تنظيم النحو العربي
د.محمد الأوراغي
تقديم :
1- نفترض أن دراسة أي ظاهرة، كانت لغوية أو غير لغوية تمر بطورين اثنين.أولهما متميز باتخاذ الاستقرار منهجا، وتحليل الظاهرة المعنية إلى عناصرها غاية. بينما ثاني الطورين يتميز بالسعي إلى تجريد الخصائص العامة الملحوظ أثرها في الظاهرة موضوع الدراسة ونحوها المتوقع.
و إذا ثبت أن كان الغالب على أعمال نحاة قدماء الوقوف عند الطور الأول من دراستهم للغة العربية فإن المنتظر من نحاة العربية الجدد أن يتوجهوا بأنظارهم نحو الخصائص الجامعة بين ما سبق تناوله متفرقا. وغاية هذا الدرس أن يكشف عن الوجه العملي لهذه الإمكانية.
-2. نسلم أن نحو اللغات البشرية يتفرع، بناء على مبدء التركيب المتدرج، إلى 1) نحو الجملة؛ يهتم بالعلاقات القائمة بين عناصر تتراكب لتكوين وحدة لغوية تسمى"الجملة". 2) نحو الخطاب؛ وهو الذي يتولى في مستوى على من التركيب، دراسة العلاقات التي تنتظم بها الجمل فتكون وحدة لغوية أكبر نسميها هنا "الخطاب". بحيث ينحل الخطاب مباشرة إلى، جمل، والجملة تنحل بدورها إلى مركبات تنحل إلى عناصر تقبل التجزئة إلى أن يتوقف التحليل عند عناصر نووية. إذا وقع التسليم بهذا التدرج صار بالإمكان التقيد في المرحلة الأولى بقضايا لغوية تنتمي إلى نحو الجملة، على أن يكون تناولها في مستوى من المعالجة واحدا. وذلك بمقتضى المثبت في الفقرة الأولى.
3- يهتدي كل ناظر في النحو العربي الذي بين أيدينا إلى ظاهرة استقراره، مع ابن مالك وشروح ألفيته، على أبواب ثابتة لا تتغير. ثبوت النحو العربي على أبوابه المألوفة قد يعكسه أيضا سرد المفردات التي يكون مقررات مادة النحو في مدارسنا وجامعاتنا.
بعد أبواب المقدمة؛ حيث يتوجه الاهتمام إلى أقسام الكلم وإلى تفريعات كل قسم وضوابط كل فرع، تأتي المرفوعات وقد اقترن ذكر بعض النواسخ بالمبتدأ وخبره، والفعل المبني للمفعول بالفاعل. فالمنصوبات بعدها المجرورات والتوابع. وقد ينجر الحديث إلى تناول ظواهر صرفية كصيغ التفضيل وأخرى صوتية كالترخيم. ولا يستبعد أن يتعذر حصر القضايا المتناولة مع المنصوبات في كل كتاب من كتب النحو العربي. وتكفي المقارنة بين بعضهما للوقوف على صحة المثبت هنا.
4 -كل ما سرد في الفقرة الثالثة من أبواب النحو وغيرها مما لم يذكر وهو كثير يمكن تجميعه في باب عام لتناوله تناولا واحدا. بمعنى يمكن أن نتحدث عنها في مستوى أعلى من التعميم بعدد قليل من الرواسم، بحيث تستغرق كل راسمة أبوابا تصلح أن تنتمي إلى تلك الراسمة.
هب أنك ترغب في تكوين تصور عن المقصود براسمة الجملة. عندئد لا يخلو الأمر من أن تردد مع ابن جني والزمخشري وابن هشام كون الجملة مرادفة للقول أو الكلام؛ وهي "عبارة عن الفعل وفاعله كقام زيد،والمبتدأ وخبره كزيد قائم، وما كان بمنزلة أحدهما نحو ضرب اللص، وأقائم الزيدان وكان زيد قائمًا وظننته قائمًا"(1) . أو أن تتخلى عن وصف الجملة؛ بالمصادق كما عرفها ابن هشام بالامثلة في عبارته السابقة وعند اختيار الاحتمال الثاني كان له الدور الآتي في تجميع أبواب نحو الجملة.
1.الجملة؛ مكوناتها
تشترك جمل اللغات البشرية في تكونها من «إسناد» مع «الصدور» و «الفضلات» أو بدونها. بمعنى للجملة في كل اللغات نواة لا بد منها تتمثل في علاقة الإسناد (سند). وقد تسبقها صدور (صد) وتلحقها فضلات(فضلة). يمكن صوغ ذلك دفعة واحدة بالعبارة (1) التالية.
(1) ج ¬ ± صد (سند) ± فص.
