ظاهرة الإشعار في العربية
د. مصطفى شعبان
أستاذ اللغويات المساعد بكلية اللغات الأجنبية - جامعة القوميات شمال غرب الصين
بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية-العدد الثاني عشر-ربيع أول 1438هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
تعد ظاهرة الإشعار من الظواهر اللغوية البارزة في اللسان العربي،وتنبني على نظام من الأحكام المحدودة، ويندرج تحتها ما لا ينحصر من الجزئيات التي تراها مبثوثة في الكلام العربي،وتلك الظاهرة باب واسع من أبواب العربية،ونظام مَرِنٌ من أنظمتها،وقانون عام من قوانينها التي تحكم أنظمتها اللغوية والنحوية والصرفية والصوتية والبلاغية.
وعلى الرغم من ضرورة هذه الظاهرة وأهميتها وشيوعها في كلام العرب،فإن الكلام عنها في حيز الدراسات النحوية الحديثة يكاد يكون منعدمًا،على الرغم من ورودها في كلام القدامى متناثرًا في دواوينهم اللغوية والنحوية والصرفية، وقد حاول البحث من خلال عرض مواقع هذه الظاهرة تحديد القوالب التي تحصر تلك الظاهرة على المستوى النحوي والصرفي والصوتي.
وتنطلق تلك الدراسة من مبدأ عام معلوم من اللغة بالضرورة،وهو أن اللسان العربي أوسع الألسنة ألفاظًا وأغزره عبارات،وأن اللغة العربية لغة موحية تتوخى الوضوح وتنشد البيان؛إما منطوقًا وإما مدلولًا، وكل لغة لابد أن تحكمها مجموعة من القوانين الحاكمة،وهذه القوانين الحاكمة للغة «تكاد ترقى إلى مكانة القوانين الطبيعية ثباتًا وقوةً ولا يعني جهلنا لهذه القوانين في بعض الأحيان أنها غير موجودة،ومهمة العلم البحث عن هذه القوانين يكتشفها ولا يخترعها،يميط اللثام عنها ولا يتحكم فيها»( 1).
والعرب حين ينطقون بلفظ طرأ عليه نوع تغير في بنيته يراعون في صورته الجديدة الإشعارَ بما طرأ عليه من تصرُّفات، والإشارة إلى ما حدث فيه من تحوُّلات من حركة أو حذف أو زيادة أو إعلال ونحوه؛بيد أن لهم طرقًا شتى لهذا الإشعار،والعجيب أنهم قد يُشعرون بطريق من الطرق في موضع،وبعكسه في موضع آخر،فقد يُشعرون بطريق الإعلال في موضع وبطريق التصحيح في موضع آخر،وقد يُشعرون بطريق الحذف في موضع وبطريق الإثبات في موضع آخر،وقد يشعرون بطريق إخلاص الحركات في موضع وبطريق تخفيفها أو تضعيفها في موضع آخر،كما أنهم ربما حذفوا الشيء اعتباطًا لغير علة تصريفية،وربما حذفوه عن صنعة وتطرُّقٍ،وما كل ذلك إلا من ضروب اتساع اللغة وصروفها ومرونتها.
من أجل ذلك كان موضوع الدراسة مجالًا خصبًا للبحث والمناقشة،بكرًا للطرح والتناول،جديرًا بأن تُفرد له عدة دراسات وأبحاث،وأن يخص بالاهتمام في حقل البحث النحوي واللغوي، ضرورة أن الإشعار من بين تلك العلل اللغوية التي نبه عليها القدامى كثيرًا في تناولهم للدرس اللغوي، وأرادوا بذلك تفسير تلك الظاهرة وحاولوا محاولات شتى، وأدلى كل من اللغويين والنحاة والصرفيين بدلائهم في إبراز مظاهر تلك العلة في الدرس اللغوي حالما اتفق، غير أن أحدًا منهم لم يُفرد لها بحثًا مستقلًّا أو كتابًا منفردًا، وإنما تناثرت تنبيهاتهم على تلك الظاهرة في أبواب مختلفة ومسائل متباينة بشكل ينمُّ عن تصور نظري دقيق لما تفسره تلك الظاهرة من تغيرات طرأت على اللفظ.
