الاشتقاقُ عندَ ابنِ جنِّي -دراسة تحليلية-

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    الاشتقاقُ عندَ ابنِ جنِّي -دراسة تحليلية-

    الاشتقاقُ عندَ ابنِ جنِّي
    -دراسة تحليلية-
    د. سيروان عبد الزهرة الجنابي
    كلية الآداب - جامعة الكوفة


    إذا كانت العلّة التي أُسِّست من اجلها اللغة هي أداء الفهم المتبادَل بين المتخاطِبين بها، فإنَّ هذه الغاية تُلزِمُها ان تتموضع في جميع مسالكها لتحقيق تكامل (الدلالة) فنجدها تحثُّ الخطى سعياً إليها؛ لأنها تُمثِّل ثمرة البدء التي انبنت عليها قنوات التواصل على هيأة الأداء اللغوي، من هنا وجبَ ان يوضَع لكل لفظ معنى يُعبِّر عنه فتتألف لدينا - بهذا - المفردات وهي المرتكزات المحايدة او الوحدات اللغوية الأساس لنشأة أي لغة، بيد ان الوقوف عند هذا الأمر قد يكون موافقاً لبدايات عملية الفهم الإنساني اعتماداً على ضعف القدرة على التداول لبساطة التفكير الإنساني وقتذاك عامة والتفكير اللغوي خاصة، ثم ان تلك الوحدات هي أكثر ملاءمة لحاجاته البدائية التي يُحاول التعبير عنها للطرف الآخر، على حين ان امتداد العامل الزمني للإنسان ودخول المستجدات العصرية والتطور الحضاري على عالمه دعته الى البحث عن كيفيات في اللغة تُعينُهُ على التعبير عن هذه الأشياء بصورة استيعابية كاملة، من هنا افتقر الى الزيادة على الأصول الأولى (مفردات النشأة اللغوية)، فدأب على وضع وسائل تثري اللغة فكان الاشتقاق والتركيب والترادف والمشترك وغيرها، و هذه الوسائل جميعها أوجدت بغاية التوسيع في الأداء اللغوي للوصول الى تحقيق المراد وهو إيصال (الدلالة).
    ولأهمية هذه المرتكزات الإثرائية فان البحث سيُشرِع في دراسة إحداها وهي ركيزة (الاشتقاق) وسيتناوله تحديداً عند أبي الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)؛ لانه أول من تنبه على وجود جنس آخر للاشتقاق غير ما هو شائع لدى الناس، واذا كان لابد لكل بحث من فرضيات يقوم عليها فان هذا البحث سينعقد على فرضيتين على المورد الآتي:
    الأولى: السؤال عن الأسس الفكرية التي ابتنى عليها ابن جني هذا الصنف الاشتقاقي الذي نسبه لنفسه وما ماهيته المفهومية، وهل لهذه الأسس صلة او ارتباط – في اعتقاده العميق – بنظريات نشأة اللغة الذي فصَّل فيها القول في موضعه وإذا كان الاشتقاق يمثل ولادة لتدعيم الأداء اللغوي أ فيمكن ان نعد نشوءه – عل وفق هذه الرؤيا – متزامناً مع نشأة المفردات الأولى أم انه ظهر في مرحلة لاحقة عليها؟
    والثانية: هل يتفق ابن جني مع فكر المحدثين في ان يجعل (الاشتقاق الأكبر) موافقاً لمفهوم الإبدال او القلب المكاني، وإذا كان هؤلاء المحدثون قد جعلوا (النحت) إحدى وسائل الاشتقاق في اللغة فهل يعدُّه ابن جني كذلك توافقاً أم انَّه يُباينُهم النظر في هذا، و سيسعى البحث للإجابة عن هاتين الفرضيتين.

    المبحث الأول: الاشتقاق الصغير عند ابن جني*:
    يُعدُّ موضوع الاشتقاق من أغزر الموضوعات اهتماماً وأوفرها رعاية في نطاق البحث اللغوي؛ اذ لا يكاد يخلو مدوَّن تخصُّصي في اللغة من مبحث تحت عنوان (الاشتقاق)؛ ذلك بأنه من اكبر الحيثيات القياسية التي تمدُّ اللغة بجملة مفردات لا يجدُ المتكلمُ اليها سبيلاً بسواه، فقد يختلج في نفس المتكلم معنى لا يُلبَّى إلا بسردٍ جملي طويل غير ان عملية الركون الى الاشتقاق اللغوي تُغني كلا طرفي الخطاب (المتكلم والمتلقي) عن ذلك التطويل، اذ يعتمرُ المعنى المطلوب بشكل دقيق ومنضبط في اللفظ المشتَق الذي ينتقيه المُستعمل، وهذا كله لابد من ان يجري على وفق حدود قياسية خاصة؛ اذ ((ليس الاشتقاق بمنأى عن القياس بل بينهما وشيجة وثيقة))(1) فصلة الاشتقاق الى القياس كصلة النظرية الى التطبيق والمنطق الى الواقع العملي فلا وجود للاشتقاق بلا قياس ((تُبنى عليه هذه العملية ليصير مقبولاً معترفاً به لدى علماء اللغة))(2).
