الاستطراد ..
ما هو الاستطراد ؟
- هو أن يخرج المتكلم من الكلام الذي هو مسترسل فيه إلى غيره – باستدعاء مناسبة – ثم يرجع إلى ما كان فيه ، وهو قريب من الاعتراض ، غير أن الاعتراض منه ما يقبح ويحسن بخلاف الاستطراد فإنه حسن كله .
- وهو الذي سماه ابن المعتز " الخروج من معنى إلى معنى " وفسره بأن قال :
هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحًا أو قدحَا أو وصفًا ، وبحثه في باب حسن الخروج .
- وقد أشار الجاحظ في البيان والتبيين إلى الاستطراد دون أن يلقبه هذا اللقب ، فيقول عنه :
هو ضربٌ من البديع ، يظهر الشاعر أنه يذهب لمعنى فيعنُّ له آخر ، فيأتي به كأنه على غير قصد ، وعليه يبنى وإليه كان مغزاه .
- وقال عنه أبو هلال : إنه يقرب من باب حسن الخروج .
- وقد يسمي بعض علماء البديع الاستطراد ، حسن خروج ، فيقول ابن رشيق : حسن الخروج هو عندهم شبيه بالاستطراد ، وليس به لأن الخروج إنما هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تخيل ثم تتمادى فيما خرجت إليه .
- والاستطراد أن يبني الشاعر كلامًا كثيرًا على لفظة من غير ذلك النوع ، يقطع عليها الكلام وهي مراده دون ما تقدم ، ويعود إلى كلامه الأول ، وكأنما عثر بتلك اللفظة من غير قصد ، فحسن الخروج على هذا الرأي هو حسن التخلص .
- وعرفه ابن رشيق بقوله :
هو أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء ، وهو إنما يريد غيره ، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد ، وإن تمادى فذلك خروج .
وأكثر الناس يسمي الجميع " استطرادا " والصواب هو ما ذكر .
وقال العلوي :
- إنه من علم البلاغة دقيق المجرى غزير الفوائد ، يستعمله الفصحاء ، ويعوِّل عليه أكثر البلغاء ، وعرفه يقوله :
ومعناه في مصطلح علماء البيان أن يشرع المتكلم في شيء من فنون الكلام ، ثم يستمر عليه فيخرج إلى غيره ثم يرجع إلى ما كان عليه من قبل .
فإن تمادى فهو الخروج ، وإن عاد فهو الاستطراد .
وذكر الحاتمي في " حلية المحاضرة "* أنه نقل هذه التسمية عن البحتري الشاعر ، ويقال إن البحتري نقلها عن أبي تمام .
وقد أورد القصة ابن أبي الإصبع في تحبيره ..
يقول أخبرني محمد بن يحيى الصولي ، قال سمعتُ البحتري يقول أنشدني أبو تمام قطعة يهجو بها عثمان بن إدريس يقول :
وسابحٍ هطلِ التِّعداءِ هتانِ * * * على الجِراء أمينٍ غيرِ خوانِ
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه * * * فخلِ عينيك في ظمآن ريّانِ
فلو تراه مُشيحًا والحصى زِيَمٌ * * * بين السنابكِ من مثنى ووُحدانِ
أيقنت – إن لم تَثَبَّتْ – أنّ حافره * * من صخرٍ تدمرُ أو من وجه عثمانِ
ثم قال لي : ما هذا من الشعر ؟ قلتُ : لا أدري . قال : هذا المستطرد ، أو قال الاستطراد . قلتُ وما معنى ذلك ؟ قال : يصف الفرس وإنما هو يريد هجاء عثمان " أخبار أبي تمام ص/ 68 .
فاحتذى هذا البحتري ، فقال في قصيدة يمدح بها محمد القمي ، ويصف فيها الفرس :
وأغر في الزمن البهيم محجل * * * قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل الجني ، إلا أنه * * * في الحسن جاء كصورة في هيكل
ملك العيون فإن بدا أعطيته * * * نظر المحب إلى الحبيب المقبلِ
ما إن يعاف قذى ولو أوردته * * * يومًا خلائق حمدويه الأحولِ
قال أبو علي : حمدويه هذا عدوا للممدوح .
