الاشتقاقُ عندَ ابنِ جنِّي
-دراسة تحليلية-
د. سيروان عبد الزهرة الجنابي
كلية الآداب - جامعة الكوفة
-دراسة تحليلية-
د. سيروان عبد الزهرة الجنابي
كلية الآداب - جامعة الكوفة
إذا كانت العلّة التي أُسِّست من اجلها اللغة هي أداء الفهم المتبادَل بين المتخاطِبين بها، فإنَّ هذه الغاية تُلزِمُها ان تتموضع في جميع مسالكها لتحقيق تكامل (الدلالة) فنجدها تحثُّ الخطى سعياً إليها؛ لأنها تُمثِّل ثمرة البدء التي انبنت عليها قنوات التواصل على هيأة الأداء اللغوي، من هنا وجبَ ان يوضَع لكل لفظ معنى يُعبِّر عنه فتتألف لدينا - بهذا - المفردات وهي المرتكزات المحايدة او الوحدات اللغوية الأساس لنشأة أي لغة، بيد ان الوقوف عند هذا الأمر قد يكون موافقاً لبدايات عملية الفهم الإنساني اعتماداً على ضعف القدرة على التداول لبساطة التفكير الإنساني وقتذاك عامة والتفكير اللغوي خاصة، ثم ان تلك الوحدات هي أكثر ملاءمة لحاجاته البدائية التي يُحاول التعبير عنها للطرف الآخر، على حين ان امتداد العامل الزمني للإنسان ودخول المستجدات العصرية والتطور الحضاري على عالمه دعته الى البحث عن كيفيات في اللغة تُعينُهُ على التعبير عن هذه الأشياء بصورة استيعابية كاملة، من هنا افتقر الى الزيادة على الأصول الأولى (مفردات النشأة اللغوية)، فدأب على وضع وسائل تثري اللغة فكان الاشتقاق والتركيب والترادف والمشترك وغيرها، و هذه الوسائل جميعها أوجدت بغاية التوسيع في الأداء اللغوي للوصول الى تحقيق المراد وهو إيصال (الدلالة).
ولأهمية هذه المرتكزات الإثرائية فان البحث سيُشرِع في دراسة إحداها وهي ركيزة (الاشتقاق) وسيتناوله تحديداً عند أبي الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)؛ لانه أول من تنبه على وجود جنس آخر للاشتقاق غير ما هو شائع لدى الناس، واذا كان لابد لكل بحث من فرضيات يقوم عليها فان هذا البحث سينعقد على فرضيتين على المورد الآتي:
الأولى: السؤال عن الأسس الفكرية التي ابتنى عليها ابن جني هذا الصنف الاشتقاقي الذي نسبه لنفسه وما ماهيته المفهومية، وهل لهذه الأسس صلة او ارتباط – في اعتقاده العميق – بنظريات نشأة اللغة الذي فصَّل فيها القول في موضعه وإذا كان الاشتقاق يمثل ولادة لتدعيم الأداء اللغوي أ فيمكن ان نعد نشوءه – عل وفق هذه الرؤيا – متزامناً مع نشأة المفردات الأولى أم انه ظهر في مرحلة لاحقة عليها؟
والثانية: هل يتفق ابن جني مع فكر المحدثين في ان يجعل (الاشتقاق الأكبر) موافقاً لمفهوم الإبدال او القلب المكاني، وإذا كان هؤلاء المحدثون قد جعلوا (النحت) إحدى وسائل الاشتقاق في اللغة فهل يعدُّه ابن جني كذلك توافقاً أم انَّه يُباينُهم النظر في هذا، و سيسعى البحث للإجابة عن هاتين الفرضيتين.