وإذا كان فصل الصرف عن النحو محكما، وكذلك باقي فصوص اللغة العربية، تعين ألا يخرج شيء من أبواب النحو عن إحدى الرواسم الثلاثة التي تكون الجملة. إذ لو جئنا بجملة من أية لغة لوجدناها قابلة لأن تنحل إلى المكونات المذكورة بقطع النظر عن موقع كل منها تبعًا لاختيار كل لغة.وفي مستوى أدون من التحليل تجد مكون الإسناد يتألف، تبعًا لسيبويه(2) ، من مسند إليه (م) ومسند (م) وعلاقة تركيبية (ع) لها صور متغايرة في مختلف اللغات. ما ذكرناه هنا يمكن صوغه من جديد في العبارة (2)التالية.
(2) سند ¬ م ع م، أو، م ع م.
وبدمج محتوى العبارتين (1و2) السابقتين نحصل على مكونات للجملة في أي لغة، كما تعبر عنها الشجرة (3) الممثل لها بالجملة (كان عبده منشرحا البارحة).
ج
±صد ±فض
سند
م ع م
كان عبده (2ض) منشرحا البارحة
وإذا عكسنا اتجاه مكونات الجملة لمسايرة لغة تكتب من اليسار نحو اليمين، كالهوسا ونحوها الفرنسية، صار بالإمكان تشجير جملة من إحدى اللغتين كما في مثل(4).
(4)
ج
±صد ±فض
سند
م ع م
Puorauoi Abdouh était triste hier matin
بعد أن بينا إمكان التعبير برواسم عامة عن مكونات الجملة الأساس يهمنا الآن أن نكشف عن كيفية انضواء الأبواب التي تشكل نحو الجملة إلى المكون الذي يصلح لها ولنبدأ بأول باب في المقدمة تناول كلم العربية.
1.1 الكلم الأصول وفروعها.
قبل الشروع في تناول مجمل لمسألة الكلم، أو غيرها، ينبغي التقيد حاليًّا بمبدأين؛
1) مبدأ السبر في التصنيف باعتباره الضامن لعدم الخلط بين مستويات الأقسام.
2) مبدأ الإناطة الذي يقضي بتعيين الخاصية التي تعلق موضوع أي باب نحوي بأحد مكونات الجملة المشخصة بالمثال(3) أعلاه.
عملا بمبدأ السبر المذكور يكون الكلم جمعًا لثلاث مقولات أصول:
1) فعل تام؛ يتميز بكونه حدثًا (ح) مقترنًا بزمان محصل (ز)، ويعبر عنه كالتالي (+ح+ز) من أمثلته جمع، وقفز، وسقط.
2) اسم محض متميز بخصائصه (± ح ±ز). مثاله جبل، يوم.
3) أداة : لهذه المقولة خصائصها الفارقة المتمثلة في (-ح-م-ز) من بين ما تضم الأداة نذكر (هل، إلا، لن، في).
وعملا بمبدأ الإناطة تستقل الأداة بالدخول الى الجملة عن طريق (صد) لا غير، أو أن نقترن بغيرها مما يدخل إليها من مسلك آخر. ويستقل الفعل التام بطريق (م) فلا يسمح لمقولة من مستواه أن تشاركه هذه الطريق. أما الاسم المحض فهو مخير بين طريقي (م) و(فض)، ومجبر على ولوج الجملة من أحدهما. وكل مخالفة، بأن تأتي الجملة مقولة من غير طريقها، فإنها تسبب في نشوء جملة فاسدة.
وبالعودة إلى مبدأ السبر يمكن، في مستوى أدون، الحصول على مقولات فروع؛ بوصفها تتركب من أبعاد خصائص المقولات الأصول. كأن نأخذ (+ح) من الفعل التام، و(-ز) من الاسم المحض لنحصل على (+ح-ز ). وهي الخاصية المميزة لمقولة الاسم القلب الفرعية التي تضم لمصادر وكل الأسماء المشتقة. ونركب للفعل الناقص الخاصية (-ح+ز) المميزة له، بأن نأخذ
(-ح) من الأداة و(+ز) من الفعل التام. وإذا أخذنا من الأداة (-م-ز) ومن الاسم المحض (+م) نكون قد كونا خاصية جديدة (+م-ز) نميز بها الاسم الناقص، مثل، (هذا، والذي، وهو).
وبالعودة أيضًا إلى مبدأ الإناطة نجد الفعل الناقص (-ح+ز) يجمع بين سلوك الأداة إذ لا يدخل إلى الجملة إلا عن طريق (صد)، وبين سلوك الفعل إذ يتصرف تصرفه. كما يجمع الاسم القلب (+ح-ز) بين سلوك الفعل التام وسلوك الاسم المحض. فيدخل إلى الجملة من جميع الطرق خلا (صد). وكذلك حال الاسم الناقص؛ إذ يجمع بين سلوك الاسم المحض، بوصفه يدخل إلى الجملة من طريقيه (م) و(فض)، وبين سلوك الأداة بوصفه لا يتمكن من معناه ولا يثبت عليه، فصار لفظه مبنيا كالأداة. وهو الشبه الذي لاحظه نحاة متأخرون وسموه شبها افتقاريا (3)
مما تقدم تحصل لدينا من الكلم الأقسام التالية :
-(1) كلم أصول؛ تتميز باستقلال كل ضرب بخصائصه الفارقة له عن غيره من نفس المستوى. وهي ثلاثة أضرب.
