الوظيفة الدلاليّة في ضوء مناهج اللسانيات
الدكتور سامي عوض*
هند عكرمة**
الملخّص
يستعرض هذا البحث " الوظيفة الدلاليّة " للغات بوصفها أهم وسائل الاتصال والتفاهم بين بني البشر، مميّزاً بين دراسة اللغات باعتبارها نظاماً من الرموز الصوتية العرفية الاعتباطية، وبين علم العلامات " Semiologe " بكونه علماً يدرس الرموز والعلامات اللغوية وغير اللغوية، ويعد علم اللغة " Linguistigue " أحد فروعه.
كما يُظهر البحث صور المعنى ببساطته وتعدّده، بجلائه وغموضه، بثباته وتحوله، وبقدرة اللغة في هذه الحالات جميعها على أداء وظيفتها بيسر وسهولة، مبيناً بأن الكشف عن " المعنى الدلالي " هو النظر في العلاقة المتبادلة بين الدال والمدلول من خلال أنظمة اللغة ( الصوتية والصرفية والنحوية ) باعتبار كل منها فرعاً من فروع البحث عن المعنى، وما يضاف إلى ذلك من معطيات المعجم والمقام. أما الرموز الأخرى التي لا تتحقق دلالتها من خلال النظام اللغوي؛ فيدرسها علم العلامات العام وما يتفرع عنه من علوم أخرى.
ومن الأمور المسلم بها أن النشاط الكلامي ذا الدلالة الكاملة لا يتكوّن من مفردات فحسب، بل يتكون من أحداث كلامية وامتدادات نطقية تكوّن جملاً تتحدّد معالمها بوقفات أو بسكنات أو نحو ذلك؛ فإن علم الدلالة اللساني " Semantics " لا يقف فقط عند معاني الكلمات المفردة، بل يتعداها إلى دراسة معنى الجملة، وإلى كل شكل لغوي له معنى، وهذا يعني أن يشرح عالم اللغة كيف تحلّل كلّ لغة خبرة الإنسان إلى وحدات حاملة للمعنى.
مقدمة:
اللغة في ظاهرها أصوات تعبر عن معان، لذا يقوم جوهر البحث اللغوي على دراسة العلاقة بين عنصري اللفظ والمعنى، لأن كل متكلم أو سامع يدور في فلك الألفاظ ومعانيها، ولأن كلّ معرفة لا تعدو أن تكون أفكاراً أو معاني تحملها الألفاظ، لذلك كانت الألفاظ بمعانيها محوراً لدراسات شتى قام بها إلى جانب اللغويين الأدباء والنقاد والفقهاء، والفلاسفة والمناطقة، وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والأنتربولوجيون، ورجال السياسة والقانون والاقتصاد والصحافة. ...؛ لأن هذه القضايا تقع في صلب دراسة العلاقات وتبادل الأفكار، ولا يختص بها الدرس اللغوي وحده، ولا تنحصر بزمن دون آخر. وعلى هذا فالاهتمام بالدلالة من أقدم اهتمامات الإنسان الفكرية، ولكن دراستها تختلف باختلاف وجهات النظر إلى المعنى.
