تطورات الإلزام النسقي العربية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    تطورات الإلزام النسقي العربية

    تطورات الإلزام النسقي العربية
    أ.د فالح العجمي

    1 - المقدمة
    إذا نظر المرء إلى ما يحدث في اللغة الطبيعية من تطورات ، فإنها لن تخرج عن أحد مسارين كبيرين يحكمان التغيرات الطارئة في مستويات اللغة المختلفة . وتتحكم في أحد هذين المسارين عوامل خارجة عن اللغة ونابعة من السياق أو شروط ذرعية متصلة بالموقف ؛ أما الآخر – وهو موضوع البحث الحالي – فتتحكم فيه عوامل من داخل النسق اللغوي .
    وبما أن اللغة نظام اجتماعي ، فهي معرضة للتحول . وفي جميع الأحوال هناك ثلاثة متغيرات خارجية تصنع جميع التحولات فيها ، وهي المكان والزمان والنظام الاجتماعي ، وتتبع جميعها المسار الأول ، بينما يسهم متغير داخلي هو " البناء اللغوي " وقابليته للتطبيق في إطار " الأداء الكلامي " لكل فرد يستخدم ذلك النظام ، ويتبع هذا المتغير المسار الثاني.

    1 – 1 البناء اللغوي
    تتمثل اللغة في أحداث لغوية مباشرة – كما أصبح معروفا في الدراسات اللغوية الحديثة – وتخضع أي دراسة تبعا لذلك لمتطلبات هذه الحقيقة بأن تراعى الشروط النفسية والمعرفية والفسيولوجية العصبية لدى المتكلم والسامع في حالات الاتصال ، وهي الشروط التي تغير بشكل كبير جانب التعبير في اللغة ، وتسمى هذه التغيرات عوامل الإلزام الداخلية في اللغة. من أجل ذلك يفترض أن تبحث الدراسة باستمرار عن أسباب التحول في حالات الاتصال التي تنشئ لغة أو ثقافة أو بناء اجتماعيا مشتركا بطريقة مباشرة .
    ولو نظرنا إلى التطورات التي تحدث في أية لغة بشرية طبيعية ، لوجدنا أن ما يحدث منها بسبب البناء اللغوي هو الأكثر جذرية والأقرب مسا بجوهر اللغة ، مما يجعله يمثل منظورا مستقبليا لما ستؤول إليه كثير من عناصر اللغة المرتبطة بالنسق ، والتي تتأثر كثيرا باتجاهات التحول في البناء اللغوي . ويستثنى من ذلك بالطبع اللغات التي تعيش حياة غير طبيعية ، سواء كان ذلك في كل تاريخها أو في حقبة من ذلك التاريخ ؛ إذ لا تصنع التطورات المرتبطة بالبناء اللغوي مؤشرات التحول اللغوي بسبب الاضطراب الناتج عن وضع اللغة كحالة اللغة الهجين أو المولدة ، أو تحكم القواعد المعيارية التي تنطلق باستمرار من نقاط ارتكاز ثابتة لا تعترف معها بما يجد عليها من تحولات ، وذلك في حالات اللغات الميتة أو المكتوبة فقط .
    ومن أمثلة اللغات الهجين أو المولدة التي لا تخضع لتطورات الإلزام النسقي ما حدث في النوبية المولدة ، التي يتحدث بها حاليا ما يقرب من 30000 نسمة في منطقتي كمبالا ونيروبي ( في أوغندا وكينيا ) ؛ إذ تطورت بشكل غير طبيعي عن لغة الممباشي العربية التي كان قد صنعها الجنود المصريون في منطقة جوبا في السودان بوصفها هجينا ، يتفاهمون بها مع المجندين من أبناء المنطقة ، عندما أرسلهم الإنجليز إلى هناك في نهاية القرن التاسع عشر1.
    ومن اللغات التي تتحكم في تطوراتها القواعد المعيارية وأقربها إلينا العربية الفصحى (حسب قواعد النحاة المعيارية) ، مما يجعل إحدى فترات اللغة محورا ثابتا يكبح التطور الطبيعي . فهناك العديد من التطورات التي وجدت حتى في النصوص العربية القديمة ، ولكنه لم يعترف بها مطلقا ، أو اعترف بها على مضض ، بوصفها حالات شاذة أو غير حسنة . وليست هذه الدراسة مجالا لمحاكمة القواعد النحوية العربية ، أو تصنيف النصوص معياريا، غير أن بعض الأسباب يمكن إيرادها في تعليل ذلك ، مثل كون من أسس قواعد العربية من غير العرب ، فكانوا يريدون قصر القواعد على نماذج محددة ، ومنها الصراع المستمر على السلطة بين الشعراء والأدباء ذوي الحظوة عند بلاط الأمراء والولاة من جهة، وبين النحاة من جهة أخرى الذين يريدون المنافسة على مناصب تأديب أبناء القصور على الأقل. وليس أمامهم لإظهار سطوتهم إلا تعقيد النحو وحصر اللغة في قواعدهم والغض من مكانة أشهر الشعراء والأدباء الذين ينافسونهم على الحظوة . 2 وقد أصبحت العربية بذلك لغة كتابة بالدرجة الأولى بعد نزع فتيل حيوية التطور عنها ، وعدم قبول تعدد الأساليب فيها .
    أما أمثلة اللغات الميتة التي قضى عليها بالكامل تحكم القواعد المعيارية ، فكثيرة في تاريخ اللغات البشرية ، منها اليونانية الكلاسيكية واللاتينية الدارجة ، وهما اللتان كانتا تمثلان اللغة المشتركة ( lingua francas ) في العالم القديم 3. لكنها خنقت بالتقعيد الشديد ، وعدم السماح بتطورات النسق فيها ، لا من الداخل ، ولا من الخارج .

    1 – 2 اتجاهات صنع النسق
    تسهم دراسة الاتجاهات القوية في صنع النسق اللغوي في توضيح كثير من الظواهر التي يصعب تفسيرها في إطار التطورات الشكلية أو الطبيعية التي تحدث باستمرار ، وتفسر في إطار قوانين اللغة .
    وقد تبنت دراسة تلك الاتجاهات عدة نظريات مختلفة في حقولها وأهدافها وفي النواحي التي تركز عليها من التطورات اللغوية وجوانب النظام اللغوي أو العلمي المصاحب الذي تعنى به نظرية دون أخرى .
    أهم تلك النظريات وأقدمها انتشارا ما يسمى " نظرية الوفرة في الجهد " ، والتي تطور عنها قانون أصبحت تفسر به بعض ظواهر اللغة الصوتية والصرفية والتركيبية ؛ كما عرف أيضا بقانون الجهد الأقل ، 4 الذي يحدد إطارا عاما لمنحى كثير من التطورات باتجاه العينة الأسهل وتحاشي الصعب من الأصوات أو التراكيب أو اتصال المقاطع .
    ومن أمثلة ذلك :
    1) اعتماد النصب وسيلة لتمييز نهايات الكلمات التي لا تدخل في الإسناد (بوصفها فاعلا أو مبتدأ أو خبرا) ، أو التبعية ( بعد حرف جر أو في تركيب إضافة ) . ويعتقد بكون هذه الوسيلة أسهل من الأصوات الأخرى في نطقها .
    2) تحول بعض الأصوات الصعبة إلى أصوات أسهل منها ؛ وأشهر هذه الأصوات القاف الذي تحول في أغلب اللهجات العربية ، إما إلى الهمزة ( في المدن العربية الكبيرة ) ، أو الكاف ( في الشام وفلسطين ) ، أو الجيم القاهرية ( في الأرياف والبوادي العربية ) ، أو الغين ( في السودان وأغلب لهجات الخليج الساحلية ) .
    وقد تفرع عن هذا القانون الكلاسيكي قوانين فرعية شكلت أطرا لدراسة كثير من التطورات ؛ مثل قوانين الانسجام بين وحدات اللغة ، وهي القوانين التي تناولت بشكل علمي كثيرا من التغيرات الصوتية أو الآثار الصرفية المندرجة في إطار هذه القوانين .
    ومن أمثلة ذلك :
    1) قوانين خلق الانسجام في الكلمات العربية بين الأصوات في المقاطع المتجاورة ؛ من حيث اقتراب بعض صفات الأصوات بعضها من بعض :
    أ‌. الصوامت المفخمة أو المجهورة في مقطع ما تفرض من أجل سهولة النطق أصواتا مفخمة أو مجهورة في المقطع المجاور : "اضتلع" إلى "اضطلع ؛ "ازتجر" إلى "ازدجر" .
    ب‌. الصائت الأمامي في مقطع ما يفرض من أجل سهولة النطق صائتا أماميا أو وسطيا ، والصائت الخلفي يفرض صائتا خلفيا أو وسطيا في المقطع المجاور : "بِهُم" إلى "بِهِم" ؛ "لِهُ" إلى "لَهُ" .

    2) إلغاء بعض المقاطع التي يكون وجودها صعوبة في نطق الكلمات . وقد نشأت لذلك بعض القوانين الصرفية منها :
    أ. المقاطع المتوالية ، إذا كانا يبدآن بالصامت نفسه ، وكان أولهما مفتوحا ، مثل : شَدَدَ CVCVCV ؛ شادِدٌ CVVCVCVC ينطبق عليهما القانون ، فتصبح الأولى : "شدّ" باختصارها إلى مقطعين والثانية "شادٌ" باختصارها إلى مقطعين أيضا .
    ب. حذف نصف الصامت ، إذا كان في مقطع مفتوح ، يليه فتحة ، مثل : كَفَيَ، سَرَيَ ، هَدَيَ ، فتصبح : كفى ، سرى ، هدى .

    ومن تلك النظريات ما يسمى " نظرية الشيوع " التي تعزو أغلب التطورات ، خاصة تلك التي تشكل شذوذا في اللغة ، إلى كثرة استخدام العناصر ، لأن كثرة الدوران على الألسن يدعو إلى التغير المستمر ، وربما المعاملة الخاصة بالخروج عن النموذج المعتاد أو القالب الصرفي المستخدم في العناصر ذات الاستخدام الأقل5 .
    وأمثلة ما يخضع لهذه النظرية من التطورات العربية كثيرة ، ويمكننا الاكتفاء بالتمثيل بعدة ظواهر تبين مواقع تطبيقها :
    1) ظاهرة "الإلصاق التوهمي" 6 : ويكثر نشوء هذه الظاهرة في حالات الأدوات التي تستخدم باستمرار في سياقات معينة ، وبشكل خاص أداة النفي " لا " التي اندمجت مع بعض الأسماء أو الأفعال أو الأدوات ، لتشكل أداة جديدة ، توهم الناس أنها وحدة مستقلة ، فصرفوها على ذلك الأساس ، منها : " لات" ، " لن " ، " ليس " ، "ليت" وفي فترة متأخرة مع الفعل أو المصدر الصناعي وأداة التعريف : " اللاأدريين " ، "اللادينية" وغيرها من المركبات .
    2) التغير المستمر في أسماء الإشارة والمركبات المكونة منها بسبب كثرة ما يحتاج إلى استخدامها في فترات اللغة المختلفة ؛ ففي حين كانت تستخدم الهاء بمفردها في فترات مبكرة ، أصبحت العربية بدءا من القرن السادس الميلادي تستخدمها مركبة مع الذال أو اللام ، ثم الكاف في فترة لاحقة . ثم بدأ الفصل بين استخدام الذال مع الهاء للقريب ، ومع الكاف للبعيد . ومع تواتر استخدام تلك الأدوات مرادفة للأسماء أو قائمة بدور أساسي في بناء التركيب ، بدأت هذه العناصر الإشارية المركبة بالدخول في تراكيب سياقية تحدد نقاطا زمنية معينة أو ظروف الحدث ، مثل : يومئذ – عندئذ – بعدئذ – حينئذ – آنذاك – حينذاك – إذذاك – يوم ذاك – عندذاك .
    3) تعدد وظائف بعض الأدوات أو الأفعال التي يكثر استخدامها ، أو تنقل من دور وظيفي إلى آخر . وأشهر هذه الأدوات : من ، ما ، أي التي تستخدم أساسا في أساليب الاستفهام المباشر ، ثم انتقلت إلى أساليب الاستفهام غير المباشر ، ثم في جمل الصلة . وفي الوقت نفسه اعتمدت اللغة عليها ذاتها لأداء الأساليب الشرطية . ومن تلك الأدوات أيضا "حتى" التي تعددت مهامها بين العطف المتصاعد بين عناصر مفردة وبين تراكيب معقدة من الجمل المفصلة والغائية . ومن الأفعال تعرضت بعض الأفعال المساعدة لتطورات متسارعة نتيجة كثرة استخدامها إلى درجة تفقد فيها عناصر الثبات ، وخاصة "كان" في الجمل المركبة ، وبشكل أوضح ، عندما تتفاوت أزمنة الأحداث ، وتختلف الصيغ المعبر بها .

    1 – 3 آثار التطورات النسقية في عناصر اللغة
    لدى دراسة الأفعال ومقارنتها بما يحدث من الآثار النسقية في حالات الأسماء يمكن القول أن الفعل يخضع أكثر من الاسم للنسق ، لذا يكون الضغط باتجاه الإلزام النسقي أكبر في حالات الأفعال منها في الأسماء .
    من أجل ذلك نجد أن المواءمة بين ما يحدث في الأفعال من تطورات والأطر الموجودة في اللغة من قبل تفوق كثيرا ما يوجد في تطورات الأسماء التي تتعدد اتجاهات التطور فيها ، وتنشأ في كثير من الأحيان أطر جديدة تصبح هي المقياس لحقبة قادمة . ويمكن التحقق من هذا التباين باستعراض ما يحدث في الأسماء من قوالب متعددة لحالات التعريف والجمع وما وجد من قبل من أوضاع التصريف الثلاثي والمنع من الصرف ( التصريف الثنائي ) وغير ذلك كثير في الأسماء من الأصناف التي تمتد من الدراسات المعجمية ( كالجذر الثنائي ) إلى الدراسات التركيبية ( المتعلقة بتحول بعض أصناف الأسماء إلى أدوات ربط زمنية أو شرطية أو غيرهما من الوظائف ) .
    ومن أمثلة مظاهر خضوع الأفعال للإلزام النسقي أكثر من الأسماء :
    1) اتباع الفعل لنمط بناء يفرضه النسق ، ويبدو ذلك جليا في قبول الصوائت التي تفرضها الصيغة لكل نوع من الأفعال حسب دلالته ، وبناء إحدى صيغه ؛ فمثلا : "فَعَلَ" لا يخرج عن ثلاثة أبنية في التصريف ( أو ثلاثة أبواب كما يقول الصرفيون ) ، هي : نَصَرَ – ينصُر؛ ضَرَبَ – يضرِب؛ فَتَحَ – يفتَح ، و "فَعِلَ" لا يخرج عن بنائين ( أو بابين كما يقول الصرفيون ) ، هما : فَرِحَ – يفرَح ؛ وَرِثَ – (يورِث) يرِث ، و "فَعُلَ" لا يخرج عن بناء واحد ( أو باب واحد كما يقول الصرفيون ) ، هو : شَرُفَ – يشرُف7.
    2) في حالات الأفعال الثنائية تمد الصوائت لتصبح طويلة ، وتعامل معاملة الصوامت في النسق ، عدا الحالات التي لا يمكن قبولها لتعارضها مع قوانين صارمة في اللغة ؛ وهي الأفعال التي أصبحت تسمى المعتلة ، بسبب تحول الصائت الطويل إلى حرف علة ، يجري عليه ما يجري على الصامت في الأفعال الثلاثية : "أوضَحَ" مثل "أبلَغَ" أو "أحدَثَ" تماما ؛ و"قوّم" مثل "كرّس" أو "صنّع" تماما . بينما لم يتمكن النسق من تحقيق التواؤم بين "رمى" وبقية الأفعال الثلاثية ، وذلك بسبب قوة القانون الصرفي المذكور أعلاه الذي يمنع وجود مقطع مفتوح صامته الياء أو الواو ، وصائته الفتحة ، لو بني الفعل على "رَمَيَ" ، لذا اختصرت المقاطع بإلغاء الياء ، ودمج الصائتان القصيران ، ليكونا صائتا طويلا (رَمَى) . وكذلك لم يتمكن النسق من إخضاع صيغ الأمر أو المضارع المجزوم من المعتل الأجوف لقوالب الأغلبية ، بسبب قانون صرفي صارم يمنع تكون المقاطع المقفلة ذات الصوائت الطويلة :
    أ‌. سار – يسير – سِيرْ (CVVC) وهذا المقطع غير موجود في الفصحى ، لذا يقصر طول الصائت ، ليصبح : سِرْ ( CVC) وهو مقطع مقبول .
    ب‌. يسير – لم يسيرْ (CVCVVC) ، وكذلك : إن يسيرْ (CVCVVC) ؛ فالمقطع في هاتين الصيغتين غير موجود في الفصحى ، لذا لزم تقصير الصائت ، ليصبح "لم يسرْ" (CVCVC) و "إن يسرْ" (CVCVC) .

