مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=9
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
أَدَبُ التَّشاوُرِ
" اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَشارَ لَيْسَ بِكَفيلٍ ، وَأَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِمَضْمونٍ . بَلِ الرَّأْيُ كُلُّه غَرَرٌ لِأَنَّ أُمورَ الدُّنْيا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْها بِثِقَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِها يُدْرِكُه الْحازِمُ إِلّا وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْعاجِزُ . بَلْ رُبَّما أَعْيا الْحَزَمَةَ ما أَمْكَنَ الْعَجَزَةَ !
فَإِذا أَشارَ عَلَيْكَ صاحِبْكَ بِرَأْيٍ ، ثُمَّ لَمْ تَجِدْ عاقِبَتَه عَلى ما كُنْتَ تَأْمُلُ ، فَلا تَجْعَلْ ذلِكَ عَلَيْهِ ذَنْبًا ، وَلا تُلْزِمْهُ لَوْمًا وَعَذْلًا بِأَنْ تَقولَ : أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بي ، وَأَنْتَ أَمَرْتَني ، وَلَوْلا أَنْتَ لَمْ أَفْعَلْ ، وَلا جَرَمَ لا أُطيعُكَ في شَيْءٍ بَعْدَها - فَإِنَّ هذا كُلَّه ضَجَرٌ وَلُؤْمٌ وَخِفَّةٌ .
فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمُشيرَ ، فَعَمِلَ بِرَأْيِكَ ، أَوْ تَرَكَه ؛ فَبَدا صَوابُه ، فَلا تَمْنُنْ بِه ، وَلا تُكْثِرَنَّ ذِكْرَه - إِنْ كانَ فيهِ نَجاحٌ - وَلا تَلُمْهُ عَلَيْهِ - إِنْ كانَ قَدِ اسْتَبانَ في تَرْكِه ضَرَرٌ - بِأَنْ تَقولَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ افْعَلْ هذا ؛ فَإِنَّ هذا مُجانِبٌ لِأَدَبِ الْحُكماءِ " .
عن ابن المقفع في " الأدب الكبير "
2
جِنايَةُ الصِّغارِ الْمُتَكابِرينَ !
" أَتَلَفَّتُ الْيَوْمَ إِلى ما أَشْفَقْتُ مِنْهُ قَديمًا مِنْ فِعْلِ الْأَساتِذَةِ الْكِبارِ ؛ لَقَدْ ذَهَبوا بَعْدَ أَنْ تَرَكوا مِنْ حَيْثُ أَرادوا أَوْ لَمْ يُريدوا ، حَياةً أَدَبيَّةً وَثَقافيَّةً قَدْ فَسَدَتْ فَسادًا وَبيلًا عَلى مَدى نِصْفِ قَرْنٍ . وَتَجَدَّدَتِ الْأَساليبُ ، وَتَنَوَّعَتْ ، وَصارَ السَّطْوُ عَلى أَعْمالِ النّاسِ أَمْرًا مَأْلوفًا غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ ، يَمْشي في النّاسِ طَليقًا ، عَلَيْهِ طَيْلَسانُ الْبَحْثِ الْعِلْميِّ وَعالَميَّةِ الثَّقافَةِ وَالثَّقافَةِ الْإِنْسانيَّةِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْصولُهُ إِلّا تَرْديدًا لِقَضايا غَريبَةٍ صاغَها غُرباءُ صِياغَةً مُطابِقَةً لِمَناهِجِهِمْ وَمَنابِتِهِمْ وَنَظَراتِهِمْ في كُلِّ قَضيَّةٍ - وَاخْتَلَطَ الْحابِلُ بِالنّابِلِ .