    واذا كان الاشتقاق يعدّ الحيثية الأوسع نطاقاً في مجال التداول اللغوي فمن البداهة ان يضطلع فيه ابن جني مصنفاً إياه على صنفين بعد ان شاع قبله لدى العلماء والعامة بصنف واحد وهو (الاشتقاق الصغير)، على حين كان ابن جني أعمق نظراً من سابقيه، فهو يرى ان الاشتقاق على ضربين؛ اذ يقول ((ان الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير))(3) فنلحظ ان لفظة (عندي) في النص تشير إلى ان الاشتقاق عند غيره ليس على هذين الصنفين، وقد صرّح في مطلع كلامه عن الاشتقاق الأكبر بقوله ((هذا موضع لم يُسَمِّه احدٌ من اصحابنا، غير ان أبا علي – رحمه الله- كان يستعين به ويخلد اليه مع اعوزاز الاشتقاق الأصغر، لكنه مع هذا لم يُسَمِّه، وإنما كان يعتادُه عند الضرورة ويستريح إليه، ويتعلَّل به، وانما هذا التقليب لنا نحن))(4) فنجده ينسب تأصيل مفهوم الاشتقاق الأكبر لنفسه، وانه أول من خاض فيه تفصيلاً وتنظيراً فلم يسبقه اليه احد ولم يؤثر عن غيره سوى ان أبا علي الفارسي كان يستأنس به ويستعين به عند الحاجة وهذا يوحي ان أبا علي لم يكن يعده ركناً من أركان الاشتقاق حتى انه لم يُسَمِّهِ البتة، فهو في تقديره ثانوي القيمة لايلتجأ اليه إلا عند الضرورات كما هو في تعبير ابن جني، وهذا يأخذ بأيدينا الى الإيمان بريادة ابن جني في مجال التأسيس لمفهوم الاشتقاق الأكبر، فالسابقون عليه لم يتطرقوا الى هذا الصنف الاشتقاقي بدلالة قوله على سبيل التصريح والحصر معاً ((وإنما هذا التقليبُ لنا نحنُ))، وعلى الرغم من شدة إعجابه بالاشتقاق الأكبر لابتداعه وتقدّمه فيه فانه تحدَّث ابتداءً عن الاشتقاق الصغير بوصفه الأكثر شيوعاً وتداولاً بين الناس، يقول ((فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وان اختلفت صيغُه ومبانيه وذلك كترتيب (س ل م) فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرف؛ نحو: سلم، ويسلم، وسالم، وسلمان، وسلمى، والسلامة، والسليم: اللديغ، أُخلق عليه تفاؤلا بالسلامة))(5) فنلحظ ان ابن جني جعل بمقتضى مفهوم الاشتقاق الصغير ان تكون جميع المباني المختلفة في صيغها والعائدة الى أصل واحد راجعة – في الأساس- الى المعنى نفسه الذي يحتويه الأصل المُشتقَّة منه، فكأنَّ الرابطَ المشتركَ بين هذه الصور البنائية المشتقة جميعاً هو المعنى الجوهري الموَحَّد لها وهو (السلامة) كما في مثاله السابق.
    بيد ان هذه الصيغ المختلفة قد أفضت الى دلالات زائدة على المعنى الأصل الذي راح يتموضع بتغاير الوعاء الصرفي له، والأظهر ان هذه هي مظنة الفائدة من الاشتقاق الصغير، فإنك تنتقي البناء الصرفي المتناغم والدلالة التي تسعى من وراء إبلاغها الى المتلقي، فتُلبِسَها الأصل اللفظي الذي تريد فيغدو اللفظ من هذه العملية ثنائي الدلالة في التعبير (دلالة أصلية وأخرى ثانوية).
    فالأولى هي دلالة الأصل المأخوذ منه، والثانية هي دلالة البناء الصرفي التي حَلَّت فيه، وعلى سبيل المثال نأخذ الأصل (ك ذ ب) ونُعمِل فيه الاشتقاق الصغير لتنتج منه صيغ عدة نوظِّفها كالآتي (كذَبَ زيدٌ)، (كّذَّب زيدٌ)، (تكاذبَ زيدٌ)، (زيدٌ كاذبٌ)، (زيدٌ كذَّابٌ)، وهكذا، فإذا ما اخضعنا هذه الصيغ المتنوعة الى عملية رصد دلالي فانا نقف على دلالات متنوعة بتنوع هذه الصيغ، لا نتوافر عليها لو نظرنا الى الأصل (ك ذ ب) بمعزل عن عملية الاشتقاق؛ لذا نلحظ ان ثمة معاني قد تبدَّلت من جملة إلى أخرى، فالجملة الأولى تدل على ان زيد قد وقع منه الكذب في زمن مضى، والثانية توحي الى ان زيد قد كذب في الزمن الماضي ايضا بيد ان كذبه هذا كثيرٌ متعددُ الوقوع فكانت بذلك صيغة (كذَّب) اشد وقعاً من حيث الدلالة من صيغة (كذبَ) وحدها، اما الثالثة فهي تعني ان زيداً يُظهِر نفسه على انه كاذب فهو يتمظهرُ بالكذب لكنه ليس بكاذب في حقيقته، اما الرابعة فتدل على ثبوت صفة الكذب في زيد على حين ان الأخيرة لا تدل على ثبوت الكذب في زيد فحسب؛ بل تنصُّ على ان زيداً مفرِّط في كذبه مبالغ فيه حتى لكأنَّ الكذبَ حرِفةٌ يُعرَف بها، اما قولك (زيد الأكذبُ) فان صيغة (الأفعل) فيها تدل على مطلق الكذب فلا يوجد بعد زيد كاذب يدانيه في هذه الصفة البتة، ومن العرض السابق للجمل ننتهي الى ان الدلالات التي زيدت على الأصل (ك ذ ب) قد أكتسبت من الاشتقاق الصغير فتمثَّلت بالهيآت المتنوعة، إلا ان هذه الصيغ جميعاً تتحدُ في عمقِها الدلالي بمعنى جوهري واحد وهو صفة (الكذب) – المعنى الموحَّد- ومن هنا حَمَلَ المشتَقُ دلالتين (دلالة المعنى العام او الأصل، ودلالة الصيغة الصرفية المشتَقة منه)، وبهذا ينطوي الاشتقاق الصغير على جملة فوائد منها:
    1- إثراء المتكلم بالألفاظ المُشتقَّة التي تُقيِّض له الإفصاح عمّا يريد الإعراب عنه بضابطٍ دلالي دقيق.
    2- وسيلة اختزالية اذ يحمل اللفظُ الواحدُ أوسعَ من معناه الأصل لإبانة المراد ما يغني طرفي الخطاب عن سردٍ لغوي طويل.
    3- إعانة المتلقي على الوضوح في تصور ذهنه للمعنى؛ إذ يعدُّ حيثية من حيثيات التصوير اللغوي؛ فقولك: (زيدٌ ضارِبٌ) تفترق لدى المتلقي في تصورها من قولك:
    (زيدٌ مَضروبٌ) وكذا الحال مختلف بين قولنا: (زيد ظالِم) وقولنا (زيد مََظلوم)، فلولا الاشتقاق والصيغة ما فُهِم الفارق الدلالي بين التعبيرين وبهذا ينظر الى الاشتقاق على انه إحدى أكبر وسائل البيان الدلالي في الخطاب العربي.