وطال الجدال قديماً في أمر الدلالة، هل هي توقيف وإلهام أو عرف واصطلاح؟ وسجل مونان هذا الخلاف عند الهنود واليونان والرومان ( 1 )، أما العرب، فقد أسهب السيوطي في عرض آراء المتحاورين الذين يذهب جمهورهم إلى عرفية الدلالة ( 2 )، وذكر ابن جني هذه الاصطلاحية من قبل أكثر أهل النظر، وإن لم يقدم رأيه الحاسم في ذلك ( 3 )، بخلاف الجرجاني الذي أقرّ بالتواضع الاجتماعي للغة. ( 4 )
وحُسم الخلاف حديثاً باعتبار اللغة " ظاهرة اجتماعية " وسيطرت النظرية الاصطلاحية على الدراسات اللغوية ولا زالت حتى الآن. ( 5 )
إن الوعي اللغوي استمر عبر العصور، وهو آخذ في الازدياد يوماً بعد يوم، وإن اهتمام هذا العصر بوسائل الاتصال مشوب بشيء من الشك وشيء من القلق أيضاً، ومثل هذا الشك أمر مألوف في كل الأزمات الكبرى في الحياة الإنسانية، وربما يتضح ذلك من تلك المجموعة من الأسئلة المحيرة التي تستحوذ على عقول الكتاب والمفكرين في وقتنا الحاضر:
هل اللغة وسيلة واضحة يمكن الاعتماد عليها في اتصال الناس بعضهم ببعض؟ كيف نتأكد أن السامع أو ملايين السامعين قد وعوا قصد المتكلم و معناه وما رغب في توصيله إليهم؟ هل نقل الأفكار هو الوظيفة الوحيدة للكلام؟ هل اللغة أداة سلبية أم أنها قابلة لأن تتطور إلى قوة تسيطر على عقولنا و تمدنا بالأفكار و نماذج السلوك وطرائق العادات وتضع الحواجز بين البيئات اللغوية المختلفة؟ هل لنا أن نفسر " معنى " القضية العلمية بالطريقة نفسها التي نفسر بها معنى القصيدة الشعرية أو الإعلان أو الحديث السياسي؟ أليست أهمية اللغة – بوصفها وسيلة للمحافظة على التراث الأدبي وأداة للوحدة السياسية - سبباً في جعلها مصدراً من مصادر سوء التفاهم والنزاع في الشؤون العالمية؟
إن انتشار الصحافة، والإمكانات الحديثة للسينما والإذاعة، والأساليب العصرية لفنون الدعاية والنشر قد منحت الكلمة قوة خطيرة لم يعهد لها مثيل من قبل.
إن أيَّ نقد يوجه إلى اللغة تكون الكلمة عرضة لأن ينظر إليها على أنها السبب الأساسي في هذا النقد، وليس ثمة ما يثير الدهشة أو الغرابة في هذه المكانة التي تنفرد بها الكلمة؛ فمنها يتشكل الكلام، واللغة لا تتحقق إلا بالكلام.
هذا وإن اختلف العلماء في نظرتهم للمعنى لكنهم متفقون جميعاً - وقبل كل شيء - على أن اللغة نظام من الرموز الصوتية، وتكمن قيمة كل رمز في الاتفاق عليه بين الأطراف التي تتعامل به، فاللغة تشكل بالدرجة الأولى أدوات الإبلاغ بين البشر، لذلك لابد من التركيز على ملاحظة هذه اللغات في عملها ووصفه بكل دقة، هذا يعني أن يشرح عالم اللغة كيف تحلل كل لغة خبرة الإنسان إلى وحدات حاملة للمعنى، وكيف تستفيد من الإمكانات التي تتمتع بها أعضاء النطق.( 6 )
دراسة المعنى:
مقابل تقليص اللغة إلى مادة صوتية، بدأ فردينان دي سوسير ( F.de. Saussure ) بتأكيد الطابع النظامي للغات، وهذا النظام متصور أساساً بصفته نظاماً من العلامات، والعلامة اللغوية " signe " ( 7 ) محددة فيه باعتبارها وحدة طبيعية ذات وجهين لا ينفصلان هما: الدال " signifiant " وهو الصورة الصوتية، والمدلول " signifie " وهو الصورة المفهومية " تصور" ويُعبر عن المتصوّر الذهني الذي يحيلنا إليه الدال، وتتم الدلالة " significtion " باقتران الصورتين الصوتية والذهنية، و بحصولهما يتم الفهم والإفهام،( 8 ) وإن أي تغيير في الصورة السمعية لا بد أن يؤدي إلى تغيير في التصور والعكس صحيح أيضاً. وتتسع العلامة عند دي سوسير لتشمل كل ما يمكن تمييزه كالجمل، والعبارات، والكلمات، والمورفيمات. .. ( 9 )
وهكذا يبدو النظام – وذلك في حالة لغة معينة – شبكة من الاختلافات بين العلامات إذ " لا وجود للغة إلا بالاختلافات ".( 10 ) إن علامة ما هي قبل كل شيء ما لا تكونه العلامات الأخرى، فاللغة منظومة لا قيمة لمكوناتها إلا بالعلاقات القائمة فيما بينها، أي لا يمكن للألسني اعتبار مفردات اللغة كيانات مستقلة، بل يجب عليه وصف العلاقات التي تربط هذه المفردات، وإن توهم المتخاطبون أن كل إشارة تشكل وجوداً مستقلاً؛ فالنظام هو الذي يمفصل ويقطع الوحدات بطريقة اعتباطية كلياً،( 11 ) ومنذ ذلك يصبح المعنى تابعاً " للقيمة "( 12 ) المعرّفة بأنها مجموع العلاقات التي بين علامة ما وبقية علامات النظام.