قُلْ ذلِكَ في الْأَدَبِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالتّاريخِ وَالْفَنِّ أَوْ ما شِئْتَ ؛ فَإِنَّهُ صادِقٌ صِدْقًا لا يَتَخَلَّفُ : فَالْأَديبُ مِنّا مُصَوِّرٌ بِقَلَمِ غَيْرِهِ ، وَالْفَيْلَسوفُ مِنّا مُفَكِّرٌ بِعَقْلِ سِواهُ ، وَالْمُؤَرِّخُ مِنّا ناقِدٌ لِلْأَحْداثِ بِنَظَرِ غَريبٍ عَنْ تاريخِهِ ، وَالْفَنّانُ مِنّا نابِضٌ قَلْبُهُ بِنَبْضٍ أَجْنَبيٍّ عَنْ تُراثِ فَنِّهِ .
وَأَمّا الثَّرْثَرَةُ وَالِاسْتِخْفافُ فَحَدِّثْ ، وَلا حَرَجَ ؛ فَالصَّبيُّ الْكَبيرُ يَهْزَأُ مَزْهوًّا بِالْخَليلِ وَسيبَوَيْهِ وَفُلانٍ وَفُلانٍ ، وَلَوْ بُعِثَ أَحَدُهُمْ مِنْ مَرْقَدِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً دونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ، لَأَلْجَمَهُ الْعَرَقُ ، وَلَصارَ لِسانُهُ مُضْغَةً لا تَتَلَجْلَجُ بَيْنَ فَكَّيْهِ ، مِنَ الْهَيْبَةِ وَحْدَها ، لا مِنْ عِلْمِهِ الَّذي يَسْتَخِفُّ بِهِ وَيَهْزَأُ !
وَاللّـهُ الْمُسْتَعانُ عَلى كُلِّ بَليَّةٍ ، وَهُوَ الْمَسْؤولُ أَنْ يَكْشِفَها ، وَهُوَ كاشِفُها بِمَشيئَتِهِ رَحْمَةً بِأُمَّةٍ مِسْكينَةٍ هؤُلاءِ ذُنوبُها - كانوا - وَأَشْباهٌ لَهُمْ سَبَقوا . وَغُفْرانَكَ ، اللّهُمَّ " !
عن شاكر في " المتنبي "
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
أَدَبُ التَّشاوُرِ
" اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَشارَ لَيْسَ بِكَفيلٍ ، وَأَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِمَضْمونٍ . بَلِ الرَّأْيُ كُلُّه غَرَرٌ لِأَنَّ أُمورَ الدُّنْيا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْها بِثِقَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِها يُدْرِكُه الْحازِمُ إِلّا وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْعاجِزُ . بَلْ رُبَّما أَعْيا الْحَزَمَةَ ما أَمْكَنَ الْعَجَزَةَ !
فَإِذا أَشارَ عَلَيْكَ صاحِبْكَ بِرَأْيٍ ، ثُمَّ لَمْ تَجِدْ عاقِبَتَه عَلى ما كُنْتَ تَأْمُلُ ، فَلا تَجْعَلْ ذلِكَ عَلَيْهِ ذَنْبًا ، وَلا تُلْزِمْهُ لَوْمًا وَعَذْلًا بِأَنْ تَقولَ : أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بي ، وَأَنْتَ أَمَرْتَني ، وَلَوْلا أَنْتَ لَمْ أَفْعَلْ ، وَلا جَرَمَ لا أُطيعُكَ في شَيْءٍ بَعْدَها - فَإِنَّ هذا كُلَّه ضَجَرٌ وَلُؤْمٌ وَخِفَّةٌ .
فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمُشيرَ ، فَعَمِلَ بِرَأْيِكَ ، أَوْ تَرَكَه ؛ فَبَدا صَوابُه ، فَلا تَمْنُنْ بِه ، وَلا تُكْثِرَنَّ ذِكْرَه - إِنْ كانَ فيهِ نَجاحٌ - وَلا تَلُمْهُ عَلَيْهِ - إِنْ كانَ قَدِ اسْتَبانَ في تَرْكِه ضَرَرٌ - بِأَنْ تَقولَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ افْعَلْ هذا ؛ فَإِنَّ هذا مُجانِبٌ لِأَدَبِ الْحُكماءِ " .
