابن منظور الإفريقي ، مادة ( رهن ) .
        17ـ النشر في القراءات العشر 2/4،3 .
        18ـ البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 8/232 .
        19ـ روح المعاني للآلوسي 28/2 ، وينظر معاني القرآن للفراء 1/75 .
        20ـ السبعة في القراءات 362 ، والنشر 2/298 ، 299 .
        21ـ ينظر معاني الفراء 2/75 .
        22ـ ينظر تحبير التيسير في القراءات العشر لابن الجزري 424 ، وشرح التصريح على التوضيح 2/60 .
        23ـ اللهجات العربية في التراث 1/188 .
        24ـ ينظر معاني الفراء 2/76 .
        25ـ ينظر معاني الفراء 3/98 .
        26ـ السبعة في القراءات 615 ، والنشر 1/395 .
        27ـ ينظر مقدمة المقتضب 1/119 .
        28ـ النشر في القراءات العشر 1/13،12 .
        29ـ ينظر الكتاب لسيبويه 2/393،184 ـ 3/13 .
        30ـ معاني القرآن للأخفش 1/165 .
        31ـ السبعة في القراءات 105، 106 .
        32ـ لسان العرب ( سرط ) .
        33ـ ينظر معاني الأخفش 1/227،226 .
        34ـ السبعة في القراءات 637 .
        35ـ ينظر معاني الفراء 1/24 .
        36ـ النشر 2/251 ، وينظر الإنصاف ( المسألة الثانية والثلاثون ) .
        37ـ مختصر في شواذ القراءات 6 .
        38ـ معاني الفراء 1/41 .
        39ـ ينظر المصدر السابق 1/439 .
        40ـ ينظر( هامش) معاني الفراء 1/439 ، وينظر الكشاف 2/264 .
        41ـ السبعة في القراءات 606 ، والنشر 2/376 .
        42ـ ينظر معاني القرآن للفراء 3/74 .
        43ـ السبعة في القراءات 48 .
        44ـ ينظر المقتضب للمبرد 4/125 .
        45ـ النشر في القراءات العشر 2/251 .
        46ـ الإنصاف في مسائل الخلاف ( المسألة الثانية والثلاثون ) .
        47ـ البحر المحيط 3/317 .
        48ـ المصدر السابق 6/355 .
        49ـ نفسه 7/493 .
        50ـ ينظر المقتضب 4/416 .
        51ـ البحر المحيط 5/271 .
        52ـ جامع البيان في القراءات السبع لأبي عمرو الداني نقلاً عن منجد المقرئين 65 .
        53ـ مختصر في شواذ القراءات 221 .
        54ـ ينظر الكتاب لسيبويه 2/187 .
        55ـ السبعة في القراءات 373 .
        56ـ ينظر الكتاب لسيبويه 3/39،38 .
        57ـ السبعة في القراءات 155 .
        58ـ ينظر الكتاب لسيبويه 4/202 .
        59ـ النشر في القراءات العشر 1/11،10 .
        60ـ الكتاب لسيبويه 1/82 ـ 2/107 ـ 3/132 .
        61ـ المصدر السابق 1/94،44 ـ 3/549 .
        62ـ نفسه 1/148 .
        63ـ نفسه 4/444 .
        64ـ مختصر في شواذ القراءات 100 .
        65ـ ينظر الكتاب لسيبويه 1/144 ، والمحتسب 2/100 .
        66ـ الكتاب لسيبويه 1/58،57 .
        67ـ المصدر السابق 4/338 .
        68ـ المدارس النحوية للدكتور شوقي ضيف 95 .
        69ـ معاني القرآن للفراء 1/198 .
        70ـ المصدر السابق 1/226 .
        71ـ نفسه 1/266 .
        72ـ نفسه 1/292 .
        73ـ نفسه 1/392 ـ 2/547 .
        74ـ نفسه 1/430 .
        75ـ نفسه 1/456 ـ 2/599 .
        76ـ نفسه 2/570،555،553 .
        77ـ ينظر معاني الأخفش 1/391 .
        78ـ المصدر السابق 2/599 .
        79ـ معاني الأخفش 1/343 ـ 2/462 .
        80ـ المصدر السابق 1/411 .
        81ـ نفسه 2/512 .
        82ـ نفسه 2/611 ـ 2/683 .
        83ـ مختصر في شواذ القراءات 133 .
        84ـ ينظر معاني الأخفش 2/683 .
        85ـ ينظر المحتسب 2/447،446 .
        86ـ النشر في القراءات العشر 2/285 .
        87ـ ينظر إعراب القراءات السبع وعللها 2/270 .
        88ـ ينظر معاني القرآن للفراء 1/470 .
        89ـ ينظر المحتسب 2/314،313 .
        90ـ معاني القرآن للفراء 1/411،357،24 ـ 3/74 .
        91ـ المصدر السابق 1/265،125 ـ 2/293 ـ 3/184 .
        92ـ نفسه 1/252 .
        93ـ نفسه 1/438،414 .
        94ـ نفسه 1/473 .
        95ـ نفسه 2/183،75 .
        96ـ نفسه 1/360 .
        97ـ السبعة في القراءات 226 .
        98ـ ينظر معاني الفراء 1/252 ، وينظر الكامل في اللغة والأدب 3/31 .
        99ـ ينظر الخصائص لابن جني 1/286،215 ، وينظر شرح ابن عقيل 503.
        100ـ معاني الفراء 1/459 .
        101ـ المصدر السابق 2/26 ـ 3/111 .
        102ـ نفسه 2/285 .
        103ـ نفسه 3/55 .
        104ـ نفسه 3/238 .
        105ـ مختصر في شواذ القراءات 139 ، والمحتسب 2/265 .
        106ـ ينظر معاني الفراء 3/55 .
        107ـ ينظر المحتسب 2/266 .
        108ـ الكامل في اللغة والأدب 3/31 .
        109ـ المقتضب 2/169،18 ـ 4/125 .
        110ـ المصدر السابق 2/132 .
        111ـ نفسه 4/195 .
        112ـ ينظر الكامل في اللغة والأدب 3/31 .
        113ـ السبعة في القراءات 435 .
        114ـ ينظر المقتضب 2/132 .
        115ـ البحر المحيط 2/360 .
        116ـ ينظر المقتضب 2/22 .