وقد حاولت في بحثي هذا أن أنحو منحًى يعتمد على تقسيم الدراسة على أساس طبيعة هذه الظاهرة وصورها المتحققة فعلًا،وهذا لا شك سيؤثر تأثيرًا كبيرًا في تجلية الموضوع والخوض فيه منهجًا وتحليلًا،ومن ثَمَّ استبان لي أن أقسّم البحث إلى تمهيد وخمسة مباحث:
التمهيد: سلكت فيه تأصيل مفهوم الإشعار عند اللغويين والمعجميين واستخلاص التعريف الاصطلاحي الأنسب للظاهرة محل الدراسة.
المبحث الأول: الإشعار بطريق صوتي.
المبحث الثاني: الإشعار بطريق الإبدال أو التصحيح.
المبحث الثالث: الإشعار بطريق الحذف أو الزيادة.
المبحث الرابع: الإشعار بطريق الإلحاق.
المبحث الخامس: الإشعار بطريق الصيغة.
تمهيد
تأصيل مصطلح الإشعار ومفهومه:
الإشعار في اللغة:الإعلام،والشِّعَارُ:العلامةُ،ومنه مشاعر الحج أي:معالمه؛لأنها علامات له،وقيل: شعائر الله لكل عَلَمٍ مما تُعُبِّد به؛لأنه من قولهم: شَعَرْتُ به:عَلِمْتُهُ،فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات الله شعائر(2 ).
وإشعار الهَدْيِ في الحجِّ: طَعْنُ البُدْنِ في سنامها الأيمن حتى يسيل منه الدم؛ليكون ذلك علامة على أنها هَدْيٌ،فأَشْعَرَ البَدَنَةَ:أعْلمها(3 ). فالإشعار هنا الإعلام بتَدْمِيَةِ السَّنام( 4). وإنما سُمِّي إشعارًا؛ لأنه جُعل عَلامَة لها ودليلًا على أنَّها لله تعالى،وكل شَيْءٍ أعلمته بعلامة فقد أشعرته(5).
والشِّعار:هو النداء الذي يتنادى به القوم في الحرب ليعرف بعضهم بعضًا،وأصله قولهم:شَعَرْتُ بالشيء،إذا علِمْتُه وفطِنْتُه(6 ). وإنما سُمِّيَ الشاعر شاعرًا لفطنته(7)، وشِعَارُ القوم:علامتهم في السَّفر،يقال: أشْعَرَ القومُ في سفرهم:جعلوا لأنفسهم شِعارًا يتنادون به( 8).
وأشْعَرْتُ أمرَ فلان:جعلته معلومًا مشهورًا،وأشعرتُ فلانًا:جعلته علمًا بقبيحةٍ أشدْتُها عليه( 9).
وأَشْعَرْتُه فشَعَر: أدْرَيْتُه فدَرَى،وأشْعَرهُ فلانٌ شرًّا:غشِيَهُ به،وأشعره الحبُّ مرضًا( 10).
وأشْعَرَ الهَمُّ قلبي:لزق به كلزوق الشِّعار من الثياب بالجسد،وأشعر الرجلَ همًّا كذلك،وكلُّ ما ألزقه بشيءٍ فقد أشْعَرَهُ به(11 ).
وأشْعرتُ بفلانٍ: اِطَّلَعْتُ عليه، وأَشْعَرْتُ به: أَطْلَعْتُ عليه، وأَشْعَرَهُ الأمرَ، وأَشْعَرَهُ بِهِ: أعلمه إيَّاهُ(12).
وقدأطلق الاستعمال المعاصر مصطلح(الإشعار)على الإعلام الرسمي المكتوب الموجه من جهة رسمية،مستعملًا في ذلك قانون النقل الذي يُقصد به:نقل اللفظ العربي من معنى إلى معنى آخر(13 ). وأطلق بعضهم على الإشعار: الإخطار( 14). وجعله استعمال آخر بمعنى الإذاعة، فقالوا: أشعرَ الأمرَ: أذاعه( 15).
نستنتج من تناول اللغويين أن الفعل(أَشْعَرَ)فعل ذو خصائص متعددة من حيث التعدي والاستعمال:
أما من حيث التعدي:فالفعل(شَعَرَ)إذا دخلت عليه همزة التعدية تعدَّى إلى مفعولين تارةً بنفسه وتارة بالباء،وهو الأكثر، لقولهم: شَعَرَ بهِ دون: شَعَرَهُ،كما أنه قد يتعدَّى إلى مفعول واحدٍ أيضًا.
وأما الاستعمال فإن موارد الفعل(أشْعَرَ)تدور بين معنيين:أولهما:الإعلام والإيذان والإطْلاع. وثانيهما: الإلصاق والمخالطة والغشيان.
