التطفّل على الأفعال في العمل
د. فاطمة حسن عبد الرحيم
أ. مساعد النّحو والصرف
بكلية التربية لإعداد المعلّمات
بسم الله الرحمن الرحيم
قسّمت العربية كلماتها إلى: أسماء، وأفعال، وحروف، وهذه هي القسمة الشائعة، وقيل إنّ رويد، ودونك، ونزالِ قسم رابع، يسمى الخالفة(1 ). ثم وضع النحاة أصولاً وخصائص لكل واحد منها تفرّقه عن غيره، سواء كانت هذه الخصائص والأصول شكلية، أو وظيفية، أو معنوية، إلاّ أنّ بناء الحدود لم يكن محكمًا مانعًا، مما جعل بعض كلمات العربية يتطفّل على بعضها الآخر، فكان التبادل الوظيفي بين الأسماء، والأفعال، والحروف، فمما ضبطته أصول النحو العامل وعدم العامل من كلم العربية، وذلك من خلال العلاقات النحوية بين المفردات داخل السياقات والتراكيب، غير أن الواقع الاستعمالي لعلاقات الكلمات بما قبلها وما بعدها لم يراعِ الفروق الوظيفية التي تأتي تبعًا للفروق الشكلية التي حدّدتها العربية، فكان التبادل الوظيفي بين أنواع كلمات العربية الثلاثة، فيتطفّل الاسم على الفعل، فيعمل عمله، ويتطفّل الفعل على الاسم فيعرب، وتتطفّل بعض الحروف على بعضها الآخر عملاً ومعنى، ويتطفّل الاسم على الحرف فيبنى، ويتطفّل الفعل على الحرف فيجمد(2).
فرأيت أن تكون هذه الدراسة من خلال استقراء كلمات العربية في التراث النّحوي، وملاحظة المعاني والعلاقات النحويّة التي جعلت بعضها يتطفّل على بعض، مقتصرة على "تطفّل الأسماء على الأفعال في العمل" وهو الجانب الوظيفي، وذلك لما ترتّب على الوظيفة من أثر على الكلمات العربية، فبعضها خالص الاسمية من حيث علاقته بالكلمات داخل التراكيب، وبعضها يزاوج بين الفعلية والاسمية، عاملاً ومعمولاً تارة، فمحتفظ بخصائص الأسماء، وله حظ بوظيفة الفعل، وعاملاً لا معمولاً تارة أخرى، متخلّيًا عن التأثُّر بالعوامل الذي تتمتّع به الأسماء، ومتمسّكًا بالعمل الذي هو من خصائص الأفعال، ومن الأول: اسم الفاعل، والمفعول، وغيرهما من الأسماء التي عملت عمل أفعالها، ومن الثاني: أسماء الأفعال، والثالث: ما يكون خالصًا للاسمية، معمولاً غير عامل، نحو رجل، وأسد، ومحمد.
وقسّمت الدراسة إلى مقدمة تحدّثت فيها عن التطفّل في اللغة، والتطفّل عند النحويّين، وأربعة مباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: تطفّل الأسماء التي تدل على حدث، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: المصدر.
المطلب الثاني: اسم المصدر.
المبحث الثاني: تطفّل الأسماء التي تدل على حدث وصاحبه، وتحته خمسة مطالب:
المطلب الأول: اسم الفاعل.
المطلب الثاني: أمثلة المبالغة.
المطلب الثالث: اسم المفعول.
المطلب الرابع: الصفة المشبهة.
المطلب الخامس: اسم التفضيل.
المبحث الثالث: تطفّل الأسماء التي تدل على حدث وزمن، وفيه مطلب واحد:
أسماء الأفعال.
المبحث الرابع: تطفّل الظرف والجار والمجرور.
ثم خاتمة أشير فيها إلى بعض كلمات العربية التي عملت فيما بعدها غير ما سبق، ونتائج الدراسة.
وبالله التوفيق
د. فاطمة حسن عبد الرحيم
كلية التربية لإعداد المعلمات
جدة
مقدّمة
التطفّل في اللّغة:
قال الخليل بن أحمد المتوفى سنة (175هـ):
"التطفيل من كلام العرب: أن يأتي الرجل وليمة أو صنيعًا لم يدع إليه"( 3) ورجل طفليل: يدخل مع القوم فيأكل طعامهم من غير أن يُدعى إليها.