المبحث الأول: الاشتقاق الصغير عند ابن جني*:
يُعدُّ موضوع الاشتقاق من أغزر الموضوعات اهتماماً وأوفرها رعاية في نطاق البحث اللغوي؛ اذ لا يكاد يخلو مدوَّن تخصُّصي في اللغة من مبحث تحت عنوان (الاشتقاق)؛ ذلك بأنه من اكبر الحيثيات القياسية التي تمدُّ اللغة بجملة مفردات لا يجدُ المتكلمُ اليها سبيلاً بسواه، فقد يختلج في نفس المتكلم معنى لا يُلبَّى إلا بسردٍ جملي طويل غير ان عملية الركون الى الاشتقاق اللغوي تُغني كلا طرفي الخطاب (المتكلم والمتلقي) عن ذلك التطويل، اذ يعتمرُ المعنى المطلوب بشكل دقيق ومنضبط في اللفظ المشتَق الذي ينتقيه المُستعمل، وهذا كله لابد من ان يجري على وفق حدود قياسية خاصة؛ اذ ((ليس الاشتقاق بمنأى عن القياس بل بينهما وشيجة وثيقة))(1) فصلة الاشتقاق الى القياس كصلة النظرية الى التطبيق والمنطق الى الواقع العملي فلا وجود للاشتقاق بلا قياس ((تُبنى عليه هذه العملية ليصير مقبولاً معترفاً به لدى علماء اللغة))(2).
واذا كان الاشتقاق يعدّ الحيثية الأوسع نطاقاً في مجال التداول اللغوي فمن البداهة ان يضطلع فيه ابن جني مصنفاً إياه على صنفين بعد ان شاع قبله لدى العلماء والعامة بصنف واحد وهو (الاشتقاق الصغير)، على حين كان ابن جني أعمق نظراً من سابقيه، فهو يرى ان الاشتقاق على ضربين؛ اذ يقول ((ان الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير))(3) فنلحظ ان لفظة (عندي) في النص تشير إلى ان الاشتقاق عند غيره ليس على هذين الصنفين، وقد صرّح في مطلع كلامه عن الاشتقاق الأكبر بقوله ((هذا موضع لم يُسَمِّه احدٌ من اصحابنا، غير ان أبا علي – رحمه الله- كان يستعين به ويخلد اليه مع اعوزاز الاشتقاق الأصغر، لكنه مع هذا لم يُسَمِّه، وإنما كان يعتادُه عند الضرورة ويستريح إليه، ويتعلَّل به، وانما هذا التقليب لنا نحن))(4) فنجده ينسب تأصيل مفهوم الاشتقاق الأكبر لنفسه، وانه أول من خاض فيه تفصيلاً وتنظيراً فلم يسبقه اليه احد ولم يؤثر عن غيره سوى ان أبا علي الفارسي كان يستأنس به ويستعين به عند الحاجة وهذا يوحي ان أبا علي لم يكن يعده ركناً من أركان الاشتقاق حتى انه لم يُسَمِّهِ البتة، فهو في تقديره ثانوي القيمة لايلتجأ اليه إلا عند الضرورات كما هو في تعبير ابن جني، وهذا يأخذ بأيدينا الى الإيمان بريادة ابن جني في مجال التأسيس لمفهوم الاشتقاق الأكبر، فالسابقون عليه لم يتطرقوا الى هذا الصنف الاشتقاقي بدلالة قوله على سبيل التصريح والحصر معاً ((وإنما هذا التقليبُ لنا نحنُ))، وعلى الرغم من شدة إعجابه بالاشتقاق الأكبر لابتداعه وتقدّمه فيه فانه تحدَّث ابتداءً عن الاشتقاق الصغير بوصفه الأكثر شيوعاً وتداولاً بين الناس، يقول ((فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وان اختلفت صيغُه ومبانيه وذلك كترتيب (س ل م) فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرف؛ نحو: سلم، ويسلم، وسالم، وسلمان، وسلمى، والسلامة، والسليم: اللديغ، أُخلق عليه تفاؤلا بالسلامة))(5) فنلحظ ان ابن جني جعل بمقتضى مفهوم الاشتقاق الصغير ان تكون جميع المباني المختلفة في صيغها والعائدة الى أصل واحد راجعة – في الأساس- الى المعنى نفسه الذي يحتويه الأصل المُشتقَّة منه، فكأنَّ الرابطَ المشتركَ بين هذه الصور البنائية المشتقة جميعاً هو المعنى الجوهري الموَحَّد لها وهو (السلامة) كما في مثاله السابق.