أما الاستعمال الأول وهو: الإعلام والإيذان، فيأتي في صور؛ مثل قولهم : (أشْعَرَهُ الأمرَ) أي: أعلمه إياه،و(أشْعَرَهُ بالأمر) يعني:أعلمه به، و(أشعره) يعني:أعلمه وأدراه،و(أَشْعَرَ بالأمرِ):أطْلعَ عليه. وجاء في الذكر الحكيم: (وما يُشْعِرُكُم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) (16 )، أي: وما يُدْرِيكُمْ.
وأما الاستعمال الثاني فهو:الإلصاق والمخالطة والغشيان وجعل شيء علمًا وعلامةً على شيءٍ، فيأتي في صور؛مثل قولهم:(أشعرَ الشيءُ الشيءَ) يعني: لصق به أو خالطه،و(أشعرَ فلانٌ الشيءَ)يعني:ألصق به علامة،وقولهم:(أشعره الشيءُ شيئًا)يعني: غَشِيَهُ به.
ومن خلال هذا العرض نخلُصُ إلى أنَّ مصطلح (الإشعار)الذي نعنيه هنا يُراد به في المفهوم اللُّغويّ: مزيجٌ من شيئين:(إعلام المخاطب بشيء وإيذانه بتحققه وإشعاره بوجوده)، و(إلصاق علامة باللفظ لتكون دليلًا على شيء ما).
قال ابن الطيب الفاسي: «إِشْعَار: بكسر الهمزة، مصدر "أشعره بالشيء" أعلمه به، فـ "الإشعار" كـ "الإعلام" وزنًا ومعنًى،على ما ذكره أئمة اللغة قاطبة،والمصنفون يستعملونه لما ليس بصريحٍ فهو عندهم كالإيماء والإشارة،فكأنه في اصطلاحهم من "أَشْعَرَ الهَدْيَ" إذا جعل فيه علامة فهو استعارة مشهورة بمنزلة الحقيقة»(17 ).
وبناء على هذا المفهوم يمكننا تعريف مصطلح (الإشعار) في تلك الظاهرة النحوية اصطلاحًا بأنه: دلالة تُفهم مِنْ كُلِّ ما يُحدثه العربُ باللفظ من علامات،وما ينطقون باللفظ عليه من هيئة؛ إيذانًا بالصيغة أو بالمعنى الأصليِّ لذلك اللفظ.
فالإشعار لا يجري على ألسنة النحاة اعتباطًا؛بل هو نظام ضارب في جذور العربية لاهجٌ بعنايتها بالصناعة اللفظية والدلالية،موحٍ باهتمام العربية بالعلة وقرائنها المُشعرة بها،فيمكن عدُّه من العلل التي انفرد بها اللغويون والنحاة؛كالعلل التعليمية والقياسية والجدلية(18 ). وقد تحدث السيوطي في معرض الحديث عن أقسام العلل عند النحويين عن "علة الإشعار"، وسلكها ضمن العلل التي تطرد على كلام العرب وتنساق إلى قانون لغتهم، وأردف هذا بأن العرب لتلك العلل أكثر استعمالًا،وأشد تداولًا،وأنها واسعة الشعب،إلا أن مدار المشهورة منها على أربعة وعشرين نوعًا، ذكر منها "علة الإشعار"( 19).
وبناءً على هذا فإن البحث يهدف إلى تفسير ظاهرة الإشعار التي وردت في النصوص اللغوية والتوجيهات النحوية التي دلت على مرونة العربية واتساعها وقدرتها على التنوع في قواعد اللغة، وعلى أن اللغة العربية تولي الألفاظ والمعاني اهتمامًا واسعًا على حدٍّ سواء.
المبحث الأول
الإشعار بطريق صوتي
والإشعار بأصل صورة اللفظ يأتي بطرق مختلفة تتضافر لتدل على أصلٍ غير مدلول عليه من ظاهر اللفظ لولا تلك العلامة التي تلحق باللفظ لتُشعر بصورته الأصلية، ومن تلك الطرق:
أ-الإشعار بإخلاص الحركات:
ونعني بهذا النوع الإشعار بالأصل بطريق إحداث حركة خالصة أو إبقاء حركة خالصة في أحد حروف بنية الكلمة يكون الغرض منها إما الإشارة إلى أصل الحرف المحذوف نفسه أو حركته،وإما الإشارة إلى أصل الحرف في بعض أحوال اللفظ وظيفةً أو جنسًا أو حركةً، وإما الإشارة إلى دلالة أصلية تُراد في اللفظ :
د. مصطفى شعبان
أستاذ اللغويات المساعد بكلية اللغات الأجنبية - جامعة القوميات شمال غرب الصين
بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية-العدد الثاني عشر-ربيع أول 1438هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
تعد ظاهرة الإشعار من الظواهر اللغوية البارزة في اللسان العربي،وتنبني على نظام من الأحكام المحدودة، ويندرج تحتها ما لا ينحصر من الجزئيات التي تراها مبثوثة في الكلام العربي،وتلك الظاهرة باب واسع من أبواب العربية،ونظام مَرِنٌ من أنظمتها،وقانون عام من قوانينها التي تحكم أنظمتها اللغوية والنحوية والصرفية والصوتية والبلاغية.