لقد بين دي سوسير أن كل لغة ينبغي أن يتم تصورها ووصفها على أنها نظام من العناصر المترابطة على المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، لا على أنها تراكم من كيانات قائمة بذاتها. وقد عبر عن نظريته تلك بقوله: " إن اللغة شكل وليست مادة "،( 13 ) وعلى هذا الشكل البنيوي يقوم صرح علم اللغة " Linguistique " المعاصر بأسره، وهو الذي يسوغ دعوى دي سوسير باستقلال علم اللغة ليصبح علماً قائماً بذاته.
و هنا يبرز علم الدلالة " ٍSemantics " فرعاً من فروع علم اللغة، و مستوى من مستويات الدرس اللساني الحديث.
إنّ هذا التمثيل حقيقة لا بد من الأخذ بها لدى الحديث عن موقع علم الدلالة في علم اللغة، و الإشارة بها إلى اتفاق اللغويين على أنموذج لساني يأتي فيه علم الدلالة من جانب وعلم الأصوات من جانب آخر، أما النحو فإنه يشغل موقعاً وسطاً بينهما.( 14 )
إن أية دراسة للغة لا بد أن تسعى إلى الوقوف على المعنى الذي هو المآل و النتيجة والقصد من إنتاج المتكلم للسلسلة الكلامية بدءاً من الأصوات و انتهاء بالمعجم، مروراً بالبناء الصرفي و قواعد التركيب، و ما يضاف إلى ذلك كله من معطيات المقام الاجتماعية و الثقافية.
هذه العلاقات بين فروع علم اللغة تعد من المسلمات في كلّ اللغات، وقد مزج بينها علماء اللغة العربية قديماً منذ سيبويه،( 15 ) وأطلق عليها المحدثون اسم القواعد، وهذه القواعد تهدف لتوضيح المعنى. و في هذا الشأن يقول د. كمال بشر: " إن كل دراسة تتصل بالكلمة أو أحد أجزائها تؤدي إلى خدمة العبارة أو الجملة "،( 16 ) و يصوغ هذه المقولة بالمر: " علم الدلالة مفهوم عام يختص بالمعنى، ويمتد إلى كل مستوى لغوي له علاقة بالدلالة "،( 17 ) أما محمود السعران فيقول في ذلك: " علم الدلالة، أو دراسة " المعنى " هو غاية الدراسات الصوتية و الفونولوجية، والنحوية، و القاموسية، إنه قمة هذه الدراسات "؛( 18 ) " لأن المستويات الأولى وسيلة و المعنى هو الهدف. والإنسان منذ طفولته يتعلم كيف يرصد المعنى، و لهذا يضعه في بؤرة الشعور ".( 19 )
فعلم الدلالة هو دراسة وظيفة الكلمات، وهذه الوظيفة تكمن في نقل المعنى.
وهنا يطرح علم الدلالة مسألتين: الأولى مسألة المعنى: كيف و لماذا و متى يتحدد معنى كلمة ما؟ و ما علاقة المعنى بباقي الكلمات؟ والثانية مسألة الدلالة: ما الكلمة؟ وما وظيفتها؟ وكيف توفرها؟
إبداع علم الدلالة:
ما مصدر الكلمات؟ كيف يتكون العقد الدلالي والاتفاق الجماعي الذي يربط اسماً بمعنى وبقيم استطرادية تلون هذا المعنى؟
الكلمات هي إبداعات إنسانية، ولها في الآن ذاته حياتها الخاصة، كما لباقي الكائنات، فنحن خالقون لها وهي خالقة ذاتها.
إذاً ثمة إبداع واع للكلام الذي يتحول تحولاً عفوياً. " إننا نخلق الكلمات لنهب الأشياء أسماء سواءٌ أكانت هذه الأشياء لم توهَبْها بعد أم أن ما وُهبته لا يؤمن لها وظيفتها بشكل فعّال؛ تلك هي الوظيفة الثنائية: المعرفية أو الدلالية، التعبيرية أو الأسلوبية " (20 ) وبناء على ذلك اتخذت التسمية شكلاً ثنائياً: فالكلمة يمكن أن تحدّد موضوعياً مفهوماً ما، كما يسعها أن تلوّن هذا المفهوم، واللغة في الحالتين تمتلك وسائل كثيرة.
