إشكاليات تحليل الخطاب في الدراسات الإعلامية العربية
الدراسات المصرية نموذجًا
الدراسات المصرية نموذجًا
د. محمد شومان
مقـــدمــة :
ارتبطت نشأة وتطور بحوث ودراسات الإعلام في العشرينات من القرن الماضي بالنموذجين الوضعي والسلوكي positivist and behaviourist paradigm، فقد استمد التخصص الجديد الكثير من منطلقاته ومفاهيمه وأطره النظرية والمنهجية من هذين النموذجين ، في هذا الإطار ركزت بحوث الإعلام - وما تزال - على تأثير وسائل الإعلام في الجمهور اعتماداً على ما يعرف بدراسات الجمهور ، وأهملت إلى حد كبير دراسة مضمون وشكل الرسالة الإعلامية التي يفترض أنها تحدث التأثير المطلوب أو المرغوب من وجهة نظر المرسل أو القائم بالاتصال سواءً كان شخصاً أو مؤسسة إعلامية .
وحتى عندما التفت الباحثون لأهمية دراسة شكل ومضمون الرسالة الإعلامية لم تعرف الدراسات الإعلامية سوى التحليل الكمي لمضمون أو محتوى الرسالة الإعلامية ، والذي ذاع صيته بفضل مقال بريلسون Berelson الشهير ، والذي نشره عام 1952 بعنوان التحليل الكمي للمحتوي في أبحاث الاتصال . واستناداً إلى مساهمات بريلسون وآخرين سادت تقاليد التحليل الكمي الدراسات الإعلامية ، وأصبحت جزءًا من التقاليد البحثية في حقل الدراسات الإعلامية ، بينما اختفت أو غيبت الدراسات الكيفية واتهمت بالتحيز والبعد عن الموضوعية ، ويرصد تومبكنس استمرار هذه الظاهرة في أقسام وكليات الإعلام الأمريكية والمجلات العلمية حيث قام بتحليل ملخصات البحوث المنشورة في المجلات الإعلامية الأمريكية في الفترة من 1988-1994 ووجد ستة بحوث فقط استخدمت مناهج بحوث كيفية ،وفسر تومبكنس ذلك في ضوء عاملين هما الاعتقاد السائد بين الباحثين بأن المجلات العلمية لا تنشر البحوث الكيفية ، بالإضافة إلى نقص التدريب على تحليل المضمون الكيفي (Tompkins, 1994 , PP 44-50)
لكن يمكن إضافة عامل ثالث لتحليل تومبكنس يتمثل في قلة الاهتمام بدراسة مضامين الرسائل الإعلامية والذي ارتبط بنشأة تخصص الإعلام في إطار الوضعية والسلوكية ، من هنا يذكر لنجر عام 1998 أن الرسائل في النصوص الإعلامية لم تحظ فعليًّا بالاهتمام الأول في مجال بحوث الإعلام خلال الخمس عشرة إلى العشرين سنة الأخيرة ، وظهرت كثير من البحوث في التسعينات تركز على عمليات إنتاج واستقبال الأفراد أو المجموعات للرسائل الإعلامية ، وذلك رغم أن الأفراد المتلقين يفسرون النصوص الإعلامية وفقاً لحياتهم الشخصية وخبراتهم وتجاربهم الذاتية إلا أن للنص ذاته تأثيرًا حاسمًا على تفسيراتهم (Langer,1998 ) .