وعلى الرغم من ضرورة هذه الظاهرة وأهميتها وشيوعها في كلام العرب،فإن الكلام عنها في حيز الدراسات النحوية الحديثة يكاد يكون منعدمًا،على الرغم من ورودها في كلام القدامى متناثرًا في دواوينهم اللغوية والنحوية والصرفية، وقد حاول البحث من خلال عرض مواقع هذه الظاهرة تحديد القوالب التي تحصر تلك الظاهرة على المستوى النحوي والصرفي والصوتي.
وتنطلق تلك الدراسة من مبدأ عام معلوم من اللغة بالضرورة،وهو أن اللسان العربي أوسع الألسنة ألفاظًا وأغزره عبارات،وأن اللغة العربية لغة موحية تتوخى الوضوح وتنشد البيان؛إما منطوقًا وإما مدلولًا، وكل لغة لابد أن تحكمها مجموعة من القوانين الحاكمة،وهذه القوانين الحاكمة للغة «تكاد ترقى إلى مكانة القوانين الطبيعية ثباتًا وقوةً ولا يعني جهلنا لهذه القوانين في بعض الأحيان أنها غير موجودة،ومهمة العلم البحث عن هذه القوانين يكتشفها ولا يخترعها،يميط اللثام عنها ولا يتحكم فيها»( 1).
والعرب حين ينطقون بلفظ طرأ عليه نوع تغير في بنيته يراعون في صورته الجديدة الإشعارَ بما طرأ عليه من تصرُّفات، والإشارة إلى ما حدث فيه من تحوُّلات من حركة أو حذف أو زيادة أو إعلال ونحوه؛بيد أن لهم طرقًا شتى لهذا الإشعار،والعجيب أنهم قد يُشعرون بطريق من الطرق في موضع،وبعكسه في موضع آخر،فقد يُشعرون بطريق الإعلال في موضع وبطريق التصحيح في موضع آخر،وقد يُشعرون بطريق الحذف في موضع وبطريق الإثبات في موضع آخر،وقد يشعرون بطريق إخلاص الحركات في موضع وبطريق تخفيفها أو تضعيفها في موضع آخر،كما أنهم ربما حذفوا الشيء اعتباطًا لغير علة تصريفية،وربما حذفوه عن صنعة وتطرُّقٍ،وما كل ذلك إلا من ضروب اتساع اللغة وصروفها ومرونتها.
من أجل ذلك كان موضوع الدراسة مجالًا خصبًا للبحث والمناقشة،بكرًا للطرح والتناول،جديرًا بأن تُفرد له عدة دراسات وأبحاث،وأن يخص بالاهتمام في حقل البحث النحوي واللغوي، ضرورة أن الإشعار من بين تلك العلل اللغوية التي نبه عليها القدامى كثيرًا في تناولهم للدرس اللغوي، وأرادوا بذلك تفسير تلك الظاهرة وحاولوا محاولات شتى، وأدلى كل من اللغويين والنحاة والصرفيين بدلائهم في إبراز مظاهر تلك العلة في الدرس اللغوي حالما اتفق، غير أن أحدًا منهم لم يُفرد لها بحثًا مستقلًّا أو كتابًا منفردًا، وإنما تناثرت تنبيهاتهم على تلك الظاهرة في أبواب مختلفة ومسائل متباينة بشكل ينمُّ عن تصور نظري دقيق لما تفسره تلك الظاهرة من تغيرات طرأت على اللفظ.