(1) *اسم محض يتكون من خصائص ± ]م ±ز[ ويتفرع إلى ]+م-ز[ مثل جبل، وشجرة، وفرس ونحو ذلك، وإلى ]-م+ز[ مثل يوم، وثانية، وقرن، وهلم جرا.
* (2) فعل تام؛ وهو المتكون من عنصر الحدث والزمان. كما تقدم التعبير عنهما في ]+ح+ز[. والفعل باعتبار عنصر الزمان ]+ز[ ثلاث أضرب : فعل مستقبل فحاضر فماض. وهو باعتبار عنصر الحدث ]+ح[ إما فعل قاصر؛ وهو الفعل الذي يراكب اسما إعرابه الرفع ووظيفته النحوية المفعولية. من أمثلته (سقطت التفاحة )، و(هلك القوم)، و( حمض اللبن) و( جملت البنت) و(سعد الفائز) و ( فرح الأب ). وإما فعل لازم؛ وهوالفعل الذي يعلمه الاسم المرفوع الذي يراكبه بنفسه، بحيث يكون الفاعل حاملا لأثر فعله. من هذا القبيل (أقلعت الطائرة)و( هرب السنور) . وإما فعل متعد؛ وهو كل فعل يعلمه مراكبه بغيره. مثل (جمع الراعي قطيعة)، و( أهدى خالد الكتاب لأخيه)(4) . وعند حذف حرف الإضافة من المفعول الثاني (لأخيه) تحول هذا الأخير إلى موقع المفعول الأول، فتكون صنف الفعل المتخطى ، كما في مثل (أعطى زيد عمرا كتابا). وأصل هذه الجملة ( أعطى زيد كتابا لعمرو).
(3) *الأداة ؛ لهذا الضرب الخصائص المقولية [-ز-ح-م] التي خولت لها الدخول إلى الجملة عن طريق (صد) ما لم ترافق ما تقترن به . كما سيتضح بعد قليل . والأداة ، باعتبار ما تراكب، صنفان؛ أداة اقترانية، وهي المختصة التي تلازم إحدى المقولتين السابقتين. والاقتران هنا تجاوز أو تجانس كما سيتضح. وأداة افتراقية ؛ وهي التي لا تختص بملازمة أي من الصنفين السابقين، وعدم الاختصاص سمة العاطل، فلا تكون الأداة الافتراقية عاملة. من هذا الصنف نذكر على سبيل التمثيل ( هل ، إلا، و). والأداة الاقترانية ضربان : أداة اقترانية دامجة وهي المعتبرة عند النحاة جزءا مما اقترنت به فلا تعمل فيه . من هذا القبيل ذكروا ( قد، سوف ، ال ) ونحوها. وليس لصنف الدامج من الأدوات سوى مرافقة ما اقترنت به فتدخل معه إلى الجملة من طريقه.. أما الضرب الآخر من الأدوات الاقترانية فهو الأداة الخارجة. وهذه تتميز بالعمل فيما تقترن به. وقد تقدم أن الاقتران إما أن يقوم على التجاور؛ من هذا القبيل حروف الإضافة التي تعمل الجر فيما اقترنت به من الأسماء. وكذلك الحروف العاملة في الفعل المضارع، وإما أن يقوم الاقتران على التجانس . فتكون الأداة مقترنة بما يجانسها عاملة فيه وإن لم يجاورها. من هذا القبيل (ليس) ونحوها من الأفعال الناقصة التي سيأتي ذكرها ضمن أقسام الكلم الفروع .
(1.1) كلم فروع؛ تتميز بكون خصائصها الفارقة مركبة من بعض خصائص الكلم الأصول. وهي ثلاثة أضرب كما تقدم :
(1) فعل ناقص [+ز-ح] يدخل إلى الجملة عن طريق (صد) كالأداة الاقترانية الخارجة التي تعمل فيما يجانسها. من هذا القبيل (كان) في قوله تعالى {كان الناس أمة واحدة }. حيث لا تعمل (كان) إلا في الخبر(5). لأن مدلولها زمان يقترن بالحدث أو المحمول الذي هو خبر المبتدأ وسوف نعود إلى (كان) ونحوها في موضوع الإعراب .