    2 - عوامل الأداء الكلامي
    توجد في اللغة أبنية وصيغ تنتجها القوانين اللغوية المختلفة ، وهي قوانين مضطردة صماء لا يمكن أن تراعي الصعوبات المصاحبة لبعض المواد اللغوية التي تنتج عنها في الأداء الكلامي ، كما يصعب أن تدرك التضارب الذي قد يحدث بين مخرجات القوانين – خاصة المطبقة منها في حقول مختلفة – وينشأ عنه ضعف الإفهام أو غيره من المشكلات .

    2 – 1 التضاد بين أصل البناء والنحو
    يعود مصطلحا " أصل البناء " و " النحو " إلى أوائل النحاة العرب ؛ 8 إذ يقسمون الكلام إلى قسمين أحدهما " أصل البناء " والآخر " النحو " . ويوافق " أصل البناء " ما نتحدث عنه هنا من نتاج القوانين اللغوية البحت الذي يكون عرضة للتعديل حسب مواقع بنائه ، أما " النحو " فيوافق الأبنية والصيغ بعد تعرضها للتطورات التي تلائم بها قدرات الأداء الكلامي .


  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    2 – 1 – 1 الأبنية التي تتصل فيها ياء المتكلم بالفعل
    في تلك الأبنية تضاف داخلة إلى البناء خلافا لمتطلبات القانون الصرفي الذي يحكم اتصال الضمائر ذات الوظيفة المفعولية بالأفعال . وعلى الرغم مما يقال إن السبب في ذلك يعود إلى عدم إمكان اتصال الكسرة التي تسبق بالضرورة ياء المتكلم بالفعل ، 9 إلا أن ذلك لا يغير من كون دافع الإدخال عدم توافق الأداء الكلامي مع نطق الفعل منتهيا بكسرة فرضتها طبيعة البناء ، وبالتالي رفضتها طبيعة نحو الكلام .
    وقد اتسعت دائرة استخدام هذه الداخلة ( النون التي تسبق ياء المتكلم ) في أحوال أخرى يرتبط فيها ضمير المتكلم بأدوات نحوية في العربية القديمة ، كما تروي بعض المصادر 10، أو في بعض اللهجات العربية الحديثة التي أصبحت فيها النون مرتبطة بياء المتكلم في أغلب التراكيب ، فيما عدا اتصالها بالأسماء الصريحة .
    وقد توسع بعض النحاة في شرح اتصال ما يسمونه " نون الوقاية " بالأفعال أو الأدوات قبل ياء المتكلم . وفصل بعضهم في تعليل اختيار النون دون غيرها لأداء مهمة الوقاية ، كما عددوا الحالات التي يجوز فيها حذفها ، والحالات التي تكون بالأصالة أو بالإلحاق ، إلى غير ذلك من الأحكام المتعددة11 .

    2 – 1 – 2 الصيغ المنتهية بالأصوات نصف الصامتة
    حيث يصعب أن تحمل تلك الصيغ الأصوات الإعرابية - وهي بالطبع ستكون في نهاية الصيغة – فإن تبديل تلك الأصوات نصف الصامتة أو حذفها يسهل الأداء من جهة ، ويبقي على الصيغة بدلا من استبدالها بأكملها من جهة أخرى . وتظهر هذه التطورات في بعض الأسماء مثل " فو " التي يستبدل بالواو فيها ميم ، لتصبح " فم " . كما تظهر في أفعال الأمر من المعتل الأول والآخر ( ما يسمى في الصرف العربي اللفيف المفروق ) ؛ إذ يحذف فيها نصف الصامت ، ليظهر الصائت القصير بعد الصامت الوحيد .

    2 – 1 – 3 توالي المقاطع ذات الصوائت المتباعدة
    عندما يتوالى مقطعان أو أكثر تسبب وجود صوائت خلفية في مقطع مجاور لآخر يحتوي صوائت أمامية ، فإن درج الأداء يعمد إلى تطور صوتي بإبدال أحد النوعين إلى الآخر أو إلى الوسطي ، أو تطور صرفي باختزال عدد المقاطع وبالتالي زوال أحد الصوائت المتباعدة.
    كما يحدث الشيء نفسه عندما يأتي صائت أمامي في مقطع يحتوي نصف صائت خلفي أو العكس . وترد هذه الحالات في الأفعال الرباعية أو الصيغ المشتقة منها إذا احتوت الواو أو الياء . ومثال ذلك صيغة " وعواع " ( بفتح الواو ) ، بالرغم من كون البناء يفترض كسرها في مثل " زلزال 12" .

    2 – 2 التوسع في حرية البناء
    إن عدم التزام المنشئ بقيود قواعد أبنية معينة يؤدي إلى نشوء طرق متعددة في البناء ، من أجل الحصول على سعة في التعبير ، أو للشعور بعدم الحاجة إلى الالتزام بكل قيود قواعد البناء . وأغلب مظاهر هذا التوسع تتمثل في انقطاع العلاقة بين البناء والمعنى .
    ويمكن توزيع الصيغ والعبارات إلى طبقات في القواعد الضمنية 13 التي تحكم خلق اللغة .
    وتعامل القوانين اللغوية عينات كل طبقة بالتساوي في إطار البناء ، لكن التوسع الفردي لدى مستخدم اللغة يجعل بعض العينات تخرج عن إطار القالب إلى مرحلة ثانية تتميز فيها بخصوصيتها ، أو بسماتها الثانوية الإضافية . غير أن طورا ثالثا في القواعد الضمنية يكفل تحديدا معقولا في حرية البناء فيما يخص الإضافة إلى القالب ، حتى لا تصبح الحرية فوضى يصعب معها إدراك دور الصيغة أو العبارة14 .

    2 – 2 – 1 حذف العناصر المعروفة
    تحذف بعض عناصر التركيب ، إذا توقع المنشئ بداهتها أو معرفة المتلقي ارتباط العناصر الموجودة بها . ومواضعها في تراكيب اللغة كثيرة ، لكن أشهرها عند تكرار حروف الجر وبعض الأدوات15 ، وبشكل مجازي في تركيب الإضافة16 .
    ويشار إلى هذا النوع من الحذف في المصادر بمصطلح " الاتساع " أو " السعة " ، ويتدرج من الحالات التركيبية البسيطة التي يسقط فيها العائد خاصة إذا كان يعود إلى اسم خاص بالزمان أو المكان إلى حالات تدخل فيها التفسيرات من المتلقي في حالات الاستعارة ، ووصولا إلى حالات معقدة في نصوص غامضة في تركيبها أو غير متفقة مع القواعد المسلم بها ، فيبحث لها النحاة عن حذف يجعلها ملائمة لقواعد النحو .
    وأمثلة هذه الحالات البسيطة التي تفسر بالسعة كثيرة ؛ منها على سبيل المثال لا الحصر :
    1) سقوط العائد في جمل الصلة ، مثل : "أفرأيتم الماء الذي تشربون" 17 ، "إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا" 18 ، "ويعلم ما تفعلون" 19 ، "قال لقد تركت الذي أحب إلي مما جئت به" 20 .
    2) سقوط حروف الجر كثيرا في حالات عطف الأسماء أو الجمل ، مثل : "وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين" 21 ، "الذين استجابوا لله والرسول" 22 ، "الذي تساءلون به والأرحام" 23 .
    3) في حالات الجمل الشرطية التي يحتوي الجزء الإخباري فيها محتوى القضية فقط ، وليست عبارة كاملة ، لكنها تفهم من سياق عبارة الشرط ، مثل : "فمن لم يجد فصيام شهرين "24 ، أو لا ترد العبارة الإخبارية مطلقا : "فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية" 25 ، "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض" 26 . أما الحالات المعقدة ، فمنها على سبيل المثال : " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " 27 ، فهذه الآية الكريمة لا تنطبق عليها قواعد النحاة ، خاصة إذا قورنت بالآية الأخرى : " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم " 28 .
    2 – 2 – 2 الخروج عن قواعد المطابقة
    يكثر التناقض بين البناء الفعلي والمفترض في بعض أصناف العناصر اللغوية ، فيما يخص تطابقها مع مرجعيتها ، أو مع رمز سابق دال على مرجعيتها في موضع سابق من القول . وأغلب هذه الحالات تكون في حالات التثنية التي لا يتطابق في بعض حالاتها التابع مع المتبوع أو الرمز عدديا مع المسمى ؛ وهذا ما يدعو بعض الدارسين إلى أن يعد " التثنية أول الجمع " 29. ويعيد النحاة العرب أغلب هذه الحالات من عدم المطابقة إلى مرونة اللغة ، ويعدونها في بعض الأحيان ميزة تختص بها اللغة العربية30 .
    وأشهر تلك التطورات :
    1) خروج الفعل عن مطابقة الاسم المسند إليه ،
    أ‌. في حالة تقدم الفعل على الاسم ، وهي الظاهرة التي أصبحت قاعدة عامة في بناء الجملة الفعلية في العربية . هذا إذا افترضنا أن ما يسمى "لغة أكلوني البراغيث" هي الأقدم في التراكيب العربية . وإذا كان العكس هو الصحيح ، فإن لغة أكلوني البراغيث نفسها تعد تطورا في المطابقة العددية بين الفعل والاسم المسند إليه . ومن أمثلتها : "وأسروا النجوا الذين ظلموا" 31 ، " ثم عموا وصموا كثير منهم" 32 ، "ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات" 33 .
    ب‌. في حالة تقدم الاسم على الفعل يحدث التفاوت العددي والنوعي أيضا ، مثل : " هذان خصمان اختصموا في ربهم "34 ، " ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم "35 .

    2) تطورات الصفات التركيبية في الألفاظ المشتقة ؛ وقد بدأ ذلك التفاوت في المطابقة العددية في بعض أصناف الأسماء ؛ حيث أصاب الاختلال أولا وصف الجموع الدالة على غير البشر ، فأصبحت الصفات التي تدل عليها مفردا مؤنثا سواء كانت تلك الصفة خبرا أو نعتا ، والأمثلة في ذلك أكثر من أن يحتاج إلى أن يؤتى بشيء منها ، لأنها أصبحت هي قاعدة بناء الصفة في تلك الأصناف الدلالية .
    كما وجدت علامات الاختلال في المطابقة بين التابع والمتبوع ، وخاصة عندما يتباعد التابع عن المتبوع أو يفصل بينهما مضاف إليه . ويسمى هذا في التراث النحوي العربي الإتباع على المجاورة ، ومن أمثلته : "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين " 36 ، "يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحورٍ عين " 37 ، " ولي لسان كحد السيف مسمومٍ " 38 ، " لا أرى مرور الليالي منسياتي ابنة نضر "39 .

    2 – 2 – 3 التراكيب الشرطية المنقطعة
    لا يقصد بتراكيب الشرط المنقطعة تلك التي يحذف جواب الشرط فيها ، فهي تتبع ما ذكر من حالات الحذف ( في 2- 2- 1 أعلاه ) ، بل المقصود هنا التركيب الشرطي الذي تستخدم فيه أداة الشرط ، وتخضع فيه جملة الشرط نحويا لقوالب الشرط المعروفة ، وقد تبدأ جملة الجواب بالفاء الذي يفتتح غالبا جواب الشرط ؛ لكن جملة الجواب لا ترتبط – حسب فرضيات المقدمة والنتيجة – بجملة الشرط إلا عبر تأويلات بفقدان بعض الروابط المنطقية .
    بالإضافة إلى الفجوة المنطقية بين شقي هذه التراكيب ، فإن عدم وقوع الحدث المتضمن في جملة الشرط لا ينفي مطلقا وقوع الحدث في الشق الآخر من التركيب ، كما أن زمان الحدث في الجزء الأخير من التركيب منته بالكامل أو بادئ من قبل ومستمر في زمن التلفظ بالكلام . وهاتان الميزتان مناقضتان تماما لخصائص التركيب الشرطي ، ومن أمثلة ذلك : " إن يسرق ، فقد سرق أخ له من قبل "40 .
    وتخمن ريناته ياكوبي أن تكون وظيفة هذا الأسلوب تنحصر في الأصناف الأدبية التي تتطلب مستوى بلاغيا معينا ، وتؤدي دورا في أدب السخرية ، وبشكل خاص في النصوص المنطوقة أو المتناقلة شفويا 41.

    2 – 3 التوسع الوظيفي
    هناك ازدياد في اضطراب الوظائف التي تقوم بها الصيغ الفعلية والاسمية المختلفة ، يمكن ملاحظته في الفترات المتأخرة من العربية القديمة . وتبعا لذلك زادت المهام الوظيفية التي تقوم بها بعض الصيغ ، وتقلصت وظائف صيغ أخرى . مما أحدث تداخلا في الأنظمة التركيبية – الصرفية ، وما يتصل بها من دلالات متعددة ووسائل مزدوجة الفعالية .

    2 – 3 – 1 التحول الوظيفي في صيغتي " فَعُلَ " و " فَعِلَ "
    بعد أن أصبحت الحالة الستاتيكية التي كانت تعبر عنها هاتان الصيغتان في الفترات المبكرة من العربية القديمة شبه معدومة ، أو مرتبطة ببعض الخصائص المعجمية للجذر نفسه ، وليس بالدور الوظيفي للصيغة ، تحولت الوظائف التي تقوم بها هاتان الصيغتان إلى وظائف صيغة " فَعَلَ " التي كانت تتفرد بالتعبير عن الأحداث الديناميكية42 . وفيما بعد أصبح التنافس كبيرا بين هذه الصيغ الثلاث على احتلال أدوار متزايدة في التعبير عن حاجات اللغة الجديدة ؛ إذ أصبحت الصيغتان الأوليان – وخاصة صيغة " فَعِلَ " – تعبر ليس فقط عن أحداث ديناميكية ، بل أيضا عن أحداث تكون الأفعال فيها متعدية إلى أكثر من خانة اسمية .

    2 – 3 – 2 توحد الأدوات والضمائر
    رغبة في الإفهام تنشأ في اللغة في كثير من الحالات تطورات يكون الهدف منها اتفاق المورفيمات التي تؤدي وظائف محددة ؛ من ذلك استخدام أدوات التعريف الأكثر انتشارا وأسماء الإشارة وتقارب الضمائر الشخصية كما ونوعا .
    وقد حدثت مثل هذه التطورات بشكل ملحوظ في تاريخ العربية الفصحى عندما بدأت ترسخ مبادئ العربية المشتركة ، وتفقد اللهجات العربية القديمة تباينها ، خاصة بعد وضع القواعد في القرن الثاني الهجري ؛ مما أسهم في دعم التقارب الذي حدث بين مستويات اللغة العربية القديمة بسبب حاجة العرب آنذاك إلى توحيد لغتهم وأهدافهم ، من أجل تكوين أمة تنافس الأمم الأخرى القوية ، وتنبذ الفرقة التي كان الاعتداد بالنفس وبالهوية الفرعية إحدى ركائز وجودها .