بيد ان هذه الصيغ المختلفة قد أفضت الى دلالات زائدة على المعنى الأصل الذي راح يتموضع بتغاير الوعاء الصرفي له، والأظهر ان هذه هي مظنة الفائدة من الاشتقاق الصغير، فإنك تنتقي البناء الصرفي المتناغم والدلالة التي تسعى من وراء إبلاغها الى المتلقي، فتُلبِسَها الأصل اللفظي الذي تريد فيغدو اللفظ من هذه العملية ثنائي الدلالة في التعبير (دلالة أصلية وأخرى ثانوية).
فالأولى هي دلالة الأصل المأخوذ منه، والثانية هي دلالة البناء الصرفي التي حَلَّت فيه، وعلى سبيل المثال نأخذ الأصل (ك ذ ب) ونُعمِل فيه الاشتقاق الصغير لتنتج منه صيغ عدة نوظِّفها كالآتي (كذَبَ زيدٌ)، (كّذَّب زيدٌ)، (تكاذبَ زيدٌ)، (زيدٌ كاذبٌ)، (زيدٌ كذَّابٌ)، وهكذا، فإذا ما اخضعنا هذه الصيغ المتنوعة الى عملية رصد دلالي فانا نقف على دلالات متنوعة بتنوع هذه الصيغ، لا نتوافر عليها لو نظرنا الى الأصل (ك ذ ب) بمعزل عن عملية الاشتقاق؛ لذا نلحظ ان ثمة معاني قد تبدَّلت من جملة إلى أخرى، فالجملة الأولى تدل على ان زيد قد وقع منه الكذب في زمن مضى، والثانية توحي الى ان زيد قد كذب في الزمن الماضي ايضا بيد ان كذبه هذا كثيرٌ متعددُ الوقوع فكانت بذلك صيغة (كذَّب) اشد وقعاً من حيث الدلالة من صيغة (كذبَ) وحدها، اما الثالثة فهي تعني ان زيداً يُظهِر نفسه على انه كاذب فهو يتمظهرُ بالكذب لكنه ليس بكاذب في حقيقته، اما الرابعة فتدل على ثبوت صفة الكذب في زيد على حين ان الأخيرة لا تدل على ثبوت الكذب في زيد فحسب؛ بل تنصُّ على ان زيداً مفرِّط في كذبه مبالغ فيه حتى لكأنَّ الكذبَ حرِفةٌ يُعرَف بها، اما قولك (زيد الأكذبُ) فان صيغة (الأفعل) فيها تدل على مطلق الكذب فلا يوجد بعد زيد كاذب يدانيه في هذه الصفة البتة، ومن العرض السابق للجمل ننتهي الى ان الدلالات التي زيدت على الأصل (ك ذ ب) قد أكتسبت من الاشتقاق الصغير فتمثَّلت بالهيآت المتنوعة، إلا ان هذه الصيغ جميعاً تتحدُ في عمقِها الدلالي بمعنى جوهري واحد وهو صفة (الكذب) – المعنى الموحَّد- ومن هنا حَمَلَ المشتَقُ دلالتين (دلالة المعنى العام او الأصل، ودلالة الصيغة الصرفية المشتَقة منه)، وبهذا ينطوي الاشتقاق الصغير على جملة فوائد منها:
1- إثراء المتكلم بالألفاظ المُشتقَّة التي تُقيِّض له الإفصاح عمّا يريد الإعراب عنه بضابطٍ دلالي دقيق.
2- وسيلة اختزالية اذ يحمل اللفظُ الواحدُ أوسعَ من معناه الأصل لإبانة المراد ما يغني طرفي الخطاب عن سردٍ لغوي طويل.
3- إعانة المتلقي على الوضوح في تصور ذهنه للمعنى؛ إذ يعدُّ حيثية من حيثيات التصوير اللغوي؛ فقولك: (زيدٌ ضارِبٌ) تفترق لدى المتلقي في تصورها من قولك:
(زيدٌ مَضروبٌ) وكذا الحال مختلف بين قولنا: (زيد ظالِم) وقولنا (زيد مََظلوم)، فلولا الاشتقاق والصيغة ما فُهِم الفارق الدلالي بين التعبيرين وبهذا ينظر الى الاشتقاق على انه إحدى أكبر وسائل البيان الدلالي في الخطاب العربي.