لقد عرفنا المعنى – فيما سبق - بأنه علاقة متبادلة بين اللفظ والمدلول، وهي علاقة واضحة في أبسط المواقف، أي حين تكون بين لفظ واحد ومدلول واحد، أما المواقف التي تتصف بالتعقيد فإن هذه العلاقة تتضمن ألفاظاً عدة لمدلول واحد ومدلولات عدة للفظ واحد؛ فيكون للمعنى اللغوي تبعاً لذلك أنموذجان أساسيان: معنى بسيط، ومعنى متعدد.
أ – المعنى البسيط:
" يتصف المعنى البسيط بمجموعة من الخصائص التي تتعلق باللفظ، أو بالمدلول، أو بهما معاً، وأبرز هذه الخصائص تقليدية اللفظ وغموض المدلول وما يكتنف كلاً منهما من العناصر العاطفية والانفعالية ". ( 21 )
ومعظم كلماتنا رموز تقليدية، ونحن نكتسب معاني هذه الكلمات في طفولتنا المبكرة، ولكن عن طريق التعلم، إذ لا يوجد في اللفظ ما ينبئ عن المدلول، فبالإضافة إلى عدم وجود آية علاقة ظاهرة بين اللفظ " منضدة " وما تدل عليه؛ هناك شيئان يعارضان افتراض وجود أية صلة طبيعية بينهما مهما كانت هذه الصلة غامضة، الشيء الأول يتمثل في تنوع الكلمات واختلافها في اللغات المختلفة، والثاني يتبلور في الحقائق التاريخية، فلو كانت معاني الكلمات كامنة في أصواتها، لما أمكن أن تتغير هذه الكلمات في لفظها ومدلولها تغيراً يستحيل ربطه بالوضع الأصلي لها. ( 22 )
ومهما يكن من أمر فليست كلمات اللغة كلها تقليدية صرفة ككلمة " منضدة "، إن الكلمة " قهقهة " مثلاً معبرة ووصفية إلى حد ما بالصيغة نفسها، والأصوات فيها دليل من دلائل المعنى، وفي استطاعة الأجنبي الذي لا يعرف مدلول هذه الكلمة أن يحمل هذا المدلول تخميناً دقيقاً إلى حد ما، على حين لا يمكنه البتة أن يخمن معنى كلمة " منضدة " من الصوت وحده.
كما يمكن - إضافة إلى ذلك - ملاحظة تشابه الكلمات " المحاكية للأصوات " في لغات مختلفة: " فالطائر المسمى " كوكو " cuckoo في الإنكليزية هو في الفرنسية coucou، وفي الألمانية kuckuck، وفي الهنغارية kakuk، وفي الإغريقية القديمة kokkyx ". ( 23 )
يتبين من هذا أن الثروة اللفظية للغة تتألف من مجموعتين كبيرتين: كلمات تقليدية عرفية اصطلاحية، وكلمات مولدة بدافع الحاجة والضرورة. ويتم التوليد بثلاث صور رئيسية هي:
1- التوليد الصوتي: (24 )
وهو صنع الكلمات الصوتية التي تحاكي في تركيبها الصوتي بعض الأصوات أو الضجيج لتوحي بالصوت نفسه أي تقليد كلمة لصوت آخر: رنين، هدير، نقيق، حفيف، خرير. ..الخ، أو أنه يحدِّد عبر تداعي التجاور الحيوان أو الشيء الذي يصدر الصوت؛ الكوكو.
بيد أن مردود الكلمة الصوتية المحدودة بالضرورة بمجال الأصوات يظلّ ضعيفاً في مجال التسمية الإدراكية أو المعرفية الذي اعتمد قديماً، وبالمقابل فإن قيمة القيم الصوتية المحاكية تبدو عالية جداً على صعيد الأسلوب خاصة الأسلوب الشعري الذي يسعى إلى تقويم كل التداعيات الاستطرادية الكامنة بين الشكل الصوتي و المعنى، وهذه التداعيات ليست محصورة في نطاق صوتين بل تتعدى ذلك لتشمل أصواتاً وألواناً وعواطف.