قال الأصمعي المتوفى سنة (215هـ):
"هو الذي يدخل على القوم من غير أن يدعوه"، مأخوذ من الطّفل، وهو إقبال الليل على النهار بظلمته( 4).
التطفّل في النحو العربي:
التطفُّل كظاهرة نحوية تتبادل فيها الأسماء والأفعال والحروف الوظائف مطروحة عند جميع النّحاة، فالأسماء تؤدي وظائف الأفعال وتعمل عملها، وتتطفّل على الحروف فتبنى مثلها، كما أنّ الأفعال تتطفّل على الأسماء فتعرب في بعض أحوالها، وتتطفّل على الحروف فتجمد كجمودها، وتتطفّل الحروف على الأفعال فتعمل الرفع والنصب، كما يتطفّل الحرف على الحرف فيأخذ معناه وخصائصه.
استعمال النّحاة لفظ التطفُّل:
أمّا "التطفُّل" بلفظه فقد وجدته عند الزمخشري المتوفى سنة (538هـ) في قوله:
"إن حقّ الإعراب للاسم في أصله، والفعل إنّما تطفّل عليه بسبب المضارعة"( 5).
وذكره الإمام الرضي المتوفى سنة (686هـ) فقال:
"لضعف أمر الفعل في البناء يتطفّل بعضه وهو المضارع على الاسم في الإعراب(6 )".
وقال:
"إن الاسم تطفّل على الفعل فيما هو من خواص الفعل وليس ذلك لمطلق المناسبة بينهما"( 7).
وقال:
"فتتطفّل الأسماء على الأفعال في المعنى فتعطي حكم الفعل، وذلك ببناء اسم الفعل وعمله عمله معًا، وعمل البواقي عمله حسب"( 8).
إشارة إلى اسم الفاعل، وأمثلة المبالغة، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وغيرها من الأسماء التي عملت عمل الفعل، وهي التي تتناولها الدراسة، وقال:
"بني الاسم لتطفّله على الحرف فيما يخصها"(9 ).
وقال:
"لأن كلّ متطفّل على شيء فحقه لزوم أصل المتطفَّل عليه إذا أمكن"( 10).
وقال:
"يتطفّل غير على إلاّ مشغول بالجر لكونه مضافًا إليه"(11 ).
كما ذكره الشيخ خالد الأزهري المتوفى سنة (905هـ):
"فأمّا "مَنْ" فإنّها تكون في أصل الوضع للعالِم (بكسر اللام) نحو (ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتاب)(12 ) وتكون لغيره، أي غير العالِم على سبيل التطفُّل(13 )" وذكره الصبّان، قال:
"وقد مختصة بالفعل لكنها لمّا تطفلت على همزة الاستفهام انحطت رتبتها عن الاختصاص"(14 )، وانحطاط رتبتها عن الاختصاص أدّى إلى إهمالها على خلاف الأصل في الحروف المختصة، إذ حقّ الحرف المختص أن يعمل( 15).
وفي كلام سيبويه المتوفى سنة (180 هـ) إشارات إلى هذه الظاهرة:
"لأنه إنّما أُجري مجرى الفعل المضارع له، كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكلُّ واحد منهما داخل على صاحبه"( 16).
موضحًا سبب إضافة اسم الفاعل إلى ما بعده، إذا أخبر أنّ الفعل قد وقع وانقطع، فيعود إلى الأصل في الأسماء، وهو الإضافة، لأن عمل اسم الفاعل إنّما كان بدخوله على صاحبه "المضارع" وتطفّله عليه.
تطفّل الاسم على الفعل:
قسّم النحويون الكلمة إلى اسم، وفعل، وحرف، وميّزوا كل واحد عن غيره، بأن جعلوا للاسم علامات، وللفعل علامات، أما الحرف فعلامته الخلو من علامات الأسماء والأفعال، هذا من الناحية الشكلية(17 ).