(2). اسم ناقص [+م-ز] يتميز بالدخول إلى الجملة من طريقي الاسم المحض، وبالافتقار إلى مضمر يعينه على تحديد معناه. إذ كل ضمير يدل على معنى مدلول عليه باسم محض آخر، وكذلك الموصول والإشارة .وهو كالاسم المحض قابل لأثر العامل ولا يعمل. إلا أن المحض قابل معرب وضعا وموضعا، إذ تتعاقب على حرفه الإعرابي علامات الإعراب الثلاثة : الضم والفتح والكسر، مالم يمنع الصرف الأخيرة . بينما الاسم الناقص يكون مبينا وضعا كالأداة لكنه معرب موضعا كالاسم المحض .
(3). الاسم القلب [+ح-ز]، هذا الصنف يتميز بخاصية التقلب التي تتمثل أولا في دخوله إلى الجملة من طريقي الفعل والاسم المحض. وثانيا في كونه عاملا كالفعل وقابلا كالاسم. وخاصية التقلب هذه تتوفر في المصادر والأسماء المشتقة . إذ جميعها تكون قابلة وعاملة عمل أفعالها .
نجمل بعض التفريعات المقدمة كالتالي.
(5) 1.اسم محض. (1.1)
1.أصول 2. فعل تام. (2.1)
3. أداة. (3.1)
كلم
1. اسم ناقص. (1.2)
2.فروع 2. اسم قلب. (2.2)
3. فعل ناقص. (3.2)
ويمكن الاستمرار في الكشف عن الخصائص الفارقة للمقولات المسرودة في المبيان (5) انطلاقا من مكون الجملة النووي الذي هو الإسناد (سند). وهكذا يمكن أن نلاحظ أن أي مقولة من الكلم الأصول لا تراكب مثلها. فلا يجوز شيء من التراكيب الآتية
(6)(1.1 ع 1.1)* = الباخرة هلال*-السراب غصن*.
فساد الإسناد (1.1ع1.1) تنبه إليه النحاة قديما إذ قالوا اسم الجثة يخبر عنه ولا يخبر به. وإذ وقع فإن الأمر لا يخلو؛ إما أن يجوزه علم البيان في مثل ((خالد بحر) علما)، و((بكر أسد) شجاعة)، وأما أن يجوزه تركيب التقييد(6) المحقق بعلاقة الانتماء (') كما في مثل (المرجان حيوان)، و(الحاسوب آلة )، وبغير أحد هذين المسوغين؛ علم البيان وتركيب التقييد، يظل تركيب الإسناد (1.1ع 1.1) فاسدًا
(7) (2.1 ع2.1)*= وقف يهرب* - سمع هلك* - يفوز يعمل*.
وفي فساد التركيب (2.1ع 2.1) ذكر قدماء النحاة ؛ أن الفعل يخبر به ولا يخبر عنه. وقالوا أيضا لا يدخل الفعل على مثله. وإذا توالى فعلان، كما هو حال أفعال الشروع والمقاربة في مثل (كاد يسقط الولد) و(همت تخرج ليلى)، فإن علاقة الإسناد (ع) لا تقوم بين الفعلين المتواليين، وإنما تقوم بين المسند إليه (مَ) وكلا الفعلين على النحو التالي (كاد ع الولد ع يسقط)، و(كادت ع ليلى ع تخرج). يدل على ذلك علامة المطابقة بين المتساندين، إذ هي الشاهد الحسي على (ع) المجردة(7) . وعندما يكون أحد الفعلين المتوالين ناقصا كما في مثل (كان يلعب الطفل)، فإن علاقة الإسناد (ع) تقوم بين المسند إليه (م) و الفعل التام على النحو التالي (كان(يلعب ع الطفل)).
وإذا اتضح أن الأداة (3.1) لا تدخل أصلا إلى الجملة من مكونها النووي (سند) وكذلك الأفعال الناقصة(3.2) لعلة سبق ذكرها، فإن هاتين المقولتين لا تراكبان مثليهما ولا غيرهما بواسطة (ع). وعليه بقي النظر في الاسمين الناقص (1.2) والقلب(2.2)
(8) (2.1ع 2.1)*= حيث هو*-الذي هذا*-من كيف*.
الاسم الناقص كالاسم المحض لا يراكب مثله. لأنهما لا يدخلان إلى الجملة من طريق المسند (م). وإذا راكب اسم ناقص مثله، كما في الاستفهام خاصة من نحو (منذ متى)، و (أين هو)، و(مَن هذا) و(كيف أنت)، فإن في الجملة حذفا يشهد عليه ظهوره في قوله تعالى{أنّى لك هذا} حيث يكون حرف الجر (ل) متعلقا بفعل أو مشتق منه. وعليه فإن أصل الجمل السابقة على التوالي يكون كما يلي (كان منذ متى)، و(أين يوجد) و(من يكون هذا)، و(كيف حالك).