    3 - عوامل ضغط الأبنية والدلالات والاتجاهات اللغوية
    تتعدد عوامل الضغط التي تؤثر في تطور الصيغ أو نشأة صيغ أخرى أو تحول وظائفها أو تحديدها . بعض تلك العوامل يرتبط بقضايا صرفية أو تركيبية في أنظمة اللغة ، وبعضها الآخر يتصل بتطورات الدلالة التي تلزم مواكبتها تغييرا أو تعديلا في الأبنية الموجودة ، كما تؤدي الاتجاهات القوية السائدة في حقبة معينة من تاريخ اللغة دورا مهما في وجود تطورات أخرى أو في إسراع وتيرتها .


    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      3 – 1 ضغط الأبنية
      من الأمور المسلم بها أن للأبنية الموجودة في اللغة وقت نشوء أبنية جديدة أو الحاجة إلى تعديل أبنية أخرى دورا في الأبنية الناشئة المتصلة بالقديمة ، أو في سلوك التعديل اللازم في الحالات التي يحدث فيها تعديل أبنية تتصل بعلاقة تداع – أيا كان نوعه - مع الأبنية المؤثرة .
      وقد تختلف الأساليب التي يتكون بها ضغط من أجل نشأة بناء جديد ، أو تطور بناء موجود ، مما يجعل عملية حصر أساليب الضغط هذه غير ممكنة عمليا ، بالإضافة إلى أنه في بعض الأحيان تتعدد وسائل الضغط في حالة بعينها . فمن هنا يصعب تحديد الوسيلة الأقوى أو الأقدم المتسببة في حدوث التطور ، لكن ذلك لا يمنع من ذكر بعض مظاهر تلك التطورات وتخمين الأسباب المتوقعة في تكوينها أو قاعديتها . فمما ينشأ مثلا عن الكثرة أو القياس أو عنهما معا ، يمكن إيراد الحالات التالية :

      3 – 1 – 1 نشأة المقاطع المحظورة
      بعض التطورات في اللهجات العربية ، وخاصة وجود القانون الصرفي القاضي بالتخلي عن المقاطع القصيرة ذات الصوائت غير المنبورة ، أدت إلى نشأة قوانين صرفية مخالفة لما كان موجودا في العربية القديمة . وأهم هذه القوانين الجديدة القانون الذي يسمح بالمقطع المقفل ذي الصائت الطويل ، والقانون الذي يسمح بوجود العنقود الصوتي 43. وقد ظهرت آثار هذه التطورات في صيغ الأمر من الفعل المعتل الأجوف ؛ إذ أصبحت تبنى بصائت طويل في مقطع مقفل ( cvvc) بدلا من تقصير الصائت الطويل الموجود في صيغة المضارع بعد حذف الصائت القصير في نهاية الصيغة ، ليصبح مقطع نظاميا ( cvc ) في العربية القديمة . حيث أصبحت صيغ الأمر مثلا : " قوم " ، " نام " . أما نتائج القانون الصرفي الثاني فتبدو واضحة في الكلمات التي يسبق فيها المقطع الأخير الذي يسقط صائته مقطع مقفل ؛ حيث ينشأ عنقود صوتي ( cvcc ) ، وهو ما لم تكن تسمح به صيغ العربية مطلقا ، في مثل : " القلب " ، " الكبد " ( دون حركة على الآخر ) .

      3 – 1 – 2 تحويل الثنائي إلى ثلاثي
      وتبدو هذه الظاهرة في عدة أشكال مختلفة من الأبنية العربية ؛ أهمها :
      1 - معاملة أنصاف الصوامت مثل معاملة الصوامت ، لكي تبنى الصيغة كما لو كانت من جذر ثلاثي من الصوامت ؛ وذلك في مثل : " يوصل " ، " مبيوع " 44. ويرى كثير من المتخصصين في تأثيل الجذور السامية أن نظام الجذر الثنائي ربما يكون سابقا لنظام الجذر الثلاثي ، وأن ابتكار الثلاثية في المعتل هو بسبب إدخاله إلى نسق قواعدنا التي ساد فيها النمط الثلاثي45 .
      2 – تحويل همزة الوصل التي تضاف إلى بعض الأسماء من أجل سهولة نطقها لدى الابتداء بها إلى همزة قطع في العربية الحديثة ، وخاصة في كلمة " اسم "46 .
      3 – وجد اتجاه في اللهجات العربية القديمة ، وظهر مرة أخرى في اللهجات العربية الحديثة، يتمثل في تحويل أساس بناء الأفعال الثنائية المضعفة عند إسنادها إلى أي من ضمائر المخاطب أو المتكلم 47 إلى ثلاثي مضعف ، بإضافة نصف صامت من خارج البناء إلى الثنائي المضعف . ومن أمثلة ذلك : " حليت " ( ليس من حلى ، بل من حل ، وهي في الواقع تصبح مشتركا لفظيا في صيغة الإسناد إلى هذه الضمائر ) ؛ " صفينا " ( أيضا صفى مقابل صف ) ؛ " عديت " ( عدى مقابل عد ) .
      4 – تشديد الصامت الثاني في الكلمات الثنائية ، 48 أو إضافة مقطع يبدأ بالهمزة في بداية الكلمة ، لتصبح الكلمة معتمدة – في ظاهرها على الأقل – على جذر ثلاثي الصوامت ؛ فمن أمثلة الحالة الأولى ( وتكاد تكون مقصورة على الأسماء ) : دم __ دمّ ؛ كف __ كفّ ، ومن أمثلة الحالة الثانية في الأسماء : يد __ إيد ، وفي الأفعال (في الأمر المهموز) : خُذْ __ أُخُذْ .

      3 – 1 – 3 تطورات المطابقة العددية
      من أهم التطورات فيما يخص المطابقة العددية في تاريخ العربية ما حدث في الجملة الفعلية من اختلال في المطابقة بين الفاعل والفعل المتقدم ، خلافا لما كانت عليه الحال في العربية القديمة ، حيث يتطابق الفاعل مع فعله عدديا سواء تقدم الفعل أو الفاعل49 .
      وهي الظاهرة التي بقيت بعض آثارها في نصوص عربية شعرية ونثرية ، ووجدت لها شواهد في القرآن والحديث .50 لكن النحاة العرب يطلقون على ذلك الوضع الأقدم صفة الشذوذ ، لأنه لا يتطابق مع أغلب نصوص الفترة التي اعتمدوا شواهدها في نحوهم ، بل ويصفون بعض النصوص أو اللهجات التي استمرت في استخدامها باللحن والخروج عن قواعد العربية .
      ويتوقع أن هذا التطور الهام جدا في حقبة تكون العربية الموحدة قد حدث نتيجة ضغط أبنية أخرى أصبحت تشكل أكثرية أسماء الجمع وهي جموع التكسير وأسماء الجنس التي يكون لفظها غالبا مفردا بينما يدل على جمع . من أجل ذلك فإن الأبنية التي تكون فيها مطابقة عددية بين الفعل وفاعله ، مما يسميه النحاة العرب " لغة أكلوني البراغيث " هي الأصل الذي بدأ يضمحل تحت ذلك الضغط ، وهي البقايا التي يسميها رمضان عبدالتواب " الركام اللغوي " ، وإن كان في تعريفه لذلك التطور قد عمم تلك القاعدة ، عندما قال : " فمن المعروف في العربية الفصحى ، أن الفعل يجب إفراده دائما ، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا ، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع ، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه "51 ، إلا إن كان يرى مع النحاة أن الاسم عندما يتقدم لا يصبح فاعلا .
      كما توجد تطورات أخرى في المركبات الاسمية ؛ أهمها اختلال التطابق العددي بين العدد والمعدود في أربع فئات من المركبات الاسمية التي يرد فيها العدد والمعدود ( هي 11 – 12؛ 13 – 19 ؛ 20 … ؛ 100 … ) ، بينما بقيت المطابقة في فئتين فقط ( هما الثلاثة إلى التسعة ؛ العشرة ) ، ولا يرد في الفئة السابعة ( الواحد والاثنان ) سوى لفظ لا مجال للمطابقة فيه بين العدد والمعدود52 .
      ونظرا لأن الاسم المعدود يرد في تلك الحالات تاليا للعدد ، وهو في ذلك يتساوى وظيفيا مع الصنف القواعدي المسمى " التمييز " ، فإن تأثير أبنية التمييز التي ترد مفردة ، حتى وإن ميزت ألفاظا تدل على المثنى والجمع ، قد يكون أساسيا في العلاقة بين العدد وذلك الاسم المعدود الذي أصبح يرد بعده مفردا في الفئات الأربع المذكورة أعلاه ، بينما ابتعد تأثير التمييز في المركبات العددية ضمن الفئتين الأخريين اللتين يرتبط العدد فيهما بالمعدود في تركيب إضافة ، لا مجال فيه لشبه مع التمييز .

      3 – 1 – 4 تطورات عبارات التسوير
      تخضع المركبات الاسمية المحتوية أحد مكونات التسوير ( أو السور ) 53 لمتغيرات عديدة تجعلها أكثر عرضة للتطور ، وأقل ملاءمة للقواعد الصرفية والتركيبية التي تخضع لها العبارات الأخرى الخالية من تلك الألفاظ . وبما أن قوانين الصرف والتركيب الحدسية تركز على مجمل العبارة ، وتلك العبارات التي تحتوي ألفاظ التسوير تكون متباينة في خصائصها النوعية والعددية والإعرابية والتعريفية ، فإن كل حدس ينطلق من مضمون معين ، ويتناسى بقية المضامين .
      من أجل ذلك كله نجد العبارات الاسمية المحتوية أحد مكونات التسوير تتغير من حقبة إلى أخرى في اتساق مع ضغط العبارات الاسمية التي تخلو من تلك المكونات ، وتحمل خصائص محددة . كما يوجد تباين بين حدس كل متكلم أو كاتب وآخر في الفترة اللغوية نفسها ، مما يجعل أمر التقلب وكثرة التطورات فيها ، أو كما يسميها النحو المعياري جواز الحالات التي ترد فيها ، واردا وسريعا وغير مستغرب .
      ورغم تعدد صفات التركيب الإسنادي بعد المسند إليه الذي يحتوي أحد ألفاظ التسوير ، إلا أن الغالب في عبارات العربية القديمة أن ينظر إليه بوصفه مفردا ومذكرا ، إلا إذا اتصل لفظ التسوير باسم جنس ، فإنه يصبح مفردا مؤنثا في الغالب ، مثل : "كل من عليها فانٍ"54 ، "وكل صغير وكبير مستطر " 55 ، "كل نفس ذائقة الموت" 56 ، "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض " 57 ، "قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو " 58 ، "فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله "59 ، عدا إذا نون لفظ التسوير، فإنه يعامل حسب ما يدل عليه ، مثل : "كلٌ في فلك يسبحون"60 ، "قل كلٌ يعمل على شاكلته"61 .
      أما في العربية الحديثة ، فإن التركيب الاسمي مع لفظ التسوير يستخدم بوصفه جمعا ، مثل: "وإذا كان بعض الشعراء لم تسعفهم مواهبهم لإدراك هذا البعد" 62 ، "أن بعض الأدباء كانوا في عكس ما عرف يحبون بناتهم "63 . وخلافا للسائد في العربية الحديثة : "وكلنا يحتفل برمضان ويصومه " 64 .
      كما بدأت ألفاظ التسوير نفسها تكتسب التعريف الشكلي مباشرة في العربية الحديثة ، مثل : "وربما قال البعض إني كنت ألبس أيام الباشا خيرا مما ألبس الآن " 65 ، "فكان يخص بعضهم بثلاث صفحات ، ويخص البعض الآخر بنصف صفحة فحسب "66 .

      3 – 1 – 5 التحول عن الاشتراك الوظيفي
      يحدث أن تتفق أبنية صرفية مختلفة الأصل والوظيفة في شكل صرفي واحد ، مما يجعل البناء الواحد يقوم بأدوار وظيفية مختلفة . وفي بعض هذه الحالات تسعى اللغة إلى التفريق بين تلك المشتركات بتحويل الأقل ورودا أو أهمية إلى بناء آخر يكتسب من خلاله دور الوظيفة الأخرى بوضوح .
      تتجلى هذه التحولات في مثل صيغ " فعيل " المستخدمة لاسم المفعول من الأسماء المؤنثة لاشتراكها مع اسم الفاعل في شكل الصيغة67 ؛ وحيث يرد اسم الفاعل أكثر من اسم المفعول ، فإن الضغط يكون منه على الصيغة الدالة على اسم المفعول . كما تظهر فيما يسميه النحاة العرب " الصفة المشبهة " ؛ إذ تكون فئة خاصة من أسماء الفاعل التي تدل معانيها المعجمية على الثبات 68 خلافا لبقية فئات أسماء الفاعل الأخرى ، فيخضع البناء لضغط الوظيفة الدلالية الخاصة ، ويتحول إلى بناء آخر مختلف عن البناء المعهود في اسم الفاعل .

      3 – 2 ضغط الدلالات
      في إطار الدلالات تحدث أيضا تطورات تنشأ عن بعض حالات تضخم في ألفاظ تتنافس في احتلال القالب أو تزيد عن الحاجة الفعلية إلى نقل مفهوم المنشئ . وتتنوع تلك التطورات حسب الأطر التي تصنف فيها ؛ إذ إن الانتقال بالكلمة ذات الجذر الثابت من صيغة صرفية إلى أخرى يجعل الوظائف الممكنة التي تقوم بها تتعدد ، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى ترهل لفظي في صيغ ذلك الجذر . كما أن الأساليب التي تندرج فيها التراكيب النحوية تصبغ التركيب بسمة دلالية خاصة لدى مستخدم التركيب ، لا يتوصل إلى كنهها تماما ، ويحيط بظلالها سوى المنشئ نفسه ، عدا في حالات تكون الأساليب قد أصبحت أمثالا أو عبارات ثابتة تعرف تماما حدودها الدلالية . وأخيرا يحصل اضطراب مسموح به ، ويكاد يشكل عرفا – خاصة في النصوص الشفوية – لدى المنشئ عندما يربط العلاقات بين عناصر التركيب ، ويقوم بمطابقة السمات النحوية بينها ؛ فيبني تلك العلاقات على لفظ العناصر تارة ، وعلى معانيها أو جوهر اللفظ ، وما يدل عليه في ذهنه تارة أخرى . فينشأ في بعض الحالات خلل لا يتوافق مع القواعد مطلقا ، لكنه مقبول لكثرة حدوثه وارتباط مسبباته بخصائص اللغة .