على أن سيادة وهيمنة مناهج وأدوات التحليل الكمي لم تمنع من ظهور كثير من الانتقادات التى انصبت على شكلية وعدم موضوعية فئات تحليل المضمون الكمي التي تدعى بدون أساس علمي الدقة والموضوعية ،و تنزع إلى تفتيت النص ،وتحويله إلى مجرد أرقام وبيانات إحصائية لا تكشف عن معنى النص أو المعاني التي يحملها ، إن التحليل الكمي عكس التحليل الكيفي يهمل سياق النص وعلاقات القوى داخله ،ومنظور الفاعل ، فضلاً عن عدم الاكتراث بالمعاني الضمنية أو غير الظاهرة في النص ( عبد الرحمن وآخرون , 1983) من هنا بدأت تظهر- وعلى استحياء- محاولات لاستخدام مناهج وأدوات للتحليل الكيفي في دراسة النصوص الإعلامية، وقد اتسمت في البداية بالتردد والخلط وعدم الوضوح أو التكامل المنهجي والإجرائي ، لكنها شكلت نوعًا من المواجهة والتحدي للتقاليد السائدة في مجال الدراسات الإعلامية (Curtin, 1996) .
وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي اتجه عدد من الباحثين الاسكندنافيين في مجال الإعلام إلى تأييد واستخدام التحليل الكيفي للمحتوي من منظور أيديولوجي ،وعرف هذا التوجه بالاتجاه الإنساني humanistic trend والذي ركز على علاقات القوة التي تحاول النصوص الإعلامية التعبير عنها ، كما سعى لتطوير أدوات التحليل الكيفي مستفيدًا من التطور الذي تحقق في مجال الدراسات اللغوية والسميولوجية( العلاماتية )، وتحليل النص ، وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الباحث الدانماركى بيتر لارسن Beter Larsen ، والذي أكد أن التحليل الكيفي ليس غاية في حد ذاته ، ووفقًا لمايرينج Mayring فإن التحليل الكيفي للمحتوى يقوم على الفحص الدقيق لمصادر المادة المزمع تحليلها ، وعلى الملاحظة الصريحة والفهم الذاتي للذين يقومون بالتحليل ، مع الاهتمام أيضا بوجهات نظر الآخرين ، بالإضافة إلى تقبل نتائج إعادة التفسير ،وتعتبر المصطلحات السميولوجية والنظرية البراجماتية للمعنى وقواعد التفسير على أساس التحليل البنيوي للنص من أدوات عملية التحليلي الكيفي ،والتي تتضمن المبادئ الأساسية لتلخيص وشرح وهيكلة المادة محل الدراسة ( Langer, 1998- Howley, 1999)
لكن هذه الأدوات المنهجية لم تكن كافية لدراسات الرسائل أو النصوص الإعلامية في علاقاته المتشابكة والمعقدة مع الرسائل السابقة ، ومع بنية المجتمع والقوة المهيمنة عليه ، من هنا تطورت محاولات التحليل الكيفي في الثمانينات من القرن الماضي باتجاه تبنى منهجية تحليل الخطاب ،وتحليل الخطاب النقدي، وقد تأثرت هذه المحاولات بهيمنة اتجاه ما بعد البنيوية . ورغم عدم الاتفاق على مفهوم الخطاب إلا أنه أصبح يستخدم على نطاق واسع في تحليل النصوص الإعلامية ، وقد نشأ مفهوم الخطاب في إطار دراسات اللغة والألسنية أو علم اللغة الحديث، رغم أن الألسنيين الأوائل أمثال سوسيرSaussure 1857-1913، وهلمسلف Hjemslew 1899- 1965، وجاكبسون Jakobson 1896- وغيرهم لم يناقشوا موضوع الخطاب وإنما كان بيسنس Buyssens أول من طرح مسألة الخطاب في الدراسات الألسنية عام 1943،ولكن النقلة الألسنية الكبيرة في مسائل الخطاب جاءت على يد بنفست Benvenist 1902-1967وفي الوقت الحالي هناك توجه كامل- كما يقول الزواوي بغورة- في فرنسا يسمى تحليل الخطاب ، ويظهر في أشكال مختلفة يمكن تصنيفها إلى أربع منظومات كبري هي ، المنظومة المنطوقية ، والمنظومة الحجاجية ، والمنظومة السردية والمنظومة الخطابية ، وقد ارتبطت الأعمال الأولى للبنيويين الفرنسيين- أمثال كلود ليفي شتراوس ، ورولان بارت ، وجان لكان وميشيل فوكو - بهذه الأشكال من تحليل الخطاب (بغورة ، 2004).