الدكتور سامي عوض*
هند عكرمة**
الملخّص
يستعرض هذا البحث " الوظيفة الدلاليّة " للغات بوصفها أهم وسائل الاتصال والتفاهم بين بني البشر، مميّزاً بين دراسة اللغات باعتبارها نظاماً من الرموز الصوتية العرفية الاعتباطية، وبين علم العلامات " Semiologe " بكونه علماً يدرس الرموز والعلامات اللغوية وغير اللغوية، ويعد علم اللغة " Linguistigue " أحد فروعه.
كما يُظهر البحث صور المعنى ببساطته وتعدّده، بجلائه وغموضه، بثباته وتحوله، وبقدرة اللغة في هذه الحالات جميعها على أداء وظيفتها بيسر وسهولة، مبيناً بأن الكشف عن " المعنى الدلالي " هو النظر في العلاقة المتبادلة بين الدال والمدلول من خلال أنظمة اللغة ( الصوتية والصرفية والنحوية ) باعتبار كل منها فرعاً من فروع البحث عن المعنى، وما يضاف إلى ذلك من معطيات المعجم والمقام. أما الرموز الأخرى التي لا تتحقق دلالتها من خلال النظام اللغوي؛ فيدرسها علم العلامات العام وما يتفرع عنه من علوم أخرى.
ومن الأمور المسلم بها أن النشاط الكلامي ذا الدلالة الكاملة لا يتكوّن من مفردات فحسب، بل يتكون من أحداث كلامية وامتدادات نطقية تكوّن جملاً تتحدّد معالمها بوقفات أو بسكنات أو نحو ذلك؛ فإن علم الدلالة اللساني " Semantics " لا يقف فقط عند معاني الكلمات المفردة، بل يتعداها إلى دراسة معنى الجملة، وإلى كل شكل لغوي له معنى، وهذا يعني أن يشرح عالم اللغة كيف تحلّل كلّ لغة خبرة الإنسان إلى وحدات حاملة للمعنى.
مقدمة:
اللغة في ظاهرها أصوات تعبر عن معان، لذا يقوم جوهر البحث اللغوي على دراسة العلاقة بين عنصري اللفظ والمعنى، لأن كل متكلم أو سامع يدور في فلك الألفاظ ومعانيها، ولأن كلّ معرفة لا تعدو أن تكون أفكاراً أو معاني تحملها الألفاظ، لذلك كانت الألفاظ بمعانيها محوراً لدراسات شتى قام بها إلى جانب اللغويين الأدباء والنقاد والفقهاء، والفلاسفة والمناطقة، وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والأنتربولوجيون، ورجال السياسة والقانون والاقتصاد والصحافة. ...؛ لأن هذه القضايا تقع في صلب دراسة العلاقات وتبادل الأفكار، ولا يختص بها الدرس اللغوي وحده، ولا تنحصر بزمن دون آخر. وعلى هذا فالاهتمام بالدلالة من أقدم اهتمامات الإنسان الفكرية، ولكن دراستها تختلف باختلاف وجهات النظر إلى المعنى.