ثم الاسم دال على معنى في ذاته دون تعرُّض لزمن، أما الفعل فدال على معنى مقترن بزمن، ويتجرّد الحرف في نفسه من المعنى، ويكون معناه في غيره(18 )، وهذه فوارق معنوية.
ثم الأسماء معمولة متأثرة، والأفعال عاملة مؤثرة، والحرف يعمل المختص ويهمل غيره(19 )، وهذه فوارق وظيفية.
وعرّف سيبويه الاسم مكتفيًا عن الحد بالمثال، فقال:
"فالاسم رجل وفرس"( 20).
وذكر البطليوسيُّ( 21) المتوفى سنة (521هـ) تعريفات عديدة للاسم مع الاعتراضات الواردة عليها( 22).
والأسماء تطفّلت على الأفعال في جانبين: شكلي، ووظيفي.
ومن الجانب الشكليّ بناء اسم الفعل، تطفلاً على الفعل، وفي العربية أسماء أخرى مبنية لشبه الحرف، وقيل إنّ شبه الأسماء بالحروف مجوّز للبناء لا موجب له(23 )، ومنع الأسماء من الصرف، وإنّما الأصل في الأسماء الصرف والإعراب( 24).
الوظيفة:
الوظيفة هي العمل النّحوي الذي تؤديه الكلمة داخل الجملة، أو علاقة الكلمة بالكلمات الأخرى داخل الجملة العربية، وتقرِّر القواعد الأصولية أنّ الأسماء وظيفيًا معمولة لا عاملة، قال ابن السرّاج، المتوفى سنة (316هـ):
"إذا كان أصل الأعمال للأفعال، وأصل الإعراب للأسماء"(25 ).
وقال ابن الخشّاب( 26)، المتوفى سنة (567هـ):
"أصل الأسماء أن تكون معربة معمولة، كما أن أصل الأفعال أن تكون مبنية عاملة"( 27).
وقال ابن الأنباريّ، المتوفى سنة (577هـ):
"الأصل في الأسماء ألاّ تعمل"( 28).
فمن الناحية الوظيفية تكون الأسماء في الجملة العربية معمولة ذات مواقع إعرابية محدّدة، هذا في أصل القاعدة، أمّا الاستعمال ففيه تبادل وظيفي بين الأسماء والأفعال، فتأخذ بعض الأسماء الوظيفة الخاصة بالأفعال وهي "العمل" بحيث تصبح مؤثرة في غيرها، ولا تكون عاملة إلاّ إذا توسّلت للأفعال وتقرّبت إليها بأن تشبهها في بعض ما يخصّها، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال هي: المصدر، اسم الفاعل، أمثلة المبالغة، اسم المفعول، الصفة المشبهة، اسم الفعل، الظرف والمجرور، اسم المصدر، اسم التفضيل. ذكرها ابن هشام المتوفى سنة (761هـ) وعدّتها عشرة(29).
وإن تضمّنت إشارات النحاة أسماء أخرى عملت عمل الأفعال، من ذلك عشرين، ولدن، وكم، قال سيبويه:
"وكذلك "ما أحسن عبد الله" و"زيدٌ قد رأيناه" فإنّما أجريته - يعني "أحسن" - في هذا الموضع مجرى الفعل في عمله، وليس كالفعل، ولم يجيء على أمثلته، ولا على إضماره، ولا تقديمه ولا تأخيره ولا تصرُّفه، وإنّما هو بمنزلة "لدن غدوة" و"كم رجلاً" فقد عملا عمل الفعل وليس بفعل ولا فاعل"( 30).
وقال:
كما أنّ "عشرين درهمًا" و"ثلاثين رجلاً" بمنزلة "ضاربين عبد الله" وليسا بفعل ولا فاعل"( 31).
