نُظم البنى السطحيّة للغة العربية في وسط الجزيرة العربية
د. خالد بن عبد العزيز الدامغ
جامعة الرياض (السعودية)
بغض النظر عن قضية هل "للغة قوّة دلاليّة في ذاتها"، أو أن الدلالات التي تتضمنها اللغة عبارة عن مفاهيم ومحسوسات موجودة في العالم الخارجي، ودور اللغة هو الربط بينها، كما هو رأي دي سوسير "de Saussure" وبيرس "Pierce"؛ فإن إيصال المعاني يظل في كل الأحوال الهدف من الاستعمال اللغوي. وكي يتحقق انتقال الأفكار والمعاني الذهنية بصورة واضحة بين عقلين أو أكثر، فلا بد أن يكون هناك نظام لترتيب عناصر الجمل (Patterns of Word-Order)؛ إذ بدون هذا النسق التنظيمي قد تتداخل المعاني خاصة في الأنظمة اللغوية المبنية. فبينما تحمل علامات الإعراب في الأنظمة اللغوية المعربة أبعاداً دلالية ضمنيّة في معاني الجمل كما في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات)، فإن تخلى النظام اللغوي عن اللواحق الإعرابية سيخفي معها الدلالات التي تحملها، فلا يدري السامع هل هذا العنصر من التركيب هو الفاعل أم من وقع عليه الفعل. وقد أشار ابن خلدون إلى فقدان علامات الإعراب لدى العرب في أزمان متقدمة. يقول في الفصل السابع والأربعين: إن لغة العرب لهذا العهد... على سنن اللسان المضري, ولم يُفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيين الفاعل من المفعول؛ فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد(1).
وعندما تفقد العلامات الإعرابية من أي نظام لغوي، فإن المؤشر الأساسي للعلاقات النحوية بين عناصر الجمل سينتقل بالدرجة الأولى إلى الطريقة التي تنظم بها تلك العناصر. لذا فموقع أي مفردة (Morpheme) في التركيب، أو ما يسميه بعض اللغويين "الرّتبة"، سيكون المرتكز في تحديد علاقتها بالسياق من حيث حمل موقعها في التركيب للمعاني التي كانت تؤديها اللواحق الإعرابية على آخرها. فالموقع سيضفي على الكلمة دلالة (وظيفة) أخرى غير المعنى المعجمي الذي تحمله في ذاتها. وهذه الدلالة الأخرى المضفاة على المفردة من الأهمية بحيث لو تغيرت الكلمة عن موقعها الذي يحدده لها النظام، فربما تقلب المعنى المراد (فالموقع الجديد قد يضفي على المفردة وظيفة مختلفة). وقد أشار إلى هذا داود عبده(2) في مثاله بقولهم: "الاستعمار سينتصر على الشعب" مع أن المقصود "الشعب سينتصر على الاستعمار". فتغيير مفردة عن موقعها الذي تحدده وظيفتها الأصلية في الرسالة الذهنية قد يؤدي إلى تغيّر في المعنى بين العقلين، أو قد يقود إلى عدم فهم الرسالة ككل. ويحدث الوضع الأخير عندما يؤدي التغيير إلى تشكيل نمط جديد لا يستقيم ونظام اللغة؛ وهو النمط الذي يرى تشومسكي وتابعو مدرسته اللغوية أنه خارج السلاسل التي يمكن تشكيلها من معجم اللغة بحسب النظم المسموح بها(3).