ويمكن القول أن السيميولوجيا ( العلاماتية ) قد قادت في الستينات وأوائل السبعينات حقل تحليل النصوص الإعلامية، ووفرت للباحثين أسلوبًا لتحليل المعني ، بينما هيمن التحليل الأيديولوجي على هذا الحقل في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات ، وقد زود الباحثين بمنهج للتفكير في العلاقات بين المعني والبنية الاجتماعية ،ومنذ منتصف الثمانينات وحتى الآن أصبحت نظرية الخطاب هي التي تقود عمليات تحليل النصوص الإعلامية ، ولقد دفعت نظرية الخطاب الباحثين إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المعنى والبنية الاجتماعية ،من خلال التركيز على السلطة من داخل نظام المعني وليس من خارجه ، فنظم المعني نفسها تعتبر سلطة ،وهي لا تظهر بسهولة كنظم ، مثل بنية اللغة بل من خلال ممارسات ذات دلالة ، إنها ليست ببساطة المعاني المرتبطة بالممارسات الاجتماعية ، كما يقول ألتوسير في نظرية الأيديولوجية ، بل إن المعني والممارسة لا يمكن التمييز بينهما فهما مترابطان ، أي أن المعني هو الممارسة في نظرية الخطاب (Tolson, 1996, p196 ) .
إن الخطاب ليس هو اللغة ،كما توجد اختلافات عميقة بين الخطاب والنص، وذلك رغم نشأتهما التقليدية من الدراسات اللغوية ، إن الخطاب والنص يبحثان في البناء والوظيفة لوحدات اللغة الكبرى ، كما تطورا في نفس الوقت تقريبًا ،لذلك هناك من يعتبرهما متطابقين ، لكن لاشك في وجود فروق كبيرة بينهما على مستوي المفاهيم والمناهج والوظائف ، فالخطاب يركز على اللغة والمجتمع . (Tankard,1994 ) بالإضافة إلى أن الخطاب متحرك ومتغير ، وله جمهور وهدف وقصد معين ، ويتشكل من مجموعة من النصوص والممارسات الاجتماعية .
ويشير الخطاب - كما يقول فيركلاو - إلى استخدام اللغة حديثًا وكتابة , كما يتضمن أنواعًا أخرى من النشاط العلاماتي مثل الصور المرئية - الصور الفوتوغرافية ،الأفلام ،الفيديو ،الرسوم البيانية - والاتصال غير الشفوي – مثل حركات الرأس أو الأيدي ... الخ – ويخلص إلى أن الخطاب هو أحد أشكال الممارسة الاجتماعية ، ثم يستخدم فيركلاو الخطاب بمعني أضيق حين يقول : "الخطاب هو اللغة المستخدمة لتمثيل ممارسة اجتماعية محددة من وجهة نظر معينة" ، وتنتمي الخطابات بصفة عامة إلى المعرفة ،وإلى بنـاء المعرفــة . (fairclough ,1995,pp 53-56 )
على أن فيركلاو وغيره من الباحثين في حقل تحليل الخطاب النقدي قد توسعوا في تعريفاتهم واستخداماتهم لمفهوم الخطاب بحيث غدا عندهم يشمل كل شيء ، وتقع تحت مظلته تخصصات ومجالات واسعة في العلوم الاجتماعية ومن منظور نقدي . وقد ترافق ذلك بالتوسع في استخدام تحليل الخطاب النقدي عبر تخصصات مختلفة ولأغراض متباينة ، مع غياب التعاون بين هذه التخصصات ، ما أدى إلى عدم الاتفاق علي ما هو تحليل الخطاب، وكيف يمكن تطبيقه ، وما هي حدوده وإمكانياته ، ومثل هذه الحالة لا تقلق الكثير من الباحثين حيث يري البعض أن كثيرًا من المفاهيم والنظريات التي تستخدم في العلوم الاجتماعية لا يوجد حولها اتفاق ،كما هو الحال في عدم الاتفاق حول تعريف الأيديولوجية بين التخصصات المختلفة . (Tankard,1994)
إن عدم الاتفاق على مفهوم الخطاب واستخداماته لم تمنع من انتشار بحوث تحليل الخطاب وتناولها لموضوعات ومجالات متعددة ، من بينها تحليل الخطاب الإعلامي ، الذي يعتبر تطورًا مهمًّا لمجال التحليل الكيفي للرسائل الإعلامية وشروط إنتاجها وتداولها وتأثيرها في الجمهور ، فضلا عن تفاعلاتها مع الظروف التاريخية و المجتمعية .