    المبحث الثاني: تلميحاتُ ابن جني عن سمةِ المفرداتِ الأصل:
    لعلَّ العودة بتأمُّل الى نصِّ ابن جني في حديثه عن الاشتقاق الصغير تكشف لنا لمحةً ضمنيّةً تُشير الى سمة المفردات في نشأتها الأولى اذ يقول هي ((ان تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه)) فنستشف من تعبيره بلفظة (الأصل) انها تُمَثِّلُ اللبنة الأولى لعملية الاشتقاق او المادة الأوليّة الخام له، مما يقودنا الى التفكير في أصل النشأة الأولى للغة اذ لم تنشأ اللغة إلا على هيأة مفردات (أصول)، ومهما يكن من أمر نظيرات نشأة اللغة، فإنها جميعاً تقف عند حدود المفرادت الأولى، ولا يختلف علماء اللغة في ان التركيب اللغوي من تلك المفردات هو من فِعْلِ الإنسانِ حصراً، فنجد ((ان واضع اللغة لم يضع الجُمَل كما وضع المفردات؛ بل ترك الجُمل الى اختيار المتكلم يبينُ ذلك لك أن حال الجُمَل لو كان حال المفردات لكان استعمال الجُمَل وفِهْمُ معانيها متوقفاً على نقلها عن العرب، كما كانت المفردات كذلك و لوجب على أهل اللغة ان يتتبعوا الجُمَل ويودِعُوها كتُبَهم، كما فعلُوا ذلك بالمفردات، إنّنا لا نسلم ان افادت المركب لمدلولاته تتوقف على العلم بكونه موضوعاً له؛ بل على العلم بان الألفاظ المفردة موضوعة للمعاني المفردة حتى اذا تُليت المعاني المفردةُ عُلِمت مفرداتُ المعاني منها)) (6) مما تقدم نفهم ان المفردات (الأصل) هي أول ما وضِعَت للمعاني فكل مفردة تدل على معنى ولا يسعنا فهم معنى التركيب اللغوي وبلوغ مدلولاته من دون معرفة سابقه بمعنى كل مفردة تَكَوَّن منها التركيب، فدل ذلك على أسبقية المفردات على التراكيب.
    ومما نقل عن الأسنوي انه قال ((ان اللفظ انما وضِع للمعنى من غير تقييدٍ بوصفٍ زائد))(7) ابتداءً كأن يكون صيغة اشتقاقية* او ضم لفظ إلى آخر في تركيب يُجلي معناه؛ لذا فمن الحكمة ان تكون المفردات الموضوعة أولاً دالة على معانٍ كليّة وماهيات عامة دون لفت نظر الى دقائق المعنى وصفاته، وذلك تأسيساً على حاجة الموضوع له؛ اذ الغاية لا تعدو تعريف الموضوع له بماهيات المعاني والأشياء، فالإنسان لايريد أكثر من وسيلة مُبسَّطة يتعرَّف بها على الأشياء من حوله، ومن ثمة لا نغفل بساطة التفكير الإنساني وقتذاك عامة وبساطة التفكير اللغوي خاصة؛ لذا كانت الحاجة لا تتجاوز عملية اثبات مفردات عامّة المعنى يتفاهم بها المجتمع ولهذا لم يفتقر الى عملية الاشتقاق إلا في مرحلة متأخِّرة؛ ذلك بأن المتلقي الأول للغة لا يسعه فهم خصوصيات المعنى وتفرعاته وهو مازال في أبان استعماله للمفردات الأولى (الأصل) من هنا نصل الى ان الاشتقاق مرحلة لاحقة لنشوء المفردات الأولية للغة؛ لان هذه المفردات تمثل المرحلة الأولى في نقلات الذهن في عمليّة التخاطب الإنساني اذا وضِعَت مأخوذ بها لحاظ (جوهر المعنى) فلما أضحى العقل البشري له حاجة الى الاستزادة والإيضاح التجأ الى الاشتقاق اللغوي والتركيب، وبهذا يعدان مرحلة لاحقة من مرحلة التأسيس، فالاشتقاق جزء من البيان؛ ذلك بأن المفردات ((لا تفيد أول ذكرها إلا مفهومات كلية، وإفادتها للجزئيات المرادة في الكلام انما تكون بواسطة قرينة معينة لها في الكلام)) (8) ترِدُ عليها لاحقاً، كوضعها في صيغة معينة تعين على إبانة المراد من هذا المفهوم الكلي بدقّة.
    وهذا يوضح ملاحقة اللغة وتلازمها لتطور العقل، فما الاشتقاق إلا صور من صور التشكل الذهني المتداخل المتطور، وما كان هذا حاصلاً في وقت نشأة اللغة الأولى، وبهذا يمثل الاشتقاق جانباً من جوانب التطور اللغوي وكيفية من كيفيات ديمومة اللغة وقيمومتها على المتداولين بها.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    المبحث الثالث: الاشتقاق الأكبر:
    يعدّ الاشتقاق الأكبر عند ابن جني الصنف الثاني لعملية الاشتقاق اللغوي ؛ اذ لم يؤثر هذا الصنف عن احد غيره من علماء اللغة سواء كان في مصنفاتهم التخصصية أم فيما نُقِل عنهم من قول، ولقد ذكر ابن جني نفسه ان أستاذه أبا علي الفارسي كان يركن إليه أحياناً عند مساس الحاجة بيد انه لم يؤصِّله ولم يضعه تحت مصطلحٍ معينٍ وقد أسلفنا الحديث عن ريادة ابن جني في هذا الموضوع تقادماً، يقول ابن جني بعد عرضه للاشتقاق الصغير ((واما الاشتقاق الأكبر فهو ان تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية فتَعقِد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحد تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وان تباعد شيءٌ من ذلك عنه رُدَّ بِلُطف الصنعة والتأويل اليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك* في التركيب الواحد))(9).
    ويسوق أمثلة لذلك فيرى ان (ك م ل) و(ك ل م) (م ك ل) و(م ل ك) و(ل ك م) و(ل م ك) جمعيها تعود الى معنى القوة والشدة وان اختلفت صور تقاليبها، وكذا الحال لـ (ق و ل)، (ق ل و)، (و ق ل)، (و ل ق)، (ل ق و)، (ل و ق) فهي بجميع تقاليبها تعود الى معنى الإسراع والخفة(10)، ومنه أيضاً قولك (ج ب ر) فهي أينما وقعت دلَّت على القوة والشدة مهما تغيرت صورها التقلُّبية(11).
    وعند إعمال النظر برعاية وتأمُّل في هذا الصنف الاشتقاقي نجد ان ابن جني قد جعله الأصل المُقدَّم على غيره من كيفيات الاشتقاق الأخرى، فهو من جهة يُلمِّح تارة ويُصرِّح أخرى بأنه هو من ابتدع هذا النوع او توصل اليه، ومن جهة أخرى ينظر الى الاشتقاق الصغير على انه معروف شائع بين أيدي الناس، فهو بهذا كله يريد ان يُثبِت الفضل والتقدم للاشتقاق الأكبر على غيره في الرتبة؛ ذلك بأنه يرجع الاشتقاق خطوة الى الوراء بقوله ان ((تجمع التراكيب الستة وما ينصرف من كل واحد منها عليه)) فهو يجعل من هذه التقاليب الستة التي مآلها الى أصل واحد مُتَّحِدة جميعاً في المعنى، ثم يُعمِل في مرحلة لاحقة الاشتقاق الصغير في كل لفظ من هذه التقليبات الستة ويعتقد بأن كل لفظ قد اشتُق من هذه التقليبات الستة يتفق معناه مع المعنى الموحَّد لهذه التقليبات جميعاً، ومن هنا يؤصِّل للاشتقاق الأكبر في اللغة ويقدِّمُه رتبةً على الصغير في نطاق مسار الاشتقاق اللغوي للألفاظ.