المبحث الثاني: تلميحاتُ ابن جني عن سمةِ المفرداتِ الأصل:
لعلَّ العودة بتأمُّل الى نصِّ ابن جني في حديثه عن الاشتقاق الصغير تكشف لنا لمحةً ضمنيّةً تُشير الى سمة المفردات في نشأتها الأولى اذ يقول هي ((ان تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه)) فنستشف من تعبيره بلفظة (الأصل) انها تُمَثِّلُ اللبنة الأولى لعملية الاشتقاق او المادة الأوليّة الخام له، مما يقودنا الى التفكير في أصل النشأة الأولى للغة اذ لم تنشأ اللغة إلا على هيأة مفردات (أصول)، ومهما يكن من أمر نظيرات نشأة اللغة، فإنها جميعاً تقف عند حدود المفرادت الأولى، ولا يختلف علماء اللغة في ان التركيب اللغوي من تلك المفردات هو من فِعْلِ الإنسانِ حصراً، فنجد ((ان واضع اللغة لم يضع الجُمَل كما وضع المفردات؛ بل ترك الجُمل الى اختيار المتكلم يبينُ ذلك لك أن حال الجُمَل لو كان حال المفردات لكان استعمال الجُمَل وفِهْمُ معانيها متوقفاً على نقلها عن العرب، كما كانت المفردات كذلك و لوجب على أهل اللغة ان يتتبعوا الجُمَل ويودِعُوها كتُبَهم، كما فعلُوا ذلك بالمفردات، إنّنا لا نسلم ان افادت المركب لمدلولاته تتوقف على العلم بكونه موضوعاً له؛ بل على العلم بان الألفاظ المفردة موضوعة للمعاني المفردة حتى اذا تُليت المعاني المفردةُ عُلِمت مفرداتُ المعاني منها)) (6) مما تقدم نفهم ان المفردات (الأصل) هي أول ما وضِعَت للمعاني فكل مفردة تدل على معنى ولا يسعنا فهم معنى التركيب اللغوي وبلوغ مدلولاته من دون معرفة سابقه بمعنى كل مفردة تَكَوَّن منها التركيب، فدل ذلك على أسبقية المفردات على التراكيب.
ومما نقل عن الأسنوي انه قال ((ان اللفظ انما وضِع للمعنى من غير تقييدٍ بوصفٍ زائد))(7) ابتداءً كأن يكون صيغة اشتقاقية* او ضم لفظ إلى آخر في تركيب يُجلي معناه؛ لذا فمن الحكمة ان تكون المفردات الموضوعة أولاً دالة على معانٍ كليّة وماهيات عامة دون لفت نظر الى دقائق المعنى وصفاته، وذلك تأسيساً على حاجة الموضوع له؛ اذ الغاية لا تعدو تعريف الموضوع له بماهيات المعاني والأشياء، فالإنسان لايريد أكثر من وسيلة مُبسَّطة يتعرَّف بها على الأشياء من حوله، ومن ثمة لا نغفل بساطة التفكير الإنساني وقتذاك عامة وبساطة التفكير اللغوي خاصة؛ لذا كانت الحاجة لا تتجاوز عملية اثبات مفردات عامّة المعنى يتفاهم بها المجتمع ولهذا لم يفتقر الى عملية الاشتقاق إلا في مرحلة متأخِّرة؛ ذلك بأن المتلقي الأول للغة لا يسعه فهم خصوصيات المعنى وتفرعاته وهو مازال في أبان استعماله للمفردات الأولى (الأصل) من هنا نصل الى ان الاشتقاق مرحلة لاحقة لنشوء المفردات الأولية للغة؛ لان هذه المفردات تمثل المرحلة الأولى في نقلات الذهن في عمليّة التخاطب الإنساني اذا وضِعَت مأخوذ بها لحاظ (جوهر المعنى) فلما أضحى العقل البشري له حاجة الى الاستزادة والإيضاح التجأ الى الاشتقاق اللغوي والتركيب، وبهذا يعدان مرحلة لاحقة من مرحلة التأسيس، فالاشتقاق جزء من البيان؛ ذلك بأن المفردات ((لا تفيد أول ذكرها إلا مفهومات كلية، وإفادتها للجزئيات المرادة في الكلام انما تكون بواسطة قرينة معينة لها في الكلام)) (8) ترِدُ عليها لاحقاً، كوضعها في صيغة معينة تعين على إبانة المراد من هذا المفهوم الكلي بدقّة.