وطال الجدال قديماً في أمر الدلالة، هل هي توقيف وإلهام أو عرف واصطلاح؟ وسجل مونان هذا الخلاف عند الهنود واليونان والرومان ( 1 )، أما العرب، فقد أسهب السيوطي في عرض آراء المتحاورين الذين يذهب جمهورهم إلى عرفية الدلالة ( 2 )، وذكر ابن جني هذه الاصطلاحية من قبل أكثر أهل النظر، وإن لم يقدم رأيه الحاسم في ذلك ( 3 )، بخلاف الجرجاني الذي أقرّ بالتواضع الاجتماعي للغة. ( 4 )
وحُسم الخلاف حديثاً باعتبار اللغة " ظاهرة اجتماعية " وسيطرت النظرية الاصطلاحية على الدراسات اللغوية ولا زالت حتى الآن. ( 5 )
إن الوعي اللغوي استمر عبر العصور، وهو آخذ في الازدياد يوماً بعد يوم، وإن اهتمام هذا العصر بوسائل الاتصال مشوب بشيء من الشك وشيء من القلق أيضاً، ومثل هذا الشك أمر مألوف في كل الأزمات الكبرى في الحياة الإنسانية، وربما يتضح ذلك من تلك المجموعة من الأسئلة المحيرة التي تستحوذ على عقول الكتاب والمفكرين في وقتنا الحاضر:
هل اللغة وسيلة واضحة يمكن الاعتماد عليها في اتصال الناس بعضهم ببعض؟ كيف نتأكد أن السامع أو ملايين السامعين قد وعوا قصد المتكلم و معناه وما رغب في توصيله إليهم؟ هل نقل الأفكار هو الوظيفة الوحيدة للكلام؟ هل اللغة أداة سلبية أم أنها قابلة لأن تتطور إلى قوة تسيطر على عقولنا و تمدنا بالأفكار و نماذج السلوك وطرائق العادات وتضع الحواجز بين البيئات اللغوية المختلفة؟ هل لنا أن نفسر " معنى " القضية العلمية بالطريقة نفسها التي نفسر بها معنى القصيدة الشعرية أو الإعلان أو الحديث السياسي؟ أليست أهمية اللغة – بوصفها وسيلة للمحافظة على التراث الأدبي وأداة للوحدة السياسية - سبباً في جعلها مصدراً من مصادر سوء التفاهم والنزاع في الشؤون العالمية؟
إن انتشار الصحافة، والإمكانات الحديثة للسينما والإذاعة، والأساليب العصرية لفنون الدعاية والنشر قد منحت الكلمة قوة خطيرة لم يعهد لها مثيل من قبل.
إن أيَّ نقد يوجه إلى اللغة تكون الكلمة عرضة لأن ينظر إليها على أنها السبب الأساسي في هذا النقد، وليس ثمة ما يثير الدهشة أو الغرابة في هذه المكانة التي تنفرد بها الكلمة؛ فمنها يتشكل الكلام، واللغة لا تتحقق إلا بالكلام.
هذا وإن اختلف العلماء في نظرتهم للمعنى لكنهم متفقون جميعاً - وقبل كل شيء - على أن اللغة نظام من الرموز الصوتية، وتكمن قيمة كل رمز في الاتفاق عليه بين الأطراف التي تتعامل به، فاللغة تشكل بالدرجة الأولى أدوات الإبلاغ بين البشر، لذلك لابد من التركيز على ملاحظة هذه اللغات في عملها ووصفه بكل دقة، هذا يعني أن يشرح عالم اللغة كيف تحلل كل لغة خبرة الإنسان إلى وحدات حاملة للمعنى، وكيف تستفيد من الإمكانات التي تتمتع بها أعضاء النطق.( 6 )
دراسة المعنى:
مقابل تقليص اللغة إلى مادة صوتية، بدأ فردينان دي سوسير ( F.de. Saussure ) بتأكيد الطابع النظامي للغات، وهذا النظام متصور أساساً بصفته نظاماً من العلامات، والعلامة اللغوية " signe " ( 7 ) محددة فيه باعتبارها وحدة طبيعية ذات وجهين لا ينفصلان هما: الدال " signifiant " وهو الصورة الصوتية، والمدلول " signifie " وهو الصورة المفهومية " تصور" ويُعبر عن المتصوّر الذهني الذي يحيلنا إليه الدال، وتتم الدلالة " significtion " باقتران الصورتين الصوتية والذهنية، و بحصولهما يتم الفهم والإفهام،( 8 ) وإن أي تغيير في الصورة السمعية لا بد أن يؤدي إلى تغيير في التصور والعكس صحيح أيضاً. وتتسع العلامة عند دي سوسير لتشمل كل ما يمكن تمييزه كالجمل، والعبارات، والكلمات، والمورفيمات. .. ( 9 )
وهكذا يبدو النظام – وذلك في حالة لغة معينة – شبكة من الاختلافات بين العلامات إذ " لا وجود للغة إلا بالاختلافات ".( 10 ) إن علامة ما هي قبل كل شيء ما لا تكونه العلامات الأخرى، فاللغة منظومة لا قيمة لمكوناتها إلا بالعلاقات القائمة فيما بينها، أي لا يمكن للألسني اعتبار مفردات اللغة كيانات مستقلة، بل يجب عليه وصف العلاقات التي تربط هذه المفردات، وإن توهم المتخاطبون أن كل إشارة تشكل وجوداً مستقلاً؛ فالنظام هو الذي يمفصل ويقطع الوحدات بطريقة اعتباطية كلياً،( 11 ) ومنذ ذلك يصبح المعنى تابعاً " للقيمة "( 12 ) المعرّفة بأنها مجموع العلاقات التي بين علامة ما وبقية علامات النظام.