    بيد ان ثمة ما يستوقفنا في حديثه عن مفهوم الاشتقاق الأكبر، فهو حينما يشتق من (الوجوه الستة) يُثبِت لدينا ان هذه الوجوه أصول قابلة للاشتقاق منها، وقد صرَّح بذلك في مفتتح حديثه عن باب التفريق بين القول والكلام اذ قَلَّب (ق و ل) وعدَّ كل وجه من هذه التقاليب أصلاً فسمّاه: (الأصل الأول والثاني والثالث) وهكذا(12)، بيد انه يقول أيضاً: ((ان تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحد))، فإذا كانت هذه التقاليب أصولاً – من نظرة – وهو ما يقرَّه الواقع اللغوي، فكيف يسعنا الإيمان بان هذه الأصول – المشتقة- تعود الى أصل ثلاثي واحد أُخِذتْ منه كما يذكر هو؛ لأن هذا يقودنا الى التقاطع في فهم عملية الاشتقاق لان الاشتقاق لا يحدث إلا من أصل، فكيف نشتقُ أصلاً من أصل؟!
    فهو ان كان يعد هذه التقاليب ليست أصولاً بل مشتقات فما هو أصلها التي اشتقت منه؟ وكيف وقع منها الاشتقاق وهي ليست بأصل؟ اما اذا سلّمنا معه توافقاً بانها (أصول) فيجب علينا والحال هذه ان نضع هذه العملية تحت مصطلح (التقليبات اللغوية) لا مصطلح (الاشتقاق) لعدم قبول منطق اشتقاق الأصل من الأصل.
    وللخروج من هذه الإشكالات نقول ان ابن جني كان مصيباً ومحقاً في مفهومه للاشتقاق الأكبر ؛ اذ الأظهر لدينا انه توصل الى فكرة هذا الاشتقاق تأسيساً على ايمانه بالنظرية الصوتية لعملية نشوء الألفاظ في اللغة، وهذا ما سنفصل القول فيه في المبحث القادم.
    المبحث الرابع: صلة النظرية الصوتية بالاشتقاق الأكبر:
    لقد آمن ابن جني بالنظرية الصوتية علَّة واقعية لأصل نشوء الالفاظ – وذلك في معرض حديثه عن أصل اللغات- إذ ان الواقع العملي يعضد هذا المذهب ويؤيده بقول ابن جني ((وذهب بعضهم الى ان أصل اللغات كلّها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الضبي، ونحو ذلك، ثم ولِدَت اللغاتُ عن ذلك فيما بعد، وهو عندي وجهٌ صالحٌ ومذهبٌ متقبَّلٌ)) (13) فنجده يتقبّل هذه الفكرة بدلالة انه في موضع لاحق يقول مصرِّحاً ((إن كثيراً من هذه اللغة وجدْته مضاهياً بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبّر بها عنها ألا تراهم قالوا: قِضم في اليابس وخِضم في الرّطْب؛ وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف، وكذلك قالوا: صرّ الجندب؛ فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا: صَرصَر البازي؛ فقطّعوه لما هناك من تقطيع صوته، وسمَّوا الغراب غاقِ حكاية لصوته والبط بطّا حكاية لأصواته، وقالوا: قطّ الشيء إذا قطعه عَرْضاً، وقدّه إذا قطعه طُولا؛ وذلك لأن منقَطع الطاء أقصر مُدّة من منقطع الدال، وكذلك قالوا: مدّ الحبل ومتّ إليه بقرابة فجعلوا الدال لأنها مجهورة لما فيه علاج وجعلوا التاء لأنها مهموسة لما لا علاج فيه))(14) فنلمس من هذا ان الأصوات التي كانت تمثل الألفاظ النواة للغة إنما أُخِذَت من أصوات الأشياء والأفعال نفسها فكل مجموعة من الأصوات تعبِّر عن مُصَوتِها (المعنى).
    ولعلّ أقدم من أشار الى الدلالة الصوتية هو عباد بن سُليمان الصيمري؛ إذ نقل عنه السيوطي قوله ((ان بين اللفظ ومدلوله مناسبةً طبيعيةً حاملةً للواضع على ان يضعَ، قال: وإلا لكان تخصيصُ الاسمِ المعيَّنِ بالمُسمَّى المعيَّنِ ترجيحاً من غير مُرجِّح)) (15) ولم يقتصر الإيمان بهذه الفكرة عند ابن جني وعباد الصيمري فحسب؛ بل قال بها أيضاً ابن سنان(16)، والرازي(17) وغيرهم(18).
    مما تقدم نجد ان ابن جني كان يعتقد بارتباط أصوات الألفاظ بمعانيها، اذ ((ان جرس اللفظ له حسابه في الدلالة، وله جزءٌ في الاصطلاح الذي أنشأ المعنى اللغوي للفظه))(19) وهذا يدل على ((ان المعنى والصوت كلاهما مرتبط بالآخر ارتباطاً لا يقبل التفرقة)) (20) والانفصال فكأنَّ هذه الألفاظ اكتسبت معاني محددةً أول الأمر ثم تطورت هذه المعاني فيما بعد وتنوعت بحسب حاجة المستعمل مع ثبات الأصوات نفسها، فكان متى أُطلقَ الصوتُ خطرَ المعنى المناسبُ له في الذهن وهذا ما يمكن ان نطلق عليه مصطلح (الدلالة الاستدعائية)، وبناء على هذا الفهم عدَّ ابن جني التقاليب الستة – لأي أصل من الأصول الثلاثية أي (الأصوات الثلاثية)- أصولاً وهي جميعاً تتحّد في معنى واحد؛ وذلك بأن أصواتها واحدة مهما تغيَّرت مواقعها في نطاق تركيب اللفظة ولان هذه الأصوات مرتبطة بمعانٍ محددةٍ جعلت هذه التقاليب عائدة الى معنى واحد، وان ما قصده ابن جني بمصطلح الاشتقاق – فيما نحسب- صحيح لأنه أراد أن هذه التقاليب مُشتَقَّة من هذه الأصوات الثلاثة او الأصول الثلاثة كما يسميها، فمازالت هذه التقاليب محتفظة بقيمها الصوتية (دلالتها الصوتية) فهي تؤول – بناء على الرؤيا الصوتية لنشوء الالفاظ – الى معنى واحد، وهذه التقليبات تعدّ في الوقت نفسه أصولاً؛ لأن كلَّ لفظةٍ منها تحملُ القيمَ الصوتيةَ نفسَها ويمكن لأي لفظة من هذه التقاليب ان يُشتَق منها ألفاظٌ يتحَّد معناها مع الأصول (التقليبات) وذلك عن طريق الاشتقاق الصغير الذي يراه ابن جني ثانوي القيمة؛ لأن جميع التقليبات قد سبق اشتقاقها من الأصوات الثلاثية (الأصول) التي هي أساس نشأة الألفاظ فكان من حيث التراتب المنطقي وجوب الإقرار بأسبقية الاشتقاق الأكبر على الصغير.