يسيطر العقل الإنساني على النظم المعقدة لترتيب عناصر الجملة من خلال جانب فطري (Innate Part) في المخ؛ وربما أن هذا ما قصده بعض اللغويين العرب من أن اللغة توقيفية. يعمل هذا الجانب الفطري منذ الصغر بالتعرف على النظام اللغوي من المدخلات اللغوية فيساعد الطفل خلال وقت قصير على توليد الجمل وتركيبها بعدد لا محدود مضبوطة بقوانين اللغة المحيطة. ولا يقتصر عمل هذا الجانب الفطري على اللغة الأم فحسب، بل هو فاعل أيضا في اكتساب لغة ثانية بالنسبة للصغار(4). يُطلق على هذا الجانب الفطري "أداة اكتساب اللغة"(Linguistic Acquisition Device)؛ وهي تسمية مدرسة النحو العام (Universal Grammar) اللغوية التي صار لها صدى واسع بين علماء اللغة أجمع منذ تقدّم رائدها تشومسكي في عام 1957 بتفسير منطقي لآلية إنتاج اللغة الأم. ولم تقتصر أفكار هذه المدرسة اللغوية على إضافة فهم جديد لاكتساب اللغة الأم، بل تأثرت بها أيضا أطر تعلم اللغة الثانية(5). فاكتساب اللغة في هذه المدرسة اللغوية ليس كما يعتقد السلوكيون يتم بالتخزين والمحاكاة في ذهن يولد كصفحة بيضاء، حيث يسمع الطفل أصواتاً وكلمات فيقلدها؛ فترتبط هذه الرموز اللغوية بمعان في ذهنه (دالٍ ومدلول)، ثم يكتسب قدرة على تركيبها في جمل.
من أواخر المذاهب التي تبلورت من هذه المدرسة الاتجاه المسمّى "النحو التوليدي التحويلي" (Transformational Generative Grammar). يرى هذا الاتجاه أن اللغة تنبثق من أفكار ذهنية هي مصدر أو نواة الإنتاج اللغوي، فتقوم بعد ذلك "قدرة" المتكلم "بتوليد" اللغة، وهذه القدرة تزوّد صاحبها بآلية إنتاج وفهم عدد لا نهائي من مظاهر الإبداع اللغوي، وذلك ما يفسر قدرة العقل على فهم وإرسال ما لا نهاية من الجمل. وهذا الجانب التوليدي هو المجال الرئيس في اهتمام علماء هذا الاتجاه اللغوي، وهو جانب يميّز هذه المدرسة عن غيرها من المدارس اللغوية الحديثة الأخرى، ويعطيها منطقية أكثر في تفسير آلية عمل اللغة. فلا البنيوية ولا التوزيعية ولا مدرسة براغ الوظيفية تعرضت لهذا الجانب(6). الجرجاني(7) أشار بإجمال لهذه الآلية؛ فالمتكلم في نظره يعمد إلى كلمة حقها التأخير فيقدمها، أو إلى ما حقها التقديم فيؤخرها وفقا لترتيب أهمية المعاني نفسه؛ حيث تقتفي الكلمات في نظمها آثار المعاني، وترتيبها يأتي بحسب ترتيب المعاني في النفس. فمنهج بعض مدارس علم اللغة الحديث يتقاطع كثيرا مع رأي الجرجاني خاصة في أفكار النظم.
ومن هذا الإيجاز يتضح أن مبدأ مدرسة النحو العام يقوم على أن هناك مستويين من اللغة: (1) مستوى البنية العميقة (Deep-Structure) وهي المعاني الذهنية، و(2) مستوى البنية السطحية (Surface-Structure) وهو المظهر الخارجي للغة. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك مستويان من الإنتاج اللغوي: (1) مستوى القدرة (Competence) المشار إليه آنفا، و(2) مستوى الأداء (Performance) وهو الشكل اللغوي الذي يستخدمه المتكلم فعليا، ليخرج على شكل بنية سطحية أخيرة تدل على المعاني العميقة. والبنية السطحية للغة لا تعكس بالضرورة "قدرة" الفرد اللغوية، لأن القدرة تستطيع أن تولد لبنية عميقة واحدة عددا من البنى السطحية؛ وهذا التبادل الكمّي والكيفي بين البنيتين يعكس ثنائية النحو العام، أقصد: "القدرة" و"الأداء". ودور قواعد "التحويل" في هذه الثنائيات هو بيان الكيفية التي تتحوّل بها البنى العميقة لبنى سطحية. وآلية التحويل تتخذ أشكالا مختلفة من العمليات مثل التبعية والحذف والترتيب الذي يعد أبرز مظاهر التحويل، وهو في بنيته السطحية المنتجة (بفتح التاء) مجال اهتمام هذه الدراسة.
