الجر على الجوار في القرآن

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    الجر على الجوار في القرآن

    الجر على الجوار في القرآن



    ثمة باب من أبواب النحو يطلق عليه باب (الجر على الجوار)، يريدون به جر حركة لفظ متأخر إتباعاً لما تقدمه من لفظ مجرور بجامع المجاورة ليس إلا. وقد عبر عن المراد من هذا الباب
    ابن هشام النحوي من خلال قاعدة تقول: إن الشيء يعطى حكم الشيء إذا جاوره.

    والمثال الشائع والأبرز للتمثيل لهذه القاعدة قول بعضهم: (هذا جِحْرُ ضبٍّ خربٍ) بجر (خربٍ) لمجاورته لمجرور (ضبٍّ)، وحقه الرفع؛ لأنه صفة في المعنى لـ (جِحْرُ) لصحة اتصافه به، وهو مرفوع، والصفة تتبع موصوفها في الحركة الإعرابية، و(الضب) لا يوصف به، وإنما جُرَّ على الجوار.


    موقف النحاة من هذا الباب

    والنحاة من حيث الجملة قائلون بهذا الباب من النحو، وهم في ذلك تبع لسيبويه، فقد نقلسيبويه في باب الجر عن الخليل قوله: "هذا الذي تجره العرب على الجوار، إنما تجعله على بعض الأوصاف، وهو أن يكون النعت الذي يجره يوافق الاسم الذي يجاوره في: عدته، وفي تذكيره، وتأنيثه. فإن اختلفت العدة، أو كان أحدهما مذكراً والآخر مؤنثاً، استعملوا الكلام على أصله، ولم يجروه على المجاورة".

    فكلام سيبويه وما نقله عن أستاذه الخليل يدل على القول بهذا الباب من أبواب النحو، إلا أن كلام سيبويه يفيد أن القول بهذا الباب مشروط بأن يكون في الصفات، وأن تكون الصفة موافقة للموصوف من حيث التذكير، والتأنيث، والعدد، فإن اختل شرط من هذه الثلاث لم يُعمل بقاعدة (الجر على الجوار).

    وأبو البقاء العكبري اعتبر هذا الباب في النحو، وذكر أن (الجر على الجوار) ليس بممتنع أن يقع في كلام العرب لكثرته، وقد جاء في القرآن والشعر، وذكر أمثلة عليه من القرآن والشعر.

    وقد أنكر ابن جني -وهو من أئمة اللغة- (الجر على الجوار) وجعل (خرباً) في قولهم: (جِحر ضبٍّ خربٍ) صفة لـ (ضب) بتقدير مضاف، أي: خرب جحره.

    موقف المفسرين من هذا الباب

    إذا كان الموقف العام لأهل اللغة والنحاة القول بـ (الجر على الجوار)، فإن الموقف العام للمفسرين عدم الاعتداد به، وتنزيه كلام الله عن القول به؛ فشيخ المفسرين الطبري لم نقف عنده على ذكر لهذا الباب من قريب ولا من بعيد، وفي هذا دلالة على رفضه للقول به.

    وأبو جعفر النحاس صاحب "تفسير القرآن"، و"إعراب القرآن"، و"ناسخ القرآن" رفض هذا الباب جملة وتفصيلاً، وعبارته في هذا الصدد تقول: "لا يجوز أن يُعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جحر ضب خرب، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضب خربان...ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها".

    والقرطبي نقل قول النحاس هذا من غير تعقيب عليه، ما يعني أنه لا يقول بمذهب (الجر على الجوار)، بل نقل تخطئة
    ابن عطية لأبي عبيدة القائل في قوله تعالى: {قتال فيه} (البقرة:217) إنه جُرَّ على الجوار، والصواب أنه بدل من {الشهر}، بدل اشتمال.

    والرازي سلك المنحى نفسه، واعتبر أنه من غير اللائق حمل كلام الله سبحانه على هذا الباب؛ فعند تفسيره لقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة:6) اعتبر أن من جعل القراءة بالكسر (وأرجلِكم) على أنها من باب العطف على الجوار، أن قوله باطل من وجوه: الأول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يُتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه. وثانيها: أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في قوله: جحر ضب خرب، فإن من المعلوم بالضرورة أن (الخرب) لا يكون نعتاً لـ (الضب)، بل لـ (الجِحر)، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

    وكلام الرازي يدل دلالة واضحة على أنه لا يعتد بهذا الباب في حمل كلام الله عليه، وإن كان يعترف بأن هذا الباب مجاله الضرورة الشعرية ونحوها.

    أما أبو حيان -وهو من أئمة النحو- فموقفه العام في "تفسيره" رفض هذا الباب من النحو؛ فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} (البقرة:105)، وقوله سبحانه: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} (البينة:1) لم يقبل قول أبي إسحاق الشيرازي: إن الأصل في الآيتين هو الرفع، أي: (ولا المشركون)، عطفاً على الذين كفروا، ورد على ما ذهب إليه أبو إسحاق بقوله: "وهذا حديث من قصر في العربية، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيح وتركيبه الفصيح".

    كذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {قتال فيه} (البقرة:217)، ذكر أن جمهور القراء قرأ قوله سبحانه: {قتال فيه}، بالكسر على أنه بدل من {الشهر}، بدل اشتمال. في حين أن أبا عبيدةذهب إلى أن {قتال فيه}، خفض على الجوار، ثم نقل أبو حيان هنا قول ابن عطية: هذا خطأ. ولم يعقب على تخطئة ابن عطية لأبي عبيدة، ما يعني أن أبا حيان يوافق ابن عطية في تخطئة أبي عبيدة، وبالتالي لا يأخذ بمذهب القائلين بـ (الجر على الجوار).

    ونظير هذا ما فعله أبو حيان مع الزمخشري الذي ذهب إلى أن {الأيمن} في قوله عز وجل: {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} (طه:80) مجرور على الجوار. قال أبو حيان: "وهذا من الشذوذ والقلة، بحيث ينبغي أن لا تُخَرَّج القراءة عليه، والصحيح أنه نعت لـ {الطور}؛ إما لما فيه من اليُمن، وإما لكونه على يمين من يستقبل الجبل".


    .
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #2

    ومن هذا القبيل أيضًا رد أبي حيان على ما ذهب إليه أبو الفضل الرازي صاحب كتاب "اللوامح في شواذ القراءات" من أن {مستقر} في قوله عز وجل: {كل أمر مستقر} (القمر:3) مرفوع في الأصل، لكنه جُرَّ للمجاورة. فقد عقب أبو حيان على هذا بقوله: "وهذا ليس بجيد؛ لأن الخفض على الجوار في غاية الشذوذ"، فقوله هذا دال على موقفه من القول بـ (الجر على الجوار).

    بيد أن أبا حيان لم يكن مطرداً في موقفه من باب (الجر على الجوار)، بل وجدنا في تضاعيف "تفسيره" كلاماً، يُفهم منه القول بـ (الجر على الجوار)؛ ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عند تفسيره لقوله سبحانه: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} (التوبة:1)، فقد ذكر أبو حيان أن قوله سبحانه: {ورسوله} خُرِّج على العطف على الجوار. فذكر هذا التخريج من غير تعقيب عليه دال على القول بهذا الباب.

    وفعل الشيء نفسه عنه تفسيره لقوله عز وجل: {كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف} (إبراهيم:18)، فقد نقل عن بعضهم قوله: إن {عاصف} من صفة الريح، إلا أنه لما جاء بعد (اليوم) أتبع إعرابه، أي: جُرَّ على الجوار. ذكر أبو حيان هذا القول من غير تعقيب، وليس يخفى ما في هذا من دلالة.

    والزركشي في "برهانه" كان من المنكرين لهذا المذهب، فقد ذكر في أثناء بيانه للأمور التي يجب أن يراعيها الناظر في كتاب الله، أن عليه تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة؛ فإن القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش. ونقل في هذا السياق قول الزمخشري في "كشافه" القديم: "إن القرآن لا يُعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب دون الشاذ النادر، الذي لا يُعثر عليه إلا في موضع أو موضعين". ومثَّل الزركشي لهذا الشذوذ بغلط بعض الفقهاء والمعربين حين جعلوا من العطف على الجوار، قوله تعالى: {وأرجلكم} في قراءة الجر، فقال: "إنما ذلك ضرورة، فلا يُحمل عليه الفصيح"، أي: لا يحمل عليه كتاب الله تعالى.

    وتبع السيوطيُّ الزركشيَّ في هذا الموقف، معتبراً أن من قال في {وأرجلكم}: إنه مجرور على الجوار، أن قوله هذا لا يعول عليه؛ لأن الجر على الجوار في نفسه ضعيف شاذ، لم يرد منه إلا أحرف يسيرة، والصواب أنه معطوف على {برؤوسكم}.


    على أننا لا نعدم من المفسرين من اعتد بهذا الباب النحوي مطلقاً، والظاهر أنهم كانوا في هذا تبعاً للنحاة؛ فالبيضاوي مثلاً بعد أن ذكر أن أكثر القراء قرؤوا قوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} بفتح اللام، ذكر أن بعضهم قرأه بالجر على الجوار، وعقب على ذلك بقوله: "ونظيره كثير في القرآن والشعر... وللنحاة باب في ذلك"، وصنيع البيضاوي هذا يومئ إلى أنه من القائلين بهذا الباب من النحو، خاصة بعد أن ذكر في تعقيبه أن هذا الباب له أمثلة كثيرة في القرآن والشعر.

    واقتفى أثر البيضاوي أبو السعود في "تفسيره"، بل نقل كلام البيضاوي نفسه تقريباً، ودلالة هذا المسلك غير خافية.

    أمثلة من القرآن

    تقدمت معنا طائفة من الأمثلة القرآنية التي حُملت على أنها من باب (الجر على الجوار)، ونزيد عليها طائفة أخرى؛ توضيحاً للمراد، وتبياناً لما قُرئ من القرآن بـ (الجر) على أنه من (باب الجر على الجوار).