    وكان من شدة ولع ابن جني بفكرة الدلالة الصوتية ان جعل بعض الألفاظ التي تتفق بصوتين وتختلف بصوت ثالث متقاربة المعنى إذا كان الصوتان المختلفان متقاربين من حيث المخرج الصوتي او الصفة الصوتية لكليهما وقد اطلق عليه باب (تعاقب الألفاظ لتعاقب المعاني)(21) وقد عضد ما مال إليه بأمثلة منها قوله في (العسف والأسف)؛ اذ يرى ((العين أخت الهمزة كما أن الأسف يعسِف النفْس وينال منها والهمزة أقوى من العين كما أن أسَف النفس أغلظ من التردّد بالعسْف))(22) ومنه قوله ((ومن ذلك تركيب ( ح م س ) و ( ح ب س) قالوا : حبست الشيء وحمس الشرّ إذا اشتدّ، والتقاؤهما أن الشيئين إذا حبس أحدهما صاحبه تمانعاً وتعازّا فكان ذلك كالشرّ يقع بينهما)) (23) ومنه أيضاً قوله ((ومن ذلك العَلَز: خِفّة وطيش وقَلَق يعرِض للإنسان، وقالوا: (العِلَّوْص) لوجع في الجوف يلتوى له الإنسان ويقلق منه، فذاك من ( ع ل ز ) وهذا من ( ع ل ص ) والزاي أخت الصاد)) (24) فنجد ان ابن جني قد جمع بين معنى (العسف والأسف) لأن كلا الصوتين (العين والهمزة) من مخرجٍ واحدٍ وهو أعمق نقطة في الجهاز النطقي، وجمع بين معنى (ج م س) و(ح ب س) لان صوتي الميم والباء يتّحدان في المخرج الصوتي أيضاً إذ كلاهما شفوي، وتجده جمع بين معنى (ع ل ز) و(ع ل ص) لان كلا الصوتين الزاي والصاد من مخرج صوتي واحد(25) زيادة على أنهما صوتا صفير وبهذا يقارب ابن جني المعاني لتقارب مخارج الأصوات بين اللفظين مع شريطة ثبات الصوتين المتماثلين في كليمها.
    ومن الغريب ان من الباحثين المحدثين من ادخل الاشتقاق الأكبر الذي جاء به ابن جني في موضوع الإبدال اللغوي وعرَّف بالإبدال بمفهوم الاشتقاق الأكبر وعدّه نوعاً من أنواع الاشتقاق(26)، وقد ردَّ احدُ الباحثينَ على هذا القول بأن الاشتقاق في أساسه لا يهدف إلى الترادف ولايؤول إليه كما يحدث في عملية الإبدال(27)، ثم إن ابن جني نفسه لم يعدّ الإبدال ضرباً من الاشتقاق(28)، ولقد وافقه السيوطي في ذلك(29)، والأظهر ان الذي دعا هؤلاء الباحثين الى القول بتوافق الإبدال مع الاشتقاق الأكبر هو ذكرُ ابن جني لأمثلة الاشتقاق الأكبر ضمن باب (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) والذي ذكر فيه أمثلة عن الإبدال اللغوي أيضاً؛ فحَسَبَ هؤلاء ان الموضوع واحد على حين أنهما متباينانِ، وما ذكرُهُ لأمثلةِ الاشتقاقِ الأكبرِ في نطاقِ هذا الباب إلا للدلالة على توحّد المعنى مع وجود التقليبات للأصول فهذا أشبه في نظره باستبدال حرف مكان آخر في لفظة اتفق فيها حرفان واختلف حرف اذ يقول ((ومنها التقديم والتأخير على ما قلنا في الباب الذي قبل هذا في تقليب الأصول نحو ( ك ل م ) و ( ك م ل ) و ( م ك ل ) ونحو ذلك، وهذا كله والحروف واحدة غير متجاورة، لكن من وراء هذا ضرب غيره وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعاني، وهذا باب واسع)) (30) فنلحظ انه يذكر الاشتقاق الأكبر هنا تمثيلاً على وحدة المعنى لا استعراضاً لأنواع الاشتقاق، ونظنُهُ يقصدُ بعبارته ((لكن من وراء هذا ضرب غيره)) أيَّ نوعٍ غيره مما يتوحّد فيه المعنى مع اختلاف حرف، فهو في خضم اثبات تشابه المعنى لتشابه الحروف التي تأتلف منها اللفظة ولا يسعى من وراء هذا لإثبات نوع آخر من الاشتقاق؛ لأن الاشتقاق الأكبر هو ما يؤول – في أساسه- الى أصول واحدة معروفة لا تتبدل من لفظة إلى أخرى؛ بل تتعاور فحسب، وهذا ما لا ينطبق على ما يريده ابن جني من قوله ((تقارب الحروف لتقارب المعاني)) ثم ينعته بقوله ((وهذا باب واسع)) على حين يرى ان الاشتقاق الأكبر عسيراً صعب التطبيق وان الإحاطة به ((أصعب مذهباً وأعذر ملتمساً)) (31) ويقول بـ ((إنا لاندّعي ان هذا مستمرٌ في جميع اللغة)) (32) لان طرائقه في نظره ((حزنة المذاهب، والتورد لها وعر المسلك)) (33) في الوقت الذي ينظر فيه الى الإبدال الذي تتقارب فيه المعاني بأنه ((موجود في أكثر الكلام وفرش اللغة)) (34) مما تقدم يثبت لدينا ان ابن جني كان قد وضع حداً فأصلاً بين الاشتقاق الأكبر والإبدال؛ اذ يبدو ذلك واضحاً في حديثه عن كل منهما فلـم يــَنظرْ اليها على أنهما واحــد، وإنما ســاق الاشتـقاق الأكبــر في هـذا الـباب عـلى سـبيل التـمثيل فحسب اذ لا يريد به اكثر من ذلك.