      3 – 2 – 1 الدلالة الوظيفية أو المعجمية
      بأثر من عدم الحاجة إلى بعض القوالب الصرفية التي كانت تؤدي دلالة وظيفية معينة ، تبدأ عملية التداخل بين تلك القوالب وأخرى مجاورة في الأداء الوظيفي . وفي الغالب يسيطر صنف القوالب الأكثر ورودا ، لتحل محل القوالب المستبعدة أو المقللة ، كما هي الحال في أبنية جمع القلة في العربية القديمة التي لم تعد الحاجة إليها قائمة أو كبيرة بعد زوال ظروف العدم والشح التي كانت تدعو إلى استخدام جموع قلة أو كثرة للتفريق بين حالات عددية لها أهميتها الدلالية لدى كل من المستخدم والمتلقي في ظل تلك الظروف . وقد يرتبط بذلك أيضا انتشار العرب في مرحلة الفتوحات الإسلامية في أقطار واسعة ذات خيرات كثيرة وامتلاء بيوت المال في الولايات المختلفة بالأموال ، مما لم تعد الحاجة فيه قائمة لاستخدام أبنية القلة ، لكثرة الماديات من جهة ، ولاتساع خيال العربي إلى رحب واسع في عوالم البلدان المفتوحة التي عرف من خلالها تعدد الأشياء أكثر مما كان يتصور في عالمه القديم .
      ويتصل بهذا التطور حالات الجمع المختلفة للمشترك اللفظي ، حين يجمع بناء على دلالته المعجمية جمع قلة أو كثرة69 وليس بناء على عدد عينات المسمى التقريبي في مثل :

      " سهم " __ 1 – " أسهم " ( إذا كان بمعنى أقسام النصيب )
      2 – " سهام " ( إذا كان بمعنى السلاح الحسي أو المعنى المجازي في الإصابة بالحب وما سواه )

      " وجه " __ 1 – " أوجه " ( جوانب قضية معينة أو حالات القمر )
      2 – " وجوه " ( إذا كانت جمعا لوجه الكائن الحي )

      " بيت " __ 1 – " أبيات " ( جمع بيت الشعر )
      2 – " بيوت " ( جمع المسكن )

      " ضلع " __ 1 – " أضلاع " ( جوانب الشكل الهندسي )
      2 – " ضلوع " ( جمع ضلع الكائن الحي )

      " نفس " __ 1 – " أنفس " ( جمع نفس بغرض التوكيد )
      2 – " نفوس " ( جمع نفس الدالة على الحياة )

      ومع زيادة ضغط الدلالات الوظيفية والمعجمية من الأصناف الأكثر تمثيلا على الأصناف الأقل ، بدأت تلك الأبنية تقوم ببعض الأدوار الوظيفية الدلالية المختلفة المتمثلة في التعبير عن جمع الأسماء التي تكون لها معان مجردة بجانب المعاني المحسوسة .

      3 – 2 – 2 أساليب التوازي والتضاد
      تتعدد الأساليب التي تحمل صفة التوازي أو التضاد من خلال وجود اللكسيمات التي تختلف في صفة دلالية واحدة أو أكثر ، لكنها تشترك في إحداث تغييرات على مستوى الصيغة والدلالة . حيث يقصد في بعض الحالات إعادة التركيز على دلالة اللكسيم الأول من خلال اللكسيم الثاني ، وفي ذلك تعديل لدلالة الثاني في تلك الأساليب ، وفي بعض الأحيان يتجاوز التعديل تلك الحالات السياقية ، ليرتبط بذلك اللكسيم بشكل مطلق . كما تؤدي تلك التطورات إلى فراغ في معاني العبارات التي يقصد بها الجرس والتأثير الصوتي في المقام الأول70 .
      وتنتظم في هذه الأساليب عناصر لفظية في اتجاهين مختلفين ؛ إما أن يكون العنصران بالمعنى نفسه أو بمعنيين متقاربين أو أحدهما – غالبا الأول – بمعنى والآخر ليس له معنى ، وإما أن يتضاد العنصران في دلالتهما . ويرد ذلك بشكل خاص في الأفعال وبعض أساليب الرفض، كما يكثر استخدامها في القصص الشعبي وبعض نصوص الحوار الدرامي .
      أمثلة المجموعة الأولى (العنصران بالمعنى نفسه أو بمعنيين متقاربين) :
      " أكل ومرعى وقلة صنعة !71 "
      " فلان ما معه لا أبيض ولا أحمر72 "
      أمثلة المجموعة الثانية (أحد العنصرين لا معنى له ، أو لا يقصد معناه ، بل الهدف منه إطالة العبارة أو إحداث الجرس) :
      " لاحس ولا إنس 73"
      " لا هابوب ولا دابوب74 "
      " إنه حارٌ يارٌ 75"
      أمثلة المجموعة الثالثة (العنصران يتضادان في الدلالة) :
      " حساب القرايا غير حساب السرايا76 "
      " يعمل الحبة قبة77 "

      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4

        3 – 2 – 3 تأثيرات البناء بالمعنى
        تتغير بعض الأبنية في بعض صفاتها التركيبية بأثر من أبنية أخرى ضمن بدائلها ( عناصر الركن العمودي في النظرية البنيوية ) . وكانت هذه الظاهرة قد لفتت انتباه النحاة العرب، وأطلقوا عليها " التوهم " 78، وإن كانت في شعر أدخلت في " الضرورات الشعرية "، وتعد من أقبح الضرورات ، وفي بعض الكتب المتأخرة تسمى " حمل اللفظ على المعنى " أو " السعة " في تبادل المترادفات .
        أما في الدراسات الحديثة فتجمع حالات هذه الظاهرة ، مهما اختلفت سياقاتها ، ضمن مصطلح واحد هو " البناء بالمعنى " ( constructio ad sensum ) . وهي ظاهرة عامة في جميع اللغات البشرية ، لكن كثرتها وتعدد حالات ورودها تختلف من لغة إلى أخرى حسب حجم تراث اللغة ، وتعدد لهجاتها ، وسعة المنطقة الجغرافية التي تستخدمها ، وديموغرافية المتحدثين بها .
        وقد وجدت هذه الظاهرة في العربية قديما وحديثا في مستويات تركيبية مختلفة يمكن تمثيلها بالحالات التالية :

        3 – 2 – 3 – 1 تغير النوع
        تكاد تكون هذه الفئة من تأثيرات البناء بالمعنى هي الوحيدة التي اهتم بها النحاة العرب ، مما ذكر أعلاه . وتقع هذه التغيرات في التوابع والفعل والفاعل والخبر والضمائر وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة .
        ومن أمثلة ذلك :
        " أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط " 79 ( اللفظ المرتبط بنعيم في معناه، والمخالف له في نوعه هو الجنة ) ،
        " دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه " 80 (اللفظ المرتبط بشكوى في معناه ، والمخالف له في نوعه هو مرضه ) ،
        " ما سجدت سجودا قط كان أطول منها " 81 ( اللفظ المرتبط بسجود في معناه ، والمخالف له في نوعه هو سجدة ) ،
        " قال وإن أهلي أمرتني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه " 82 ( اللفظ المرتبط بأهلي في معناه ، والمخالف له في نوعه هو زوجتي أو امرأتي).
        وعلى الرغم من كون هذه الخصائص التركيبية من السمات الرئيسة في الكفاءة اللغوية للمتكلم ، ولا يخطئ فيها عادة سوى متعلمي اللغة من غير أبنائها ، فإن بعض الحالات يمكن أن تكون أكثر احتمالا وأقرب إلى القبول من غيرها ؛ من الحالات التي تقبل اللغة المطبوعة ورودها – خاصة إذا كانت في نصوص منطوقة أصلا : ورود العنصر بعيدا عن العناصر الأخرى التي يرتبط بها في جملة طويلة ، أو بعد ضمير الشأن الذي يرد مذكرا ومؤنثا أو ضمير الفصل ، وكذلك في الجمل الاسمية ( بما فيها الجمل المحتوية ما يسمى الأفعال أو الحروف الناسخة ) التي يتقدم فيها الخبر قبل المبتدأ ، خاصة إذا كان نوع الخبر مختلفا عن نوع المبتدأ ، أو عندما يرد الاسم بعد أحد ألفاظ التسوير . والحالتان الأخيرتان هما اللتان يتسامح فيهما النحاة كثيرا ، ويعدونهما من الحالات الجائزة ، دون أن يصفوا قائلها بالخطأ أو اللجوء إلى الضرورة أو التوهم 83.

        3 – 2 – 3 – 2 تغير الكلمات الدخيلة
        تستعير كل لغة طبيعية من اللغات الأخرى التي تحتك بها ما تحتاج إليه من مفردات وأساليب ، مما لا يوجد في رصيدها المعجمي أو في قوالب العبارات فيها . لكن حدس المستخدمين في اللغة المستعيرة لا يوافق دائما حدس مستخدمي اللغة المقرضة ؛ إذ توجد سمات في الألفاظ أو العبارات المقترضة لا تنتقل إلى اللغة المستعيرة أو لا يشعر متحدثوها بها ، فيسعون إلى إلباس العناصر الوافدة السمات الذاتية في اللغة الجديدة . وفي تلك الحالات ينشأ اضطراب عن عدم ملاءمة النظامين ، وقد ينشأ عن ذلك أيضا تطورات إضافية ، أو تصبح تلك العناصر مثقلة بعلامات من اللغة الأولى لم تعد لها وظيفة ، وعلامات من اللغة الجديدة تحمل الدلالات الوظيفية اللازمة .
        من ذلك مثلا : لفظ " مسلمان " التي استعارتها الفارسية من العربية بوصفها مفردا ،84 ثم جمعتها بأداة الجمع الفارسية "ان" ، فأصبحت " مسلمانان " ،
        ولفظ " ألبكة " ( الذي يدل على جمل البوكا ) ، حيث أخذت الاسبانية أداة التعريف العربية "ال" ، وألصقتها باسمه المحلي poca ، فأصبح Alpoca . وعندما عربت الموسوعة العربية العالمية اسم هذا الحيوان ، أدخلت إليه ال التعريف مرة أخرى ، فأصبح "الألبكة"85 .

        3 – 2 – 3 – 3 تغير طبيعة المعنى
        تتعرض " طبيعة المعنى " 86 في الأفعال والأسماء المشتقة منها إلى تطورات متعددة ، لكن ما يدخل منها تحت مفهوم البناء بالمعنى هو ما يتعرض له المركب الفعلي ( أو الاسمي ) من تغيير ناتج عن التباسه بأحد مرادفاته من المركبات التي تتبع طبيعة معنى أخرى ، وتتصل بالتالي بعناصر العبارة بشكل يختلف عن مرادفه الذي ورد في العبارة .
        وأشهر حالات تلك التغيرات ما يحدث للفعل اللازم ( أو الاسم المشتق منه ) من تحويل إلى فعل متعد أو العكس ، نظرا لالتباسه بفعل ( أو اسم مشتق ) له الصفة التي ظهر بها هذا المركب . وفي الأوضاع الأكثر تكرارا يكون تبادل بين الحروف التي تربط الفعل ( أو الاسم المشتق ) ببقية أسماء العبارة بشكل متقلب من عصر إلى آخر ، وأحيانا من فرد إلى آخر 87.
        ويمكن على سبيل المثال أن نورد حالة من الحالات الأكثر ورودا في طبيعة معنى أصبحت منتشرة في العربية الحديثة – خاصة في وسائل الإعلام – وغيرها بالطبع كثير : " … سحب خبرائها تحسبا من الضربة الأمريكية " ،88 بأثر من الاسم المشتق المرادف " … تخوفا من الضربة الأمريكية " ؛ إذ إن التحسب يكون للشيء وليس منه .

        3 – 3 ضغط الاتجاهات اللغوية
        توجد في كل لغة اتجاهات تأخذ طابع الموجه المؤثر في كثير من أنظمة اللغة ، وقد تتغير تلك الاتجاهات من فترة لغوية إلى أخرى داخل حياة اللغة الواحدة . وقد تناوبت عدة اتجاهات مختلفة في تاريخ العربية ، وكانت قد تركت آثارها في تطورات مختلفة في شرائح متنوعة من أبنية اللغة .
        ويمكن أن يدرس في هذا الجانب اتجاهان تركا آثارا واضحة في أغلب مستويات اللغة وأنظمتها ؛ هما : الاتجاه التحليلي الذي بدأ يتصاعد منذ القرن الثالث الهجري وتغلغل كثيرا في أنظمة اللهجات العربية ، والاتجاه الكتابي الذي بدأ في الفترة نفسها أو في نهاية القرن الثاني الهجري .

        3 – 3 – 1 الاتجاه التحليلي
        نظرا لشدة تقعيد العربية الكلاسيكية ، فإن رغبات متحدثي العربية في فترة ازدهار الحضارة العربية قد تزايدت في البحث عن تسهيل تلك القواعد والاستعاضة عنها بعناصر تحليلية . وقد زاد من قوة هذا الاتجاه وجود أكثرية غير عربية في أغلب البلدان الإسلامية المفتوحة التي تواجد فيها العرب ضمن رقعة جغرافية كبيرة في فترة وجيزة .
        وإذا نظرنا إلى آثار ذلك الاتجاه ، وجدنا أن كثيرا من الظواهر اللغوية قد نشأت بأثر من ذلك الاتجاه ، وأن إرهاصات العربية المتوسطة وأغلب جذور اللهجات العربية الحديثة قد تكونت في تلك الفترة . وأصبحت خصائص هذا الاتجاه سمة تتزايد أهمية في لهجات المدن العربية وفي نصوص الفصحى التي تنشأ في الأقاليم المختلفة في قوالب تحليلية متباينة ، وفي الوقت نفسه تزداد أهمية هذه النصوص في دراسة تطورات العربية ، غير أنها لم تدون إلا في بعض كتب اللحن أو الأخطاء الشائعة ، أو فيما حفظ في أوراق البردى ، وربما في بعض الروايات التي يجيز جامعوها نقلها على أنها من تراث العربية .
        وقد شاعت أبرز ظواهر هذا الاتجاه في تراكيب الإضافة وفي العدد وجمل الصلة وأسماء الإشارة وأساليب الشرط . وقد يكون لزوال الإعراب أو اختلال بعض قواعده دور في انتشار بعض هذه الظواهر ، وكذلك أسهم اختفاء علامات النمط ( الكيفية ) في الأفعال في عدم تبين بعض دلالات الوظائف في الجمل المركبة نحويا ، مما أدى إلى تراخي حدود الأساليب وإلى تداخل استخدامات بعض الأدوات والأساليب الواردة فيها .
        كانت بوادر هذا الاتجاه في تراكيب الإضافة – خاصة إضافة الملكية – بتحويل المضاف إليه إلى مركب مستقل عن المضاف بإدخال بعض الحروف بينهما ، وبشكل خاص اللام . ثم تطور هذا التركيب في وقت لاحق إلى أدوات خاصة بإضافة الملكية ، لا تستخدم إلا معها، وتتفاوت من بلد إلى آخر .
        ومن أمثلة ذلك في الفصحى الحديثة :
        " بإعداد المؤتمر العاشر للأدباء العرب " 89 ،
        " الرائد العربي لأدب الأطفال "90 ،
        " كنتيجة لسياسة أولئك الدخلاء "91 ،
        " المستوى الفائق لبقية القصائد " 92 .
        وفي العدد لم يعد هناك التزام بقواعد التفريق بين فئات العدد المختلفة ولا الأسماء المعدودة؛ إذ حدث دمج في بعض المقاطع لتحاشي البناء وتغير الصوائت ، كما حدث تقليص لتنوع قواعد إفراد الاسم المعدود وجمعه .
        وفي جمل الصلة ألغي الاسم الموصول المثنى ، وتقلصت الأسماء الموصولة كما بالاستغناء عن القليل الاستعمال منها ونوعا بالاكتفاء بثلاثة من الأسماء الموصولة المتصرفة ، اختزلت فيما بعد في اللهجات العربية الحديثة إلى واحد . أما في أسماء الإشارة فلم يعد يوجد في استخداماتها تحديد للبعد المكاني أو الزماني ، وأصبحت في كثير من الحالات تستخدم بوصفها مترادفات يبادل بين مواضعها . واختفت عن الاستخدام في الوقت نفسه بعضها الذي كان في الشعر أو الإشارة الحسية ، وندر – كما هو متوقع – استخدام المثنى منها .
        وفي أساليب الشرط تداخلت أساليب الصلة المحولة عن أساليب استفهام تستخدم فيها "من" و "ما" مع حتمية تلازم الوقوع المميزة للشرط ، كما زالت صرامة التوافق مع زوال العلامات النمطية التي تحتم انتماء تلك الأساليب . فأصبحت في كثير من الأحوال ظروف النص السياقية هي التي تجزم في تصنيف كثير من الجمل المركبة . وفي تطور متوقع اختفت جمل الشرط الطلبية نظرا لزوال تلك العلامات النمطية التي تعد الأداة الرئيسة في تلقي تلك الجمل بوصفها شرطية بسبب عدم وجود أداة للشرط .