د.محمد الأوراغي
تقديم :
1- نفترض أن دراسة أي ظاهرة، كانت لغوية أو غير لغوية تمر بطورين اثنين.أولهما متميز باتخاذ الاستقرار منهجا، وتحليل الظاهرة المعنية إلى عناصرها غاية. بينما ثاني الطورين يتميز بالسعي إلى تجريد الخصائص العامة الملحوظ أثرها في الظاهرة موضوع الدراسة ونحوها المتوقع.
و إذا ثبت أن كان الغالب على أعمال نحاة قدماء الوقوف عند الطور الأول من دراستهم للغة العربية فإن المنتظر من نحاة العربية الجدد أن يتوجهوا بأنظارهم نحو الخصائص الجامعة بين ما سبق تناوله متفرقا. وغاية هذا الدرس أن يكشف عن الوجه العملي لهذه الإمكانية.
-2. نسلم أن نحو اللغات البشرية يتفرع، بناء على مبدء التركيب المتدرج، إلى 1) نحو الجملة؛ يهتم بالعلاقات القائمة بين عناصر تتراكب لتكوين وحدة لغوية تسمى"الجملة". 2) نحو الخطاب؛ وهو الذي يتولى في مستوى على من التركيب، دراسة العلاقات التي تنتظم بها الجمل فتكون وحدة لغوية أكبر نسميها هنا "الخطاب". بحيث ينحل الخطاب مباشرة إلى، جمل، والجملة تنحل بدورها إلى مركبات تنحل إلى عناصر تقبل التجزئة إلى أن يتوقف التحليل عند عناصر نووية. إذا وقع التسليم بهذا التدرج صار بالإمكان التقيد في المرحلة الأولى بقضايا لغوية تنتمي إلى نحو الجملة، على أن يكون تناولها في مستوى من المعالجة واحدا. وذلك بمقتضى المثبت في الفقرة الأولى.
3- يهتدي كل ناظر في النحو العربي الذي بين أيدينا إلى ظاهرة استقراره، مع ابن مالك وشروح ألفيته، على أبواب ثابتة لا تتغير. ثبوت النحو العربي على أبوابه المألوفة قد يعكسه أيضا سرد المفردات التي يكون مقررات مادة النحو في مدارسنا وجامعاتنا.
بعد أبواب المقدمة؛ حيث يتوجه الاهتمام إلى أقسام الكلم وإلى تفريعات كل قسم وضوابط كل فرع، تأتي المرفوعات وقد اقترن ذكر بعض النواسخ بالمبتدأ وخبره، والفعل المبني للمفعول بالفاعل. فالمنصوبات بعدها المجرورات والتوابع. وقد ينجر الحديث إلى تناول ظواهر صرفية كصيغ التفضيل وأخرى صوتية كالترخيم. ولا يستبعد أن يتعذر حصر القضايا المتناولة مع المنصوبات في كل كتاب من كتب النحو العربي. وتكفي المقارنة بين بعضهما للوقوف على صحة المثبت هنا.
4 -كل ما سرد في الفقرة الثالثة من أبواب النحو وغيرها مما لم يذكر وهو كثير يمكن تجميعه في باب عام لتناوله تناولا واحدا. بمعنى يمكن أن نتحدث عنها في مستوى أعلى من التعميم بعدد قليل من الرواسم، بحيث تستغرق كل راسمة أبوابا تصلح أن تنتمي إلى تلك الراسمة.
هب أنك ترغب في تكوين تصور عن المقصود براسمة الجملة. عندئد لا يخلو الأمر من أن تردد مع ابن جني والزمخشري وابن هشام كون الجملة مرادفة للقول أو الكلام؛ وهي "عبارة عن الفعل وفاعله كقام زيد،والمبتدأ وخبره كزيد قائم، وما كان بمنزلة أحدهما نحو ضرب اللص، وأقائم الزيدان وكان زيد قائمًا وظننته قائمًا"(1) . أو أن تتخلى عن وصف الجملة؛ بالمصادق كما عرفها ابن هشام بالامثلة في عبارته السابقة وعند اختيار الاحتمال الثاني كان له الدور الآتي في تجميع أبواب نحو الجملة.
1.الجملة؛ مكوناتها
تشترك جمل اللغات البشرية في تكونها من «إسناد» مع «الصدور» و «الفضلات» أو بدونها. بمعنى للجملة في كل اللغات نواة لا بد منها تتمثل في علاقة الإسناد (سند). وقد تسبقها صدور (صد) وتلحقها فضلات(فضلة). يمكن صوغ ذلك دفعة واحدة بالعبارة (1) التالية.
(1) ج ¬ ± صد (سند) ± فص.