وهذا يوضح ملاحقة اللغة وتلازمها لتطور العقل، فما الاشتقاق إلا صور من صور التشكل الذهني المتداخل المتطور، وما كان هذا حاصلاً في وقت نشأة اللغة الأولى، وبهذا يمثل الاشتقاق جانباً من جوانب التطور اللغوي وكيفية من كيفيات ديمومة اللغة وقيمومتها على المتداولين بها.
ولأهمية هذه المرتكزات الإثرائية فان البحث سيُشرِع في دراسة إحداها وهي ركيزة (الاشتقاق) وسيتناوله تحديداً عند أبي الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)؛ لانه أول من تنبه على وجود جنس آخر للاشتقاق غير ما هو شائع لدى الناس، واذا كان لابد لكل بحث من فرضيات يقوم عليها فان هذا البحث سينعقد على فرضيتين على المورد الآتي:
الأولى: السؤال عن الأسس الفكرية التي ابتنى عليها ابن جني هذا الصنف الاشتقاقي الذي نسبه لنفسه وما ماهيته المفهومية، وهل لهذه الأسس صلة او ارتباط – في اعتقاده العميق – بنظريات نشأة اللغة الذي فصَّل فيها القول في موضعه وإذا كان الاشتقاق يمثل ولادة لتدعيم الأداء اللغوي أ فيمكن ان نعد نشوءه – عل وفق هذه الرؤيا – متزامناً مع نشأة المفردات الأولى أم انه ظهر في مرحلة لاحقة عليها؟
والثانية: هل يتفق ابن جني مع فكر المحدثين في ان يجعل (الاشتقاق الأكبر) موافقاً لمفهوم الإبدال او القلب المكاني، وإذا كان هؤلاء المحدثون قد جعلوا (النحت) إحدى وسائل الاشتقاق في اللغة فهل يعدُّه ابن جني كذلك توافقاً أم انَّه يُباينُهم النظر في هذا، و سيسعى البحث للإجابة عن هاتين الفرضيتين.
المبحث الأول: الاشتقاق الصغير عند ابن جني*:
يُعدُّ موضوع الاشتقاق من أغزر الموضوعات اهتماماً وأوفرها رعاية في نطاق البحث اللغوي؛ اذ لا يكاد يخلو مدوَّن تخصُّصي في اللغة من مبحث تحت عنوان (الاشتقاق)؛ ذلك بأنه من اكبر الحيثيات القياسية التي تمدُّ اللغة بجملة مفردات لا يجدُ المتكلمُ اليها سبيلاً بسواه، فقد يختلج في نفس المتكلم معنى لا يُلبَّى إلا بسردٍ جملي طويل غير ان عملية الركون الى الاشتقاق اللغوي تُغني كلا طرفي الخطاب (المتكلم والمتلقي) عن ذلك التطويل، اذ يعتمرُ المعنى المطلوب بشكل دقيق ومنضبط في اللفظ المشتَق الذي ينتقيه المُستعمل، وهذا كله لابد من ان يجري على وفق حدود قياسية خاصة؛ اذ ((ليس الاشتقاق بمنأى عن القياس بل بينهما وشيجة وثيقة))(1) فصلة الاشتقاق الى القياس كصلة النظرية الى التطبيق والمنطق الى الواقع العملي فلا وجود للاشتقاق بلا قياس ((تُبنى عليه هذه العملية ليصير مقبولاً معترفاً به لدى علماء اللغة))(2).