مجمل التطورات السابقة فيما يتعلق بتطور تحليل النصوص والرسائل الإعلامية انعكست بصور مختلفة، وأحيانا متباينة على البحوث والدراسات العربية في مجال الإعلام ، كما كان لها - وبدرجات مختلفة - نماذجها وممثليها ، ولكن بصفة عامة كانت تلك التطورات المنهجية والنظرية تنتقل إلى الدراسات والبحوث العربية بفارق زمني كبير ، كما كان يجري تبنيها أحيانا بطريقة آلية وبدون تمثل لخصوصيات اللغة والثقافة العربية . وتكفي الإشارة هنا إلى أن البحوث الإعلامية العربية، والتي صدرت باللغة العربية في الجامعات المصرية استخدمت تحليل المضمون الكمي لأول مرة في مطلع السبعينات ، وقد هيمن التحليل الكمي للرسائل الإعلامية على دراسات وبحوث الإعلام- خاصة رسائل الماجستير والدكتوراه – في مصر خلال السبعينات والثمانينات ، إلى أن ظهرت في نهاية الثمانينيات أول دراسة استخدمت تحليل الخطاب اعتمادا على مساهمات اللغويات واللغويات النقدية ، حيث استخدمت التحليل الأسلوبي والدلالي (خليل ,1989 ). ثم ظهرت بعدها العديد من الدراسات والرسائل العلمية التي استخدمت منهجية تحليل الخطاب .
مقـــدمــة :
ارتبطت نشأة وتطور بحوث ودراسات الإعلام في العشرينات من القرن الماضي بالنموذجين الوضعي والسلوكي positivist and behaviourist paradigm، فقد استمد التخصص الجديد الكثير من منطلقاته ومفاهيمه وأطره النظرية والمنهجية من هذين النموذجين ، في هذا الإطار ركزت بحوث الإعلام - وما تزال - على تأثير وسائل الإعلام في الجمهور اعتماداً على ما يعرف بدراسات الجمهور ، وأهملت إلى حد كبير دراسة مضمون وشكل الرسالة الإعلامية التي يفترض أنها تحدث التأثير المطلوب أو المرغوب من وجهة نظر المرسل أو القائم بالاتصال سواءً كان شخصاً أو مؤسسة إعلامية .