وإذا كان فصل الصرف عن النحو محكما، وكذلك باقي فصوص اللغة العربية، تعين ألا يخرج شيء من أبواب النحو عن إحدى الرواسم الثلاثة التي تكون الجملة. إذ لو جئنا بجملة من أية لغة لوجدناها قابلة لأن تنحل إلى المكونات المذكورة بقطع النظر عن موقع كل منها تبعًا لاختيار كل لغة.وفي مستوى أدون من التحليل تجد مكون الإسناد يتألف، تبعًا لسيبويه(2) ، من مسند إليه (م) ومسند (م) وعلاقة تركيبية (ع) لها صور متغايرة في مختلف اللغات. ما ذكرناه هنا يمكن صوغه من جديد في العبارة (2)التالية.
(2) سند ¬ م ع م، أو، م ع م.
وبدمج محتوى العبارتين (1و2) السابقتين نحصل على مكونات للجملة في أي لغة، كما تعبر عنها الشجرة (3) الممثل لها بالجملة (كان عبده منشرحا البارحة).
ج
±صد ±فض
سند
م ع م
كان عبده (2ض) منشرحا البارحة
وإذا عكسنا اتجاه مكونات الجملة لمسايرة لغة تكتب من اليسار نحو اليمين، كالهوسا ونحوها الفرنسية، صار بالإمكان تشجير جملة من إحدى اللغتين كما في مثل(4).
(4)
ج
±صد ±فض
سند
م ع م
Puorauoi Abdouh était triste hier matin
بعد أن بينا إمكان التعبير برواسم عامة عن مكونات الجملة الأساس يهمنا الآن أن نكشف عن كيفية انضواء الأبواب التي تشكل نحو الجملة إلى المكون الذي يصلح لها ولنبدأ بأول باب في المقدمة تناول كلم العربية.
1.1 الكلم الأصول وفروعها.
قبل الشروع في تناول مجمل لمسألة الكلم، أو غيرها، ينبغي التقيد حاليًّا بمبدأين؛
1) مبدأ السبر في التصنيف باعتباره الضامن لعدم الخلط بين مستويات الأقسام.
2) مبدأ الإناطة الذي يقضي بتعيين الخاصية التي تعلق موضوع أي باب نحوي بأحد مكونات الجملة المشخصة بالمثال(3) أعلاه.
عملا بمبدأ السبر المذكور يكون الكلم جمعًا لثلاث مقولات أصول:
1) فعل تام؛ يتميز بكونه حدثًا (ح) مقترنًا بزمان محصل (ز)، ويعبر عنه كالتالي (+ح+ز) من أمثلته جمع، وقفز، وسقط.
2) اسم محض متميز بخصائصه (± ح ±ز). مثاله جبل، يوم.
3) أداة : لهذه المقولة خصائصها الفارقة المتمثلة في (-ح-م-ز) من بين ما تضم الأداة نذكر (هل، إلا، لن، في).
وعملا بمبدأ الإناطة تستقل الأداة بالدخول الى الجملة عن طريق (صد) لا غير، أو أن نقترن بغيرها مما يدخل إليها من مسلك آخر. ويستقل الفعل التام بطريق (م) فلا يسمح لمقولة من مستواه أن تشاركه هذه الطريق. أما الاسم المحض فهو مخير بين طريقي (م) و(فض)، ومجبر على ولوج الجملة من أحدهما. وكل مخالفة، بأن تأتي الجملة مقولة من غير طريقها، فإنها تسبب في نشوء جملة فاسدة.
وبالعودة إلى مبدأ السبر يمكن، في مستوى أدون، الحصول على مقولات فروع؛ بوصفها تتركب من أبعاد خصائص المقولات الأصول. كأن نأخذ (+ح) من الفعل التام، و(-ز) من الاسم المحض لنحصل على (+ح-ز ). وهي الخاصية المميزة لمقولة الاسم القلب الفرعية التي تضم لمصادر وكل الأسماء المشتقة. ونركب للفعل الناقص الخاصية (-ح+ز) المميزة له، بأن نأخذ
(-ح) من الأداة و(+ز) من الفعل التام. وإذا أخذنا من الأداة (-م-ز) ومن الاسم المحض (+م) نكون قد كونا خاصية جديدة (+م-ز) نميز بها الاسم الناقص، مثل، (هذا، والذي، وهو).
وبالعودة أيضًا إلى مبدأ الإناطة نجد الفعل الناقص (-ح+ز) يجمع بين سلوك الأداة إذ لا يدخل إلى الجملة إلا عن طريق (صد)، وبين سلوك الفعل إذ يتصرف تصرفه. كما يجمع الاسم القلب (+ح-ز) بين سلوك الفعل التام وسلوك الاسم المحض. فيدخل إلى الجملة من جميع الطرق خلا (صد). وكذلك حال الاسم الناقص؛ إذ يجمع بين سلوك الاسم المحض، بوصفه يدخل إلى الجملة من طريقيه (م) و(فض)، وبين سلوك الأداة بوصفه لا يتمكن من معناه ولا يثبت عليه، فصار لفظه مبنيا كالأداة. وهو الشبه الذي لاحظه نحاة متأخرون وسموه شبها افتقاريا (3)
مما تقدم تحصل لدينا من الكلم الأقسام التالية :
-(1) كلم أصول؛ تتميز باستقلال كل ضرب بخصائصه الفارقة له عن غيره من نفس المستوى. وهي ثلاثة أضرب.