        3 – 3 – 2 الاتجاه الكتابي
        على الرغم من أن الكتابة في اللغة أصلا وسيلة لحفظ المنطوق من الضياع ، إلا أنها في العربية على وجه الخصوص قد ميزت الفترة التي أصبحت اللغة فيها مكتوبة عن الفترات السابقة التي كانت نصوصها تنقل مشافهة ، وتعتمد على الحفظ في الذاكرة ، مع ما يلزم في تلك الحال من شروط كي تبقى النصوص في الأذهان ، من أجل أن تستحضر عند الأوان .
        ومن أبرز آثار ذلك الاتجاه في العربية عدة تطورات متفرقة يجمعها تياران قويان كونا صبغة عربية التراث المكتوب في فترة الازدهار المتأخرة :

        3 – 3 – 2 – 1 التخلي عن الخصائص الشفوية
        أصبحت اللغة العربية بعد التدوين في مرحلة تجعلها ترقى بأدبها من الروايات المحكية والأشعار المحفوظة إلى مستوى يعالج جميع شؤون الحياة ويتعامل مع آداب الشعوب التي دخلت في الإسلام ولغاتها بالاستعارة والاستفادة والتبسيط والابتعاد عن الأساليب ذات الخصوصية العربية ( أو السامية ) . فتحولت اللغة من مستوى الخطاب الحاضر بكل آلياته وأدواته التي تتمثل في النداء والتحضيض والتشخيص والالتفات والآليات الشعرية المرتبطة بالغموض والتقليد إلى مستوى التعبير المباشر عن الحاجات الملحة في الاتصال الذي لم تعد اللغة فيه ترفا وفنا ومتعة ذاتية ، بل أصبحت إحدى ركائز الحياة العلمية والعملية في فترات بناء الحضارة والتعبير عن هوية .

        3 – 3 – 2 – 2 زوال الفروق اللهجية
        دواعي نشأة هذا التيار مشابهة لظروف نشأة الأول ؛ إذ يصاحب قوة اللغة الرسمية المدونة زوال الفروق اللهجية أو اضمحلالها . فعندما أصبح العرب قلة في الأقاليم الجديدة ، أصبح التعدد اللهجي أمرا غير ممكن ، خاصة أن لغة القرآن والأدب المكتوب بدأت تهيمن على كتابة الدواوين وإنشاء الرسائل . وفي كثير من الأحيان لا يمكن أن تظهر بعض الظواهر اللهجية في العربية المكتوبة ، إما بسبب عجز النظام الكتابي عن الوفاء بها أو لرغبة المنشئ في الترفع عن مستوى لغوي يعد دونيا في تلك الفترة لغير المنادمة أو أمور الحياة اليومية البسيطة .
        ولا يمكن أن يغفل أمر في غاية الأهمية في هذا الوضع ، هو أن اللغة العربية بعد أن قعدت في نهاية القرن الثاني الهجري ، أصبح ينظر إليها – خاصة مع ازدياد سلطان النحاة – بوصفها لغة تنطلق من هذه القواعد ، لا بوصف القواعد محاولة لمعرفة أنظمتها وأبنيتها . فتكونت لتلك القواعد وللقائمين عليها هيبة ساعدت في النظرة الأحادية إلى تراكيب مثالية هي التي تخضع لقواعد النحاة الأوائل ، وتراكيب مخالفة أو شاذة ، مما يوصف بالقبيح أو الرديء . كما أسهمت المدارس النحوية وتعارض آرائها في الإجازة والقبول إلى تقليل مساحات الممكن وقمع التعدد ووصف كثير مما يخالف القواعد بالأخطاء الشائعة .

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #5

          4 - عوامل التقعيد ( التنميط )
          وجد شبه إجماع على أن العربية القديمة هي النمط اللغوي المستخدم في القرنين السادس والسابع الميلاديين في المناسبات الأكثر رسمية في أغلب مناطق شبه الجزيرة العربية . وتمثل هذه الفترة اللغوية نصوص الشعر المجموع في فترة متأخرة ونصوص القرآن .
          وفي بعض المناطق تولدت لغة اتصال يومية قريبة من نمط العربية القديمة ؛ وهذا ما دعا النحاة العرب إلى تحويل نصوص هذه الحقبة إلى نسق لغة متماسك نسبيا في إطار نظرية نحوية لها مبادئها الخاصة التي تعتمد التقعيد وليس التوصيف أساسا في صناعتها ، وقياس الأنماط الأخرى تبعا لبعدها أو قربها من القواعد المستخلصة ( ربما تجوزا ) من نصوص العربية القديمة التي أصبحت معيارا لاستخدام اللغة الأدبية والرسمية .
          غير أن سلطان قواعد تلك الحقبة بدأ يزداد ، حتى أصبحت القواعد ذاتها ، وليست النصوص القديمة ، هي المرجع – واكتسبت المبادئ المنطقية أو الافتراضية المرتبطة بها قداسة جعلتها موضع احترام ، وأبعدتها عن دائرة النقد . ومن هنا أصبحت آليات التقعيد مؤثرة جدا في تطورات اللغة ، وهذا ما جعلها موضع اهتمام في هذا البحث ، لتكون قسيمة لآثار الأداء الكلامي أو الأبنية اللغوية .
          وتبعا للتضخم الهائل في دراسة النحو العربي ( وليست دراسة اللغة نفسها ) ، وما صاحب ذلك من مواد ومصطلحات ضمن مستلزمات وسائل الدراسة ، قسم النحاة عناصر الكلام المختلفة إلى ثلاثة أقسام رئيسة ومتدرجة حسب إمكانات توظيف تلك العناصر في إطار نظام التقعيد هي : المنزلة و المقام و الموضع . وتعرف المنزلة بأنها المكان الذي تحتله الصيغة أو العبارة ( بناء على التراتبية ) في وظائفها التي تقوم بها في النمط القواعدي . لذا تعامل الصيغ التي لها نفس المنزلة المعاملة نفسها . أما المقام فهو الحيز الذي يوجد فيه الحرف في الكلمة أو توجد فيه الكلمة في الجملة . وأخيرا يشار إلى الموضع بوصفه الحد المؤطر بدقة ، مما يصل إليه أثر الأداة أو الكلمة التي تقوم بدور العامل ؛ أي منطقة أثر العامل أو حدود الأثر الإعرابي93 ( وهي مصطلحات وآليات من نتاج منطق النظرية النحوية ، وليس مما يمت إلى اللغة وأساليبها بصلة ) .
          ولولا المرجعية التي أصبحت تمثلها قواعد العربية القديمة ، لما كان لها الأثر الكبير ، ليس فقط في دراسة النحو ووضع القواعد المتصلة به ، بل أيضا في اختيار الكلمات التي تناسب القواعد المقابلة وفي صناعة الكلام وتعديل الأساليب بما يتوافق مع الأحكام المعيارية في وجه الكلام ، أو الجيد والقبيح والرديء والشاذ ، وغيرها من مسوغات غربلة الكلام العربي في عدة مجالات ؛ أهمها الثلاثة التي يرد ذكرها أدناه .

          4 – 1 تقسيم عناصر اللغة تبعا للعوامل
          لأن نظرية العامل كونت أساسا جامعا لفروع النحو العربي ، فقد ارتبطت بها جميع تعليلات النحو فيما يخص وظائف الكلمات والعلامات التي قد تظهر على ما يسمى بالمعرب منها . لكن تلك التعليلات لم توظف من أجل فهم أكبر لعلاقات العناصر داخل الجملة أو مدى انتظام العلامات التي تدل عليها ، بل أسهب النحاة في دراسة تلك العلامات وتقدير ما يعتقدون بأنه لم يظهر منها ، وصنفوا الكلمات تبعا للعلامات (حركات أو حروف ) التي تؤول بوصفها أثرا لما يعمله العامل في معموله .
          وقد أصبحت القواعد العربية تقوم على أبواب كبيرة عمادها انتماء الموضوعات التي تناقش فيها إلى فئة واحدة من الكلمات التي تشترك في علامة إعرابية واحدة ؛ فأصبح التصنيف الأول يقسم الأسماء إلى المرفوعات والمنصوبات والمجرورات . ثم تقسم تلك الأبواب إلى فصول فرعية ، وإن كان لا يجمع تلك الفئات – عدا اشتراكها في العلامة – أي جامع موضوعي .
          وفي الجمل الطويلة تتداخل أجزاء الجمل أو الجمل الفرعية المركبة بشكل يصعب فيه التواؤم مع ما تقرره النظرية النحوية ، مما يجعل النحاة يلجأون إلى تبريرات مصطنعة تبرر كسر القواعد . وتكون تلك المحاولات في صنع الحالات الاستثنائية للقاعدة وإكساب تلك النصوص شرعية كاملة من طرق قبول التطورات الجديدة ، خاصة في المرحلة التي اكتسبت فيها قواعد النحو المرجعية الكاملة في التقنين وفرز النصوص الصحيحة عن غيرها.
          من أمثلة ذلك ما أورده النحاة من أبواب " نصب التعظيم " و " نصب الخلاف " و "رفع الاستئناف " ، 94مما يدخل في حالات محددة أو " إعمال الحكاية " و " التجوز " ، مما يشمل أوضاعا عامة تفشل التبريرات في إيجاد مخرج لها . وتتفاوت الأحكام في كل هذه الحالات بين الحكم على نص قديم وآخر أحدث عصرا ، وبين نص له قداسة وآخر يمكن وصفه بالخطأ أو الضعف ، حتى وإن كانت الظاهرة موضع النقاش ذات ظروف لغوية متماثلة .

          4 – 2 مراتب شرعية الوظيفة والاستخدام
          تناول النحاة اللغة وقضاياها وعناصرها من منطلق فلسفي بالدرجة الأولى ، فكان لا بد من أن يوغلوا في الحديث عن الأصول والفروع ، وأن يعدوا بعض الأدوات ( خاصة العاملة منها ) أكثر أصالة في وظيفتها من الأدوات الأخرى . ونجد أنه في مرحلة متأخرة من الدراسة النحوية قد تبلورت بعض العناصر في كل باب ، تعد أساس هذا الباب وأساس الاستخدام في ذلك النوع من الأساليب . 95 من ذلك ما يرد عند أغلب النحاة من أن " إنْ " هي أصل أدوات الشرط ، وأن بقية الأدوات طارئة على أساليب الشرط أو ثانوية ، لأنها تستخدم في سياقات أخرى 96. كما يدخل في هذا الإطار ما نجده من إفرازات التنافس بين المدارس النحوية في التأصيل والتصنيف ، بعدما اعتقد المتأخرون أن جمع المادة اللغوية ووضع القواعد أو مراجعة الموضوع منها أمر قد حسم في الفترة الأولى ؛ ومن أمثلة ذلك : وضع الأدوات الوظيفية في تراتبية معينة بناء على شطحات قد لا تمت إلى الأدوات نفسها أو وظائفها بأية صلة كالمقارنة بين " لا " و " إنّ " ، والحكم بتقدم الثانية وانحطاط الأولى عنها " في أربعة أشياء ؛ أحدها : أن " إنّ " تعمل في المعرفة والنكرة ، و " لا " لا تعمل إلا في النكرة دون المعرفة . والثاني : أن " إنّ " لا تركب مع الاسم لقوتها ، و " لا " تركب مع الاسم لضعفها . والثالث : أن " إنّ " تعمل في الاسم مع الفصل بينها وبينه بالظرف وحرف الجر ، و " لا " لا تعمل مع الفصل بينها وبينه بالظرف ولا حرف الجر . والرابع : أن " إنّ " تعمل في الاسم والخبر عندنا ، و " لا " إنما تعمل في الاسم دون الخبر عند أهل التحقيق والنظر " 97.

          4 – 3 المشاكلة بين المبادئ النحوية
          لم تكتف الدراسات النحوية بالتركيز الشديد على القاعدة وإخضاع نصوص اللغة – قديمها وحديثها – لمبادئ النحو الثابتة ، بل سارت قدما في المواءمة بين قواعد في سياقات مختلفة تشترك في جزء من الصياغة أو الظروف اللازمة لنشأة القاعدة .
          وقد استدعى انتشار الظاهرة بالدرجة الأولى تعاظم الاهتمام بالعلل ، خاصة بعد أن أصبحت هدفا للتأليف النحوي بمفردها 98؛ فأصبحت تضم العلل التي تتشابه من الأبواب النحوية المختلفة في قسم واحد . كما أسهم القياس العقلي في سعة الخيال ، وجمع ما لا يجتمع في دراسة لغوية محضة ، وفي الاستطراد عند ربط حدوث ظاهرة في سياق معين بحدوث أخرى في سياق مختلف لا علاقة له تركيبيا ولا وظيفيا بالأول . ولا يمكن أن يغفل دور أركان نظرية العامل من حذف وتقدير وإضمار في فتح المجال للمقارنة بين حالة تنطبق عليها القاعدة النحوية وأخرى لا توافقها ، فيلجأ النحوي إلى تصور مركب محذوف أو ضمير مستتر أو حركة مقدرة ، مما يستوفي معه شروط القاعدة . ولا شك أن مثل هذا السلوك الزئبقي يهيئ أرضية خصبة للمقارنة بين مبدأ نحوي يوافق النص وآخر مخالف كليا أو جزئيا لنصوص اللغة مع استعارة السبب المنطقي من الأول وإدراجه على وجه المشاكلة 99 ضمن تبرير مخالفة الثاني .
          ومن حالات المشاكلة على سبيل المثال تحديد وظيفة " مِنْ " بكونها لابتداء الغاية في الزمان ، لأنها في المكان نظير " منذ " في الزمان100 .

          5 - قواعد الانتظام والشذوذ
          في كثير من حقب اللغات البشرية تؤدي حالات المحافظة الشديدة على الخصوصية والإشعار بالتميز إلى أوضاع غير طبيعية ، ولا تتواءم مع حياة اللغة في تلك الحقبة ، مما يؤدي في أغلب الحالات إلى ضعف اللغة وبعدها عن شؤون المجتمع ، وإلى زيادة عزلتها ، وبالتالي إلى التباعد بين الثقافة الشعبية – التي لن تتوقف – واللغة القومية التي تزداد ترفعا عن تلك الثقافة وأصحابها ، وتصبح خاصة بالنخب المستفيدة .
          وفي حالة اللغة العربية يكاد يكون القرن الثالث الهجري هو نقطة التحول في تاريخ العربية من اللغة القومية – الشعبية إلى لغة نخب بدأت في الابتعاد عن حياة الناس اليومية . وقد أسهم في زيادة وتيرة الابتعاد عاملان أساسيان ؛ يشكل كل منهما سمة هامة من سمات العربية بعد مرحلة التقعيد . ولئن اشتركا – كما سيرد في الحديث عن كل منهما – في كونهما من صنع النسق القواعدي ومحاولات الالتزام به ، وليس النسق اللغوي ، فإن اشتراكهما أكبر وأوضح في إزالة ما تبقى من سليقية اللغة وقواعد الكفاءة الذهنية .