وحتى عندما التفت الباحثون لأهمية دراسة شكل ومضمون الرسالة الإعلامية لم تعرف الدراسات الإعلامية سوى التحليل الكمي لمضمون أو محتوى الرسالة الإعلامية ، والذي ذاع صيته بفضل مقال بريلسون Berelson الشهير ، والذي نشره عام 1952 بعنوان التحليل الكمي للمحتوي في أبحاث الاتصال . واستناداً إلى مساهمات بريلسون وآخرين سادت تقاليد التحليل الكمي الدراسات الإعلامية ، وأصبحت جزءًا من التقاليد البحثية في حقل الدراسات الإعلامية ، بينما اختفت أو غيبت الدراسات الكيفية واتهمت بالتحيز والبعد عن الموضوعية ، ويرصد تومبكنس استمرار هذه الظاهرة في أقسام وكليات الإعلام الأمريكية والمجلات العلمية حيث قام بتحليل ملخصات البحوث المنشورة في المجلات الإعلامية الأمريكية في الفترة من 1988-1994 ووجد ستة بحوث فقط استخدمت مناهج بحوث كيفية ،وفسر تومبكنس ذلك في ضوء عاملين هما الاعتقاد السائد بين الباحثين بأن المجلات العلمية لا تنشر البحوث الكيفية ، بالإضافة إلى نقص التدريب على تحليل المضمون الكيفي (Tompkins, 1994 , PP 44-50)
لكن يمكن إضافة عامل ثالث لتحليل تومبكنس يتمثل في قلة الاهتمام بدراسة مضامين الرسائل الإعلامية والذي ارتبط بنشأة تخصص الإعلام في إطار الوضعية والسلوكية ، من هنا يذكر لنجر عام 1998 أن الرسائل في النصوص الإعلامية لم تحظ فعليًّا بالاهتمام الأول في مجال بحوث الإعلام خلال الخمس عشرة إلى العشرين سنة الأخيرة ، وظهرت كثير من البحوث في التسعينات تركز على عمليات إنتاج واستقبال الأفراد أو المجموعات للرسائل الإعلامية ، وذلك رغم أن الأفراد المتلقين يفسرون النصوص الإعلامية وفقاً لحياتهم الشخصية وخبراتهم وتجاربهم الذاتية إلا أن للنص ذاته تأثيرًا حاسمًا على تفسيراتهم (Langer,1998 ) .
على أن سيادة وهيمنة مناهج وأدوات التحليل الكمي لم تمنع من ظهور كثير من الانتقادات التى انصبت على شكلية وعدم موضوعية فئات تحليل المضمون الكمي التي تدعى بدون أساس علمي الدقة والموضوعية ،و تنزع إلى تفتيت النص ،وتحويله إلى مجرد أرقام وبيانات إحصائية لا تكشف عن معنى النص أو المعاني التي يحملها ، إن التحليل الكمي عكس التحليل الكيفي يهمل سياق النص وعلاقات القوى داخله ،ومنظور الفاعل ، فضلاً عن عدم الاكتراث بالمعاني الضمنية أو غير الظاهرة في النص ( عبد الرحمن وآخرون , 1983) من هنا بدأت تظهر- وعلى استحياء- محاولات لاستخدام مناهج وأدوات للتحليل الكيفي في دراسة النصوص الإعلامية، وقد اتسمت في البداية بالتردد والخلط وعدم الوضوح أو التكامل المنهجي والإجرائي ، لكنها شكلت نوعًا من المواجهة والتحدي للتقاليد السائدة في مجال الدراسات الإعلامية (Curtin, 1996) .
وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي اتجه عدد من الباحثين الاسكندنافيين في مجال الإعلام إلى تأييد واستخدام التحليل الكيفي للمحتوي من منظور أيديولوجي ،وعرف هذا التوجه بالاتجاه الإنساني humanistic trend والذي ركز على علاقات القوة التي تحاول النصوص الإعلامية التعبير عنها ، كما سعى لتطوير أدوات التحليل الكيفي مستفيدًا من التطور الذي تحقق في مجال الدراسات اللغوية والسميولوجية( العلاماتية )، وتحليل النص ، وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الباحث الدانماركى بيتر لارسن Beter Larsen ، والذي أكد أن التحليل الكيفي ليس غاية في حد ذاته ، ووفقًا لمايرينج Mayring فإن التحليل الكيفي للمحتوى يقوم على الفحص الدقيق لمصادر المادة المزمع تحليلها ، وعلى الملاحظة الصريحة والفهم الذاتي للذين يقومون بالتحليل ، مع الاهتمام أيضا بوجهات نظر الآخرين ، بالإضافة إلى تقبل نتائج إعادة التفسير ،وتعتبر المصطلحات السميولوجية والنظرية البراجماتية للمعنى وقواعد التفسير على أساس التحليل البنيوي للنص من أدوات عملية التحليلي الكيفي ،والتي تتضمن المبادئ الأساسية لتلخيص وشرح وهيكلة المادة محل الدراسة ( Langer, 1998- Howley, 1999)