ويشير علماء اللغة العرب القدماء، ومن أبرزهم الجرجاني، وكذلك علماء لغة معاصرون(8) إلى أن التقديم والتأخير في نظم الجملة يحمل معاني خاصة تتعلق بالأهمية. ولكن - في الوضع الشائع - تأثير السياق على ترتيب أركان الجملة أداء لغوي خارج الشعور (****-cognitive). وقد حاولت النظرية التحويلية التوليدية إرجاعه إلى قضية المعنى الواحد والتراكيب المختلفة. فمثلا قول أحدهم "التجربة تشمل الجميع" يمكن تحليله وفق هذه النظرية على أن المورفيمات تتحد لتكون قوالب، مثل "الـ" التعريف مع "التجربة" لتكون تركيبا اسميا (NP Noun Phrase)، ويتحد الجزء الآخر من الجملة "تشمل الجميع" لتكون (Verb Phrase, PV) لتتحد بعدها تتحد الاجزاء الرئيسة المكونات الرئيسة (Immediate Constituent, IC) للجملة لتكوِّن (Phrase Structure, PS). ووفق هذه النظرية سواء تقدم أي عنصر من عناصر الجملة يبقى ارتباط هذه المورفيمات - تقدمت أو تأخرت - بالمعنى البؤرة.
وقد أشار سيبويه(9) في باب الاشتغال إلى تحويل أركان الجملة (التقديم والتأخير)، بقوله أنك إن قدمت المفعول وأخرت الفاعل، جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيداً عبدا لله، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه وإن كان إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم. فالجملة (أ) "التجربة تشمل الجميع"، جملة توليدية يمكن أن تتحول قياساً على ما جاء في الفصحى إلى (ب) "الجميع تشمل التجربة"، أو إلى (ﺟ) "تشمل التجربة الجميع"، أو إلى (د) "تشمل الجميع التجربة"، لكننها لا تتحول إلى (ﻫ) "الجميع التجربة تشمل" أو إلى (و) "التجربة الجميع تشمل"، حتى مع وجود الحركات الدالة على علاقات عناصر الجملة، لأن الترتيب (فاعل - مفعول - فعل sov) أو الترتيب (مفعول - فاعل - فعل osv) لم يرد في العربية الفصحى. وستكشف الدراسة الحالية عن أساليب نظم البنى السطحية في البيئة اللغوية المدروسة.
يؤكد عدد من المختصين في الدراسات اللغوية على أهمية دراسة الوجه المنطوق من اللغة العربية. ومن ذلكم ما أكده العلامة حمد الجاسر(10) عن أهمية الدراسة اللغوية لبعض البيئات العربية قبل أن تهب عليها رياح التغيير، بقوله:
لا شك أن لهجات سكان الجزيرة العربية تضرب بجذور عميقة لأصول اللهجة الفصحى الأم، لغة القرآن الكريم، ولهذا فإن العناية بتلك اللهجات مما تقوى به اللغة الفصحى، وتنتشر وتتغلب على غيرها من اللهجات الأعجمية التي وفدت إلى هذه الجزيرة مع من وفد إليها من مختلف الأجناس التي تمتد في أصولها إلى جذور غير عربية. ومن هنا فإن من أولى الأمور للحفاظ على اللغة العربية العناية بلهجاتها عناية يراد منها انتقاء الصالح القريب إلى الفصحى وتعميمه في الاستعمال في جميع الوسائل من صحافة وإذاعة مسموعة أو مرئية. وقد كان هذا الأمر من أولى ما اتجه إليه (مجمع اللغة العربية في القاهرة)، حيث خصص لدراسة اللهجات إحدى لجانه، مراعيا في إنشائها الصلة العميقة بين ما أسند إليها من أعمال وبين الغاية التي أنشئ المجمع من أجلها، وهي الحفاظ على اللغة العربية(11).