عن ابن المقفع في " الأدب الكبير "
2
جِنايَةُ الصِّغارِ الْمُتَكابِرينَ !
" أَتَلَفَّتُ الْيَوْمَ إِلى ما أَشْفَقْتُ مِنْهُ قَديمًا مِنْ فِعْلِ الْأَساتِذَةِ الْكِبارِ ؛ لَقَدْ ذَهَبوا بَعْدَ أَنْ تَرَكوا مِنْ حَيْثُ أَرادوا أَوْ لَمْ يُريدوا ، حَياةً أَدَبيَّةً وَثَقافيَّةً قَدْ فَسَدَتْ فَسادًا وَبيلًا عَلى مَدى نِصْفِ قَرْنٍ . وَتَجَدَّدَتِ الْأَساليبُ ، وَتَنَوَّعَتْ ، وَصارَ السَّطْوُ عَلى أَعْمالِ النّاسِ أَمْرًا مَأْلوفًا غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ ، يَمْشي في النّاسِ طَليقًا ، عَلَيْهِ طَيْلَسانُ الْبَحْثِ الْعِلْميِّ وَعالَميَّةِ الثَّقافَةِ وَالثَّقافَةِ الْإِنْسانيَّةِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْصولُهُ إِلّا تَرْديدًا لِقَضايا غَريبَةٍ صاغَها غُرباءُ صِياغَةً مُطابِقَةً لِمَناهِجِهِمْ وَمَنابِتِهِمْ وَنَظَراتِهِمْ في كُلِّ قَضيَّةٍ - وَاخْتَلَطَ الْحابِلُ بِالنّابِلِ .
قُلْ ذلِكَ في الْأَدَبِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالتّاريخِ وَالْفَنِّ أَوْ ما شِئْتَ ؛ فَإِنَّهُ صادِقٌ صِدْقًا لا يَتَخَلَّفُ : فَالْأَديبُ مِنّا مُصَوِّرٌ بِقَلَمِ غَيْرِهِ ، وَالْفَيْلَسوفُ مِنّا مُفَكِّرٌ بِعَقْلِ سِواهُ ، وَالْمُؤَرِّخُ مِنّا ناقِدٌ لِلْأَحْداثِ بِنَظَرِ غَريبٍ عَنْ تاريخِهِ ، وَالْفَنّانُ مِنّا نابِضٌ قَلْبُهُ بِنَبْضٍ أَجْنَبيٍّ عَنْ تُراثِ فَنِّهِ .
وَأَمّا الثَّرْثَرَةُ وَالِاسْتِخْفافُ فَحَدِّثْ ، وَلا حَرَجَ ؛ فَالصَّبيُّ الْكَبيرُ يَهْزَأُ مَزْهوًّا بِالْخَليلِ وَسيبَوَيْهِ وَفُلانٍ وَفُلانٍ ، وَلَوْ بُعِثَ أَحَدُهُمْ مِنْ مَرْقَدِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً دونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ، لَأَلْجَمَهُ الْعَرَقُ ، وَلَصارَ لِسانُهُ مُضْغَةً لا تَتَلَجْلَجُ بَيْنَ فَكَّيْهِ ، مِنَ الْهَيْبَةِ وَحْدَها ، لا مِنْ عِلْمِهِ الَّذي يَسْتَخِفُّ بِهِ وَيَهْزَأُ !
وَاللّـهُ الْمُسْتَعانُ عَلى كُلِّ بَليَّةٍ ، وَهُوَ الْمَسْؤولُ أَنْ يَكْشِفَها ، وَهُوَ كاشِفُها بِمَشيئَتِهِ رَحْمَةً بِأُمَّةٍ مِسْكينَةٍ هؤُلاءِ ذُنوبُها - كانوا - وَأَشْباهٌ لَهُمْ سَبَقوا . وَغُفْرانَكَ ، اللّهُمَّ " !
عن شاكر في " المتنبي "

تعليق