بتأمل نص سيبويه السابق نكاد نقول إنّ اسمية أو فعلية "أفعل" التعجب غير محسومة عنده، وإن ذهب البصريون والكسائيُّ المتوفى سنة (189هـ) إلى أنّهما فعل ماض( 32)، فنصه يقرر أنّ "أحسن" جرى مجرى الفعل في عمله، وليس كالفعل فيما ذكر من خصائصه، بل وجعله مشبهًا بـ"لدن" و"كم" الثابتتين الاسمية، أمّا "عشرين" و"ثلاثين" فمحمولتان على "ضاربين" فعملتا كما عمل، ولا غرابة في حمل سيبويه "أفعل" التعجب على الفعل في العمل، فأدلة فعليتها تكافيء أدلة اسميتها، والرحم قوية بينها وبين "أفعل" التفضيل، فهما متّحدان صياغة وشروطًا(33 )، وحملت هذه الصيغة حيرة نحوية، واضطرابًا في تصنيفها، فسيبويه يشير إلى الصلة الحميمة بينها وبين التفضيل في المعنى(34)، ويلحقها المبرِّد المتوفى سنة (285هـ) بالأسماء في الحكم(35)، ويجعلها ابن السرّاج مشبّهة بالأسماء(36 )، وتتجلّى الحيرة النحوية في قول الرضي:
"ولولا انفتاح أفعل التعجّب، وانتصاب المتعجّب منه بعده انتصاب المفعول به، لكان مذهبهم جديرًا بأن ينصر"(37 ).
أي المذهب الكوفي القائل باسمية "أفعل" التعجّب( 38).
والتعجّب من الناحية المعنوية تفضيل، قال ابن فارس المتوفى سنة (395هـ):
"وأمّا التعجّب فتفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه بوصف"( 39).
وقال ابن الحاجب المتوفى سنة (646هـ):
"ولا يتعجّب من شيء إلاّ وهو مفضَّل"(40 ).
فأفعل التعجّب متطفّل على الأفعال في العمل عند سيبويه، لمخالفته الأفعال في الأمثلة، والإضمار، والتقديم، والتأخير، والتصرُّف، مما جعله أقرب شبهًا للأسماء نحو "لدن" و"كم"، بل يكاد كلامه يفصح عن أن "أفعل" التعجب ليست من الأفعال بشيء.
ومتطفِّل عليها في العمل عند الكوفيين لمخالفة الأصل في الأسماء، وهو "الأصل في الأسماء ألاّ تعمل".
وبعد هذا العرض الموجز أقدِّم أسماء العربية المتطفِّلة على الأفعال في المباحث الآتية:
د. فاطمة حسن عبد الرحيم
أ. مساعد النّحو والصرف
بكلية التربية لإعداد المعلّمات
بسم الله الرحمن الرحيم
قسّمت العربية كلماتها إلى: أسماء، وأفعال، وحروف، وهذه هي القسمة الشائعة، وقيل إنّ رويد، ودونك، ونزالِ قسم رابع، يسمى الخالفة(1 ). ثم وضع النحاة أصولاً وخصائص لكل واحد منها تفرّقه عن غيره، سواء كانت هذه الخصائص والأصول شكلية، أو وظيفية، أو معنوية، إلاّ أنّ بناء الحدود لم يكن محكمًا مانعًا، مما جعل بعض كلمات العربية يتطفّل على بعضها الآخر، فكان التبادل الوظيفي بين الأسماء، والأفعال، والحروف، فمما ضبطته أصول النحو العامل وعدم العامل من كلم العربية، وذلك من خلال العلاقات النحوية بين المفردات داخل السياقات والتراكيب، غير أن الواقع الاستعمالي لعلاقات الكلمات بما قبلها وما بعدها لم يراعِ الفروق الوظيفية التي تأتي تبعًا للفروق الشكلية التي حدّدتها العربية، فكان التبادل الوظيفي بين أنواع كلمات العربية الثلاثة، فيتطفّل الاسم على الفعل، فيعمل عمله، ويتطفّل الفعل على الاسم فيعرب، وتتطفّل بعض الحروف على بعضها الآخر عملاً ومعنى، ويتطفّل الاسم على الحرف فيبنى، ويتطفّل الفعل على الحرف فيجمد(2).