والواقع الفعلي للمسيرة البحثية في هذا المجال يشير إلى أن الأبحاث في تراكيب اللغة العربية المستخدمة فعليا نادرة مقارنة بالدراسات التي تعنى بما يجب أن تكون عليه قواعد وتراكيب اللغة العربية. ولأن الحقل في حاجة ماسة لدراسات حديثة في نظم التراكيب المستخدمة من ناطقيّ اللغة العربية الأصليين اليوم، فقد تنادى أيضا المختصين في تعليم اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية بأهمية دراسة هذا المجال وحثوا على ذلك؛ ومن ذلك ما تضمنته أولى توصيات الندوة العالمية الأولى التي أقامها معهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود في الرياض، وتنصّ على: قيام الهيئات العربية المعنية بمشروعات علمية تهدف إلى تحديد الأنماط الأساسية للأبنية الصرفية والنحوية لمعرفة النماذج المستخدمة... تمهيدا لتأليف الكتاب المدرسي(12).
واستشعارا بأهمية مثل هذه الأبحاث في هذا الميدان للوقوف على الاستخدام الفعلي للغة، تقوم مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية - إحدى أعلى الجهات عناية بالبحث العلمي في المملكة العربية السعودية - بتبني مشروع أكاديمي وطني ضخم يمتد لثلاث سنوات، يعمل فيه ستة من أعضاء هيئة التدريس المختصين في مؤسسات التعليم العالي السعودية في مجال علم اللغة. ويتمثل مشروعهم الأكاديمي في مسح المفردات المعجمية التي يستخدمها فعليا أطفال المدارس الابتدائية في المملكة العربية السعودية(13). وإسهاما منا في سدّ النقص في هذا الميدان، فإن هذه الدراسة تقوم من جانبها بمسح طريقة نظم التراكيب البسيطة المستخدمة فعليا في وسط هذا الوطن العربي.
ونؤكّد هنا أن هذا البحث لا ينادي للعامية لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة؛ فهو بحث علمي وصفي للغة التي يستخدمها الناطقون الأصليون فعليا. له إثراءات علمية، ومجالات تطبيقية عـدّة، منها رصد تغيّرات اللغة، وتقديم مادة أساسية للدراسات التقابلية، كما أن معرفة الواقع تدعم برامج وكتب تعليم اللغة العربية الموجهة للعرب أو لغير الناطقين بالعربية. وهو نتيجة لدعوات مختصين غيورين على نشر اللغة العربية الفصحى سواء وجهت للعرب أو لغير العرب كما تمت الإشارة إليه آنفا.
يحد هذه الدراسة ثلاثة أطر رئيسة، تلزم الباحث بالعمل في حدودها. فهناك محددات سياقية، وثانية جغرافية، وأخرى لغوية. وفيما يلي بيان لكل منها:
حدود سياقية (الاختبارات):
تقتصر الدراسة على تحليل التراكيب المستخدمة أثناء أداء الاختبارات الشفوية. واختيار الاختبارات الشفوية ينطلق من أن الجانب المنطوق من اللغة هو الأصل، والوجه المكتوب لها تابع؛ فمثلا وإن كانت اللاتينية لا تزال مكتوبة وتقرأ في مواقع دينية، إلا أنها تعد ميتة لغياب وجهها المنطوق. ومن جانب آخر فسبب اختيار السياق الاختباري دون غيره من السياقات التواصلية الأخرى يرتكز على ثلاث حيثيات:
- من المتوقع أن لغة التواصل في الاختبارات الشفوية تمثل درجة من الاستخدام اللغوي تتوسط الأوجه المختلفة من مستويات اللغة؛ فهي ليست عاميّة مغرقة، ولا أكاديمية منمقة.
- من المتوقع أن ناطق اللغة لا يعد المنتج اللغوي مسبقا وإنما يتحدث بسليقته. حتى وإن كانت أفكار الإجابات موجودة في ذهن المتكلم قبل الأداء الاختباري، إلا أن هذه الدراسة ستهتم بالبنى السطحية للغة (التراكيب)، وليس بالبنى العميقة (المعاني).
- من المتوقع أن تكون اللغة المستخدمة في الاختبارات ذات تراكيب أكثر تكاملا من سياقات تبادل أطراف التحايا والعلاقات الاجتماعية. وفي المقابل فإن المحاضرات العلمية قد تكون بلغة معدة مسبقا، بل قد تكون مكتوبة. ولاشك أن الاعتماد على لغة شفوية معدة سلفا يؤثر على الصدق الداخلي (Internal Validity) لنتائج الدراسة.