واذا كان الاشتقاق يعدّ الحيثية الأوسع نطاقاً في مجال التداول اللغوي فمن البداهة ان يضطلع فيه ابن جني مصنفاً إياه على صنفين بعد ان شاع قبله لدى العلماء والعامة بصنف واحد وهو (الاشتقاق الصغير)، على حين كان ابن جني أعمق نظراً من سابقيه، فهو يرى ان الاشتقاق على ضربين؛ اذ يقول ((ان الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير))(3) فنلحظ ان لفظة (عندي) في النص تشير إلى ان الاشتقاق عند غيره ليس على هذين الصنفين، وقد صرّح في مطلع كلامه عن الاشتقاق الأكبر بقوله ((هذا موضع لم يُسَمِّه احدٌ من اصحابنا، غير ان أبا علي – رحمه الله- كان يستعين به ويخلد اليه مع اعوزاز الاشتقاق الأصغر، لكنه مع هذا لم يُسَمِّه، وإنما كان يعتادُه عند الضرورة ويستريح إليه، ويتعلَّل به، وانما هذا التقليب لنا نحن))(4) فنجده ينسب تأصيل مفهوم الاشتقاق الأكبر لنفسه، وانه أول من خاض فيه تفصيلاً وتنظيراً فلم يسبقه اليه احد ولم يؤثر عن غيره سوى ان أبا علي الفارسي كان يستأنس به ويستعين به عند الحاجة وهذا يوحي ان أبا علي لم يكن يعده ركناً من أركان الاشتقاق حتى انه لم يُسَمِّهِ البتة، فهو في تقديره ثانوي القيمة لايلتجأ اليه إلا عند الضرورات كما هو في تعبير ابن جني، وهذا يأخذ بأيدينا الى الإيمان بريادة ابن جني في مجال التأسيس لمفهوم الاشتقاق الأكبر، فالسابقون عليه لم يتطرقوا الى هذا الصنف الاشتقاقي بدلالة قوله على سبيل التصريح والحصر معاً ((وإنما هذا التقليبُ لنا نحنُ))، وعلى الرغم من شدة إعجابه بالاشتقاق الأكبر لابتداعه وتقدّمه فيه فانه تحدَّث ابتداءً عن الاشتقاق الصغير بوصفه الأكثر شيوعاً وتداولاً بين الناس، يقول ((فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وان اختلفت صيغُه ومبانيه وذلك كترتيب (س ل م) فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرف؛ نحو: سلم، ويسلم، وسالم، وسلمان، وسلمى، والسلامة، والسليم: اللديغ، أُخلق عليه تفاؤلا بالسلامة))(5) فنلحظ ان ابن جني جعل بمقتضى مفهوم الاشتقاق الصغير ان تكون جميع المباني المختلفة في صيغها والعائدة الى أصل واحد راجعة – في الأساس- الى المعنى نفسه الذي يحتويه الأصل المُشتقَّة منه، فكأنَّ الرابطَ المشتركَ بين هذه الصور البنائية المشتقة جميعاً هو المعنى الجوهري الموَحَّد لها وهو (السلامة) كما في مثاله السابق.
بيد ان هذه الصيغ المختلفة قد أفضت الى دلالات زائدة على المعنى الأصل الذي راح يتموضع بتغاير الوعاء الصرفي له، والأظهر ان هذه هي مظنة الفائدة من الاشتقاق الصغير، فإنك تنتقي البناء الصرفي المتناغم والدلالة التي تسعى من وراء إبلاغها الى المتلقي، فتُلبِسَها الأصل اللفظي الذي تريد فيغدو اللفظ من هذه العملية ثنائي الدلالة في التعبير (دلالة أصلية وأخرى ثانوية).