لقد بين دي سوسير أن كل لغة ينبغي أن يتم تصورها ووصفها على أنها نظام من العناصر المترابطة على المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، لا على أنها تراكم من كيانات قائمة بذاتها. وقد عبر عن نظريته تلك بقوله: " إن اللغة شكل وليست مادة "،( 13 ) وعلى هذا الشكل البنيوي يقوم صرح علم اللغة " Linguistique " المعاصر بأسره، وهو الذي يسوغ دعوى دي سوسير باستقلال علم اللغة ليصبح علماً قائماً بذاته.
و هنا يبرز علم الدلالة " ٍSemantics " فرعاً من فروع علم اللغة، و مستوى من مستويات الدرس اللساني الحديث.
إنّ هذا التمثيل حقيقة لا بد من الأخذ بها لدى الحديث عن موقع علم الدلالة في علم اللغة، و الإشارة بها إلى اتفاق اللغويين على أنموذج لساني يأتي فيه علم الدلالة من جانب وعلم الأصوات من جانب آخر، أما النحو فإنه يشغل موقعاً وسطاً بينهما.( 14 )
إن أية دراسة للغة لا بد أن تسعى إلى الوقوف على المعنى الذي هو المآل و النتيجة والقصد من إنتاج المتكلم للسلسلة الكلامية بدءاً من الأصوات و انتهاء بالمعجم، مروراً بالبناء الصرفي و قواعد التركيب، و ما يضاف إلى ذلك كله من معطيات المقام الاجتماعية و الثقافية.
هذه العلاقات بين فروع علم اللغة تعد من المسلمات في كلّ اللغات، وقد مزج بينها علماء اللغة العربية قديماً منذ سيبويه،( 15 ) وأطلق عليها المحدثون اسم القواعد، وهذه القواعد تهدف لتوضيح المعنى. و في هذا الشأن يقول د. كمال بشر: " إن كل دراسة تتصل بالكلمة أو أحد أجزائها تؤدي إلى خدمة العبارة أو الجملة "،( 16 ) و يصوغ هذه المقولة بالمر: " علم الدلالة مفهوم عام يختص بالمعنى، ويمتد إلى كل مستوى لغوي له علاقة بالدلالة "،( 17 ) أما محمود السعران فيقول في ذلك: " علم الدلالة، أو دراسة " المعنى " هو غاية الدراسات الصوتية و الفونولوجية، والنحوية، و القاموسية، إنه قمة هذه الدراسات "؛( 18 ) " لأن المستويات الأولى وسيلة و المعنى هو الهدف. والإنسان منذ طفولته يتعلم كيف يرصد المعنى، و لهذا يضعه في بؤرة الشعور ".( 19 )
فعلم الدلالة هو دراسة وظيفة الكلمات، وهذه الوظيفة تكمن في نقل المعنى.
وهنا يطرح علم الدلالة مسألتين: الأولى مسألة المعنى: كيف و لماذا و متى يتحدد معنى كلمة ما؟ و ما علاقة المعنى بباقي الكلمات؟ والثانية مسألة الدلالة: ما الكلمة؟ وما وظيفتها؟ وكيف توفرها؟
إبداع علم الدلالة:
ما مصدر الكلمات؟ كيف يتكون العقد الدلالي والاتفاق الجماعي الذي يربط اسماً بمعنى وبقيم استطرادية تلون هذا المعنى؟
الكلمات هي إبداعات إنسانية، ولها في الآن ذاته حياتها الخاصة، كما لباقي الكائنات، فنحن خالقون لها وهي خالقة ذاتها.
إذاً ثمة إبداع واع للكلام الذي يتحول تحولاً عفوياً. " إننا نخلق الكلمات لنهب الأشياء أسماء سواءٌ أكانت هذه الأشياء لم توهَبْها بعد أم أن ما وُهبته لا يؤمن لها وظيفتها بشكل فعّال؛ تلك هي الوظيفة الثنائية: المعرفية أو الدلالية، التعبيرية أو الأسلوبية " (20 ) وبناء على ذلك اتخذت التسمية شكلاً ثنائياً: فالكلمة يمكن أن تحدّد موضوعياً مفهوماً ما، كما يسعها أن تلوّن هذا المفهوم، واللغة في الحالتين تمتلك وسائل كثيرة.