د. خالد بن عبد العزيز الدامغ
جامعة الرياض (السعودية)
بغض النظر عن قضية هل "للغة قوّة دلاليّة في ذاتها"، أو أن الدلالات التي تتضمنها اللغة عبارة عن مفاهيم ومحسوسات موجودة في العالم الخارجي، ودور اللغة هو الربط بينها، كما هو رأي دي سوسير "de Saussure" وبيرس "Pierce"؛ فإن إيصال المعاني يظل في كل الأحوال الهدف من الاستعمال اللغوي. وكي يتحقق انتقال الأفكار والمعاني الذهنية بصورة واضحة بين عقلين أو أكثر، فلا بد أن يكون هناك نظام لترتيب عناصر الجمل (Patterns of Word-Order)؛ إذ بدون هذا النسق التنظيمي قد تتداخل المعاني خاصة في الأنظمة اللغوية المبنية. فبينما تحمل علامات الإعراب في الأنظمة اللغوية المعربة أبعاداً دلالية ضمنيّة في معاني الجمل كما في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات)، فإن تخلى النظام اللغوي عن اللواحق الإعرابية سيخفي معها الدلالات التي تحملها، فلا يدري السامع هل هذا العنصر من التركيب هو الفاعل أم من وقع عليه الفعل. وقد أشار ابن خلدون إلى فقدان علامات الإعراب لدى العرب في أزمان متقدمة. يقول في الفصل السابع والأربعين: إن لغة العرب لهذا العهد... على سنن اللسان المضري, ولم يُفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيين الفاعل من المفعول؛ فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد(1).
وعندما تفقد العلامات الإعرابية من أي نظام لغوي، فإن المؤشر الأساسي للعلاقات النحوية بين عناصر الجمل سينتقل بالدرجة الأولى إلى الطريقة التي تنظم بها تلك العناصر. لذا فموقع أي مفردة (Morpheme) في التركيب، أو ما يسميه بعض اللغويين "الرّتبة"، سيكون المرتكز في تحديد علاقتها بالسياق من حيث حمل موقعها في التركيب للمعاني التي كانت تؤديها اللواحق الإعرابية على آخرها. فالموقع سيضفي على الكلمة دلالة (وظيفة) أخرى غير المعنى المعجمي الذي تحمله في ذاتها. وهذه الدلالة الأخرى المضفاة على المفردة من الأهمية بحيث لو تغيرت الكلمة عن موقعها الذي يحدده لها النظام، فربما تقلب المعنى المراد (فالموقع الجديد قد يضفي على المفردة وظيفة مختلفة). وقد أشار إلى هذا داود عبده(2) في مثاله بقولهم: "الاستعمار سينتصر على الشعب" مع أن المقصود "الشعب سينتصر على الاستعمار". فتغيير مفردة عن موقعها الذي تحدده وظيفتها الأصلية في الرسالة الذهنية قد يؤدي إلى تغيّر في المعنى بين العقلين، أو قد يقود إلى عدم فهم الرسالة ككل. ويحدث الوضع الأخير عندما يؤدي التغيير إلى تشكيل نمط جديد لا يستقيم ونظام اللغة؛ وهو النمط الذي يرى تشومسكي وتابعو مدرسته اللغوية أنه خارج السلاسل التي يمكن تشكيلها من معجم اللغة بحسب النظم المسموح بها(3).