فرأيت أن تكون هذه الدراسة من خلال استقراء كلمات العربية في التراث النّحوي، وملاحظة المعاني والعلاقات النحويّة التي جعلت بعضها يتطفّل على بعض، مقتصرة على "تطفّل الأسماء على الأفعال في العمل" وهو الجانب الوظيفي، وذلك لما ترتّب على الوظيفة من أثر على الكلمات العربية، فبعضها خالص الاسمية من حيث علاقته بالكلمات داخل التراكيب، وبعضها يزاوج بين الفعلية والاسمية، عاملاً ومعمولاً تارة، فمحتفظ بخصائص الأسماء، وله حظ بوظيفة الفعل، وعاملاً لا معمولاً تارة أخرى، متخلّيًا عن التأثُّر بالعوامل الذي تتمتّع به الأسماء، ومتمسّكًا بالعمل الذي هو من خصائص الأفعال، ومن الأول: اسم الفاعل، والمفعول، وغيرهما من الأسماء التي عملت عمل أفعالها، ومن الثاني: أسماء الأفعال، والثالث: ما يكون خالصًا للاسمية، معمولاً غير عامل، نحو رجل، وأسد، ومحمد.
وقسّمت الدراسة إلى مقدمة تحدّثت فيها عن التطفّل في اللغة، والتطفّل عند النحويّين، وأربعة مباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: تطفّل الأسماء التي تدل على حدث، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: المصدر.
المطلب الثاني: اسم المصدر.
المبحث الثاني: تطفّل الأسماء التي تدل على حدث وصاحبه، وتحته خمسة مطالب:
المطلب الأول: اسم الفاعل.
المطلب الثاني: أمثلة المبالغة.
المطلب الثالث: اسم المفعول.
المطلب الرابع: الصفة المشبهة.
المطلب الخامس: اسم التفضيل.
المبحث الثالث: تطفّل الأسماء التي تدل على حدث وزمن، وفيه مطلب واحد:
أسماء الأفعال.
المبحث الرابع: تطفّل الظرف والجار والمجرور.
ثم خاتمة أشير فيها إلى بعض كلمات العربية التي عملت فيما بعدها غير ما سبق، ونتائج الدراسة.
وبالله التوفيق
د. فاطمة حسن عبد الرحيم
كلية التربية لإعداد المعلمات
جدة
مقدّمة
التطفّل في اللّغة:
قال الخليل بن أحمد المتوفى سنة (175هـ):
"التطفيل من كلام العرب: أن يأتي الرجل وليمة أو صنيعًا لم يدع إليه"( 3) ورجل طفليل: يدخل مع القوم فيأكل طعامهم من غير أن يُدعى إليها.
قال الأصمعي المتوفى سنة (215هـ):
"هو الذي يدخل على القوم من غير أن يدعوه"، مأخوذ من الطّفل، وهو إقبال الليل على النهار بظلمته( 4).
التطفّل في النحو العربي:
التطفُّل كظاهرة نحوية تتبادل فيها الأسماء والأفعال والحروف الوظائف مطروحة عند جميع النّحاة، فالأسماء تؤدي وظائف الأفعال وتعمل عملها، وتتطفّل على الحروف فتبنى مثلها، كما أنّ الأفعال تتطفّل على الأسماء فتعرب في بعض أحوالها، وتتطفّل على الحروف فتجمد كجمودها، وتتطفّل الحروف على الأفعال فتعمل الرفع والنصب، كما يتطفّل الحرف على الحرف فيأخذ معناه وخصائصه.
استعمال النّحاة لفظ التطفُّل:
أمّا "التطفُّل" بلفظه فقد وجدته عند الزمخشري المتوفى سنة (538هـ) في قوله:
"إن حقّ الإعراب للاسم في أصله، والفعل إنّما تطفّل عليه بسبب المضارعة"( 5).
وذكره الإمام الرضي المتوفى سنة (686هـ) فقال:
"لضعف أمر الفعل في البناء يتطفّل بعضه وهو المضارع على الاسم في الإعراب(6 )".
وقال:
"إن الاسم تطفّل على الفعل فيما هو من خواص الفعل وليس ذلك لمطلق المناسبة بينهما"( 7).
وقال:
"فتتطفّل الأسماء على الأفعال في المعنى فتعطي حكم الفعل، وذلك ببناء اسم الفعل وعمله عمله معًا، وعمل البواقي عمله حسب"( 8).
إشارة إلى اسم الفاعل، وأمثلة المبالغة، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وغيرها من الأسماء التي عملت عمل الفعل، وهي التي تتناولها الدراسة، وقال:
"بني الاسم لتطفّله على الحرف فيما يخصها"(9 ).