    و اذا كان بعض الباحثين من جعل الاشتقاق الأكبر من الإبدال فان منهم من جعله من القلب اللغوي(35)، ويمكن الردُّ عليه بأن القلب اللغوي لابدَّ فيه من ثبات أصل للفظ ثم يُقلَب عنه مثل (أيس مقلوب يأس) التي هي الأصل(36)، و( مرسح مقلوب مسرح) التي هي الأصل كذلك، على حين ان ما يجري في الاشتقاق الأكبر ان جميع التقليبات الستة هي أصول غير مقلوبة بدلالة امكان حدوث الاشتقاق منها فلا يوجد من بينها لفظ أصل قُلِبت عنه الألفاظ الأخرى، وإنما توجد حروف أصل لألفاظ، يقول ابن جني: ((جَذَب وجَبَذ ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه، وذلك أنهما جميعاً يتصرّفان تصرّفاً واحداً نحو: جذب يجذب جذباً فهو جاذب والمفعول مجذوب، وجبَذَ يجبِذ جَبْذا فهو جابذ والمفعول مجبوذ، فإن جعلت مع هذا أحدهما أصلاً لصاحبه فَسَدَ ذلك؛ لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر)) (37) فهنا يضع مقياساً لمعرفة امكان القلب وعدمه، فما كانا يتصرفان كل على حد سواء عُرِفَ بأنهما أصلان، اما ما كان أحدهما متصرفاً والآخر معطلاً عن التصريف عُرِفَ من ذلك ان احدَهما أصلٌ والآخرَ فرعٌ مقلوبٌ عنه، اما فيما يتعلق بالاشتقاق الأكبر فيَثبُت من مقياس ابن جني ان جميع التقاليب الستة للأصول الحرفية الثلاثية هي أصول بدلالة انها تتصرف تصرفاً واحداً كما يعبر ابن جني وبهذا ينتفي زعمَ مَنْ يرى ان القلب هو الاشتقاق الأكبر او العكس.
    المبحث الخامس: النحت:
    لقد عدَّ جماعةٌ من علماء اللغة القدماء والمحدثين النحت ضرباً من ضروب الاشتقاق قال الخليل بن احمد: ((ان العين لا تأتلف مع الحاء في كلمة واحدة لقرب مخرجهما، إلا ان يُشتق فعل من جمع بين كلمتين مثل: حيعل....فهذه كلمة جمعت من {حيَّ} و{على})) (38) فنلحظ ان الخليل يدرج النحت على انه نوعٌ من أنواع الاشتقاق ولعلّ إشارته هذه أقدم ما وصل إلينا في هذا الجانب ولربما اقتبس ابن فارس هذه الفكرة من الخليل في قوله ((والعرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة على سبيل الاختصار)) (39) بيد ان النحت لا يقتصر على الأخذ من كلمتين فقط كما ذكر ابن فارس بل يتجاوزه الى اكثر من ذلك أحياناً وقد تنبّه على هذا احد الباحثين المحدثين فقال النحت هو ((ان تعمد الى كلمتين او جملة فتنزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فَذَّه تدل على ما كانت تدل عليه الجملة نفسها)) (40) ويذهب هذا الأخير تساوقاً مع السابقين الى ان النحت جزءٌ من الاشتقاق في اللغة وقد اتفق معه في هذا غيرُ واحدٍ من المحدثين(41)، على حين ان المتقصَّي لكتاب (الخصائص) لابن جني لن يقف في موضوع (الاشتقاق) إلا على الضربين المذكورين سلفاً؛ إذ لا نجد في كلامه ما يوحي من قريب او بعيد الى ان النحتَ وجهٌ من وجوهِ الاشتقاقِ، ونحن ننضمُ إليه في ذلك، ونرى ان نظرته راجحة في هذا المنحى؛ لجملة من العلل الفاصلة بين الموضوعين نوجزها بالآتي:
    1- إنَّ الاشتقاقَ لا يكون إلا بنزع كلمة او كلمات من كلمة أصل، على حين انَّ النحتَ هو عملية نزع كلمة من كلمتين او أكثر(42)، فنلحظ ان حيثية (النزع) عكسية.
    2- إنَّ الغايةَ من الاشتقاق هي توليدُ ألفاظٍ حاملةٍ لمعانٍ جديدة مضافة الى المعنى الأصل الذي أُخِذَت منه، على حين لا يحصل أيُّ تجديدٍ في معنى الكلمة المنحوت؛ اذ لا تعدو غاية النحت أكثر من اختصار للكلمات المنحوت منها كما أُثِر ذلك عن ابن فارس.
    3- إنَّ الاشتقاقَ لا يكون إلا من كلمةٍ أصل، على حين ان النحت يمكن اجراؤه في المشتقات والحروف والجمل.
    4- يقع الحذف بشكل واسع في الكلمات التي تخضع لعملية النحت فقد يعقد منها حرف او حرفان او كلمة او أكثر(43)، اذ لابدَّ في النحت من الحذف تأسيساً على الغاية المرجوة منه، اما الاشتقاق فلا يحدث فيه حذف من الكلمات الأصل البتة وإنما تكون في الكلمةِ المُشتَّقة زيادةٌ في المبنى أحياناً كما في الاشتقاق الصغير.
    مما تقدم نصل الى حالة الاطمئنان في قولنا برجاحة قول ابن جني حينما لم يعد النحت صنفاً ثالثاً فيما عدَّه للاشتقاقِ من أصناف لوجود تباين في حيثية الانتزاع من جهة، ولوقوع الحذف في الكلمات المنحوت منها وعدم توافر معنى جديد في الكلمة المنحوتة من جهة أخرى وهذا بخلاف ما عليه الاشتقاق .

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      الخــــاتــــمة
      لقد وقف الباحث على جملة نتائج يجملها بالآتي:
      1- يحفظ لابن جني فضلُ السبقِ في تقسيمه للاشتقاق على قسمين (الصغير والكبير) بعد أن ساد لدى الناس معرفتهم بالصنف الأول دون غيره.
      2- يلمح الباحث من كلام ابن جني على الاشتقاق الأكبر ان الألفاظ الأولى للغة كانت عبارة عن مداليل تشير لماهيات عمومية (أصول) دون إضافات بيانية زائدة.
      3- بناءً على الفهم السابق نصل الى ان عمليتي الاشتقاق والتركيب إنما وردتا لحوقاً على مرحلة التأسيس للألفاظ الأصل الأولى وذلك تحت وطأة مساس حاجة المتكلم لأن تلاحق لغته جميع مستجدات الحياة وتطورها من اجل استيعابها.