وقد حاولت في بحثي هذا أن أنحو منحًى يعتمد على تقسيم الدراسة على أساس طبيعة هذه الظاهرة وصورها المتحققة فعلًا،وهذا لا شك سيؤثر تأثيرًا كبيرًا في تجلية الموضوع والخوض فيه منهجًا وتحليلًا،ومن ثَمَّ استبان لي أن أقسّم البحث إلى تمهيد وخمسة مباحث:
التمهيد: سلكت فيه تأصيل مفهوم الإشعار عند اللغويين والمعجميين واستخلاص التعريف الاصطلاحي الأنسب للظاهرة محل الدراسة.
المبحث الأول: الإشعار بطريق صوتي.
المبحث الثاني: الإشعار بطريق الإبدال أو التصحيح.
المبحث الثالث: الإشعار بطريق الحذف أو الزيادة.
المبحث الرابع: الإشعار بطريق الإلحاق.
المبحث الخامس: الإشعار بطريق الصيغة.
تمهيد
تأصيل مصطلح الإشعار ومفهومه:
الإشعار في اللغة:الإعلام،والشِّعَارُ:العلامةُ،ومنه مشاعر الحج أي:معالمه؛لأنها علامات له،وقيل: شعائر الله لكل عَلَمٍ مما تُعُبِّد به؛لأنه من قولهم: شَعَرْتُ به:عَلِمْتُهُ،فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات الله شعائر(2 ).
وإشعار الهَدْيِ في الحجِّ: طَعْنُ البُدْنِ في سنامها الأيمن حتى يسيل منه الدم؛ليكون ذلك علامة على أنها هَدْيٌ،فأَشْعَرَ البَدَنَةَ:أعْلمها(3 ). فالإشعار هنا الإعلام بتَدْمِيَةِ السَّنام( 4). وإنما سُمِّي إشعارًا؛ لأنه جُعل عَلامَة لها ودليلًا على أنَّها لله تعالى،وكل شَيْءٍ أعلمته بعلامة فقد أشعرته(5).
والشِّعار:هو النداء الذي يتنادى به القوم في الحرب ليعرف بعضهم بعضًا،وأصله قولهم:شَعَرْتُ بالشيء،إذا علِمْتُه وفطِنْتُه(6 ). وإنما سُمِّيَ الشاعر شاعرًا لفطنته(7)، وشِعَارُ القوم:علامتهم في السَّفر،يقال: أشْعَرَ القومُ في سفرهم:جعلوا لأنفسهم شِعارًا يتنادون به( 8).
وأشْعَرْتُ أمرَ فلان:جعلته معلومًا مشهورًا،وأشعرتُ فلانًا:جعلته علمًا بقبيحةٍ أشدْتُها عليه( 9).
وأَشْعَرْتُه فشَعَر: أدْرَيْتُه فدَرَى،وأشْعَرهُ فلانٌ شرًّا:غشِيَهُ به،وأشعره الحبُّ مرضًا( 10).
وأشْعَرَ الهَمُّ قلبي:لزق به كلزوق الشِّعار من الثياب بالجسد،وأشعر الرجلَ همًّا كذلك،وكلُّ ما ألزقه بشيءٍ فقد أشْعَرَهُ به(11 ).
وأشْعرتُ بفلانٍ: اِطَّلَعْتُ عليه، وأَشْعَرْتُ به: أَطْلَعْتُ عليه، وأَشْعَرَهُ الأمرَ، وأَشْعَرَهُ بِهِ: أعلمه إيَّاهُ(12).
وقدأطلق الاستعمال المعاصر مصطلح(الإشعار)على الإعلام الرسمي المكتوب الموجه من جهة رسمية،مستعملًا في ذلك قانون النقل الذي يُقصد به:نقل اللفظ العربي من معنى إلى معنى آخر(13 ). وأطلق بعضهم على الإشعار: الإخطار( 14). وجعله استعمال آخر بمعنى الإذاعة، فقالوا: أشعرَ الأمرَ: أذاعه( 15).
نستنتج من تناول اللغويين أن الفعل(أَشْعَرَ)فعل ذو خصائص متعددة من حيث التعدي والاستعمال:
أما من حيث التعدي:فالفعل(شَعَرَ)إذا دخلت عليه همزة التعدية تعدَّى إلى مفعولين تارةً بنفسه وتارة بالباء،وهو الأكثر، لقولهم: شَعَرَ بهِ دون: شَعَرَهُ،كما أنه قد يتعدَّى إلى مفعول واحدٍ أيضًا.
وأما الاستعمال فإن موارد الفعل(أشْعَرَ)تدور بين معنيين:أولهما:الإعلام والإيذان والإطْلاع. وثانيهما: الإلصاق والمخالطة والغشيان.