وقال:
"لأن كلّ متطفّل على شيء فحقه لزوم أصل المتطفَّل عليه إذا أمكن"( 10).
وقال:
"يتطفّل غير على إلاّ مشغول بالجر لكونه مضافًا إليه"(11 ).
كما ذكره الشيخ خالد الأزهري المتوفى سنة (905هـ):
"فأمّا "مَنْ" فإنّها تكون في أصل الوضع للعالِم (بكسر اللام) نحو (ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتاب)(12 ) وتكون لغيره، أي غير العالِم على سبيل التطفُّل(13 )" وذكره الصبّان، قال:
"وقد مختصة بالفعل لكنها لمّا تطفلت على همزة الاستفهام انحطت رتبتها عن الاختصاص"(14 )، وانحطاط رتبتها عن الاختصاص أدّى إلى إهمالها على خلاف الأصل في الحروف المختصة، إذ حقّ الحرف المختص أن يعمل( 15).
وفي كلام سيبويه المتوفى سنة (180 هـ) إشارات إلى هذه الظاهرة:
"لأنه إنّما أُجري مجرى الفعل المضارع له، كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكلُّ واحد منهما داخل على صاحبه"( 16).
موضحًا سبب إضافة اسم الفاعل إلى ما بعده، إذا أخبر أنّ الفعل قد وقع وانقطع، فيعود إلى الأصل في الأسماء، وهو الإضافة، لأن عمل اسم الفاعل إنّما كان بدخوله على صاحبه "المضارع" وتطفّله عليه.
تطفّل الاسم على الفعل:
قسّم النحويون الكلمة إلى اسم، وفعل، وحرف، وميّزوا كل واحد عن غيره، بأن جعلوا للاسم علامات، وللفعل علامات، أما الحرف فعلامته الخلو من علامات الأسماء والأفعال، هذا من الناحية الشكلية(17 ).
ثم الاسم دال على معنى في ذاته دون تعرُّض لزمن، أما الفعل فدال على معنى مقترن بزمن، ويتجرّد الحرف في نفسه من المعنى، ويكون معناه في غيره(18 )، وهذه فوارق معنوية.
ثم الأسماء معمولة متأثرة، والأفعال عاملة مؤثرة، والحرف يعمل المختص ويهمل غيره(19 )، وهذه فوارق وظيفية.
وعرّف سيبويه الاسم مكتفيًا عن الحد بالمثال، فقال:
"فالاسم رجل وفرس"( 20).
وذكر البطليوسيُّ( 21) المتوفى سنة (521هـ) تعريفات عديدة للاسم مع الاعتراضات الواردة عليها( 22).
والأسماء تطفّلت على الأفعال في جانبين: شكلي، ووظيفي.
ومن الجانب الشكليّ بناء اسم الفعل، تطفلاً على الفعل، وفي العربية أسماء أخرى مبنية لشبه الحرف، وقيل إنّ شبه الأسماء بالحروف مجوّز للبناء لا موجب له(23 )، ومنع الأسماء من الصرف، وإنّما الأصل في الأسماء الصرف والإعراب( 24).
الوظيفة:
الوظيفة هي العمل النّحوي الذي تؤديه الكلمة داخل الجملة، أو علاقة الكلمة بالكلمات الأخرى داخل الجملة العربية، وتقرِّر القواعد الأصولية أنّ الأسماء وظيفيًا معمولة لا عاملة، قال ابن السرّاج، المتوفى سنة (316هـ):
"إذا كان أصل الأعمال للأفعال، وأصل الإعراب للأسماء"(25 ).
وقال ابن الخشّاب( 26)، المتوفى سنة (567هـ):
"أصل الأسماء أن تكون معربة معمولة، كما أن أصل الأفعال أن تكون مبنية عاملة"( 27).
وقال ابن الأنباريّ، المتوفى سنة (577هـ):
"الأصل في الأسماء ألاّ تعمل"( 28).
