الجر على الجوار في القرآن
ثمة باب من أبواب النحو يطلق عليه باب (الجر على الجوار)، يريدون به جر حركة لفظ متأخر إتباعاً لما تقدمه من لفظ مجرور بجامع المجاورة ليس إلا. وقد عبر عن المراد من هذا الباب
ابن هشام النحوي من خلال قاعدة تقول: إن الشيء يعطى حكم الشيء إذا جاوره.
والمثال الشائع والأبرز للتمثيل لهذه القاعدة قول بعضهم: (هذا جِحْرُ ضبٍّ خربٍ) بجر (خربٍ) لمجاورته لمجرور (ضبٍّ)، وحقه الرفع؛ لأنه صفة في المعنى لـ (جِحْرُ) لصحة اتصافه به، وهو مرفوع، والصفة تتبع موصوفها في الحركة الإعرابية، و(الضب) لا يوصف به، وإنما جُرَّ على الجوار.
موقف النحاة من هذا الباب
والنحاة من حيث الجملة قائلون بهذا الباب من النحو، وهم في ذلك تبع لسيبويه، فقد نقلسيبويه في باب الجر عن الخليل قوله: "هذا الذي تجره العرب على الجوار، إنما تجعله على بعض الأوصاف، وهو أن يكون النعت الذي يجره يوافق الاسم الذي يجاوره في: عدته، وفي تذكيره، وتأنيثه. فإن اختلفت العدة، أو كان أحدهما مذكراً والآخر مؤنثاً، استعملوا الكلام على أصله، ولم يجروه على المجاورة".
فكلام سيبويه وما نقله عن أستاذه الخليل يدل على القول بهذا الباب من أبواب النحو، إلا أن كلام سيبويه يفيد أن القول بهذا الباب مشروط بأن يكون في الصفات، وأن تكون الصفة موافقة للموصوف من حيث التذكير، والتأنيث، والعدد، فإن اختل شرط من هذه الثلاث لم يُعمل بقاعدة (الجر على الجوار).
وأبو البقاء العكبري اعتبر هذا الباب في النحو، وذكر أن (الجر على الجوار) ليس بممتنع أن يقع في كلام العرب لكثرته، وقد جاء في القرآن والشعر، وذكر أمثلة عليه من القرآن والشعر.
وقد أنكر ابن جني -وهو من أئمة اللغة- (الجر على الجوار) وجعل (خرباً) في قولهم: (جِحر ضبٍّ خربٍ) صفة لـ (ضب) بتقدير مضاف، أي: خرب جحره.
موقف المفسرين من هذا الباب
إذا كان الموقف العام لأهل اللغة والنحاة القول بـ (الجر على الجوار)، فإن الموقف العام للمفسرين عدم الاعتداد به، وتنزيه كلام الله عن القول به؛ فشيخ المفسرين الطبري لم نقف عنده على ذكر لهذا الباب من قريب ولا من بعيد، وفي هذا دلالة على رفضه للقول به.
وأبو جعفر النحاس صاحب "تفسير القرآن"، و"إعراب القرآن"، و"ناسخ القرآن" رفض هذا الباب جملة وتفصيلاً، وعبارته في هذا الصدد تقول: "لا يجوز أن يُعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جحر ضب خرب، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضب خربان...ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها".
والقرطبي نقل قول النحاس هذا من غير تعقيب عليه، ما يعني أنه لا يقول بمذهب (الجر على الجوار)، بل نقل تخطئة
ابن عطية لأبي عبيدة القائل في قوله تعالى: {قتال فيه} (البقرة:217) إنه جُرَّ على الجوار، والصواب أنه بدل من {الشهر}، بدل اشتمال.
والرازي سلك المنحى نفسه، واعتبر أنه من غير اللائق حمل كلام الله سبحانه على هذا الباب؛ فعند تفسيره لقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة:6) اعتبر أن من جعل القراءة بالكسر (وأرجلِكم) على أنها من باب العطف على الجوار، أن قوله باطل من وجوه: الأول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يُتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه. وثانيها: أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في قوله: جحر ضب خرب، فإن من المعلوم بالضرورة أن (الخرب) لا يكون نعتاً لـ (الضب)، بل لـ (الجِحر)، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.