    قوله تعالى: {وحور عين} (الواقعة:22)، قرئ بالرفع، والنصب، والجر، وممن قرأ بالجر السلمي، والأعمش، والكسائي: قال الفراء: "الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يطاف بهن"، فالعطف بالجر هنا عطف على قوله سبحانه: {بأكواب وأباريق وكأس من معين} (الواقعة:18)، أي: يطوف عليهم ولدان بكذا وكذا، وحور عين. وقال الزمخشري: العطف على {
    في جنات} (الواقعة:12)، كأنه قيل: المقربون في جنات، وفاكهة، ولحم طير، وحور. وقد عقب
    أبو حيان على قراءة الجر بقوله: "وهذا فيه بُعْدٌ، وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي".

    قوله سبحانه: {النار ذات الوقود} (البروج:5)، قُرئ {النار} بالكسر، وقيل في إعرابه أقوال، منها: أنها خفض على الجوار، نقله مكي عن الكوفيين، وهذا يقتضي أن {النار} كانت مستحقة لغير الجر، فعُدِل عنه إلى الجر للجوار.


    قوله جل وعلا على لسان نوح عليه السلام: {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} (هود:18)، فقد ذهب بعضهم إلى إعراب {أليم} على أنه جر على الجوار؛ لأنه في المعنى صفة لـ (العذاب)، والأصل: عذاب يوم أليماً.

    ونحو هذا قوله عز وجل على لسان شعيب عليه السلام: {واني اخاف عليكم عذاب يوم محيط} (هود:84) زعم قوم أنه جُرَّ على الجوار؛ لأنه في المعنى صفة لـ (العذاب)، والأصل: عذاب يوم محيطاً.

    قوله عز وجل: {اشتدت به الريح في يوم عاصف} (إبراهيم:18)، قرئ {عاصف} بالجر، وقيل في إعرابه أقوال، منها: أنه خفض على الجوار، أي: كان الأصل أن يتبع (العاصف) {الريح} في الإعراب، فيقال: اشتدت به الريح العاصف في يوم؛ لأن (عاصفاً) من صفة {الريح}، إلا أنه لما جاء بعد (اليوم) أُعرب بإعرابه.


    قوله عز وجل: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذاريات:58)، قرأ بعضهم {المتين} بالجر على أنه صفة لـ {ذو} وخفض على الجوار. وقراءة الرفع على أنه صفة لـ {ذو}.


    هذه طائفة من الأمثلة القرآنية التي ذهب فيها بعض المفسرين وأهل اللغة إلى أنها من باب الجر على الجوار، وإن كان القول الصواب فيها غير هذا.


    ومحصل القول في باب (الجر على الجوار)، أن عموم النحاة احتفلوا بهذا الباب من أبواب النحو، وحملوا عليه جملة من كلام العرب وأشعارهم، بل وحملوا عليه أيضاً جملة من الألفاظ القرآنية. في حين أن عموم المفسرين لم يلقوا بالاً لهذا الباب، واعتبروا أنه باب من أبواب الضرورة النحوية، ومن ثم فمن غير اللائق حمل كلام الله على ما كان هذا شأنه.



    .

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      الجر على الجوار في النحو
      أ. د. عبدالله أحمد جاد الكريم حسن


      تاريخ الإضافة: 9/11/2015 ميلادي - 26/1/1437 هجري
      زيارة: 2855




      الجر على الجوار في النحو

      اعتبر بعض النحاة الجوار عاملًا نحويًا مع كثرة وقوعه في اللغة، حتى قال ابن جنى فيه: "وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل هذا الموضع نيفًا على ألف موضع"[1]. كما يرى كثير من النحاة أن هذا مشهور في لغة العرب، وفيه أشعار كثيرة مشهورة، وفيه من منثور كلامهم كثير: من ذلك قولهم: هذا جحر ضب خرب، بجر (خرب) على جوار (ضب)، وهو مرفوع صفة للجحر لا للضب[2].

      وقال ابن هشام:" الشيء يعطى حكم الشيء إذا جاوره"[3]، وكان سيبويه يجيز الحمل على الجوار بلا شرط إذا أمن إشكال المعنى (اللبس).[4] وقد ذكر الدكتور تمام حسان أن الحمل على الجوار كثير عند الكوفيين، وهو من الأصول الكوفية التي يرفضها البصريون[5]، وعليه لم يكن الجر على الجوار موضع اتفاق بين النحويين، سواءً في وجوده كعامل، أو فيما يدخله من التوابع.

      لذا نجد ابن الحاجب يقول عنه: "وليس بجيد؛ إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن، ولا في الكلام الفصيح، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه به من العرب"[6]. وقال القرطبي:" قال النحاس: لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: « هذا جحر ضب خرب»، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضب خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها"[7]. كما يرى بعضهم أن " قولهم: جحر ضب خرب، وما أشبه ذلك، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحمل على الجوار قليل، يقتصر فيه على السماع، ولا يقاس عليه لقلته"[8].

      وقد عرض ابن الأنباري لهذا النوع من الجر في الإنصاف كثيرًا، ففي (مسألة عامل الجزم في جواب الشرط) يقول:"... ذهب الكوفيون إلى أن جواب الشرط مجزوم على الجوار، واختلف البصريون، فذهب الأكثرون إلى أن العامل فيهما حرف الشرط، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان فيه،... أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه مجزوم على الجوار؛ لأن جواب الشرط مجاور لفعل الشرط لازم له لا يكاد ينفك عنه، فلما كان منه بهذه المنزلة في الجوار حمل عليه في الجزم، فكان مجزومًا على الجوار، والحمل على الجوار كثير..."[9].