أما الاستعمال الأول وهو: الإعلام والإيذان، فيأتي في صور؛ مثل قولهم : (أشْعَرَهُ الأمرَ) أي: أعلمه إياه،و(أشْعَرَهُ بالأمر) يعني:أعلمه به، و(أشعره) يعني:أعلمه وأدراه،و(أَشْعَرَ بالأمرِ):أطْلعَ عليه. وجاء في الذكر الحكيم: (وما يُشْعِرُكُم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) (16 )، أي: وما يُدْرِيكُمْ.
وأما الاستعمال الثاني فهو:الإلصاق والمخالطة والغشيان وجعل شيء علمًا وعلامةً على شيءٍ، فيأتي في صور؛مثل قولهم:(أشعرَ الشيءُ الشيءَ) يعني: لصق به أو خالطه،و(أشعرَ فلانٌ الشيءَ)يعني:ألصق به علامة،وقولهم:(أشعره الشيءُ شيئًا)يعني: غَشِيَهُ به.
ومن خلال هذا العرض نخلُصُ إلى أنَّ مصطلح (الإشعار)الذي نعنيه هنا يُراد به في المفهوم اللُّغويّ: مزيجٌ من شيئين:(إعلام المخاطب بشيء وإيذانه بتحققه وإشعاره بوجوده)، و(إلصاق علامة باللفظ لتكون دليلًا على شيء ما).
قال ابن الطيب الفاسي: «إِشْعَار: بكسر الهمزة، مصدر "أشعره بالشيء" أعلمه به، فـ "الإشعار" كـ "الإعلام" وزنًا ومعنًى،على ما ذكره أئمة اللغة قاطبة،والمصنفون يستعملونه لما ليس بصريحٍ فهو عندهم كالإيماء والإشارة،فكأنه في اصطلاحهم من "أَشْعَرَ الهَدْيَ" إذا جعل فيه علامة فهو استعارة مشهورة بمنزلة الحقيقة»(17 ).
وبناء على هذا المفهوم يمكننا تعريف مصطلح (الإشعار) في تلك الظاهرة النحوية اصطلاحًا بأنه: دلالة تُفهم مِنْ كُلِّ ما يُحدثه العربُ باللفظ من علامات،وما ينطقون باللفظ عليه من هيئة؛ إيذانًا بالصيغة أو بالمعنى الأصليِّ لذلك اللفظ.
فالإشعار لا يجري على ألسنة النحاة اعتباطًا؛بل هو نظام ضارب في جذور العربية لاهجٌ بعنايتها بالصناعة اللفظية والدلالية،موحٍ باهتمام العربية بالعلة وقرائنها المُشعرة بها،فيمكن عدُّه من العلل التي انفرد بها اللغويون والنحاة؛كالعلل التعليمية والقياسية والجدلية(18 ). وقد تحدث السيوطي في معرض الحديث عن أقسام العلل عند النحويين عن "علة الإشعار"، وسلكها ضمن العلل التي تطرد على كلام العرب وتنساق إلى قانون لغتهم، وأردف هذا بأن العرب لتلك العلل أكثر استعمالًا،وأشد تداولًا،وأنها واسعة الشعب،إلا أن مدار المشهورة منها على أربعة وعشرين نوعًا، ذكر منها "علة الإشعار"( 19).
وبناءً على هذا فإن البحث يهدف إلى تفسير ظاهرة الإشعار التي وردت في النصوص اللغوية والتوجيهات النحوية التي دلت على مرونة العربية واتساعها وقدرتها على التنوع في قواعد اللغة، وعلى أن اللغة العربية تولي الألفاظ والمعاني اهتمامًا واسعًا على حدٍّ سواء.
المبحث الأول
الإشعار بطريق صوتي
والإشعار بأصل صورة اللفظ يأتي بطرق مختلفة تتضافر لتدل على أصلٍ غير مدلول عليه من ظاهر اللفظ لولا تلك العلامة التي تلحق باللفظ لتُشعر بصورته الأصلية، ومن تلك الطرق:
أ-الإشعار بإخلاص الحركات:
ونعني بهذا النوع الإشعار بالأصل بطريق إحداث حركة خالصة أو إبقاء حركة خالصة في أحد حروف بنية الكلمة يكون الغرض منها إما الإشارة إلى أصل الحرف المحذوف نفسه أو حركته،وإما الإشارة إلى أصل الحرف في بعض أحوال اللفظ وظيفةً أو جنسًا أو حركةً، وإما الإشارة إلى دلالة أصلية تُراد في اللفظ :

تعليق