وكلام الرازي يدل دلالة واضحة على أنه لا يعتد بهذا الباب في حمل كلام الله عليه، وإن كان يعترف بأن هذا الباب مجاله الضرورة الشعرية ونحوها.
أما أبو حيان -وهو من أئمة النحو- فموقفه العام في "تفسيره" رفض هذا الباب من النحو؛ فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} (البقرة:105)، وقوله سبحانه: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} (البينة:1) لم يقبل قول أبي إسحاق الشيرازي: إن الأصل في الآيتين هو الرفع، أي: (ولا المشركون)، عطفاً على الذين كفروا، ورد على ما ذهب إليه أبو إسحاق بقوله: "وهذا حديث من قصر في العربية، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيح وتركيبه الفصيح".
كذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {قتال فيه} (البقرة:217)، ذكر أن جمهور القراء قرأ قوله سبحانه: {قتال فيه}، بالكسر على أنه بدل من {الشهر}، بدل اشتمال. في حين أن أبا عبيدةذهب إلى أن {قتال فيه}، خفض على الجوار، ثم نقل أبو حيان هنا قول ابن عطية: هذا خطأ. ولم يعقب على تخطئة ابن عطية لأبي عبيدة، ما يعني أن أبا حيان يوافق ابن عطية في تخطئة أبي عبيدة، وبالتالي لا يأخذ بمذهب القائلين بـ (الجر على الجوار).
ونظير هذا ما فعله أبو حيان مع الزمخشري الذي ذهب إلى أن {الأيمن} في قوله عز وجل: {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} (طه:80) مجرور على الجوار. قال أبو حيان: "وهذا من الشذوذ والقلة، بحيث ينبغي أن لا تُخَرَّج القراءة عليه، والصحيح أنه نعت لـ {الطور}؛ إما لما فيه من اليُمن، وإما لكونه على يمين من يستقبل الجبل".
.
ثمة باب من أبواب النحو يطلق عليه باب (الجر على الجوار)، يريدون به جر حركة لفظ متأخر إتباعاً لما تقدمه من لفظ مجرور بجامع المجاورة ليس إلا. وقد عبر عن المراد من هذا الباب
ابن هشام النحوي من خلال قاعدة تقول: إن الشيء يعطى حكم الشيء إذا جاوره.
والمثال الشائع والأبرز للتمثيل لهذه القاعدة قول بعضهم: (هذا جِحْرُ ضبٍّ خربٍ) بجر (خربٍ) لمجاورته لمجرور (ضبٍّ)، وحقه الرفع؛ لأنه صفة في المعنى لـ (جِحْرُ) لصحة اتصافه به، وهو مرفوع، والصفة تتبع موصوفها في الحركة الإعرابية، و(الضب) لا يوصف به، وإنما جُرَّ على الجوار.
موقف النحاة من هذا الباب
والنحاة من حيث الجملة قائلون بهذا الباب من النحو، وهم في ذلك تبع لسيبويه، فقد نقلسيبويه في باب الجر عن الخليل قوله: "هذا الذي تجره العرب على الجوار، إنما تجعله على بعض الأوصاف، وهو أن يكون النعت الذي يجره يوافق الاسم الذي يجاوره في: عدته، وفي تذكيره، وتأنيثه. فإن اختلفت العدة، أو كان أحدهما مذكراً والآخر مؤنثاً، استعملوا الكلام على أصله، ولم يجروه على المجاورة".
فكلام سيبويه وما نقله عن أستاذه الخليل يدل على القول بهذا الباب من أبواب النحو، إلا أن كلام سيبويه يفيد أن القول بهذا الباب مشروط بأن يكون في الصفات، وأن تكون الصفة موافقة للموصوف من حيث التذكير، والتأنيث، والعدد، فإن اختل شرط من هذه الثلاث لم يُعمل بقاعدة (الجر على الجوار).