فالأولى هي دلالة الأصل المأخوذ منه، والثانية هي دلالة البناء الصرفي التي حَلَّت فيه، وعلى سبيل المثال نأخذ الأصل (ك ذ ب) ونُعمِل فيه الاشتقاق الصغير لتنتج منه صيغ عدة نوظِّفها كالآتي (كذَبَ زيدٌ)، (كّذَّب زيدٌ)، (تكاذبَ زيدٌ)، (زيدٌ كاذبٌ)، (زيدٌ كذَّابٌ)، وهكذا، فإذا ما اخضعنا هذه الصيغ المتنوعة الى عملية رصد دلالي فانا نقف على دلالات متنوعة بتنوع هذه الصيغ، لا نتوافر عليها لو نظرنا الى الأصل (ك ذ ب) بمعزل عن عملية الاشتقاق؛ لذا نلحظ ان ثمة معاني قد تبدَّلت من جملة إلى أخرى، فالجملة الأولى تدل على ان زيد قد وقع منه الكذب في زمن مضى، والثانية توحي الى ان زيد قد كذب في الزمن الماضي ايضا بيد ان كذبه هذا كثيرٌ متعددُ الوقوع فكانت بذلك صيغة (كذَّب) اشد وقعاً من حيث الدلالة من صيغة (كذبَ) وحدها، اما الثالثة فهي تعني ان زيداً يُظهِر نفسه على انه كاذب فهو يتمظهرُ بالكذب لكنه ليس بكاذب في حقيقته، اما الرابعة فتدل على ثبوت صفة الكذب في زيد على حين ان الأخيرة لا تدل على ثبوت الكذب في زيد فحسب؛ بل تنصُّ على ان زيداً مفرِّط في كذبه مبالغ فيه حتى لكأنَّ الكذبَ حرِفةٌ يُعرَف بها، اما قولك (زيد الأكذبُ) فان صيغة (الأفعل) فيها تدل على مطلق الكذب فلا يوجد بعد زيد كاذب يدانيه في هذه الصفة البتة، ومن العرض السابق للجمل ننتهي الى ان الدلالات التي زيدت على الأصل (ك ذ ب) قد أكتسبت من الاشتقاق الصغير فتمثَّلت بالهيآت المتنوعة، إلا ان هذه الصيغ جميعاً تتحدُ في عمقِها الدلالي بمعنى جوهري واحد وهو صفة (الكذب) – المعنى الموحَّد- ومن هنا حَمَلَ المشتَقُ دلالتين (دلالة المعنى العام او الأصل، ودلالة الصيغة الصرفية المشتَقة منه)، وبهذا ينطوي الاشتقاق الصغير على جملة فوائد منها:
1- إثراء المتكلم بالألفاظ المُشتقَّة التي تُقيِّض له الإفصاح عمّا يريد الإعراب عنه بضابطٍ دلالي دقيق.
2- وسيلة اختزالية اذ يحمل اللفظُ الواحدُ أوسعَ من معناه الأصل لإبانة المراد ما يغني طرفي الخطاب عن سردٍ لغوي طويل.
3- إعانة المتلقي على الوضوح في تصور ذهنه للمعنى؛ إذ يعدُّ حيثية من حيثيات التصوير اللغوي؛ فقولك: (زيدٌ ضارِبٌ) تفترق لدى المتلقي في تصورها من قولك:
(زيدٌ مَضروبٌ) وكذا الحال مختلف بين قولنا: (زيد ظالِم) وقولنا (زيد مََظلوم)، فلولا الاشتقاق والصيغة ما فُهِم الفارق الدلالي بين التعبيرين وبهذا ينظر الى الاشتقاق على انه إحدى أكبر وسائل البيان الدلالي في الخطاب العربي.