          5 – 1 الحذلقة اللغوية101
          تأتي تأثيرات الحذلقة في كثير من الحالات – خاصة التركيبية منها – على مستويين ؛ أحدهما في إطار محاولات المتحدث العادي تمثل القواعد في جميع الحالات دون التفريق بين أسلوب وآخر ، أو مع عدم الانتباه إلى استثناء في القاعدة أو حالة خاصة في النص ، أو نتيجة سوء تقدير في موضع تطبيق القاعدة . أما المستوى الآخر – وهو الأكثر ورودا في العربية المكتوبة – فهو ما يصنعه النحاة من قواعد فرعية التزاما بعلاقة الفرع بالأصل في المنطق الصوري غير آبهين بالتباين بين منطق اللغة والمنطق الفلسفي .
          وعلى الرغم من أن أمثلة المستوى الأول تعد غالبا من الأخطاء ، لأنها تخالف القاعدة ، وترد في كتب الأخطاء الشائعة أو كتب اللحن وأساليب العامة102 ، فإنها تتساوى مع حذلقة المستوى الثاني من جهة عدم موافقة طبيعة اللغة ، غير أن كتب القواعد لا يمكن أن تخطئ نفسها . وأشهر أمثلة المستوى الأول : تسهيل الهمزة والإمالة ومخالفة قوانين تصريف الأفعال أو الأسماء المعتلة الناقصة .
          أما في إطار المستوى الثاني ؛ فأشهر مواضعها رفض ما لا يتواءم مع الأوزان الصرفية أو ما دخل من المفردات إلى المعجم العربي . ومن أمثلته : وضع قاعدة لا تقبل النسبة إلى الجمع ، رغم كونها حاجة ماسة وضرورة في بعض الحالات التي لا يوجد للجمع فيها مفرد . وبسبب هذه القاعدة النظرية المحضة يلجأ المستخدم – إن أراد ألا يخالف القاعدة – إلى إفراد الاسم الذي يريد النسبة إليه ، حتى وإن اختلف المعنى بين نسبته إلى المفرد أو إلى الجمع ، أو لم يوجد منه المفرد . وهذه – كما يقول أحمد حاطوم : " قاعدة نحاتية مبنية على منطق النحاة وأقيستهم وتقديراتهم ، أكثر مما هي قاعدة نحوية مرتبطة بحقائق النحو الضمني ، أي حقائق اللسان الكامنة في جسده " 103. ولو نظر النحاة أنفسهم إلى التراث العربي ، لوجدوا أن المعجم العربي ، حتى قبل مرحلة التقعيد يحتوي كثيرا من المفردات التي تكون النسبة فيها إلى الجمع .
          ومن أمثلة هذا المستوى المتكررة في الإطار التركيبي ما يدعيه النحاة من اكتساب المضاف جنسه أو عدده من المضاف إليه . ولئن كانت هذه القاعدة تنطبق على جزء يسير من تراكيب الإضافة ، وهي التراكيب التي يكون المضاف فيها من ألفاظ التسوير ، ومن هذا الجزء اليسير يأتي النحاة بأمثلة يدعون تأكيدها القاعدة ، بينما هي لا تمثل سوى تلك الحالة الجزئية . ففي مثل هذه الأحوال يعمم ما ينطبق على فئة معينة من الأسماء العربية على جميع الأسماء التي تدخل في تركيب الإضافة 104.
          وفي الغالب يفرض النسق القواعدي مثل هذه القواعد الإلزامية بسبب عدم تحديث القواعد أو شموليتها لكافة حالات الاستخدام اللغوي . وتتضح حالات الشذوذ في اللغة بخروجها عن بعض القوائم الصرفية أو الضوابط التركيبية أو المقاييس الصوتية في الكلمات المستخدمة بكثرة ، وهي ظاهرة منتشرة في جميع اللغات البشرية ، حيث تخالف القواعد بسبب انتشار استخدامها وتباين المستخدمين ، وما يتبعه من اختلاف العينات التي يفضلونها . إذ يصبح للفونيم ألوفونات يسود أكثرها استخداما أو أسهلها وللمورفيم وظائف ودلالات يخضع انتشار أحدها أو بعضها لقوانين ومعايير غير لغوية . ومن أجل التعدد ثم التوحد ، ثم تعدد الموحد مرة أخرى ، تخالف تلك التطورات الشاذة – والمستخدمة كثيرا في الوقت نفسه – القواعد المبنية نسقيا ، لأن النموذج الذي ينتشر منه يدخل النسق الذي يحتوي الفئات المنتظمة متأخرا ، وعندما يستقر في النسق يبدأ في التطور والتعدد مرة أخرى .
          هذا شيء طبيعي ، غير أن مشكلة نسق القواعد العربية أنه يحاول دائما التركيز على تلك الحالات الشاذة ، ووضع القواعد المقيدة لها . بل وفي كثير من الأحيان يقفز تحليل القواعد – بعد نبذة موجزة لا تتعدى الأسطر – إلى التفصيل في تناول الشاذ وذكر شواهده وحالاته المختلفة والآراء المتباينة في تأصيله وتفصيله105 .
          كذلك يدخل في هذا الحيز محاولات تقعيد الكلمات غير الاشتقاقية ؛ إما بسبب كونها دخيلة في العربية من لغة أجنبية ، أو لأنها جامدة لا تشترك مع كلمات عربية أخرى في جذر معروف . من ذلك مثلا : كلمات " قنسرين " و " فلسطين " و " شياطين " التي تصرف على أساس انتمائها إلى الجمع المذكر ، فتوضع في مواضع أخرى " قنسرون " و "فلسطون" و "شياطون" 106، على الرغم من أن الأول والثاني أجنبيان والثالث جمع تكسير .

          5 – 2 تعسف اللغة
          تحكم اللغة البشرية متغيرات عديدة ، كما تخضع لمنطق داخلي ، وقواعد آنية ذاتية تتحكم في طرق تطورها وتوسعها واضمحلالها . وفي الوقت نفسه تكون تلك القواعد مختلفة من مجتمع إلى آخر ، ومن حقبة إلى أخرى في سرعة التطور أو التوسع أو التقلص ، وكذلك في الآليات والوسائل التي تستخدمها .
          من أجل ذلك لا يمكن أن توضع قواعد ثابتة وصارمة لأية لغة كانت ، كما أنه لا يمكن أن تعالج تلك القواعد – مهما كانت درجة مرونتها – وضع اللغة وأنظمتها المختلفة دون أن تراعي تلك المتغيرات ، وتعترف بالنسبية ، وضيق زمن الصلاحية .
          لكن القواعد العربية لم تتسم بأي من تلك الضوابط ، ولم تتحل بذلك التواضع . وتعود الصفة الأخيرة بالتأكيد إلى واضعي القواعد وإلى أبناء العربية في الحقب التالية ؛ بكلمات أخرى : اكتسبت القواعد اللغوية الصرفة – دون المتغيرات الأخرى – حق وصف اللغة وأساليبها وحق اختيار العينة والحق المطلق في احتكار زمن صلاحيتها بعبارات مثل : "فالصحيح ما ذكرت لك ، فاعلمه !" ، كما سلم المستخدم – قديما وحديثا – بسلامة هذا السلوك . وهو ما يعني باختصار أن القواعد قد تعسفت اللغة . فما هي مظاهر هذا التعسف ؟
          أحد أهم مظاهر التعسف يتمثل في صنع الأمثلة التي لا تقال في العربية ، لأنها لا توافق أيا من أنساقها ، أو يمجها الذوق العربي ، ويكون الهدف من صناعتها تبين بعض المراحل المتطورة نظريا من أحد الأساليب العربية ، أو نتيجة وجود القاعدة مقلوبة مع عدم وجود الأسلوب مقلوبا في العربية ، أو من أجل التباهي بقدرة فائقة على التصنيف الدقيق وتمثل المجرد من القواعد ، وما يمكن أن يقابلها من نصوص في العربية . غير أن المشكلة تكمن في عدم التصريح بكون تلك القواعد وأساليبها متخيلة ، بل يختلط فيها الوصفي بالافتراضي .
          ومن أمثلة ذلك ما يرد عند ابن الحاجب من قاعدة وأسلوب افتراضي في قوله : " إن جئتني ولإحسانك إلي أكرمتك " . وقد رفض ابن هشام مثل هذا التعسف في استخراج اللغة من منطق النحو بقوله : " وتعسف ابن الحاجب في توجيه ذلك ، فقال : لما كان معنى قولك : " إن جئتني أكرمتك " وقولك " أكرمك لإتيانك إياي " واحدا ، صح عطف التعليل على الشرط في البيت ، ولذلك تقول : " إن جئتني وأحسنت إلي أكرمتك"، ثم تقول : " إن جئتني ولإحسانك إلي أكرمتك " ، فتجعل الجواب لهما ، انتهى . وما أظن أن العرب فاهت بذلك يوما ما " 107.
          ومن مظاهر التعسف أيضا توزيعهم سمات أساسية إلى أصناف الكلمات ، ثم الانطلاق من تلك القناعات ، ورفض ما قد يحمل سمة مخالفة في نص بين أيديهم ، فيحكمون عليه بالضعف أو القبح أو الشذوذ ، دون أن يفكروا بمراجعة السمات التي وزعوها مسبقا على الأصناف التي قسموها هم أيضا ، ولم تأت بها اللغة 108.

          تعليق

          • مصطفى شعبان
            عضو نشيط
            • Feb 2016
            • 12782

            #6
            أما تعسف التأثيل في الكلمات الأجنبية أو غير المعروفة الجذر ، فكثير جدا ، ويرد بشكل خاص في المعاجم الموضوعية . وأبرز تلك الحالات التي يتضح التعسف فيها ما أوردوه عن "التوراة" بكون التاء فيها بدلا من الواو وأصله "وورية" من "فوعلة" من ورى الزند … وقال البغداديون : توراة "تفعلة" ، وكذلك الأمر في كلمة "إنجيل" التي أعيدت إلى "نجل" على وزن "إفعيل" 109، مع أن الكلمتين – وغيرهما كثير – أجنبيتان . ولا يضيف تكلف اشتقاقهما في العربية إلا المزيد من الفوضى في النظام الصرفي .
            كما يدخل النحاة كثيرا آليات الحكم النحوي ووسائل الوصول إليه في عدد الاحتمالات اللغوية ( احتمالات الأداء الكلامي ) ، مع أن أبسط أصول المنطق تفصل بشكل كامل بين الحالات الممكنة في الكلام وحالات التحليل الممكنة في حالة كلامية واحدة . من أمثلة ذلك ما ورد عند ابن الحاجب : " … وإن عطفت ما يصلح للأول والثاني نحو : تحمد إن تأمر بالمعروف وتشكر ، ففيه أربعة أوجه ؛ الرفع على وجهين : على العطف على الأول وعلى الاستيناف ، والنصب على الصرف ، والجزم عطفا على الثاني "110 . وفي الحالات التي يعتقدون أنها تشكل إرباكا في سبيل الوصول إلى حكم نحوي واضح يسعون إلى إلغاء تعدد إمكانات اللغة خدمة لسهولة وضع القاعدة ، وكأن مهمة اللغة تنحصر في خدمة وضع القواعد . فمن أمثلة ذلك التعدي على اللغة ما أورده السيوطي من عدم جواز حذف العائد في " الذين هم يرآءون " أو " جاءني الذي هو في الدار " بحجة أنه لو حذف العائد ، لا يعلم أحذف من الكلام شيء أم لا111 . فالأساليب الناشئة بعد الحذف عربية ، لكن اللغة استغنت عنها – تبعا للسيوطي – رغبة في الإبقاء على هذه المعرفة النحوية الهامة ( إن كان قد حذف من الكلام شيء أو لم يحذف ) .
            ومما يزيد من تفاقم حالات تعسف اللغة لدى النحاة وجود فكرة مركزية ، هي فكرة وجود نظام متكامل من أطر الانسجام في جميع عناصر اللغة ؛ مرده لدى بعضهم إلى جودة اللغة وأصالتها ودقة صنعها ، ولدى البعض الآخر إلى قبس قدسية اختصت به العربية .
            ويرى الفاحص لكثير من الدراسات العربية القديمة أثر سيطرة تلك الخلفية على التحليل الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي من خلال تصورات مثالية في كل منحى من مناحي اللغة ، وبناء على ذلك ، فإن أي خروج عن ذلك الانسجام يحتاج إلى تعليل وتأويل بوصفه حالة استثنائية .
            ويلجأ النحاة غالبا إلى "التقدير" من أجل كشف جوانب الانسجام الخفية في تراكيب العربية ، وبالتالي من أجل فهم تركيب الجملة في اللغة112 . وقد بالغ منظروهم في تصور الانسجام بين شقي الجملة الاسمية ؛ حيث تتكون من جزئين بينهما اشتراك في مكونات متماثلة . ومما لا شك فيه أن خضوع كل التصورات من هذا القبيل لعمليات تقدير معقدة ومتضاربة ومتغيرة من حالة شائكة إلى أخرى هو نتاج لما أصبح معروفا في تحليلات النحاة من أن التقدير هو سلاح النحوي في صراع القياس مع الرواية .

            خاتمة
            لا يمكن لعارف بطريقة حياة اللغة وسيرورتها أن ينكر أهمية فحص آليات النظام من الداخل. وبحث التطورات الناشئة عن إلزام النسق ، كما مر أعلاه ، من الأمور المبينة لنصف حياة اللغة والكاشفة لكثير من خطوات سيرورتها .
            ولا يشك متتبع للدراسات اللغوية الحديثة في أن دراسة " الإلزام النسقي " لم تنشط بشكل مقبول في الدراسات النظرية العامة ، ولا في بحث أي من اللغات الحية ، أما في العربية ، فهو نادر ، إن لم يكن معدوما . ويستطيع المراقب المنصف إيجاد العذر للباحثين في ذلك ، بسبب ما يرتبط بذلك النوع من الدراسات من عوائق كبيرة ، ليس أقلها نقص الأعمال التمهيدية – وفي حالة العربية فقدانها – والحاجة إلى متابعة كثير من الجزئيات بجهد وصبر كبيرين ، لأن اللغة لا تظهر أنساقها من جهة ، وما يتوصل إليه من تطورات في اللغة لا يعرف بسهولة إن كان من إلزام النسق ، أم من عوامل أخرى .
            وقد بدأت تلك الصعوبات الشديدة تهدد موضوع البحث برمته بعد أن تاهت الجزئيات التي جمعها الباحث – لتكون أساسا لمناقشة أثر النسق وعلاقته أصلا بالتطورات – بين تصنيف الأداء والبناء . وقد أشير في البحث أعلاه إلى بعض مواطن تلك الصعوبات . لكن الحاجة الماسة – في دراسة العربية بالذات – إلى إرساء أسس لمثل هذه الدراسة شكل ضغطا كبيرا على الباحث لينهي في فترة معقولة ما يحتاج عمله إلى فترة أطول بكثير في حالة السعي إلى الشمولية ، والتوسع في دراسة الأنساق العربية ، قبل دراسة أثرها في التطورات ، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مجلدات ، وليس بحثا في مجلة . ومع تلك النشوة بالوصول في مثل هذه الطريق الشائكة إلى بر الأمان ، يبقى طموح المراقبين دائما كبيرا ، وإن كان غير واقعي ؛ حيث يرغب بعضهم في احتواء أمثلة في كل النواحي النظرية المطروحة ، وبعضهم في التفصيل والتوسع . وهي أمور تقود – كما ذكر أعلاه – إلى غير هذه الدراسة . والأمل في المستقبل للتوسع في هذا النهج الذي يزعم الباحث ، أنه سيحرك كثيرا من جوانب الركود ، وينفض عن الدراسات العربية عباءة التقليد وترديد ما سبق قوله بكلمات جديدة .
            ويكفي هذه الدراسة من النتائج إثباتها وجود تطورات في العربية ناشئة عن إلزام النسق ، وهي المهمة الرئيسة التي أخذها الباحث على عاتقه . لكن البحث قد توصل إلى نتائج أكثر من ذلك ، أهمها :
            1) اكتشاف الفرق بين اللغة الطبيعية وغير الطبيعية في تكوين مادتها المعجمية وقواعدها الصرفية – التركيبية ( كما في الفصل الأول )
            2) إيجاد العلاقة بين تضخم المفردات في اللغة ووجود الوسائل الكفيلة بمنع ذلك التضخم ( كما في الفصل الثاني )
            3) معرفة تباين مصادر التأثير في العناصر الجديدة أو المكونة في اللغة من الأبنية المشتركة مع تلك العناصر المتأثرة في جزء من النسق ( كما في الفصل الثالث ) . وتزيد العربية في هذا الشأن عن غيرها من اللغات في جانب تأثر تلك العناصر بانتقال اللغة إلى عصر التدوين الكامل ؛ وهو جانب يعد بحد ذاته استنتاجا مستقلا .
            4) التوصل إلى إشارات مقنعة ، أن استبعاد أكثر نصوص اللغة من دائرة الاعتراف ، والانطلاق باستمرار من أحكام معيارية في وضع القواعد ، كانت من العوامل المهمة في دفع اللغة لدى الأجيال المتعاقبة إلى تطورات ما كانت لتسلكها ، أو ما كانت لتكون بتلك الحدة ، لولا هذه الضغوط ( كما في الفصل الرابع )
            5) أن للاتساق مع قواعد النسق أو الخروج عنه في العربية جانبان ؛ أحدهما يتعلق بأبناء اللغة والمتحدثين بها من مكتسبيها المتأخرين ، والآخر يرتبط بمسار هيمنة القواعد على اللغة . وهو أمر مخالف تماما لطبيعة اللغات البشرية ، مثلما يخالف منطق الأشياء السليم القاضي بأسبقية اللغة ، وتحكمها في تجديد القواعد باستمرار ( كما في الفصل الخامس ) .