      والذين أجازوا الجوار أيضًا اختلفوا فيما بينهم، فقد نسب إلى الفراء أنه[10] قصره على السماع، ومنع القياس عليه، فلا يجوز عنده:(هذه جحرة ضباب خربة) بالجر، لكن الذي في المعاني له لا يدل على ذلك[11]. وذهب الأخفش إلى أن هذا جائز في الاضطرار[12]، وقال الزركشي: "وعندنا ذلك ضرورة ولا يحمل عليه الفصيح"[13]. ومثله قال الأنباري في أسرار العربية[14]، ونسب الأنباري إلى البصريين أنه محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلته، ولا يقاس عليه[15]، وقال أبو حيان: "الخفض على الجوار في غاية الشذوذ"[16].

      والمحدثون كالقدماء، منهم من أنكر الخفض على الجوار باعتباره مظهرًا من مظاهر الخلل، ينبغي أن تنزه اللغة عنه، يقول أحد المعاصرين:" ولو أنهم قطعوا القول بحمل ما زعم أنه من قول العرب على الخطأ لانتهى هذا اللغط، ولكان من هذا أننا لم نشق بما حمل إلينا من صنعة لم تبن على علم حسن، ولكن النحاة قدموا على ما أخذوا به أنفسهم، وراحوا يتلمسون الشواهد التي تؤيد قولهم؛ ليفرضوا علينا ظاهرة مفتعلة، لم تجر على سنن كلام العرب"[17]. ويقول أحد المعاصرين أيضًا:" لا ريب أن تلك الشواهد التي ذكرها النحاة استشهادًا لهذا اللون من الحركات التي تطرأ على أواخر اللفظة المعربة من شأنها لو استقام الاستشهاد بها أن تثبت إعرابًا على غير وجه الإعراب الذي ينظم سلكه كل أبواب النحو على طريق مستقيم وقياس مطرد"[18].

      ومن ثم فإنه يذهب بعضهم إلى أن " مسألة الخفض على الجوار مسألة اصطنعها النحويون لتفسير هذه الأبيات التي لم يجدوا سببًا يؤدي إلى جر الكلمات المجاورة وفقًا لنظام القافية، أو حركة الروي بها"[19]. والحق أن مسألة الخفض على الجوار ينبغي أن لا تكون سببًا للخلاف بين النحويين، وإنما دفع المنكرين لهذه الظاهرة حرصهم على أن لا تتخلف العلامة الإعرابية، وهي الأمر اليسير الذي أجازه العلماء إذا لم يؤد ذلك إلى لبس، وهو جائز في الشعر، وقد أجازه قوم في الكلام فضلًا عن الشعر[20].

      [1] الخصائص (1/ 192).
      [2] ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (2/ 607)
      [3] مغني اللبيب، لابن هشام (1/ 894).
      [4] ينظر: الكتاب، لسيبويه (1/ 436)، والمقتضب، للمبرد (4/ 73).
      [5] ينظر: الأصول، لتمام حسان (ص43).
      [6] أمالي ابن الحاجب، تحقيق: فخر قدارة، دار الجيل، بيروت، 1989م (1/ 280).
      [7] ينظر: تفسير القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت (3/ 44)، وإعراب القرآن، للنحاس، وضع حواشيه وعلق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421 هـ (1/ 307) ، و(2/ 9)، و(5/ 195)، واللباب في علل البناء والإعراب، للعكبري (2/ 52)..
      [8] أسرار العربية، لابن الأنباري (ص296).
      [9] الإنصاف في مسائل الخلاف، لابن الأنباري (2/ 602).
      [10] نسب إليه في: ارتشاف الضرب، لأبي حيان، تحقيق: رجب عثمان محمد، مراجعة: رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989م (4/ 1913)، وهمع الهوامع (2/ 241، 242)، وشرح الأشموني (3/ 57).
      [11] ينظر: معانى القرآن، للفراء، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ/ 1983م( 2/ 74، 75) و(3/ 123).
      [12] ينظر: معانى القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1411هـ/ 1991م (1/ 277). هذه عبارته ، ولكن رأيه في هذه المسألة مشكل ففي (1/ 81، 82):" كما أن بعض الكلام يعرب لفظه، والمعنى على خلاف ذلك...ويقولون (هذا جحر ضب خرب) و(الخرب) هو (الجحر)... وهذا في الكلام كثير ".
      [13] ينظر: البرهان، للزركشي (1/ 304).
      [14] ينظر: أسرار العربية، لابن الأنباري(ص74).
      [15] ينظر: الإنصاف (2/ 615).
      [16] البحر المحيط (10/ 34).
      [17] أشتات في اللغة والأدب، لإبراهيم السامرائي، دار الكتب والوثائق القومية ، بغداد، الطبعة الأولى، 2001 م(ص176).
      [18] حسن المجاورة، لمصطفى خاطر، مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة عدد(14) (ص110). وينظر: الجر على الجوار بين الاعتماد والرد، لمحمود الدريني، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، القاهرة، 1420هـ/ 1999م. (ص12، 13).
      [19] اللغة وبناء الشعر ، لمحمد حماسة عبد اللطيف (ص222، 223).
      [20] ينظر: ضرائر الشعر، للقزاز القزويني، تحقيق: محمد زغلول سلام ومحمد مصطفى هدارة، منشأة المعارف، الإسكندرية (ص 103).


      رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_***...#ixzz4dvKLQyC0

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        بقلم : د.زياد حبوب أبو رجائي
        زياد أبو رجائي
        يتجه حديثي عندما أرى نصاً يرد في رواية متواترة لقراءة قرآنية تخالف قواعد العربية يتجه لإظهارالآية بموقف أهل السنة والجماعة ليجلى لنا التفسيرالصحيح كما ينبغي . ويرتكز مبحثي دائماً على الاعتماد على النصوص القرآنية في اشتقاق القواعد النحوية ، لأن عكس هذا الاتجاه يُظهر موقف النحويين من النصوص التي لا تتفق مع قواعدهم النحوية وكأنها معارضة ،أو طعناً في القراءات السبعية المتواترة ، لتغليبهم القاعدة النحوية التي اشتقوها، غافلين عن كون كل قراءة إلا ولها وجهه صحيح في العربية كما قال ابن خالويه.فلا ينبغي تصحيح القراءة بهذه القواعد بل يجب تصحيح القواعد بناء على قراءة الائمة السبعة المعروفين بصحة النقل وإتقان النقل والحفظ في الرواية واللفظ. فلا يجوز لأحد اعتبارها خطأ لغوياً .انظر هنا

        إن تغلييب القاعدة على القراءة القرآنية المتواترة أفرز ظاهرة التأويل ؛ مما أفضى إلى إفساد وإضلال لمراد الله في الآية كما جاء على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكما فهمه أصحابه رضوان الله عليهم ، على أننا نلتمس لهم الاعذار في ذلك - حسناً للظن - بأنهم يوجهون سهام انتقادهم إلى اللغة التي وفقها القراءة وليس إلى القراءة نفسها. فوصف اللغة في هذه القراءات(1) لا يعني عدم صحتها وإنما يعني أنها ليست أجود اللغتين ، انظر :اتصال الفعل بعلامة التثنية والجمع . ولغة العرب في قبيلة بلحارث بن كعب ، وطيء ، وأزد شنوءة

        لهذا جاءت كتابتنا المتواضعة هذه لتصبّ في هذه الاتجاه، وتسلّط الضوء في سلسلة مقالات « حروف وأساليب بلاغية ضلت بها الفرق» :

        1- انظر » تقارب لام التعليل من لام العاقبة وفرقة الكرامية

        2- وانظر » قراءة بلاغية في حديث العرباض وفرقة الرافضة.

        3- وانظر » والله خلقكم وما تعملون وفرقة القدرية

        حيث ان لسان العرب تضافرت به اختلاف بالمعنى عند دخول حرف على جملة المبتدا والخبر، فذلك يؤذن ويشير الى معنى زائد احتملته الجملة لولوج هذا الحرف؛ فقولنا:

        (عبد الله قائم). أو (إن عبد الله قائم). او (إن عبد الله لقائم). والمعاني مختلفة؛ فعبد الله قائم: إخبار عن قيامه. وإن عبد الله قائم: جواب عن سؤال سائل. وإن عبد الله لقائم: جواب عن إنكار منكر قيامه.
        ومبحثنا هنا حول ( الخفض على الجوار ) لنرى أهمية هذا الموضوع وحقيقته في ضوء القرآن الكريم، والتراث النحوي والأدبي. ومدى أثر ذلك في ضلال الشيعة في فهم آية الوضوء انموذجا. ولعل خير ما نذكر به أن القرآن حجة على اللغة العربية انظر هنا، ولا نقبل بأي وجه كان إسقاط القواعد على نصوص الآيات الكريمة ، بل يجب توظيف ما جاء به القرآن لصناعة القواعد اللغوية .

        أقوال العلماء في قاعدة : «الخفض على الجوار» : أسلوب من أساليب اللغة العربية

        ذكر سيبويه "وقد حملهم قربُ الجوار على أنْ جرّوا (هذا حجرُ ضبّ خربٍ) ونحوه"[2] ، بينما ذكرالنحّاس الخفض على قرب الجوار ناقلاً عن أبى حاتم السجستانى[3] . قال بهذ الأخفش وأبو عبيدة [4]. قال الأخفش: "ويجوز الجرّ على الإتباع نحو هذا جحرُ ضبٍ خربٍ، وقال أبو عبيدة "مجرورة بالمجرور التى قبلها ، والعرب قد تفعل هذا بالجوار "[5]

        وقال المبرد: "وقد حملهم قرب العامل على أنْ قال بعضهم: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ[5]. وقال الفرَّاء "وممَّا يرويه نحويونا الأوائل أنَّ العرب تقول هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، والوجه أنْ يقول :هذا جحرُ ضبٍ خرِبُ"[6].

        وأبو حيان قال: "والعرب تُراعى القرب مع فساد المعنى فى نحو قولهم. هذا جحرُ ضبٍ خرب[7].