المبحث الثاني: تلميحاتُ ابن جني عن سمةِ المفرداتِ الأصل:
لعلَّ العودة بتأمُّل الى نصِّ ابن جني في حديثه عن الاشتقاق الصغير تكشف لنا لمحةً ضمنيّةً تُشير الى سمة المفردات في نشأتها الأولى اذ يقول هي ((ان تأخذ أصلاً من الأصول فتتقرّاه)) فنستشف من تعبيره بلفظة (الأصل) انها تُمَثِّلُ اللبنة الأولى لعملية الاشتقاق او المادة الأوليّة الخام له، مما يقودنا الى التفكير في أصل النشأة الأولى للغة اذ لم تنشأ اللغة إلا على هيأة مفردات (أصول)، ومهما يكن من أمر نظيرات نشأة اللغة، فإنها جميعاً تقف عند حدود المفرادت الأولى، ولا يختلف علماء اللغة في ان التركيب اللغوي من تلك المفردات هو من فِعْلِ الإنسانِ حصراً، فنجد ((ان واضع اللغة لم يضع الجُمَل كما وضع المفردات؛ بل ترك الجُمل الى اختيار المتكلم يبينُ ذلك لك أن حال الجُمَل لو كان حال المفردات لكان استعمال الجُمَل وفِهْمُ معانيها متوقفاً على نقلها عن العرب، كما كانت المفردات كذلك و لوجب على أهل اللغة ان يتتبعوا الجُمَل ويودِعُوها كتُبَهم، كما فعلُوا ذلك بالمفردات، إنّنا لا نسلم ان افادت المركب لمدلولاته تتوقف على العلم بكونه موضوعاً له؛ بل على العلم بان الألفاظ المفردة موضوعة للمعاني المفردة حتى اذا تُليت المعاني المفردةُ عُلِمت مفرداتُ المعاني منها)) (6) مما تقدم نفهم ان المفردات (الأصل) هي أول ما وضِعَت للمعاني فكل مفردة تدل على معنى ولا يسعنا فهم معنى التركيب اللغوي وبلوغ مدلولاته من دون معرفة سابقه بمعنى كل مفردة تَكَوَّن منها التركيب، فدل ذلك على أسبقية المفردات على التراكيب.
ومما نقل عن الأسنوي انه قال ((ان اللفظ انما وضِع للمعنى من غير تقييدٍ بوصفٍ زائد))(7) ابتداءً كأن يكون صيغة اشتقاقية* او ضم لفظ إلى آخر في تركيب يُجلي معناه؛ لذا فمن الحكمة ان تكون المفردات الموضوعة أولاً دالة على معانٍ كليّة وماهيات عامة دون لفت نظر الى دقائق المعنى وصفاته، وذلك تأسيساً على حاجة الموضوع له؛ اذ الغاية لا تعدو تعريف الموضوع له بماهيات المعاني والأشياء، فالإنسان لايريد أكثر من وسيلة مُبسَّطة يتعرَّف بها على الأشياء من حوله، ومن ثمة لا نغفل بساطة التفكير الإنساني وقتذاك عامة وبساطة التفكير اللغوي خاصة؛ لذا كانت الحاجة لا تتجاوز عملية اثبات مفردات عامّة المعنى يتفاهم بها المجتمع ولهذا لم يفتقر الى عملية الاشتقاق إلا في مرحلة متأخِّرة؛ ذلك بأن المتلقي الأول للغة لا يسعه فهم خصوصيات المعنى وتفرعاته وهو مازال في أبان استعماله للمفردات الأولى (الأصل) من هنا نصل الى ان الاشتقاق مرحلة لاحقة لنشوء المفردات الأولية للغة؛ لان هذه المفردات تمثل المرحلة الأولى في نقلات الذهن في عمليّة التخاطب الإنساني اذا وضِعَت مأخوذ بها لحاظ (جوهر المعنى) فلما أضحى العقل البشري له حاجة الى الاستزادة والإيضاح التجأ الى الاشتقاق اللغوي والتركيب، وبهذا يعدان مرحلة لاحقة من مرحلة التأسيس، فالاشتقاق جزء من البيان؛ ذلك بأن المفردات ((لا تفيد أول ذكرها إلا مفهومات كلية، وإفادتها للجزئيات المرادة في الكلام انما تكون بواسطة قرينة معينة لها في الكلام)) (8) ترِدُ عليها لاحقاً، كوضعها في صيغة معينة تعين على إبانة المراد من هذا المفهوم الكلي بدقّة.
وهذا يوضح ملاحقة اللغة وتلازمها لتطور العقل، فما الاشتقاق إلا صور من صور التشكل الذهني المتداخل المتطور، وما كان هذا حاصلاً في وقت نشأة اللغة الأولى، وبهذا يمثل الاشتقاق جانباً من جوانب التطور اللغوي وكيفية من كيفيات ديمومة اللغة وقيمومتها على المتداولين بها.

تعليق