فمن الناحية الوظيفية تكون الأسماء في الجملة العربية معمولة ذات مواقع إعرابية محدّدة، هذا في أصل القاعدة، أمّا الاستعمال ففيه تبادل وظيفي بين الأسماء والأفعال، فتأخذ بعض الأسماء الوظيفة الخاصة بالأفعال وهي "العمل" بحيث تصبح مؤثرة في غيرها، ولا تكون عاملة إلاّ إذا توسّلت للأفعال وتقرّبت إليها بأن تشبهها في بعض ما يخصّها، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال هي: المصدر، اسم الفاعل، أمثلة المبالغة، اسم المفعول، الصفة المشبهة، اسم الفعل، الظرف والمجرور، اسم المصدر، اسم التفضيل. ذكرها ابن هشام المتوفى سنة (761هـ) وعدّتها عشرة(29).
وإن تضمّنت إشارات النحاة أسماء أخرى عملت عمل الأفعال، من ذلك عشرين، ولدن، وكم، قال سيبويه:
"وكذلك "ما أحسن عبد الله" و"زيدٌ قد رأيناه" فإنّما أجريته - يعني "أحسن" - في هذا الموضع مجرى الفعل في عمله، وليس كالفعل، ولم يجيء على أمثلته، ولا على إضماره، ولا تقديمه ولا تأخيره ولا تصرُّفه، وإنّما هو بمنزلة "لدن غدوة" و"كم رجلاً" فقد عملا عمل الفعل وليس بفعل ولا فاعل"( 30).
وقال:
كما أنّ "عشرين درهمًا" و"ثلاثين رجلاً" بمنزلة "ضاربين عبد الله" وليسا بفعل ولا فاعل"( 31).
بتأمل نص سيبويه السابق نكاد نقول إنّ اسمية أو فعلية "أفعل" التعجب غير محسومة عنده، وإن ذهب البصريون والكسائيُّ المتوفى سنة (189هـ) إلى أنّهما فعل ماض( 32)، فنصه يقرر أنّ "أحسن" جرى مجرى الفعل في عمله، وليس كالفعل فيما ذكر من خصائصه، بل وجعله مشبهًا بـ"لدن" و"كم" الثابتتين الاسمية، أمّا "عشرين" و"ثلاثين" فمحمولتان على "ضاربين" فعملتا كما عمل، ولا غرابة في حمل سيبويه "أفعل" التعجب على الفعل في العمل، فأدلة فعليتها تكافيء أدلة اسميتها، والرحم قوية بينها وبين "أفعل" التفضيل، فهما متّحدان صياغة وشروطًا(33 )، وحملت هذه الصيغة حيرة نحوية، واضطرابًا في تصنيفها، فسيبويه يشير إلى الصلة الحميمة بينها وبين التفضيل في المعنى(34)، ويلحقها المبرِّد المتوفى سنة (285هـ) بالأسماء في الحكم(35)، ويجعلها ابن السرّاج مشبّهة بالأسماء(36 )، وتتجلّى الحيرة النحوية في قول الرضي:
"ولولا انفتاح أفعل التعجّب، وانتصاب المتعجّب منه بعده انتصاب المفعول به، لكان مذهبهم جديرًا بأن ينصر"(37 ).
أي المذهب الكوفي القائل باسمية "أفعل" التعجّب( 38).
والتعجّب من الناحية المعنوية تفضيل، قال ابن فارس المتوفى سنة (395هـ):
"وأمّا التعجّب فتفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه بوصف"( 39).
وقال ابن الحاجب المتوفى سنة (646هـ):
"ولا يتعجّب من شيء إلاّ وهو مفضَّل"(40 ).
فأفعل التعجّب متطفّل على الأفعال في العمل عند سيبويه، لمخالفته الأفعال في الأمثلة، والإضمار، والتقديم، والتأخير، والتصرُّف، مما جعله أقرب شبهًا للأسماء نحو "لدن" و"كم"، بل يكاد كلامه يفصح عن أن "أفعل" التعجب ليست من الأفعال بشيء.
ومتطفِّل عليها في العمل عند الكوفيين لمخالفة الأصل في الأسماء، وهو "الأصل في الأسماء ألاّ تعمل".
وبعد هذا العرض الموجز أقدِّم أسماء العربية المتطفِّلة على الأفعال في المباحث الآتية:

تعليق