يسيطر العقل الإنساني على النظم المعقدة لترتيب عناصر الجملة من خلال جانب فطري (Innate Part) في المخ؛ وربما أن هذا ما قصده بعض اللغويين العرب من أن اللغة توقيفية. يعمل هذا الجانب الفطري منذ الصغر بالتعرف على النظام اللغوي من المدخلات اللغوية فيساعد الطفل خلال وقت قصير على توليد الجمل وتركيبها بعدد لا محدود مضبوطة بقوانين اللغة المحيطة. ولا يقتصر عمل هذا الجانب الفطري على اللغة الأم فحسب، بل هو فاعل أيضا في اكتساب لغة ثانية بالنسبة للصغار(4). يُطلق على هذا الجانب الفطري "أداة اكتساب اللغة"(Linguistic Acquisition Device)؛ وهي تسمية مدرسة النحو العام (Universal Grammar) اللغوية التي صار لها صدى واسع بين علماء اللغة أجمع منذ تقدّم رائدها تشومسكي في عام 1957 بتفسير منطقي لآلية إنتاج اللغة الأم. ولم تقتصر أفكار هذه المدرسة اللغوية على إضافة فهم جديد لاكتساب اللغة الأم، بل تأثرت بها أيضا أطر تعلم اللغة الثانية(5). فاكتساب اللغة في هذه المدرسة اللغوية ليس كما يعتقد السلوكيون يتم بالتخزين والمحاكاة في ذهن يولد كصفحة بيضاء، حيث يسمع الطفل أصواتاً وكلمات فيقلدها؛ فترتبط هذه الرموز اللغوية بمعان في ذهنه (دالٍ ومدلول)، ثم يكتسب قدرة على تركيبها في جمل.
من أواخر المذاهب التي تبلورت من هذه المدرسة الاتجاه المسمّى "النحو التوليدي التحويلي" (Transformational Generative Grammar). يرى هذا الاتجاه أن اللغة تنبثق من أفكار ذهنية هي مصدر أو نواة الإنتاج اللغوي، فتقوم بعد ذلك "قدرة" المتكلم "بتوليد" اللغة، وهذه القدرة تزوّد صاحبها بآلية إنتاج وفهم عدد لا نهائي من مظاهر الإبداع اللغوي، وذلك ما يفسر قدرة العقل على فهم وإرسال ما لا نهاية من الجمل. وهذا الجانب التوليدي هو المجال الرئيس في اهتمام علماء هذا الاتجاه اللغوي، وهو جانب يميّز هذه المدرسة عن غيرها من المدارس اللغوية الحديثة الأخرى، ويعطيها منطقية أكثر في تفسير آلية عمل اللغة. فلا البنيوية ولا التوزيعية ولا مدرسة براغ الوظيفية تعرضت لهذا الجانب(6). الجرجاني(7) أشار بإجمال لهذه الآلية؛ فالمتكلم في نظره يعمد إلى كلمة حقها التأخير فيقدمها، أو إلى ما حقها التقديم فيؤخرها وفقا لترتيب أهمية المعاني نفسه؛ حيث تقتفي الكلمات في نظمها آثار المعاني، وترتيبها يأتي بحسب ترتيب المعاني في النفس. فمنهج بعض مدارس علم اللغة الحديث يتقاطع كثيرا مع رأي الجرجاني خاصة في أفكار النظم.
ومن هذا الإيجاز يتضح أن مبدأ مدرسة النحو العام يقوم على أن هناك مستويين من اللغة: (1) مستوى البنية العميقة (Deep-Structure) وهي المعاني الذهنية، و(2) مستوى البنية السطحية (Surface-Structure) وهو المظهر الخارجي للغة. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك مستويان من الإنتاج اللغوي: (1) مستوى القدرة (Competence) المشار إليه آنفا، و(2) مستوى الأداء (Performance) وهو الشكل اللغوي الذي يستخدمه المتكلم فعليا، ليخرج على شكل بنية سطحية أخيرة تدل على المعاني العميقة. والبنية السطحية للغة لا تعكس بالضرورة "قدرة" الفرد اللغوية، لأن القدرة تستطيع أن تولد لبنية عميقة واحدة عددا من البنى السطحية؛ وهذا التبادل الكمّي والكيفي بين البنيتين يعكس ثنائية النحو العام، أقصد: "القدرة" و"الأداء". ودور قواعد "التحويل" في هذه الثنائيات هو بيان الكيفية التي تتحوّل بها البنى العميقة لبنى سطحية. وآلية التحويل تتخذ أشكالا مختلفة من العمليات مثل التبعية والحذف والترتيب الذي يعد أبرز مظاهر التحويل، وهو في بنيته السطحية المنتجة (بفتح التاء) مجال اهتمام هذه الدراسة.