لكن هذه الأدوات المنهجية لم تكن كافية لدراسات الرسائل أو النصوص الإعلامية في علاقاته المتشابكة والمعقدة مع الرسائل السابقة ، ومع بنية المجتمع والقوة المهيمنة عليه ، من هنا تطورت محاولات التحليل الكيفي في الثمانينات من القرن الماضي باتجاه تبنى منهجية تحليل الخطاب ،وتحليل الخطاب النقدي، وقد تأثرت هذه المحاولات بهيمنة اتجاه ما بعد البنيوية . ورغم عدم الاتفاق على مفهوم الخطاب إلا أنه أصبح يستخدم على نطاق واسع في تحليل النصوص الإعلامية ، وقد نشأ مفهوم الخطاب في إطار دراسات اللغة والألسنية أو علم اللغة الحديث، رغم أن الألسنيين الأوائل أمثال سوسيرSaussure 1857-1913، وهلمسلف Hjemslew 1899- 1965، وجاكبسون Jakobson 1896- وغيرهم لم يناقشوا موضوع الخطاب وإنما كان بيسنس Buyssens أول من طرح مسألة الخطاب في الدراسات الألسنية عام 1943،ولكن النقلة الألسنية الكبيرة في مسائل الخطاب جاءت على يد بنفست Benvenist 1902-1967وفي الوقت الحالي هناك توجه كامل- كما يقول الزواوي بغورة- في فرنسا يسمى تحليل الخطاب ، ويظهر في أشكال مختلفة يمكن تصنيفها إلى أربع منظومات كبري هي ، المنظومة المنطوقية ، والمنظومة الحجاجية ، والمنظومة السردية والمنظومة الخطابية ، وقد ارتبطت الأعمال الأولى للبنيويين الفرنسيين- أمثال كلود ليفي شتراوس ، ورولان بارت ، وجان لكان وميشيل فوكو - بهذه الأشكال من تحليل الخطاب (بغورة ، 2004).
ويمكن القول أن السيميولوجيا ( العلاماتية ) قد قادت في الستينات وأوائل السبعينات حقل تحليل النصوص الإعلامية، ووفرت للباحثين أسلوبًا لتحليل المعني ، بينما هيمن التحليل الأيديولوجي على هذا الحقل في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات ، وقد زود الباحثين بمنهج للتفكير في العلاقات بين المعني والبنية الاجتماعية ،ومنذ منتصف الثمانينات وحتى الآن أصبحت نظرية الخطاب هي التي تقود عمليات تحليل النصوص الإعلامية ، ولقد دفعت نظرية الخطاب الباحثين إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المعنى والبنية الاجتماعية ،من خلال التركيز على السلطة من داخل نظام المعني وليس من خارجه ، فنظم المعني نفسها تعتبر سلطة ،وهي لا تظهر بسهولة كنظم ، مثل بنية اللغة بل من خلال ممارسات ذات دلالة ، إنها ليست ببساطة المعاني المرتبطة بالممارسات الاجتماعية ، كما يقول ألتوسير في نظرية الأيديولوجية ، بل إن المعني والممارسة لا يمكن التمييز بينهما فهما مترابطان ، أي أن المعني هو الممارسة في نظرية الخطاب (Tolson, 1996, p196 ) .
إن الخطاب ليس هو اللغة ،كما توجد اختلافات عميقة بين الخطاب والنص، وذلك رغم نشأتهما التقليدية من الدراسات اللغوية ، إن الخطاب والنص يبحثان في البناء والوظيفة لوحدات اللغة الكبرى ، كما تطورا في نفس الوقت تقريبًا ،لذلك هناك من يعتبرهما متطابقين ، لكن لاشك في وجود فروق كبيرة بينهما على مستوي المفاهيم والمناهج والوظائف ، فالخطاب يركز على اللغة والمجتمع . (Tankard,1994 ) بالإضافة إلى أن الخطاب متحرك ومتغير ، وله جمهور وهدف وقصد معين ، ويتشكل من مجموعة من النصوص والممارسات الاجتماعية .