لقد عرفنا المعنى – فيما سبق - بأنه علاقة متبادلة بين اللفظ والمدلول، وهي علاقة واضحة في أبسط المواقف، أي حين تكون بين لفظ واحد ومدلول واحد، أما المواقف التي تتصف بالتعقيد فإن هذه العلاقة تتضمن ألفاظاً عدة لمدلول واحد ومدلولات عدة للفظ واحد؛ فيكون للمعنى اللغوي تبعاً لذلك أنموذجان أساسيان: معنى بسيط، ومعنى متعدد.
أ – المعنى البسيط:
" يتصف المعنى البسيط بمجموعة من الخصائص التي تتعلق باللفظ، أو بالمدلول، أو بهما معاً، وأبرز هذه الخصائص تقليدية اللفظ وغموض المدلول وما يكتنف كلاً منهما من العناصر العاطفية والانفعالية ". ( 21 )
ومعظم كلماتنا رموز تقليدية، ونحن نكتسب معاني هذه الكلمات في طفولتنا المبكرة، ولكن عن طريق التعلم، إذ لا يوجد في اللفظ ما ينبئ عن المدلول، فبالإضافة إلى عدم وجود آية علاقة ظاهرة بين اللفظ " منضدة " وما تدل عليه؛ هناك شيئان يعارضان افتراض وجود أية صلة طبيعية بينهما مهما كانت هذه الصلة غامضة، الشيء الأول يتمثل في تنوع الكلمات واختلافها في اللغات المختلفة، والثاني يتبلور في الحقائق التاريخية، فلو كانت معاني الكلمات كامنة في أصواتها، لما أمكن أن تتغير هذه الكلمات في لفظها ومدلولها تغيراً يستحيل ربطه بالوضع الأصلي لها. ( 22 )
ومهما يكن من أمر فليست كلمات اللغة كلها تقليدية صرفة ككلمة " منضدة "، إن الكلمة " قهقهة " مثلاً معبرة ووصفية إلى حد ما بالصيغة نفسها، والأصوات فيها دليل من دلائل المعنى، وفي استطاعة الأجنبي الذي لا يعرف مدلول هذه الكلمة أن يحمل هذا المدلول تخميناً دقيقاً إلى حد ما، على حين لا يمكنه البتة أن يخمن معنى كلمة " منضدة " من الصوت وحده.
كما يمكن - إضافة إلى ذلك - ملاحظة تشابه الكلمات " المحاكية للأصوات " في لغات مختلفة: " فالطائر المسمى " كوكو " cuckoo في الإنكليزية هو في الفرنسية coucou، وفي الألمانية kuckuck، وفي الهنغارية kakuk، وفي الإغريقية القديمة kokkyx ". ( 23 )
يتبين من هذا أن الثروة اللفظية للغة تتألف من مجموعتين كبيرتين: كلمات تقليدية عرفية اصطلاحية، وكلمات مولدة بدافع الحاجة والضرورة. ويتم التوليد بثلاث صور رئيسية هي:
1- التوليد الصوتي: (24 )
وهو صنع الكلمات الصوتية التي تحاكي في تركيبها الصوتي بعض الأصوات أو الضجيج لتوحي بالصوت نفسه أي تقليد كلمة لصوت آخر: رنين، هدير، نقيق، حفيف، خرير. ..الخ، أو أنه يحدِّد عبر تداعي التجاور الحيوان أو الشيء الذي يصدر الصوت؛ الكوكو.
بيد أن مردود الكلمة الصوتية المحدودة بالضرورة بمجال الأصوات يظلّ ضعيفاً في مجال التسمية الإدراكية أو المعرفية الذي اعتمد قديماً، وبالمقابل فإن قيمة القيم الصوتية المحاكية تبدو عالية جداً على صعيد الأسلوب خاصة الأسلوب الشعري الذي يسعى إلى تقويم كل التداعيات الاستطرادية الكامنة بين الشكل الصوتي و المعنى، وهذه التداعيات ليست محصورة في نطاق صوتين بل تتعدى ذلك لتشمل أصواتاً وألواناً وعواطف.

تعليق