ويشير علماء اللغة العرب القدماء، ومن أبرزهم الجرجاني، وكذلك علماء لغة معاصرون(8) إلى أن التقديم والتأخير في نظم الجملة يحمل معاني خاصة تتعلق بالأهمية. ولكن - في الوضع الشائع - تأثير السياق على ترتيب أركان الجملة أداء لغوي خارج الشعور (****-cognitive). وقد حاولت النظرية التحويلية التوليدية إرجاعه إلى قضية المعنى الواحد والتراكيب المختلفة. فمثلا قول أحدهم "التجربة تشمل الجميع" يمكن تحليله وفق هذه النظرية على أن المورفيمات تتحد لتكون قوالب، مثل "الـ" التعريف مع "التجربة" لتكون تركيبا اسميا (NP Noun Phrase)، ويتحد الجزء الآخر من الجملة "تشمل الجميع" لتكون (Verb Phrase, PV) لتتحد بعدها تتحد الاجزاء الرئيسة المكونات الرئيسة (Immediate Constituent, IC) للجملة لتكوِّن (Phrase Structure, PS). ووفق هذه النظرية سواء تقدم أي عنصر من عناصر الجملة يبقى ارتباط هذه المورفيمات - تقدمت أو تأخرت - بالمعنى البؤرة.
وقد أشار سيبويه(9) في باب الاشتغال إلى تحويل أركان الجملة (التقديم والتأخير)، بقوله أنك إن قدمت المفعول وأخرت الفاعل، جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيداً عبدا لله، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه وإن كان إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم. فالجملة (أ) "التجربة تشمل الجميع"، جملة توليدية يمكن أن تتحول قياساً على ما جاء في الفصحى إلى (ب) "الجميع تشمل التجربة"، أو إلى (ﺟ) "تشمل التجربة الجميع"، أو إلى (د) "تشمل الجميع التجربة"، لكننها لا تتحول إلى (ﻫ) "الجميع التجربة تشمل" أو إلى (و) "التجربة الجميع تشمل"، حتى مع وجود الحركات الدالة على علاقات عناصر الجملة، لأن الترتيب (فاعل - مفعول - فعل sov) أو الترتيب (مفعول - فاعل - فعل osv) لم يرد في العربية الفصحى. وستكشف الدراسة الحالية عن أساليب نظم البنى السطحية في البيئة اللغوية المدروسة.
يؤكد عدد من المختصين في الدراسات اللغوية على أهمية دراسة الوجه المنطوق من اللغة العربية. ومن ذلكم ما أكده العلامة حمد الجاسر(10) عن أهمية الدراسة اللغوية لبعض البيئات العربية قبل أن تهب عليها رياح التغيير، بقوله:
لا شك أن لهجات سكان الجزيرة العربية تضرب بجذور عميقة لأصول اللهجة الفصحى الأم، لغة القرآن الكريم، ولهذا فإن العناية بتلك اللهجات مما تقوى به اللغة الفصحى، وتنتشر وتتغلب على غيرها من اللهجات الأعجمية التي وفدت إلى هذه الجزيرة مع من وفد إليها من مختلف الأجناس التي تمتد في أصولها إلى جذور غير عربية. ومن هنا فإن من أولى الأمور للحفاظ على اللغة العربية العناية بلهجاتها عناية يراد منها انتقاء الصالح القريب إلى الفصحى وتعميمه في الاستعمال في جميع الوسائل من صحافة وإذاعة مسموعة أو مرئية. وقد كان هذا الأمر من أولى ما اتجه إليه (مجمع اللغة العربية في القاهرة)، حيث خصص لدراسة اللهجات إحدى لجانه، مراعيا في إنشائها الصلة العميقة بين ما أسند إليها من أعمال وبين الغاية التي أنشئ المجمع من أجلها، وهي الحفاظ على اللغة العربية(11).