وأبو البقاء العكبري اعتبر هذا الباب في النحو، وذكر أن (الجر على الجوار) ليس بممتنع أن يقع في كلام العرب لكثرته، وقد جاء في القرآن والشعر، وذكر أمثلة عليه من القرآن والشعر.
وقد أنكر ابن جني -وهو من أئمة اللغة- (الجر على الجوار) وجعل (خرباً) في قولهم: (جِحر ضبٍّ خربٍ) صفة لـ (ضب) بتقدير مضاف، أي: خرب جحره.
موقف المفسرين من هذا الباب
إذا كان الموقف العام لأهل اللغة والنحاة القول بـ (الجر على الجوار)، فإن الموقف العام للمفسرين عدم الاعتداد به، وتنزيه كلام الله عن القول به؛ فشيخ المفسرين الطبري لم نقف عنده على ذكر لهذا الباب من قريب ولا من بعيد، وفي هذا دلالة على رفضه للقول به.
وأبو جعفر النحاس صاحب "تفسير القرآن"، و"إعراب القرآن"، و"ناسخ القرآن" رفض هذا الباب جملة وتفصيلاً، وعبارته في هذا الصدد تقول: "لا يجوز أن يُعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جحر ضب خرب، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضب خربان...ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها".
والقرطبي نقل قول النحاس هذا من غير تعقيب عليه، ما يعني أنه لا يقول بمذهب (الجر على الجوار)، بل نقل تخطئة
ابن عطية لأبي عبيدة القائل في قوله تعالى: {قتال فيه} (البقرة:217) إنه جُرَّ على الجوار، والصواب أنه بدل من {الشهر}، بدل اشتمال.
والرازي سلك المنحى نفسه، واعتبر أنه من غير اللائق حمل كلام الله سبحانه على هذا الباب؛ فعند تفسيره لقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة:6) اعتبر أن من جعل القراءة بالكسر (وأرجلِكم) على أنها من باب العطف على الجوار، أن قوله باطل من وجوه: الأول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يُتحمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام الله يجب تنزيهه عنه. وثانيها: أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في قوله: جحر ضب خرب، فإن من المعلوم بالضرورة أن (الخرب) لا يكون نعتاً لـ (الضب)، بل لـ (الجِحر)، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.
وكلام الرازي يدل دلالة واضحة على أنه لا يعتد بهذا الباب في حمل كلام الله عليه، وإن كان يعترف بأن هذا الباب مجاله الضرورة الشعرية ونحوها.
أما أبو حيان -وهو من أئمة النحو- فموقفه العام في "تفسيره" رفض هذا الباب من النحو؛ فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} (البقرة:105)، وقوله سبحانه: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} (البينة:1) لم يقبل قول أبي إسحاق الشيرازي: إن الأصل في الآيتين هو الرفع، أي: (ولا المشركون)، عطفاً على الذين كفروا، ورد على ما ذهب إليه أبو إسحاق بقوله: "وهذا حديث من قصر في العربية، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيح وتركيبه الفصيح".
كذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {قتال فيه} (البقرة:217)، ذكر أن جمهور القراء قرأ قوله سبحانه: {قتال فيه}، بالكسر على أنه بدل من {الشهر}، بدل اشتمال. في حين أن أبا عبيدةذهب إلى أن {قتال فيه}، خفض على الجوار، ثم نقل أبو حيان هنا قول ابن عطية: هذا خطأ. ولم يعقب على تخطئة ابن عطية لأبي عبيدة، ما يعني أن أبا حيان يوافق ابن عطية في تخطئة أبي عبيدة، وبالتالي لا يأخذ بمذهب القائلين بـ (الجر على الجوار).
ونظير هذا ما فعله أبو حيان مع الزمخشري الذي ذهب إلى أن {الأيمن} في قوله عز وجل: {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} (طه:80) مجرور على الجوار. قال أبو حيان: "وهذا من الشذوذ والقلة، بحيث ينبغي أن لا تُخَرَّج القراءة عليه، والصحيح أنه نعت لـ {الطور}؛ إما لما فيه من اليُمن، وإما لكونه على يمين من يستقبل الجبل".
.

تعليق