        قوله تعالى:

        { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ }[المائدة:6]

        الإشكال النحوي- في الآية - يكمن: في لفظ : « وأرجلِكم » حيث تواترت قراءتان : فقد قرأ أبو عمرو بن العلاء ، حمزة الكوفي ، عاصم الكوفي - شعبة ، ابن كثير المكي ( ومن القراء العشر:خلف العاشر ، أبو جعفر): (وأرجلِكم) بالخفض، وقرأ ابن عامر الدمشقي ، الكسائي الكوفي ، نافع المدني - قالون و ورش ، عاصم الكوفي - حفص ( ومن القراء العشر : يعقوب) : (وأرجلكم) بالنصب[8].

        وقراءة الجمهور بالنصب ، تدفع باتجاه ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في غسل الأرجل لا على حملها على المسح ؛فقد عطفت على « وجوهكم وأيديكم » . فلا إشكال فيها ،وتقرير المعنى عليها : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم .

        قال ابن عاشور-رحمه الله- في « التحرير والتنوير» : جملة { وامسحوا برؤوسكم } معترضة بين المتعاطفين . وكأنّ فائدة الاعتراض الإشارة إلى ترتيب أعضاء الوضوء لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يدلّ على التّرتيب الوجودي ، فالأرجل يجب أن تكون مغسولة؛ إذ حكمة الوضوء وهي النّقاء والوضاءة والتنظّف والتأهّب لمناجاة الله تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشدّ تعرّضاً للوسخ؛ فإنّ الأرجل تلاقي غبار الطرقات وتُفرز الفضلات بكثرة حركة المشي ، ولذلك كان النّبيء صلى الله عليه وسلم يأمر بمبالغة الغسل فيها ، وقد نادَى بأعلى صوته للذي لم يُحسن غسل رجليه " وَيْلٌ للأعقاب من النّار "

        ويدور مبحثنا حول قراءة الجر: وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء

        لقد كثفت فرقة الرافضة والفقه الشيعي نقاشهم للمسألة على ما ورد عن الزجاج قوله : « وقال بعض أهل اللغة هو جر على الجوار فأما الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات الله »[9]. إلا أنهم - فرقة الشيعة - كعادتهم - يبترون النصوص كي توافق أهوائهم على طريقة من يقرا :« ولا تقربوا الصلاة ! » ويقف دون اتمام « وانتم سكارى»، فمن الإنصاف أن نورد قول الزجاج كما نقله الفارسي : "ويجوز وأرجلكم بالجر على معنى واغسلوا لأنَّ قوله إلى الكعبين قد دلَّ على ذلك كما وصفنا، ويُنسق بالغسل على المسح كما قال الشاعر:

        يا ليت بعلك قد غدا متقلدًا سيفًا ورمحا

        فالمعنى: متقلّدًا سيفًا وحاملاً رمحًا[10].

        « فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارا لقاعدة نحوية ، فهدم مائة من أمثالها أسهل من تحريف معنى آية» انظر بدائع الفوائد 1/45

        وتأول بعض النحويين : أنَّ معنى المسح فى الآية الغسل، وهو عطف على الرؤوس ، قاله سيبويه :« إن العرب يقرب عندها المسح من الغسل لأانهما أساس الماء فلما تقاربا في المعتى حصل العطف كقوله:« متقلدا سيفا ورمحا» كما نقله الزمخشري في برهانه (1/304)..

        قالوا فى الكلام عاملان، أحدهما: الغسل والآخر الباء الجارة، ووجه العاملين إذا اجتمعا فى التنزيل أن يحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، ولذلك حمل الكلام على أقربهما وهو الباء دون (فاغسلوا) وكان ذلك الموضع واجبًا، لما قام من الدلالة على أن المراد من المسح الغسل ما رُوى عن أبى زيد أنه قال: المسح خفيف الغُسل، قالوا: تمسحتُ للصلاة فحمل المسح على أنه الغُسل، وقيل إنَّ التحديد إنَّما جاء فى المغسول ولم يجىء فى المسموح، فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه فى حكم الغُسل لموافقته فى التحديد[11]. لإنَّ التحديد دلَّ على الغُسل. كما قال الأنباري: "وقيل هو معطوف على الرؤوس، إلا أنَّ التحديد دلَّ على الغُسل، إلى الكعبين كما حد الغسل فى الأيدى إلى المرافق دلَّ على أنه غسل كالأيدى[12].

        وذهب بعضهم إلى أن المعنى يتحقق بالمسح على الخفين ، وقال بهذا ابن هشام : « وإذا سلمنا بأن العطف على الرؤوس، لكنَّ المراد مسح الخفين»[13].

        إن القراءة لقوله تعالى: بخفض الأرجل على الجوار، يوحي بتعارض القراءتين ، وقاعدة أهل السنة والجماعة في ذلك انهم يعاملون هذه الحالة ان لهما حكم الآيتين ، فتوجيه القراءة كما قال الإمام ابن السعدي [14] - رحمه الله -:

        « تكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف. »

        شبه بلاغية والرد عليها :
        شرط المجاورة يكون في النعت دون فاصل بينهما بجملة أجنبية أو أداة عطف:

        إنَّ الحمل على الجوار عند العرب كان فى أمثلة النعت المجاور للمنعوت، والآية الكريمة فيها عطف فاصل بينهما، قال أبو حيّان: "وأمّا فى العطف فلم يحفظ ذلك فى كلامهم ولذلك ضعف جدًا قول مَنْ حمل قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) فى قراءة مَنْ خفض (وأرجلِكم) على الجوار، والفرق بينه وبين النعت أنَّ الاسم فى باب النعت تابع لما قبله من غير وساطة شيء، فهو أشدّ له مجاورة بخلاف العطف إذ قد فصل بين الاسمين حرف العطف"[15] فلا يحسن فى المعطوف لأنَّ حرف العطف حاجز بين الاسمين ومبطل للمجاورة"[16]. كما إنَّ العلماء قد صرّحوا فى أكثر من موضع أنَّ الخفض على الجوار يرد فى كلام بعضهم عند وضوح المعنى (هذا جحرُ ضبّ خرب) لأنَّ (الضبّ) لا يوصف بالخراب وإنما هو نعت للجحر أمّا مع اللبس فى المعنى فلا يجوز، وقراءة الجرّ فى الآية الكريمة فيها لبس، لأنَّ سياق الآية محمول على العطف فيها والعطف بهذا المعنى يوجب المسح لا الغسل، وقد أثبت فريق من العلماء الغسل للأرجل لا المسح، ولهذا فإنَّ القول بالجوار باطل من خلال هذا المعنى. قال الرضي الأستراباذى: (وقد يوصف المضاف إليه لفظًا والنعت للمضاف إذا لم يلبس ويُقال له الجرّ بالجوار وذلك للاتصال الحاصل بين المضاف والمضاف إليه) [17] والأمران يلزمان بعدم حمل قراءة الجر على الخفض على الجوار.

        رد الشبهة :
        لقد ورد في كلام العرب :

        (1) في النعت : قول امرئ القيس :

        كأن ثبيرا في عرانين ودقه كبيرُ أناس في بجادٍ مزمل ِ.

        بخفض « مزمل » بالمجاورة ، مع أنه نعت « كبير » المرفوع بأنه خبر « كأن »

        (2) قول النابغة :

        لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في حبال القد مجنوب

        بخفض « موثق » لمجاورته المخفوض ، مع أنه معطوف على « أسير » المرفوع بالفاعلية .

        (3) قول امرئ القيس :

        وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواءٍ أو قدير معجل


        بجر « قدير » لمجاورته للمخفوض ، مع أنه عطف على « صفيف » المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو « منضج » [18]

        تدخل السنة في حسم الموقف
        من الواجب علينا كمسلمين عند ورود نزاع ما في مسألة ما ، علينا التوجه إلى صحيح السنة النبوية لحل هذا الاشكال كبديل لحسن التأويل ، وهي وحي من الله لرسوله الكريم قال تعالى :
        إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم : 4 ) وقال تعالى دالا على هذا أحقية هذا التوجه :
        يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء : 59 )
        إن محاولة إخضاع الآيات القرآنية لقواعد اللغة العربية يدخل ضمن المجهود الذهني الذي عليه أثر الصنعة المخالفة لأنها تهمش القرآن كأحد الشواهد النحوية خاصة إذا علمنا أن كثيرا من تلكم الشواهد التي بنى النحويون عليها قواعدهم مشكوك في صحتها: فالشواهد مجهولة النسبة ، قال الإمام الألباني - رحمه الله - في " منزلة السنة في الإسلام » انظر هنا : يبدو واضحا أنه لا مجال لأحد مهما كان عالما باللغة العربية وآدابها أن يفهم القرآن الكريم دون الاستعانة على ذلك بسنة النبي صلى الله عليه و سلم القولية والفعلية فإنه لم يكن أعلم في اللغة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الذين نزل القرآن بلغتهم ولم تكن قد شابتها لوثة العجمة والعامية واللحن ومع ذلك فإنهم غلطوا في فهم الآيات السابقة حين اعتمدوا على لغتهم فقط وعليه فمن البدهي أن المرء كلما كان عالما بالسنة كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه ممن هو جاهل بها فكيف بمن هو غير معتد بها ولا ملتفت إليها أصلا ؟
        ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم : أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة النبوية الكريمة ثم بأقوال الصحابة رضوان الله عليهم جميعا.

        والتحقيق في هذه الآية : أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين إلا أن يكون عليها خف ساتر فإنه يجوز المسح عليه دون حاجة إلى نزعه وغسل الرجلين ، وذلك إن لبسه بعد وضوء ولم يمض على لبسه أكثر من يوم وليلة إن كان مقيماً ، أو ثلاثة أيام إن كان مسافراً بهذا جاءت السنة .

        قال ابن عبدالبر (19) : «وفي هذا الحديث من الفقه : غسل الرجلين، وفي ذلك تفسير لقول اللَّه -عز وجل-: {وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6]، وبيان أنه أراد الغسل لا المسح، وإن كانت قد قرئت {وأرجلكم} بالجر؛ فذلك معطوف على اللفظ دون المعنى، والمعنى فيه: الغسل على التقديم والتأخير.وعلى هذا القول والتأويل جمهور علماء المسلمين وجماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام من أهل الدين والرأي، وإنما روي مسح الرجلين عن بعض الصحابة وبعض التابعين -وتعلق به الطبري-؛ وذلك غير صحيح في نظر ولا أثر. والدليل على وجوب غسل الرجلين: قوله صلى الله عليه وسلم: « ويل للأعقاب من النار »(20)؛ فخوفنا بذكر النار من مخالفة مراد اللَّه -عز وجل-، ومعلوم أنه لا يعذب بالنار إلا على ترك واجب...» ا.هـ. وقال ابن خزيمة: «لو كان الماسح مؤديًا للفرض؛ لما توعد بالنار».