            تعليق

            • مصطفى شعبان
              عضو نشيط
              • Feb 2016
              • 12782

              #7
              1 انظر : K. Versteegh : " Leveling in the Sudan : from Arabic creole to Arabic dialect " . International Journal of Soc. Lang. 99 (1993) , 71 .
              2 انظر : فالح العجمي : " اللهجات العربية الحديثة بين التهجين والتوليد " . مجلة جامعة أم القرى 16/1 (1418ه/1997 م) ، ص 396 .
              3 انظر : R. Wardhaugh : An Introduction to Sociolinguistics , Second Edition. Oxford (UK) & Cambridge (USA): Blackwell, 1992, p. 56 .
              4 وهو ما أصبح يعرف في كثير من الدراسات اللغوية بمصطلح “theory of least effort” . انظر فيما يخص الدراسات المتعلقة بهذا القانون الطبيعي في حياة اللغة عن العربية : F. . Corriente : "From Old Arabic to Classical Arabic through the pre – islamic Koine : Some Notes on the native Grammarian’s Sources , Attitudes and Goals ". JSS 21 (1976), pp. 69 . وانظر كذلك : إبراهيم أنيس : الأصوات اللغوية ، ط 5 . القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، 1979 ، ص ص 234 - 237 ، وأيضا : عبدالرحمن أيوب : اللغة والتطور. القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية ، 1969 ، ص ص 32 - 34 .
              5 عن نظرية الشيوع انظر : إبراهيم أنيس : الأصوات اللغوية ، ص ص 237 - 250 ، وأيضا : أحمد مختار عمر : دراسة الصوت اللغوي ، ط 3 . القاهرة : عالم الكتب ، 1985 ، ص ص 321 - 322 .
              6 هذا المصطلح من وضع مجمع اللغة العربية في القاهرة . انظر : محمد رشاد الحمزاوي : أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، مناهج ترقية اللغة تنظيرا ومصطلحا ومعجما . بيروت : دار الغرب الإسلامي ، 1988 ، ص 254 .
              7 انظر : مصطفى النحاس : "عين المضارع بين الصيغة والدلالة" . بحوث في اللغة والأدب ، الكتاب التذكاري بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس قسم اللغة العربية وآدابها / جامعة الكويت . إعداد وإشراف : سهام الفريح. الكويت : مكتبة المعلا ، 1987 ، ص 174 .
              8 انظر مثلا بعض التفصيل لدى ابن جني : الخصائص ، تحقيق : محمد علي النجار ، ط 2 . بيروت : دار الهدى ، د. ت. ، ص ص 64 – 65 : " فلما كان انتقالهم من أصل إلى أصل ، نحو صبر وبصر ، مشابها للإعلال ، من حيث ذكرنا، كان من هذا الوجه كالعاذر لهم في الامتناع من استيفاء جميع ما تحتمله قسمة التركيب في الأصول [ الإبراز مني]. فلما كان الأمر كذلك ، واقتضت الصورة رفض البعض ، واستعمال البعض ، وكانت الأصول ومواد الكلم معرضة لهم ، وعارضة أنفسها على تخيرهم ، جرت لذلك [عندهم] مجرى مال ملقى بين يدي صاحبه ، وقد أجمع إنفاق بعضه دون بعضه ، فميز رديئه وزائفه ، فنفاه البتة ، كما نفوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه " .
              9 هذا هو المذهب السائد في النظرية النحوية العربية التي تركز على خصوصيات أقسام الكلام ؛ مما يعني احترام كون الجر ليس من أحوال الفعل ، فلا ترد الكسرة بالتالي بعد الفعل مباشرة .
              10 انظر مثلا : الزمخشري : المفصل في علم العربية . لاهور (باكستان) : دار نشر الكتب الإسلامية ، 1323 ه ، ص ص 138 – 139 ؛ حيث يورد ارتباطها باتصال ياء المتكلم ببعض الأدوات والحروف – بالإضافة إلى حالات وجودها المشهورة مع : إن ، ليت ، عسى - مثل : من ، عن ، لدن ، قط ، قد . ويعلل ذلك بالرغبة في الإبقاء على السكون الذي يزول لو اتصلت به الكسرة مباشرة .
              11 للاطلاع على كثير من الآراء المتعددة للنحاة العرب في هذا الموضوع انظر : محمد عبدالله جبر : الضمائر في اللغة العربية . القاهرة : دار المعارف ، 1980 ، ص ص 70 – 80 .
              12 انظر : رافي طلمون : " نظرة جديدة في أقسام الكلام " . الكرمل ( أبحاث في اللغة والأدب ) 12 (1991)، ص 62 .
              13 عن مصطلح " القواعد الضمنية " انظر : أحمد حاطوم : اللغة ليست عقلا ( من خلال اللسان العربي ) . بيروت: دار الفكر اللبناني ، د. ت. ، ص 96 .
              14 يقابل هذه المراحل الثلاث مستويات أيضا في دراسة اللغة وتقعيدها ؛ المستوى الأول هو مستوى الدراسة النظامية، بالإضافة إلى مستويين من مبالغات الدراسة ترد لاحقا في 5 – 1 .
              15 انظر المبرد : المقتضب ، تحقيق : محمد عبدالخالق عضيمة . بيروت : عالم الكتب ، د. ت. ، ج 3 ، ص 105 .
              16 انظر : ابن السراج ، أصول النحو ، تحقيق : عبد الحسين الفتلي . بيروت : مؤسسة الرسالة ، 1985 ، ج 2 ، ص ص 255 .
              17 سورة الواقعة ، الآية 68 .
              18 سورة الحج ، الآية 73 .
              19 سورة الشورى ، الآية 25 .
              20 ابن سعد ، ج 7 ، 47 .
              21 سورة النساء ، الآية 36 .
              22سورة آل عمران ، الآية 172 .
              23سورة النساء ، الآية الأولى .
              24سورة المجادلة ، الآية الخامسة .
              25سورة الأنعام ، الآية 35 .
              26سورة الرعد ، الآية 31 .
              27سورة المائدة ، الآية 69 .
              28سورة البقرة ، الآية 62 .
              29انظر مثلا : إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج ، تحقيق : إبراهيم الأبياري . القاهرة : الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ، 1965 ، ص 787 : " هذا باب ما جاء في التنزيل من الجمع يراد به التثنية : " فإن كان له أخوة فلأمه السدس " ؛ " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " أي : يديهما ؛ " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما " أي : قلباكما … لأن التثنية جمع في المعنى " .
              30 انظر : K. Versteegh : " The Notion of ' Underlying levels ' in the Arabic grammatical Tradition “ . Historiographia Linguistica 21 (1994) , No. 3 , p. 279 .
              31 سورة الأنبياء ، الآية الثالثة .
              32 سورة المائدة ، الآية 71 . لمزيد من الأمثلة وتحليل الظاهرة انظر : عبد الحميد الأقطش : "الإسناد في لغة أكلوني البراغيث ، تحليل بنيوي ومقاربة في المراحل الزمنية للإسناد الفعلي " . أبحاث اليرموك 13 /2 (1995) ، ص ص 390 .
              33 البخاري ، ج 4 ، 20 .
              34 سورة الحج ، الآية 19 .
              35 البخاري ، ج 1 ، 142 .
              36 سورة المائدة ، الآية السادسة .
              37 سورة الواقعة ، الآيات 17 – 23 . انظر عن المجاورة : أحمد ماهر البقري : دراسات نحوية في القرآن (العدد – المجرورات) ، ط 3 . الاسكندرية : مؤسسة شباب الجامعة ، 1986 ، ص ص 113 – 115 .
              38 الأغاني ، ج 4 ، 124 .
              39 الأغاني ، ج 1 ، 135 .
              40 سورة يوسف ، الآية 77 .
              41 انظر : R. Jacobi : " Bedingungssaetze ' mit Verschiebung ' " . ZDMG 117 (1967) , p. 86 .
              42 انظر : فالح العجمي : أبعاد العربية ، دراسة في فقه اللغة العربية وتاريخ تطورها وعلاقاتها ببقية اللغات السامية . الرياض : مطابع الناشر العربي ، 1994 ، ص 50 .
              43 انظر : م . ن . ، ص 120 .
              44 انظر : أحمد علم الدين الجندي : اللهجات العربية في التراث . طرابلس ( ليبيا ) : الدار العربية للكتاب ، 1983، ج 2 ، ص ص 527 .
              45 انظر : S. Moscati et. al. : An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic ********s : Phonology and Morphology . Ed. Sabatino Moscati . 2d Printing . Porta linguarum orientalium . Herausgegeben von Bertold Spuler und Hans Wehr . Neue Serie VI . Wiesbaden : Otto Harrassowitz , 1969 , p. 73 .
              46 انظر : A. Kaye : " The hamzat al-Wasl in Contemporary Modern Standard Arabic " . JAOS 111 (1991) , p. 572.
              47 انظر : J. Blau : " On some Proto – Neo – Arabic and early Neo – Arabic features differing from Classical Arabic " . JSAI 3 ( 1981-82 ) , p. 225 .
              48 انظر عن اشتقاقات تلك الكلمات في العربية : M. . G. Carter : " The Use of proper ****s as a testing device in Sibawaihi's Kitab ". The History of Linguistics in the Near East . Ed. C. H. M. Versteegh , K. Koerner , H-J. Niederehe . Amsterdam / Philadelphia : J. Benjamins Publishing Co. , 1983, p. 111. وعن اللهجات العربية الحديثة انظر : Handbuch der Arabischen Dialekte . Bearbeitet und herausgegeben von : Wolfdietrich Fischer und Otto Jastrow . Porta linguarum orientalium , herausgegeben von : Bertold Spuler und Hans Wehr , Neue Serie xvi . Wiesbaden : Otto Harrassowitz , 1980 , p. 45 .
              49 طبعا في حال تقدم الفاعل لا يسميه النحاة البصريون فاعلا ، بل مبتدأ ، وذلك من أجل عدم التعارض مع نظرية العامل التي ابتكروها ، وتنص في أحد مبادئها على عدم عمل المتأخر في المتقدم .
              50 انظر بعض تلك الشواهد وخلاف بعض كتب التراث في قبولها في : رمضان عبدالتواب : فصول في فقه العربية، ط 3 . القاهرة : مكتبة الخانجي ، 1987 ، ص ص 98 – 100 .
              51 رمضان عبدالتواب : " أسباب الشذوذ في اللغة " . Studien aus Arabistik und Semitistik , Anton Spitaler zum siebzigsten Geburtstag von seinen Schuelern ueberreicht . Herausgegeben von : Werner Diem und Stefan Wild . Wiesbaden : Otto Harassowitz , 1980 , ص 8 .
              52 انظر نقاش بعض تلك الحالات لدى : عبدالقادر الفاسي الفهري : اللسانيات واللغة العربية . الدار البيضاء (المغرب) : دار توبقال للنشر & منشورات عويدات ، 1985 – 1986 ، ص ص 173 - 182 .
              53 هذا المصطلح يشمل ألفاظا أهمها : كل ، جميع ، بعض . ويرد المصطلح بوصفه " المكونات المسورة " لدى أحمد المتوكل : الوظائف التداولية في اللغة العربية . الدار البيضاء (المغرب) : دار الثقافة ، 1985 ، ص 42 ؛ ولدى الفاسي الفهري : اللسانيات واللغة العربية ، ص 125 بوصفه " السور " . لكنه أيضا ورد عند ابن حزم بوصفه "ذوات الأسوار" ( رسائل ابن حزم الأندلسي ، تحقيق : إحسان عباس . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1983 ، ج 4 ، ص 194 ) .
              54 سورة الرحمن ، الآية 26 .
              55 سورة القمر ، الآية 53 .
              56 سورة العنكبوت ، الآية 57 .
              57 سورة الكهف ، الآية 99 .
              58 سورة طه ، الآية 123 .
              59 مسلم 887 ، 2 .
              60 سورة الأنبياء ، الآية 33 .
              61 سورة الإسراء ، الآية 84 .
              62 عبد العزيز المقالح ، 116 .
              63 م. ن. ، 138 .
              64 أحمد أمين ، 64 .
              65 عبد العزيز المقالح ، 153 .
              66 محمد حسن عواد ، 228 .
              67 انظر : محمود سليمان ياقوت : ظاهرة التحويل في الصيغ الصرفية . الاسكندرية : دار المعرفة الجامعية ، 1985 ، ص ص 60 – 62 .
              68 انظر : الزمخشري : المفصل ، ص 230 .
              69 انظر : D. Blohm : " Ist der Wenigkeitsplural im Modernen Hocharabisch eine grammatische Kategorie ? " . Vortraege des XXV. Deutsche Orienalistentages von 8. Bis 13. 4. 1991 in Muenchen . Im Auftrag der DMG , Supplement X . Stuttgart : Franz Steiner Verlag , 1994, p. 196.
              70 انظر : C. Holes : " The Structure and Function of Parallelism and Repetition in spoken Arabic : A Sociolinguistic Study ". JSS 40 (1995) , p. 64 .
              71 محمد الداية ، 39 .
              72 م. ن. ، 29 .
              73 م. ن. ، 209 .
              74 م. ن. ، 215 .
              75السيوطي ، ج 1 ، 414 .
              76 محمد الداية ، 83 .
              77 أحمد تيمور باشا ، 523 .
              78 انظر : R. Baalbaki : " Tawahhum : An Ambiguous concept in Early Arabic Grammar ". BSOAS 45 (1982), pp. 233 – 244 .
              79 البخاري ، ج 2 ، 130 .
              80 م. ن. ، ج 3 ، 60 .
              81 م. ن. ، ج 1 ، 122 .
              82 ابن سعد ، ج 8 ، 225 .
              83 من أمثلة الحالة الأولى : " كانت رحمة المطر البارحة " ؛ ومن أمثلة الثانية : " إذا بعض السنين تعرقتنا " .
              84 انظر : عبد النعيم محمد حسنين : قاموس الفارسية . بيروت : دار الكتاب اللبناني ، 1982 ، 653 .
              85 انظر : فالح العجمي : " مستويات التعريب في مجالات العلوم وشؤون الحياة المختلفة " . ندوة تعميم التعريب وتطوير الترجمة في المملكة العربية السعودية ، والتي عقدت في رحاب جامعة الملك سعود في الفترة من 2 – 3 جمادى الآخرة 1419 ه .
              86 عن المصطلح انظر : فالح العجمي : أبعاد العربية ، ص 110 .
              87 وهي الظاهرة التي يعبر عنها النحاة بمصطلح " تبادل الحروف " في الاستخدام .
              88 صحيفة الرياض في 24 / 7 / 1419 ه ( 13 / 11 / 98 ) ، ص 33 .
              89 عبد العزيز المقالح ، 7 .
              90 م. ن. ، 20 .
              91 محمد حسن عواد ، 203 .
              92 عبد العزيز المقالح ، 41 .
              93 انظر : C. H. M. Versteegh : " The Arabic Terminology of syntactic Position " . Arabica 25 (1978) , p. 263 .
              94 انظر : F. Corriente : " From Old Arabic …” , p. 91 .
              95 وقد تكون هذه الظاهرة مقدمة لما يرد أدناه من تشاكل ظواهر الدراسة النحوية نفسها .
              96 انظر ما يقوله ابن الحاجب : كتاب الكافية في النحو ، شرح : رضي الدين الاستراباذي . بيروت : دار الكتب العلمية ( إعادة طبعة الشركة الصحافية العثمانية ، 1310 ه ) ، ج 2 ، ص ص 253 – 254 : " اعلم أن أم الكلمات الشرطية " إنْ " … " ؛ " وكلمة " إنْ " لأصالتها في الشرطية وكونها أم الباب جاز أن تدخل اختيارا على الاسم بشرط أن يكون بعده فعل " .
              97 انظر : ابن الأنباري : الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين : البصريين والكوفيين . صيدا – بيروت : المكتبة العصرية ، 1987، ج 1 ، ص 370 .
              98 انظر بشكل خاص أنواع العلل عند الزجاجي : الإيضاح في علل النحو ، تحقيق : مازن المبارك ، ط 5 . بيروت: دار النفائس ، 1986 ، ص ص 64 .
              99 يوجد مصطلح " المشاكلة " لدى البلاغيين بوصفه جامعا لما يأخذ حكم غيره من الألفاظ لاتفاق ورودهما في سياق واحد . كما يستخدمه النحاة اتساعا في القياس ، وذلك في الحالات التي يربط فيها بين أسباب حدوث بعض الظواهر التي لا تكتمل فيها أركان القياس المعروفة في الفقه والنحو .
              100 انظر : ابن الأنباري : الإنصاف ، ج 1 ، ص 371 .
              101 مصطلح " الحذلقة " العربي يوافق المصطلح اللاتيني h ypercorrection .
              102 بدءا من الثورة الحديثة في الدراسات اللغوية أصبحت هذه العينات تدرس ويفحص تواترها ، ولم يعد ينظر إليها بوصفها خروجا عن القاعدة يستحق الإهمال .
              103 أحمد حاطوم : اللغة ليست عقلا ، ص 98 .
              104 انظر : م . ن . ، ص 47 .
              105 ربما لاعتقادهم أن الحالات الشاذة هي التي تحتاج إلى تفسير وتمحيص في القواعد والشواهد ؛ أما الحالات المعتادة، فهي ميسورة على القراء . لكن وظيفة كتب القواعد هي بالدرجة الأولى تتبع أحوال اللغة العامة والتركيز على الأبنية الطبيعية التي تشكل الأكثرية في اللغة ، ولا بأس في أن تذكر شيئا يخالف تلك القواعد العامة بعد التفصيل فيها .
              106 انظر : ابن يعيش : شرح المفصل . بيروت : عالم الكتب ، د. ت. ، ج 5 ، ص 13 .
              107 ابن هشام : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، تحقيق : محمد محيي الدين عبدالحميد . القاهرة : د. ن. ، د. ت. ، ص 36 .
              108 انظر مثلا : ابن الحاجب : الكافية ، ج 1 ، ص 37 .
              109 انظر : H. L. Fleischer : Kleinere Schriften. Osnabrueck : Biblio Verlag , 1968 ( Neudruck der Ausgabe 1885 – 1888 ). Band I , 1. Teil , pp. 54 .
              110 ابن الحاجب : الكافية ، ج 2 ، ص 261 .
              111 انظر : السيوطي : همع الهوامع . القاهرة : مطبعة السعادة ، 1327 ه ، ج 1 ، ص 90 .
              112 انظر : R. Baalbaki : " Some Aspects of Harmony and Hierarchy in Sibawayhi's Grammatical Analysis “. Journal of Arabic Linguistics 2 (1979) , p. 11 .