(1) *اسم محض يتكون من خصائص ± ]م ±ز[ ويتفرع إلى ]+م-ز[ مثل جبل، وشجرة، وفرس ونحو ذلك، وإلى ]-م+ز[ مثل يوم، وثانية، وقرن، وهلم جرا.
* (2) فعل تام؛ وهو المتكون من عنصر الحدث والزمان. كما تقدم التعبير عنهما في ]+ح+ز[. والفعل باعتبار عنصر الزمان ]+ز[ ثلاث أضرب : فعل مستقبل فحاضر فماض. وهو باعتبار عنصر الحدث ]+ح[ إما فعل قاصر؛ وهو الفعل الذي يراكب اسما إعرابه الرفع ووظيفته النحوية المفعولية. من أمثلته (سقطت التفاحة )، و(هلك القوم)، و( حمض اللبن) و( جملت البنت) و(سعد الفائز) و ( فرح الأب ). وإما فعل لازم؛ وهوالفعل الذي يعلمه الاسم المرفوع الذي يراكبه بنفسه، بحيث يكون الفاعل حاملا لأثر فعله. من هذا القبيل (أقلعت الطائرة)و( هرب السنور) . وإما فعل متعد؛ وهو كل فعل يعلمه مراكبه بغيره. مثل (جمع الراعي قطيعة)، و( أهدى خالد الكتاب لأخيه)(4) . وعند حذف حرف الإضافة من المفعول الثاني (لأخيه) تحول هذا الأخير إلى موقع المفعول الأول، فتكون صنف الفعل المتخطى ، كما في مثل (أعطى زيد عمرا كتابا). وأصل هذه الجملة ( أعطى زيد كتابا لعمرو).
(3) *الأداة ؛ لهذا الضرب الخصائص المقولية [-ز-ح-م] التي خولت لها الدخول إلى الجملة عن طريق (صد) ما لم ترافق ما تقترن به . كما سيتضح بعد قليل . والأداة ، باعتبار ما تراكب، صنفان؛ أداة اقترانية، وهي المختصة التي تلازم إحدى المقولتين السابقتين. والاقتران هنا تجاوز أو تجانس كما سيتضح. وأداة افتراقية ؛ وهي التي لا تختص بملازمة أي من الصنفين السابقين، وعدم الاختصاص سمة العاطل، فلا تكون الأداة الافتراقية عاملة. من هذا الصنف نذكر على سبيل التمثيل ( هل ، إلا، و). والأداة الاقترانية ضربان : أداة اقترانية دامجة وهي المعتبرة عند النحاة جزءا مما اقترنت به فلا تعمل فيه . من هذا القبيل ذكروا ( قد، سوف ، ال ) ونحوها. وليس لصنف الدامج من الأدوات سوى مرافقة ما اقترنت به فتدخل معه إلى الجملة من طريقه.. أما الضرب الآخر من الأدوات الاقترانية فهو الأداة الخارجة. وهذه تتميز بالعمل فيما تقترن به. وقد تقدم أن الاقتران إما أن يقوم على التجاور؛ من هذا القبيل حروف الإضافة التي تعمل الجر فيما اقترنت به من الأسماء. وكذلك الحروف العاملة في الفعل المضارع، وإما أن يقوم الاقتران على التجانس . فتكون الأداة مقترنة بما يجانسها عاملة فيه وإن لم يجاورها. من هذا القبيل (ليس) ونحوها من الأفعال الناقصة التي سيأتي ذكرها ضمن أقسام الكلم الفروع .
(1.1) كلم فروع؛ تتميز بكون خصائصها الفارقة مركبة من بعض خصائص الكلم الأصول. وهي ثلاثة أضرب كما تقدم :
(1) فعل ناقص [+ز-ح] يدخل إلى الجملة عن طريق (صد) كالأداة الاقترانية الخارجة التي تعمل فيما يجانسها. من هذا القبيل (كان) في قوله تعالى {كان الناس أمة واحدة }. حيث لا تعمل (كان) إلا في الخبر(5). لأن مدلولها زمان يقترن بالحدث أو المحمول الذي هو خبر المبتدأ وسوف نعود إلى (كان) ونحوها في موضوع الإعراب .