      4- وجد الباحث أن الاشتقاق الصغير يضيف للألفاظ معنى ثانوياً فضلاً عن المعنى الأصل ليحقق بذلك ثلاث معطيات (أداة بيان معنوي، واختزال لغوي، وتصوير ذهني دقيق للمتلقي) في وقت معاً.
      5- يرى الباحث أن قول ابن جني بالاشتقاق الأكبر على ان مدار أصوله (التقليبات الستة) تكون على معنى واحد إنما يعود الى احتفاظ تلك الأصول (التقليبات) بقيمها الصوتية الدلالية وهو ما يمكن ان ندعوه (الدلالة الاستدعائية) وربما كان هذا مؤسساً على إيمان ابن جني بالنظرية الصوتية لنشوء الألفاظ.
      6- أشار ابن جني في معرض حديثه عن الاشتقاق الأكبر بأنه أسبق مرحلة من الصغير وهذا يتفق مع منطق سير تداولية الأداء اللغوي وتطوره لدى الإنسان من النشأة الى الارتقاء فلابدَّ أولاً من ابتداع الأصل ثم اللاحق عليه.
      7- لقد بيَّن الباحثُ وهمَ القائلين بأن الإبدال هو الاشتقاق الأكبر وان هذا الأخير يمثل عملية القلب اللغوي لا أكثر .
      8- يميل الباحث الى موافقة ابن جني بعدم وضعه (النحت) صنفاً ثالثاً للاشتقاق وذلك لتباين حيثيات النزع والغاية منها.
          


      الهوامش:
      * وهو ما يصطلح عليه علماء اللغة المحدثون بـ (الاشتقاق العام او الصرفي) فالعام لشيوعه في الاستعمال أكثر من غيره من أنواع الاشتقاق، والصرفي لأنه يعتمد صيغة قياسية معينة؛ لأن الصرف هو العلم الذي يضطلع بدراسة الصيغ وحيثيات اشتقاقها وما يطرأ عليها من تغيرات وفي بعض الأحيان يميل لمعرفة دلالات الصيغ، ينظر : الزبيدي: فقه اللغة العربية:297 ، وعبد التواب: فصول في فقه اللغة: 291 ، ووافي: فقه اللغة: 172 ، وصالح: دراسات في فقه اللغة: 173، ويعقوب: فقه اللغة العربية وخصائصها: 188
      1- الزيدي: فقه اللغة العربية: 296
      2- م.ن: 296
      3- ابن جني: الخصائص: 2/135
      4- م.ن: 2/135
      5- م.ن: 2/136
      6- السيوطي: المزهر: 1/40- 41 وينظر: الفارابي: الحروف: 73
      7- السيوطي: المزهر: 1/42
      * يذهب الأصوليون الى ان الأوصاف المشتقة تفيد مفاد جملة الصفة، فيكون فيها الحدث قيداً للذات أي ان كلمة (ضارب) تدل على (ذات متلبسة بالضرب) فثبت من هذا ان المشتقات قيود بيانية في المعنى، ينظر: جمال الدين: البحث النحوي عند الاصوليين: هامش98
      8- كتاب في علوم اللغة العربية: المؤلف مجهول (مخطوطة أصلية)
      * يقصد الاشتقاق الصغير حيث يعمل فيه الاشتقاقيون على إرجاع الصيغ المُشتَقَّة من الأصل كلها الى معنى واحد وهو المعنى الأصل الذي انحدرت منه هذه الصيغ.
      9- ابن جني: الخصائص: 2/136
      10- ينظر: م.ن: 2/136- 137
      11- ينظر: م.ن: 2/137
      12- ينظر: م.ن: 1/5 وما بعدها.
      13- ينظر: م.ن: 1/47 – 48 على حين كان متردداً في القطع بين القول ان أصل اللغة الهام أم تواضع؛ إذ ختم حديثه عنها قائلاً: ((فأقف بين تين الخَلّتين حسيراً وأكاثرهما فأنكفئ مكثوراً)) ينظر: م.ن: 1/48
      14- ابن جني: الخصائص: 1/ 66- 67
      15- ينظر: السيوطي: المزهر: 1/47
      16- ينظر: ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة : 11
      17- ينظر: الرازي: التفسير الكبير:1/18
      18- ينظر: ابن سينا: الشفاء: 3/9
      19- سيد قطب: النقد الادبي: 39 ينظر:الطيب: المرشد الى فهم اشعار العرب: 2/467
      20- كرومي: قواعد النقد الادبي: 39
      21- ابن جني: الخصائص: 2/147
      22- م.ن: 2/148
      23- م.ن: 2/149
      24- ابن جني: الخصائص: 2/150
      25- ينظر:سيبويه: الكتاب: 4/433 وابن جني: سر صناعة الإعراب: 1/53
      26- ينظر:الأفغاني: في أصول النحو: 123 والصالح: دراسات في فقه اللغة:210 وأمين: الاشتقاق: 333
      27- ينظر: تريزي: الاشتقاق: 344
      28- ينظر: ابن جني: الخصائص: 2/134
      29- ينظر: السيوطي: المزهر: 1/347 ويعقوب: فقه اللغة العربية وخصائصها:207
      30- ابن جني: الخصائص:2/148
      31- م.ن: 2/140
      32- م.ن: 2/140
      33- م.ن: 1/12
      34- م.ن: 2/154
      35- ينظر: تريزي: الاشتقاق: 323 والمغربي: الاشتقاق والتعريب: 15
      36- للاستزادة والتفصيل ينظر:د.الشريفي: القلب المكاني سوره وتعريفه دراسة صوتية (بحث منشور في ملحق مجلة آداب المستنصرية).
      37- ابن جني: الخصائص:2/71- 72
      38- الفراهيدي: العين: 1/60
      39- ابن فارس: الصاحبي: 271 وينظر: السيوطي: المزهر: 1/483
      40- المغربي: الاشتقاق والتعريب: 13
      41- ينظر: صالح: دراسات في فقه اللغة:243 وأمين: الاشتقاق:391
      و الأفغاني: في أصول النحو: 126 وعبد التواب: فصول في فقه اللغة: 301
      42- ينظر: تريزي: الاشتقاق: 363
      43- ينظر: عوض: أنماط التركيب في العربية (رسالة ماجستير): 100

      ثبت المصادر والمراجع:
      * أنماط التركيب في العربية (رسالة ماجستير): عبد الكريم عوض، بإشراف: د. خولة تقي الدين، جامعة بغداد – كلية الآداب، 1420هـ - 1999م
      * الاشتقاق: عبد أمين، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، 1958م
      * الاشتقاق: فؤاد تريزي، مط دار الكتب – بيروت، 1968م
      * الاشتقاق والتعريب: عبد القادر المغربي، مط الهلال – مصر، 1980م
      * التفسير الكبير: فخر الدين الرازي (ت606هـ)، مطبعة البهية- مصر، 1357هـ - 1938م
      * الحروف: الفارابي محمد بن محمد (ت339هـ)،حققه: محسن مهدي، مط دار المشرق – بيروت، لبنان، 1986م
      * الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)، تح: محمد علي النجار، مط دار الشؤون، ط4، بغداد ، 1990م
      * دراسات في فقه اللغة: صبحي الصالح، مط دار العمل للملايين، بيروت، ط9، 1981م
      * سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجي (ت466هـ)، شرح وتصحيح: عبد المتعال الصعيدي، مط محمد علي ، 1389هـ - 1969م
      * الشفاء – العبارة: ابن سينا، تح: محمود الخضيري، دار الكتاب العربي – القاهرة، د.ت.