              تعليق

              • مصطفى شعبان
                عضو نشيط
                • Feb 2016
                • 12782

                #8
                المصادر والمراجع
                المصادر :
                ابن سعد ، أبو عبد الله محمد : الطبقات الكبرى ، تراث العرب ، ثمانية مجلدات . بيروت: دار صادر & دار بيروت : 1960 .
                الإصبهاني ، أبو الفرج : كتاب الأغاني ، 23 جزءا . الرياض : مكتبة الرياض الحديثة ، د. ت.
                أمين ، أحمد : حياتي ، قدم له : عبد العزيز عتيق . بيروت : دار الكتاب العربي ، 1969.
                البخاري ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل : صحيح البخاري ، مجلدان ( أربعة أجزاء ) . القاهرة : د. ن. 1309 ه .
                تيمور باشا ، أحمد : الأمثال العامية ، ط 4 . القاهرة : مركز الأهرام للترجمة والنشر ، 1986 .
                الداية ، محمد رضوان : الكنايات العامية الشامية وأصولها الفصيحة . دمشق : دار الفكر، 1988 .
                السيوطي ، أبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال أبو بكر جلال الدين : المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، جزءان . القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، د. ت.
                عواد ، محمد حسن : خواطر مصرحة ، جزءان ، ط 2 . القاهرة : مطبعة المدني (المؤسسة السعودية بمصر) ، 1961 .
                القرآن الكريم .
                مسلم ، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري : صحيح مسلم ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، خمسة مجلدات . القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، 1955 .
                المقالح ، عبد العزيز : الوجه الضائع ، دراسات عن الأدب والطفل العربي . بيروت : دار المسيرة ، 1985 .



                المراجع العربية :
                ابن الأنباري ، كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد : الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين : البصريين والكوفيين . صيدا – بيروت : المكتبة العصرية ، 1987 .
                ابن جني ، أبو الفتح عثمان : الخصائص ، تحقيق : محمد علي النجار ، جزءان ، ط 2 . بيروت : دار الهدى ، د. ت.
                ابن الحاجب ، جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر : كتاب الكافية في النحو ، شرح : رضي الدين الاستراباذي ، جزءان . بيروت : دار الكتب العلمية (إعادة طبعة الشركة الصحافية العثمانية ، 1310 ه ) .
                ابن حزم ، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي : رسائل ابن حزم الأندلسي ، تحقيق : إحسان عباس ، أربعة أجزاء . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1983 .
                ابن السراج ، أبو بكر محمد بن سهل : الأصول في النحو ، تحقيق : عبد الحسين الفتلي . بيروت : مؤسسة الرسالة ، 1985 .
                ابن هشام ، أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، مجلدان . القاهرة : د. ن. ، د. ت.
                ابن يعيش ، موفق الدين يعيش بن علي : شرح المفصل . بيروت : عالم الكتب ، د. ت.
                إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج ، تحقيق : إبراهيم الأبياري . القاهرة : الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ، 1965 .
                الأقطش ، عبد الحميد : " الإسناد في لغة أكلوني البراغيث ، تحليل بنيوي ومقاربة في المراحل الزمنية للإسناد الفعلي " . أبحاث اليرموك 13 / 2 ( 1995) ، ص ص 367 – 413 .
                أنيس ، إبراهيم : الأصوات اللغوية ، ط 5 . القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، 1979 .
                أيوب ، عبد الرحمن : اللغة والتطور . القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية ، 1969 .
                البقري ، أحمد ماهر : دراسات نحوية في القرآن ( العدد – المجرورات ) ، ط 3 . الاسكندرية : مؤسسة شباب الجامعة ، 1986 .
                جبر ، محمد عبد الله : الضمائر في اللغة العربية . القاهرة : دار المعارف ، 1980 .
                الجندي ، أحمد علم الدين : اللهجات العربية في التراث ، مجلدان . طرابلس ( ليبيا ) : الدار العربية للكتاب ، 1983 .
                حاطوم ، أحمد : اللغة ليست عقلا ( من خلال اللسان العربي ) . بيروت : دار الفكر اللبناني ، د. ت.
                حسنين ، عبد النعيم محمد : قاموس الفارسية . بيروت : دار الكتاب اللبناني ، 1982 .
                الحمزاوي ، محمد رشاد : أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، مناهج ترقية اللغة تنظيرا ومصطلحا ومعجما . بيروت : دار الغرب الإسلامي ، 1988 .
                الزجاجي ، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق : الإيضاح في علل النحو ، تحقيق : مازن المبارك ، ط 5 . بيروت : دار النفائس ، 1986 .
                الزمخشري ، أبو القاسم محمود بن عمر : المفصل في علم العربية . لاهور ( باكستان ) : دار نشر الكتب الإسلامية ، 1323 ه .
                السيوطي ، أبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال أبو بكر جلال الدين : همع الهوامع ، جزءان . القاهرة : مطبعة السعادة ، 1327 ه .
                صحيفة الرياض السعودية ( عدد 13 / 11 / 1998 ) .
                طلمون ، رافي : " نظرة جديدة في أقسام الكلام " . الكرمل ( أبحاث في اللغة والأدب ) 12 (1991) ، ص ص 43 – 67 .
                عبد التواب ، رمضان : " أسباب الشذوذ في اللغة " . Studien aus Arabistik und Semitistik , Anton Spitaler zum siebzigsten Geburtstag von seinen Schuelern ueberreicht . Herausgegeben von : Werner Diem und Stefan Wild . Wiesbaden : Otto Harrassowitz , 1980 , ص ص 1 – 23 .
                عبد التواب ، رمضان : فصول في فقه العربية ، ط 3 . القاهرة : مكتبة الخانجي ، 1987 .
                العجمي ، فالح : أبعاد العربية ، دراسة في فقه اللغة العربية وتاريخ تطورها وعلاقاتها ببقية اللغات السامية . الرياض : مطابع الناشر العربي ، 1994 .
                العجمي ، فالح : " اللهجات العربية الحديثة بين التهجين والتوليد " . مجلة جامعة أم القرى 16 / 1 ( 1418 ه / 1997 م ) ، ص ص 373 – 426 .
                العجمي ، فالح : " مستويات التعريب في مجالات العلوم وشؤون الحياة المختلفة " . ندوة تعميم التعريب وتطوير الترجمة في المملكة العربية السعودية ، والتي عقدت في رحاب جامعة الملك سعود في الفترة من 2 – 3 جمادى الآخرة 1419 ه ( 22 – 23 أيلول 1998 م ) ، وهي أثناء كتابة هذا البحث قيد الصف في مطابع الجامعة .
                عمر ، أحمد مختار : دراسة الصوت اللغوي ، ط 3 . القاهرة : عالم الكتب ، 1985 .
                الفهري ، عبد القادر الفاسي : اللسانيات واللغة العربية . الدار البيضاء ( المغرب ) : دار توبقال & منشورات عويدات ، 1985 – 1986 .
                المبرد ، أبو العباس محمد بن يزيد : المقتضب ، تحقيق : محمد عبد الخالق عضيمة ، أربعة أجزاء . بيروت: عالم الكتب ، د. ت.
                المتوكل ، أحمد : الوظائف التداولية في اللغة العربية . الدار البيضاء ( المغرب ) : دار الثقافة ، 1985 .
                النحاس ، مصطفى : " عين المضارع بين الصيغة والدلالة " . بحوث في اللغة والأدب ، الكتاب التذكاري بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس قسم اللغة العربية وآدابها / جامعة الكويت . إعداد وإشراف : سهام الفريح . الكويت : مكتبة المعلا ، 1987 ، ص ص 169 – 208 .
                ياقوت ، محمود سليمان : ظاهرة التحويل في الصيغ الصرفية . الاسكندرية : دار المعرفة الجامعية ، 1985 .


                المراجع الأجنبية :

                Baalbaki , R. : “ Some Aspects of Harmony and Hierarchy in Sibawayhi’s Grammatical Analysis “ . Journal of Arabic Linguistics 2 (1979), pp. 7-22 .

                Baalbaki , R. : “ Tawahhum : An Ambiguous concept in Early Arabic Grammar “. BSOAS 45 (1982), pp. 233-244 .

                Blau , J. : “ On Some Proto – Neo – Arabic and early Neo – Arabic features differing from Classical Arabic “ . JSAI 3 (1981-82), pp. 223-235 .

                Blohm , D. : “ Ist der Wenigkeitsplural im Modernen Hocharabisch eine grammatische Kategorie ? “. Vortraege des XXV. Deutsche Orientalistentages von 8. bis 13. 4. 1991 in Muenchen. Im Auftrag der DMG, Supplement X. Stuttgart : Franz Steiner Verlag , 1994 , pp. 192-201 .

                Carter , M. G. : “ The Use of proper ****s as a testing device in Sibawayhi’s Kitab “ . The History of Linguistics in the Near East . Ed. C. H. M. Versteegh , K. Koerner, H-J. Niederehe . Amsterdam / Philadelphia : J. Benjamins Publishing Co., 1983, pp. 109-120 .

                Corriente , F. : “ From Old Arabic to Classical Arabic through the pre – islamic Koine: Some Notes on the native Grammarian’s Sources , Attitudes and Goals “ . JSS 21 (1976), pp. 62-98 .

                Fleischer , H. L. : Kleinere Schriften . Osnabrueck : Biblio Verlag , 1968 ( Neudruck der Ausgabe 1885-1888) .

                Handbuch der Arabischen Dialekte . Bearbeitet und Herausgegeben von : Wolfdietrich Fischer und Otto Jastrow . Porta linguarum orientalium , herausgegeben von : Bertold Spuler und Hans Wehr , Neue Serie xvi . Wiesbaden : Otto Harrassowitz, 1980 .

                Holes , C. : “ The Structure and Function of Parallelism and Repetition : A Sociolinguistic Study “. JSS 40 (1995), pp. 57-81 .

                Jacobi , R. : “ Bedingungssaetze ‘mit Verschiebung’ “. ZDMG 117 (1967), pp. 78-86.

                Kaye , A. : “ The Hamzat al-Wasl in Contemporary Modern Standard Arabic “. JAOS 111 (1991) , pp. 572-573 .

                Moscati , et. al. : An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic ********s : Phonology and Morphology . Ed. Sabatino Moscati . 2d Printing . Porta linguarum orientalium . Herausgegeben von Bertold Spuler und Hans Wehr . Neue Serie VI. Wiesbaden : Otto Harrassowitz , 1969 .

                Versteegh , C. H. M. : “ The Arabic Terminology of syntactic Position “. Arabica 25 (1978), pp. 261-281 .

                Versteegh , K. : “ Leveling in the Sudan : from Arabic creole to Arabic dialect “ . International Journal of Soc. Lang. 99 (1993) , 65 – 79 .

                Versteegh , K. : “ The Notion of ‘Underlying levels’ in the Arabic grammatical Tradition “. Historiographia Linguistica 21 (1994), No. 3 , pp. 271-296 .

                Wardhaugh , R. : An Introduction to Sociolinguistics , Second Edition . Oxford (UK) & Cambridge (USA) : Blackwell , 1992 .

                تعليق

                يعمل...