فاستطرد به في شعره ، وهو من أصحاب البحتري.
ومنه قوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوكِ الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . ومن الليل فتهجد به نافلة لك "
فقوله : " وقرآن الفجر " من الاستطراد الرائق لأنه خرج من ذكر الليل إلى ذكر قرآن الفجر . ثم عاد بعده إلى ذكر الليل ، وهذه هي فائدة الاستطراد وحقيقته .
ومما جاء منه قول أبي بكر النطاح :
عرضتُ عليها ما أرادتْ من المنى * * * لترضى فقالت قمْ فجئني بكوكب
فقلتُ لها هذا التَّعنُّتُ كله * * * كمن يتشهَّى لحم عنقاء مُغْرِبِ
سَلي كلّ شيء يستقيم طلابُه * * * ولا تذهبي يا بدرُ بي كلَّ مذهبِ
فأقسم لو أصبحتُ في عزِّ مالكِ * * * وقدرته أعيا بما رمتِ مطلبي
فتى شقيت أمواله بنواله * * * كما شقيت بكر بأرماح تغلب
قال ابن أبي الإصبع : ( وهذا أبدع استطراد سمعته في عمري ، فإنه قد جمع أحسن قسم ، وأبدع تخلص ، وأرشق استطراد ، وتضمن مدح الممدوح بالكرم وقبيلته بالشجاعة والظفر ، وهجاء أعدائهم بالضعف والخور ، وهذا لم يتفق لمن قبله ولا لمن بعده إلى وقتنا هذا ) تحرير التحبير 131.
ومنه قول السموأل :
وإنا لقوم نرى القتل سبَّةً * * * إذا ما رأته عامرٌ وسلولٌ
فقد افتخر بقومه ، ثم هجا عامرا و سلولا ، وعاد بعد ذلك إلى الفخر .
فقال :
يقرِّبُ حبَّ الموتِ آجالنا لنا * * * وتكرهُه آجالهم فتطولُ
وقال ابن أبي الإصبع في تحبيره .. : " وأحسبُ أن أول من استطرد بالهجاء السموأل " .
ومن الاستطراد في النسيب قول امرؤ القيس :
عوجا على الطلل المحيل لعلنا * * * نبكي الديار كما بكى ابن حمام
ومنه قول جرير :
لمّا وضعت على الفرزدق ميسمي * * * وعلى البعيث جدعتُ أنف الأخطلِ
فقد أراد هجاء الفرزدق والبعيث ، فاستطرد إلى هجائه للأخطل ، فأجهز عليه فلم تعد له كرامة للتغلب عليه ، وكسر أنفه ، حيثُ قضى هجاؤه عليه قضاءً مبرمًا .
ومنه قول حسان بن ثابت :
إن كنت كاذبة الذي حدثتني * * * فنجوت منجى الحارث بن همام
ترك الأحبَّةَ أنْ يقاتل دونهم * * * فنجا برأس طمرة ولجام
إ- وذكر القزويني نوعًا من الاستطراد سماه " إيهام الاستطراد " وذلك بأن يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصّل إليه ( الإيضاح 350 ) كقول أبي اسحاق الصابي :
إن كنتُ خنتُكَ في المودة ساعة * * * فذممتُ سيف الدولةِ المحمودا
وزعمتُ أن له شريكًا في العلى * * * وجحدتُه في فضله التوحيدا
قسمًا لو أني حالف بغموسها * * * لغريمِ دينٍ ما أريد مزيدا
المراجع :
1- فنون بلاغية لأحمد مطلوب .
2- تحرير التحبير .. لابن أبي الإصبع .
3- وشي الربيع بألوان البديع ، ل د/ عائشة فريد .