(2). اسم ناقص [+م-ز] يتميز بالدخول إلى الجملة من طريقي الاسم المحض، وبالافتقار إلى مضمر يعينه على تحديد معناه. إذ كل ضمير يدل على معنى مدلول عليه باسم محض آخر، وكذلك الموصول والإشارة .وهو كالاسم المحض قابل لأثر العامل ولا يعمل. إلا أن المحض قابل معرب وضعا وموضعا، إذ تتعاقب على حرفه الإعرابي علامات الإعراب الثلاثة : الضم والفتح والكسر، مالم يمنع الصرف الأخيرة . بينما الاسم الناقص يكون مبينا وضعا كالأداة لكنه معرب موضعا كالاسم المحض .
(3). الاسم القلب [+ح-ز]، هذا الصنف يتميز بخاصية التقلب التي تتمثل أولا في دخوله إلى الجملة من طريقي الفعل والاسم المحض. وثانيا في كونه عاملا كالفعل وقابلا كالاسم. وخاصية التقلب هذه تتوفر في المصادر والأسماء المشتقة . إذ جميعها تكون قابلة وعاملة عمل أفعالها .
نجمل بعض التفريعات المقدمة كالتالي.
(5) 1.اسم محض. (1.1)
1.أصول 2. فعل تام. (2.1)
3. أداة. (3.1)
كلم
1. اسم ناقص. (1.2)
2.فروع 2. اسم قلب. (2.2)
3. فعل ناقص. (3.2)
ويمكن الاستمرار في الكشف عن الخصائص الفارقة للمقولات المسرودة في المبيان (5) انطلاقا من مكون الجملة النووي الذي هو الإسناد (سند). وهكذا يمكن أن نلاحظ أن أي مقولة من الكلم الأصول لا تراكب مثلها. فلا يجوز شيء من التراكيب الآتية
(6)(1.1 ع 1.1)* = الباخرة هلال*-السراب غصن*.
فساد الإسناد (1.1ع1.1) تنبه إليه النحاة قديما إذ قالوا اسم الجثة يخبر عنه ولا يخبر به. وإذ وقع فإن الأمر لا يخلو؛ إما أن يجوزه علم البيان في مثل ((خالد بحر) علما)، و((بكر أسد) شجاعة)، وأما أن يجوزه تركيب التقييد(6) المحقق بعلاقة الانتماء (') كما في مثل (المرجان حيوان)، و(الحاسوب آلة )، وبغير أحد هذين المسوغين؛ علم البيان وتركيب التقييد، يظل تركيب الإسناد (1.1ع 1.1) فاسدًا
(7) (2.1 ع2.1)*= وقف يهرب* - سمع هلك* - يفوز يعمل*.
وفي فساد التركيب (2.1ع 2.1) ذكر قدماء النحاة ؛ أن الفعل يخبر به ولا يخبر عنه. وقالوا أيضا لا يدخل الفعل على مثله. وإذا توالى فعلان، كما هو حال أفعال الشروع والمقاربة في مثل (كاد يسقط الولد) و(همت تخرج ليلى)، فإن علاقة الإسناد (ع) لا تقوم بين الفعلين المتواليين، وإنما تقوم بين المسند إليه (مَ) وكلا الفعلين على النحو التالي (كاد ع الولد ع يسقط)، و(كادت ع ليلى ع تخرج). يدل على ذلك علامة المطابقة بين المتساندين، إذ هي الشاهد الحسي على (ع) المجردة(7) . وعندما يكون أحد الفعلين المتوالين ناقصا كما في مثل (كان يلعب الطفل)، فإن علاقة الإسناد (ع) تقوم بين المسند إليه (م) و الفعل التام على النحو التالي (كان(يلعب ع الطفل)).
وإذا اتضح أن الأداة (3.1) لا تدخل أصلا إلى الجملة من مكونها النووي (سند) وكذلك الأفعال الناقصة(3.2) لعلة سبق ذكرها، فإن هاتين المقولتين لا تراكبان مثليهما ولا غيرهما بواسطة (ع). وعليه بقي النظر في الاسمين الناقص (1.2) والقلب(2.2)
(8) (2.1ع 2.1)*= حيث هو*-الذي هذا*-من كيف*.
الاسم الناقص كالاسم المحض لا يراكب مثله. لأنهما لا يدخلان إلى الجملة من طريق المسند (م). وإذا راكب اسم ناقص مثله، كما في الاستفهام خاصة من نحو (منذ متى)، و (أين هو)، و(مَن هذا) و(كيف أنت)، فإن في الجملة حذفا يشهد عليه ظهوره في قوله تعالى{أنّى لك هذا} حيث يكون حرف الجر (ل) متعلقا بفعل أو مشتق منه. وعليه فإن أصل الجمل السابقة على التوالي يكون كما يلي (كان منذ متى)، و(أين يوجد) و(من يكون هذا)، و(كيف حالك).

تعليق