      * الصاحبي في فقه اللغة، احمد بن فارس( ت395هـ)، تح: مصطفى الشويمي، مطابع أ.بدار وشركائه – بيروت، لبنان، 1964م
      * علوم اللغة العربية: المؤلف مجهول (مخطوطة أصلية)، بتاريخ 1394هـ ، القطع 12*24 تربو على (500) ورقة، مكتبة امير المؤمنين (ع)، النجف الأشرف، تسلسل: 143 /5، مخزن:10
      * العين:الخليل بن احمد الفرهيدي (ت175هـ): تح: د. مهدي المخزومي، ود. ابراهيم الشامرائي، مط دار الرشيد – بغداد، 1980هـ - 1985م
      * فصول في فقه اللغة: رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1408هـ - 1987م
      * فقه اللغة: علي عبد الواحد وافي، مط دار النهضة، مصر – القاهرة، ط8، د.ت
      * فقه اللغة العربية: كاصد الزيدي، مديرية دار الطباعة- جامعة الموصل، 1407هـ -1987م
      * فقه اللغة العربية وخصائصها: اميل بديع يعقوب، مط دار العلم للملايين – بيروت، لبنان، ط1، 1982م
      * في أصول النحو: سعيد الأفغاني، مط الجامعة السورية- دمشق،ط2، 1957
      * القلب المكاني صوره وتعريفه - دراسة صوتية: محمد عبد الزهرة الشريفي، بحث منشور، ملحق مجلة آداب المستنصرية – العدد: 33، لسنة 1999م.
      * قواعد النقد الادبي: لآسل كوزمبي: ترجمة محمد عوض، لجنة التأليف والترجمة، ط3، 1954م
      * المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها: عبد الله الطيب، مط الدار السودانية، الخرطوم، ط2، 1970م
      * المزهر في علوم اللغة وأنواعها: السيوطي أبو بكر عبد الرحمن (ت911هـ)، تح: محمد احمد جاد المولى وآخرون، مط دار أحياء الكتب العربية – مصر ، ط2، د.ت
      * النقد الأدبي أصوله ومناهجه: سيد قطب، مط دار الفكر العربي، طب

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        من الموقع الرسمي للاستاذ المساعد الدكتور سيروان عبد الزهرة هاشم الجنابي

        اللغة العربية وادابها
        الاختصاص العام
        الدلالة القرآنية وتحليل النص
        الاختصاص الدقيق
        serwan.aljanabi@uokufa.edu.iq
        البريد لالكتروني
        +964 7708045188
        المحمول
        حاصل على شهادة الدبلوم من معهد إعداد المعلمين بدرجة (امتياز) عام 1996م وكان تسلسلي الأول على المعهد، ونلت شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب /جامعة الكوفة بدرجة (جيد جدا)، وكان تسلسلي الأول على دفعتي من قسم اللغة العربية، وحصلت على شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها بتقدير (امتياز) عن رسالتي الموسومة بـ (الإطلاق والتقييد في النص القرآني – دراسة دلالية) من كلية الآداب نفسها، أما شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها فقد نلتها بتقدير (امتياز عالٍ) عن أطروحتي الموسومة بـ (الإجمال والتفصيل في التعبير القرآني – دراسة في الدلالية القرآنية) ، من جامعة الكوفة/ كلية الآداب أيضاً.

        تحليل النص القرآني.
        دفع الشبهات المثارة على النص القرآني المعجز.
        قراءة آيات الأحكام في النصوص القرآنية بمنطق تحليل الخطاب.
        قراءة نقدية في مناهج تفسير النص القرآني
        منهج النقد التفسيري في التنظير القرآني عامة وعند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) خاصة.
        التنظير في نطاق البحث المعجمي.
        قراءة نتاجات الفكر النحوي بمنطق دلالي .
        ترصين جدلية الترابط بين منظومة مباحث الدليل الفظي عن الأصوليين ونتاجات المنطق النحوي واللغوي في قراءة النص القرآني دلالياً.
        لاهتمامات التدريسية
        تحليل سورة المائدة.
        تحليل سورة النساء.
        الإعجاز في التعبير القرآني.
        دراسات معجمية.
        تحليل نص لغوي.
        قضايا نحوية.
        حلقات نقاشية.
        التفسير التحليلي.
        علوم القرآن.
        مناهج المفسرين.
        الإعجاز التشريعي في التعبير القرآني.

        البحوث المنشورة
        أساليب (المنع) في النص القرآني - مقاربة في دلالات الإسلوب الصريح والخروج عنه، مجلة كلية الإسلامية الجامعة.
        (افعل) التفضيل معناها ومبناها/ مجلة الدراسات الإسلامية – بيت الحكمة / بغداد
        النقد التفسيري للسيد محمد صادق الصدرعلى تفسير الميزان – سورتي الفلق والناس إنموذجاً-
        الاشتقاقُ عندَ ابنِ جنِّي – دراسة تحليلية
        اللغة العربية وعوامل نمو العامية لدى طلبة الجامعات العراقية– دراسة في اثر تقنيات الاتصال الحديثة-
        منهج التفسير العقلي للنص القرآني - دراسة في أبعاد المفهوم ودواعي المصداق-
        قراءة الشيخ البلاغي للنصوص القرآنية المزعومة دراسة في المنطق والمنطلق
        دلالة الحال في التعبير القرآني بين التأسيس و التأكيد
        قراءة دلالية لعصمة الأنبياء في النص القرآني النبي موسى (عليه السلام) انموذجاً
        قراءة دلالية في وجوب (الصوم) في التعبير القرآني
        منهج النقد التفسيري عند الإمام الرضا (عليه السلام) - قراءة في حل الإشكالات الفكرية-
        منهج تفسير القرآن بالقرآن من منظور الإمام الكاظم (عليه السلام) قراءة في حل الاشكاليات الفكرية

        تعليق

        يعمل...