والواقع الفعلي للمسيرة البحثية في هذا المجال يشير إلى أن الأبحاث في تراكيب اللغة العربية المستخدمة فعليا نادرة مقارنة بالدراسات التي تعنى بما يجب أن تكون عليه قواعد وتراكيب اللغة العربية. ولأن الحقل في حاجة ماسة لدراسات حديثة في نظم التراكيب المستخدمة من ناطقيّ اللغة العربية الأصليين اليوم، فقد تنادى أيضا المختصين في تعليم اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية بأهمية دراسة هذا المجال وحثوا على ذلك؛ ومن ذلك ما تضمنته أولى توصيات الندوة العالمية الأولى التي أقامها معهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود في الرياض، وتنصّ على: قيام الهيئات العربية المعنية بمشروعات علمية تهدف إلى تحديد الأنماط الأساسية للأبنية الصرفية والنحوية لمعرفة النماذج المستخدمة... تمهيدا لتأليف الكتاب المدرسي(12).
واستشعارا بأهمية مثل هذه الأبحاث في هذا الميدان للوقوف على الاستخدام الفعلي للغة، تقوم مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية - إحدى أعلى الجهات عناية بالبحث العلمي في المملكة العربية السعودية - بتبني مشروع أكاديمي وطني ضخم يمتد لثلاث سنوات، يعمل فيه ستة من أعضاء هيئة التدريس المختصين في مؤسسات التعليم العالي السعودية في مجال علم اللغة. ويتمثل مشروعهم الأكاديمي في مسح المفردات المعجمية التي يستخدمها فعليا أطفال المدارس الابتدائية في المملكة العربية السعودية(13). وإسهاما منا في سدّ النقص في هذا الميدان، فإن هذه الدراسة تقوم من جانبها بمسح طريقة نظم التراكيب البسيطة المستخدمة فعليا في وسط هذا الوطن العربي.
ونؤكّد هنا أن هذا البحث لا ينادي للعامية لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة؛ فهو بحث علمي وصفي للغة التي يستخدمها الناطقون الأصليون فعليا. له إثراءات علمية، ومجالات تطبيقية عـدّة، منها رصد تغيّرات اللغة، وتقديم مادة أساسية للدراسات التقابلية، كما أن معرفة الواقع تدعم برامج وكتب تعليم اللغة العربية الموجهة للعرب أو لغير الناطقين بالعربية. وهو نتيجة لدعوات مختصين غيورين على نشر اللغة العربية الفصحى سواء وجهت للعرب أو لغير العرب كما تمت الإشارة إليه آنفا.
يحد هذه الدراسة ثلاثة أطر رئيسة، تلزم الباحث بالعمل في حدودها. فهناك محددات سياقية، وثانية جغرافية، وأخرى لغوية. وفيما يلي بيان لكل منها:
حدود سياقية (الاختبارات):
تقتصر الدراسة على تحليل التراكيب المستخدمة أثناء أداء الاختبارات الشفوية. واختيار الاختبارات الشفوية ينطلق من أن الجانب المنطوق من اللغة هو الأصل، والوجه المكتوب لها تابع؛ فمثلا وإن كانت اللاتينية لا تزال مكتوبة وتقرأ في مواقع دينية، إلا أنها تعد ميتة لغياب وجهها المنطوق. ومن جانب آخر فسبب اختيار السياق الاختباري دون غيره من السياقات التواصلية الأخرى يرتكز على ثلاث حيثيات:
- من المتوقع أن لغة التواصل في الاختبارات الشفوية تمثل درجة من الاستخدام اللغوي تتوسط الأوجه المختلفة من مستويات اللغة؛ فهي ليست عاميّة مغرقة، ولا أكاديمية منمقة.
- من المتوقع أن ناطق اللغة لا يعد المنتج اللغوي مسبقا وإنما يتحدث بسليقته. حتى وإن كانت أفكار الإجابات موجودة في ذهن المتكلم قبل الأداء الاختباري، إلا أن هذه الدراسة ستهتم بالبنى السطحية للغة (التراكيب)، وليس بالبنى العميقة (المعاني).
- من المتوقع أن تكون اللغة المستخدمة في الاختبارات ذات تراكيب أكثر تكاملا من سياقات تبادل أطراف التحايا والعلاقات الاجتماعية. وفي المقابل فإن المحاضرات العلمية قد تكون بلغة معدة مسبقا، بل قد تكون مكتوبة. ولاشك أن الاعتماد على لغة شفوية معدة سلفا يؤثر على الصدق الداخلي (Internal Validity) لنتائج الدراسة.

تعليق