        أحاديث صحيحة صريحة في غسل الرجلين :

        لقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة وضوئه أنه غسل رجليه وهو ما تضافرت عليه الأدله الصحيحة ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك؛ إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك قال عبدالرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين؛ رواه سعيد بن منصور كما قال الحافظ ابن حجر في « الفتح »(21) ،

        تعليق

        • عبدالله بنعلي
          عضو نشيط
          • Apr 2014
          • 6053

          #5
          تتمة البحث :
          (1) عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم -وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. (22)

          (2) عن ميمونة رضي الله عنها قالت : أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلَهُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ .(23)

          (3) عن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " (24)

          مسائل تتعلق بهذه الآية :

          (1) استدل العلماء من قوله تعالى :{ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها"

          (2) حَدُّ الوجه عند الفقهاء: ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصَّلع ولا بالغَمَم-إلى منتهى اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا.

          (3) مسح الشعر : إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، لا يتقدر ذلك بحدٍّ، بل لو مسح بعض شعره من رأسه أجزأه.

          (4) الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق .

          (5) جمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سُـنّـة . واستدلوا على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي أن يتوضأ كما أمره الله . والله لم يأمر بالمضمضة والاستنشاق

          (6) الذي يظهر أن الترتيب في الوضوء واجب كما جاء الترتيب في كتاب الله . ولم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فبدأ بغسل رجليه أو بدأ بغسل يديه قبل غسل وجهه . والفعل إذا كان بياناً للواجب دلّ على الوجوب .



          بقي أن نقول : يستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد ليغسله مع ذراعيه؛ لما روى البخاري ومسلم، من حديث نُعَيم المُجْمِر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمتي يُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل". (25)
          وفي صحيح مسلم: عن قُتَيْبَة، عن خَلَف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: "تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". (26)

          ويستحب أن يقول بعد الفراغ من الوضوء : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ :

          ( أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ (27) ، وفي زيادة عند الترمذي : اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين (28)

          .... وأخيرا،
          فهذا هو الذي أردت أن أنبه إليه فإن أصبت فمن الله . وإن أخطأت فمن نفسي، والله تعالى أسأل أن يعصمنا وإياكم من الزلل والخطأ.


          (1) فقد جاءت أحيانًا حادة في وصف القراءة بـ (الغلط) أو (الوهم ) ، على نحو ما رأينا عند الأزهري في وصف قراءة البزي، وعند الفارسي في وصف قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. أو (ليست بذاك) أو (قبيحة) أو (قليلة في الاستعمال) أو (ليست بالوجه) أو (رديئة) أو (متروكة).
          [2] الكتاب: 1/67.
          [3] إعراب القرآن: 3/246.
          [4] معانى القرآن: 1/254، مجاز القرآن: 1/155
          [4] السبعة فى القراءات: 242-243
          [5] المقتضب: 4/73.
          [6] معانى القرآن: 2/74.
          [7] التذكرة: 346.
          [8] مجاز القرآن: 1/155.
          [9] معانى القرآن: 2/153.
          [10] معانى القرآن: 2/154.
          [11] الحجة للفارسى: 3/214
          [12] البيان: 175.
          [13] شرح شذور الذهب: 355.
          [14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان تفسير سورة المائدة آية :6
          [15] الهمع: 4/304.
          [16] شرح شذور الذهب: 355.
          [17] شرح الرضى على الكافية: 2/328.
          [18] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن / تفسير المائدة آية :6 - الإمام محمد الأمين بن محمد المختارالشنقيطي: عالم ومحقق ومفسر. له العديد من الكتب. ولد في بلاد شنقيط (موريتانيا الآن) ، وكان- رحمه الله - ضمن هيئة كبار العلماء وعضوًا في رابطة العالم الإسلامي.
          [19] «التمهيد»(24/254 -255)
          [20] الصحيحة ( 872 ) ، صحيح الجامع 124 ، 7132 / صحيح أبي داود 87 / صحيح ، ابن ماجة 450
          [21] «الفتح» (1/ 266)
          [22] صحيح البخاري برقم (185، 186) وصحيح مسلم برقم (235).
          [23] رواه البخاري (265) ومسلم (317) واللفظ له
          [24] رواه مسلم ( الطهارة /331)
          [25] صحيح البخاري برقم (136) وصحيح مسلم برقم (246).
          [26] صحيح مسلم برقم (246)
          [27] رواه مسلم ( الطهارة/345)
          [28] في صحيح سنن أبي داود برقم 48 . وللشيخ أبي إسحاق الحويني رسالة لطيفة بعنوان " كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية على الوضوء " .
          كلمات دلالية :
          الخفض بالمجاورة
          آية الوضوء بين مسح الرجل وغسلها
          الجرِّ بالمجاورة
          الوضوء على ضوء الكتاب والسنّة

          تعليق

          يعمل...