4- العمدة لابن رشيق
منقول من منتدى رواء الادب
ما هو الاستطراد ؟
- هو أن يخرج المتكلم من الكلام الذي هو مسترسل فيه إلى غيره – باستدعاء مناسبة – ثم يرجع إلى ما كان فيه ، وهو قريب من الاعتراض ، غير أن الاعتراض منه ما يقبح ويحسن بخلاف الاستطراد فإنه حسن كله .
- وهو الذي سماه ابن المعتز " الخروج من معنى إلى معنى " وفسره بأن قال :
هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحًا أو قدحَا أو وصفًا ، وبحثه في باب حسن الخروج .
- وقد أشار الجاحظ في البيان والتبيين إلى الاستطراد دون أن يلقبه هذا اللقب ، فيقول عنه :
هو ضربٌ من البديع ، يظهر الشاعر أنه يذهب لمعنى فيعنُّ له آخر ، فيأتي به كأنه على غير قصد ، وعليه يبنى وإليه كان مغزاه .
- وقال عنه أبو هلال : إنه يقرب من باب حسن الخروج .
- وقد يسمي بعض علماء البديع الاستطراد ، حسن خروج ، فيقول ابن رشيق : حسن الخروج هو عندهم شبيه بالاستطراد ، وليس به لأن الخروج إنما هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تخيل ثم تتمادى فيما خرجت إليه .
- والاستطراد أن يبني الشاعر كلامًا كثيرًا على لفظة من غير ذلك النوع ، يقطع عليها الكلام وهي مراده دون ما تقدم ، ويعود إلى كلامه الأول ، وكأنما عثر بتلك اللفظة من غير قصد ، فحسن الخروج على هذا الرأي هو حسن التخلص .
- وعرفه ابن رشيق بقوله :
هو أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء ، وهو إنما يريد غيره ، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد ، وإن تمادى فذلك خروج .
وأكثر الناس يسمي الجميع " استطرادا " والصواب هو ما ذكر .
وقال العلوي :
- إنه من علم البلاغة دقيق المجرى غزير الفوائد ، يستعمله الفصحاء ، ويعوِّل عليه أكثر البلغاء ، وعرفه يقوله :
ومعناه في مصطلح علماء البيان أن يشرع المتكلم في شيء من فنون الكلام ، ثم يستمر عليه فيخرج إلى غيره ثم يرجع إلى ما كان عليه من قبل .
فإن تمادى فهو الخروج ، وإن عاد فهو الاستطراد .
وذكر الحاتمي في " حلية المحاضرة "* أنه نقل هذه التسمية عن البحتري الشاعر ، ويقال إن البحتري نقلها عن أبي تمام .
وقد أورد القصة ابن أبي الإصبع في تحبيره ..
يقول أخبرني محمد بن يحيى الصولي ، قال سمعتُ البحتري يقول أنشدني أبو تمام قطعة يهجو بها عثمان بن إدريس يقول :
وسابحٍ هطلِ التِّعداءِ هتانِ * * * على الجِراء أمينٍ غيرِ خوانِ
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه * * * فخلِ عينيك في ظمآن ريّانِ
فلو تراه مُشيحًا والحصى زِيَمٌ * * * بين السنابكِ من مثنى ووُحدانِ
أيقنت – إن لم تَثَبَّتْ – أنّ حافره * * من صخرٍ تدمرُ أو من وجه عثمانِ
ثم قال لي : ما هذا من الشعر ؟ قلتُ : لا أدري . قال : هذا المستطرد ، أو قال الاستطراد . قلتُ وما معنى ذلك ؟ قال : يصف الفرس وإنما هو يريد هجاء عثمان " أخبار أبي تمام ص/ 68 .
فاحتذى هذا البحتري ، فقال في قصيدة يمدح بها محمد القمي ، ويصف فيها الفرس :
وأغر في الزمن البهيم محجل * * * قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل الجني ، إلا أنه * * * في الحسن جاء كصورة في هيكل
ملك العيون فإن بدا أعطيته * * * نظر المحب إلى الحبيب المقبلِ
ما إن يعاف قذى ولو أوردته * * * يومًا خلائق حمدويه الأحولِ
قال أبو علي : حمدويه هذا عدوا للممدوح .