ويشير الخطاب - كما يقول فيركلاو - إلى استخدام اللغة حديثًا وكتابة , كما يتضمن أنواعًا أخرى من النشاط العلاماتي مثل الصور المرئية - الصور الفوتوغرافية ،الأفلام ،الفيديو ،الرسوم البيانية - والاتصال غير الشفوي – مثل حركات الرأس أو الأيدي ... الخ – ويخلص إلى أن الخطاب هو أحد أشكال الممارسة الاجتماعية ، ثم يستخدم فيركلاو الخطاب بمعني أضيق حين يقول : "الخطاب هو اللغة المستخدمة لتمثيل ممارسة اجتماعية محددة من وجهة نظر معينة" ، وتنتمي الخطابات بصفة عامة إلى المعرفة ،وإلى بنـاء المعرفــة . (fairclough ,1995,pp 53-56 )
على أن فيركلاو وغيره من الباحثين في حقل تحليل الخطاب النقدي قد توسعوا في تعريفاتهم واستخداماتهم لمفهوم الخطاب بحيث غدا عندهم يشمل كل شيء ، وتقع تحت مظلته تخصصات ومجالات واسعة في العلوم الاجتماعية ومن منظور نقدي . وقد ترافق ذلك بالتوسع في استخدام تحليل الخطاب النقدي عبر تخصصات مختلفة ولأغراض متباينة ، مع غياب التعاون بين هذه التخصصات ، ما أدى إلى عدم الاتفاق علي ما هو تحليل الخطاب، وكيف يمكن تطبيقه ، وما هي حدوده وإمكانياته ، ومثل هذه الحالة لا تقلق الكثير من الباحثين حيث يري البعض أن كثيرًا من المفاهيم والنظريات التي تستخدم في العلوم الاجتماعية لا يوجد حولها اتفاق ،كما هو الحال في عدم الاتفاق حول تعريف الأيديولوجية بين التخصصات المختلفة . (Tankard,1994)
إن عدم الاتفاق على مفهوم الخطاب واستخداماته لم تمنع من انتشار بحوث تحليل الخطاب وتناولها لموضوعات ومجالات متعددة ، من بينها تحليل الخطاب الإعلامي ، الذي يعتبر تطورًا مهمًّا لمجال التحليل الكيفي للرسائل الإعلامية وشروط إنتاجها وتداولها وتأثيرها في الجمهور ، فضلا عن تفاعلاتها مع الظروف التاريخية و المجتمعية .
مجمل التطورات السابقة فيما يتعلق بتطور تحليل النصوص والرسائل الإعلامية انعكست بصور مختلفة، وأحيانا متباينة على البحوث والدراسات العربية في مجال الإعلام ، كما كان لها - وبدرجات مختلفة - نماذجها وممثليها ، ولكن بصفة عامة كانت تلك التطورات المنهجية والنظرية تنتقل إلى الدراسات والبحوث العربية بفارق زمني كبير ، كما كان يجري تبنيها أحيانا بطريقة آلية وبدون تمثل لخصوصيات اللغة والثقافة العربية . وتكفي الإشارة هنا إلى أن البحوث الإعلامية العربية، والتي صدرت باللغة العربية في الجامعات المصرية استخدمت تحليل المضمون الكمي لأول مرة في مطلع السبعينات ، وقد هيمن التحليل الكمي للرسائل الإعلامية على دراسات وبحوث الإعلام- خاصة رسائل الماجستير والدكتوراه – في مصر خلال السبعينات والثمانينات ، إلى أن ظهرت في نهاية الثمانينيات أول دراسة استخدمت تحليل الخطاب اعتمادا على مساهمات اللغويات واللغويات النقدية ، حيث استخدمت التحليل الأسلوبي والدلالي (خليل ,1989 ). ثم ظهرت بعدها العديد من الدراسات والرسائل العلمية التي استخدمت منهجية تحليل الخطاب .

تعليق