        ثبت المصادر والمراجع
        1ـ إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم ، ابن خالويه (370هـ)، أعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى ببغداد عن طبعة دار الكتب المصرية 1941م .
        2ـ إعراب القراءات السبع وعللها ابن خالويه (370هـ ) ، ت.د.عبد الرحمن العثيمين،الناشر مكتبة الخانجي القاهرة ط1 1992م ، مطبعة المدني ، المؤسسة السعودية بمصر .
        3ـ الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ، أبي البركات الأنباري (577هـ)، محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة التجارية الكبرى ، شارع محمد علي بمصر ، ط4 1961م .
        4ـ البحر المحيط ،أبي حيان الأندلسي (745هـ)، طبع بالتصوير عن مطبعة مولاي السلطان عبد الحفيظ ، سلطان المغرب ط2 1978م ، دار الفكر للطباعة والنشر .
        5ـ تحبير التيسير في القراءات العشر ، ابن الجزري (833هـ) ت.د. أحمد محمد القضاة ، دار الفرقان للتوزيع ، عمان ، ط1 2000م .
        6ـ الخصائص ، لأبي الفتح عثمان بن جني (393هـ) ت.محمد علي النجار ، الناشر دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، لا . ت .
        7ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، للعلامة الآلوسي البغدادي ( 1270هـ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، لا.ت .
        8ـ السبعة في القراءات لابن مجاهد البغدادي (324هـ)، ت.د.شوقي ضيف ، دار المعارف بمصر 1972م .
        9ـ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، ت.د.أحمد سليم الحمصي ، ود. محمد أحمد قاسم ، منشورات دار جروس للنشر والتوزيع ، طرابلس ، لبنان ط1 1990م
        10ـ شرح التصريح على التوضيح للشيخ خالد الأزهري (905هـ) ، وبهامشه حاشية للعلامة الشيخ يس بن زين الدين العليمي الحمصي ، مطبعة الاستقامة في القاهرة ، 1954م .
        11ـ الكامل في اللغة والأدب لأبي العباس المبرد (285هـ) ، عرض أصوله وعلق عليه محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط3 ،1997م ، دار الفكر العربي ، القاهرة .
        12ـ الكتاب لسيبويه (180هـ) ،ت. عبد السلام محمد هارون ، الناشر مكتبة الخانجي ، القاهرة ، ط3 1988م .
        13ـ الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، الزمخشري (538هـ) ت.عبد االرزاق المهدي ،دار إحياء التراث العربي ط1 ، 1971م.
        14ـ لسان العرب لابن منظور الإفريقي ، دار صادر ، بيروت لا.ت .
        15ـ اللهجات العربية في التراث د.أحمد علم الدين الجندي ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ـ تونس ، 1978م .
        16ـ المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها ، لابن جني ت.د.عبد الحليم النجار ، ود.عبد الفتاح اسماعيل الشلبي ، وعلي النجدي ناصف ، القاهرة 1972م .
        17ـ مختصر في شواذ القراءات من كتاب البديع لابن خالويه (370هـ) ، عني بنشره ج . برجشتراسر ، دار الهجرة لا.ت .
        18ـ المدارس النحوية د. شوقي ضيف ، دار المعارف ، مصر ، ط7 ، لا.ت .
        19ـ معاني القرآن للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة ، تحقيق ودراسة د.عبد الأمير الورد ، عالم الكتب ، بيروت ، ط1 1985م .
        20ـ معاني القرآن للفراء ت.أحمد يوسف نجاتي ، ومحمد علي النجار ، نسخة مصورة بالأوفست ، طهران ، لا.ت .
        21ـ المقتضب لأبي العباس المبرد (285هـ) ، ت . محمد عبد الخالق عضيمة ، عالم الكتب ، بيروت لا.ت .
        22ـ منجد المقرئين ومرشد الطالبين ، لابن الجزري (833هـ) ، مكتبة المقدسي ، القاهرة ، 1350هـ .
        23ـ النشر في القراءات العشر لابن الجزري (833هـ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، لا.ت.

        تعليق

        يعمل...