فاستطرد به في شعره ، وهو من أصحاب البحتري.
ومنه قوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوكِ الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . ومن الليل فتهجد به نافلة لك "
فقوله : " وقرآن الفجر " من الاستطراد الرائق لأنه خرج من ذكر الليل إلى ذكر قرآن الفجر . ثم عاد بعده إلى ذكر الليل ، وهذه هي فائدة الاستطراد وحقيقته .
ومما جاء منه قول أبي بكر النطاح :
عرضتُ عليها ما أرادتْ من المنى * * * لترضى فقالت قمْ فجئني بكوكب
فقلتُ لها هذا التَّعنُّتُ كله * * * كمن يتشهَّى لحم عنقاء مُغْرِبِ
سَلي كلّ شيء يستقيم طلابُه * * * ولا تذهبي يا بدرُ بي كلَّ مذهبِ
فأقسم لو أصبحتُ في عزِّ مالكِ * * * وقدرته أعيا بما رمتِ مطلبي
فتى شقيت أمواله بنواله * * * كما شقيت بكر بأرماح تغلب
قال ابن أبي الإصبع : ( وهذا أبدع استطراد سمعته في عمري ، فإنه قد جمع أحسن قسم ، وأبدع تخلص ، وأرشق استطراد ، وتضمن مدح الممدوح بالكرم وقبيلته بالشجاعة والظفر ، وهجاء أعدائهم بالضعف والخور ، وهذا لم يتفق لمن قبله ولا لمن بعده إلى وقتنا هذا ) تحرير التحبير 131.
ومنه قول السموأل :
وإنا لقوم نرى القتل سبَّةً * * * إذا ما رأته عامرٌ وسلولٌ
فقد افتخر بقومه ، ثم هجا عامرا و سلولا ، وعاد بعد ذلك إلى الفخر .
فقال :
يقرِّبُ حبَّ الموتِ آجالنا لنا * * * وتكرهُه آجالهم فتطولُ
وقال ابن أبي الإصبع في تحبيره .. : " وأحسبُ أن أول من استطرد بالهجاء السموأل " .
ومن الاستطراد في النسيب قول امرؤ القيس :
عوجا على الطلل المحيل لعلنا * * * نبكي الديار كما بكى ابن حمام
ومنه قول جرير :
لمّا وضعت على الفرزدق ميسمي * * * وعلى البعيث جدعتُ أنف الأخطلِ
فقد أراد هجاء الفرزدق والبعيث ، فاستطرد إلى هجائه للأخطل ، فأجهز عليه فلم تعد له كرامة للتغلب عليه ، وكسر أنفه ، حيثُ قضى هجاؤه عليه قضاءً مبرمًا .
ومنه قول حسان بن ثابت :
إن كنت كاذبة الذي حدثتني * * * فنجوت منجى الحارث بن همام
ترك الأحبَّةَ أنْ يقاتل دونهم * * * فنجا برأس طمرة ولجام
إ- وذكر القزويني نوعًا من الاستطراد سماه " إيهام الاستطراد " وذلك بأن يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصّل إليه ( الإيضاح 350 ) كقول أبي اسحاق الصابي :
إن كنتُ خنتُكَ في المودة ساعة * * * فذممتُ سيف الدولةِ المحمودا
وزعمتُ أن له شريكًا في العلى * * * وجحدتُه في فضله التوحيدا
قسمًا لو أني حالف بغموسها * * * لغريمِ دينٍ ما أريد مزيدا
المراجع :
1- فنون بلاغية لأحمد مطلوب .
2- تحرير التحبير .. لابن أبي الإصبع .
3- وشي الربيع بألوان البديع ، ل د/ عائشة فريد .
4- العمدة لابن رشيق
منقول من منتدى رواء الادب
