تطورات الإلزام النسقي العربية
أ.د فالح العجمي
1 - المقدمة
إذا نظر المرء إلى ما يحدث في اللغة الطبيعية من تطورات ، فإنها لن تخرج عن أحد مسارين كبيرين يحكمان التغيرات الطارئة في مستويات اللغة المختلفة . وتتحكم في أحد هذين المسارين عوامل خارجة عن اللغة ونابعة من السياق أو شروط ذرعية متصلة بالموقف ؛ أما الآخر – وهو موضوع البحث الحالي – فتتحكم فيه عوامل من داخل النسق اللغوي .
وبما أن اللغة نظام اجتماعي ، فهي معرضة للتحول . وفي جميع الأحوال هناك ثلاثة متغيرات خارجية تصنع جميع التحولات فيها ، وهي المكان والزمان والنظام الاجتماعي ، وتتبع جميعها المسار الأول ، بينما يسهم متغير داخلي هو " البناء اللغوي " وقابليته للتطبيق في إطار " الأداء الكلامي " لكل فرد يستخدم ذلك النظام ، ويتبع هذا المتغير المسار الثاني.
1 – 1 البناء اللغوي
تتمثل اللغة في أحداث لغوية مباشرة – كما أصبح معروفا في الدراسات اللغوية الحديثة – وتخضع أي دراسة تبعا لذلك لمتطلبات هذه الحقيقة بأن تراعى الشروط النفسية والمعرفية والفسيولوجية العصبية لدى المتكلم والسامع في حالات الاتصال ، وهي الشروط التي تغير بشكل كبير جانب التعبير في اللغة ، وتسمى هذه التغيرات عوامل الإلزام الداخلية في اللغة. من أجل ذلك يفترض أن تبحث الدراسة باستمرار عن أسباب التحول في حالات الاتصال التي تنشئ لغة أو ثقافة أو بناء اجتماعيا مشتركا بطريقة مباشرة .
ولو نظرنا إلى التطورات التي تحدث في أية لغة بشرية طبيعية ، لوجدنا أن ما يحدث منها بسبب البناء اللغوي هو الأكثر جذرية والأقرب مسا بجوهر اللغة ، مما يجعله يمثل منظورا مستقبليا لما ستؤول إليه كثير من عناصر اللغة المرتبطة بالنسق ، والتي تتأثر كثيرا باتجاهات التحول في البناء اللغوي . ويستثنى من ذلك بالطبع اللغات التي تعيش حياة غير طبيعية ، سواء كان ذلك في كل تاريخها أو في حقبة من ذلك التاريخ ؛ إذ لا تصنع التطورات المرتبطة بالبناء اللغوي مؤشرات التحول اللغوي بسبب الاضطراب الناتج عن وضع اللغة كحالة اللغة الهجين أو المولدة ، أو تحكم القواعد المعيارية التي تنطلق باستمرار من نقاط ارتكاز ثابتة لا تعترف معها بما يجد عليها من تحولات ، وذلك في حالات اللغات الميتة أو المكتوبة فقط .
ومن أمثلة اللغات الهجين أو المولدة التي لا تخضع لتطورات الإلزام النسقي ما حدث في النوبية المولدة ، التي يتحدث بها حاليا ما يقرب من 30000 نسمة في منطقتي كمبالا ونيروبي ( في أوغندا وكينيا ) ؛ إذ تطورت بشكل غير طبيعي عن لغة الممباشي العربية التي كان قد صنعها الجنود المصريون في منطقة جوبا في السودان بوصفها هجينا ، يتفاهمون بها مع المجندين من أبناء المنطقة ، عندما أرسلهم الإنجليز إلى هناك في نهاية القرن التاسع عشر1.
ومن اللغات التي تتحكم في تطوراتها القواعد المعيارية وأقربها إلينا العربية الفصحى (حسب قواعد النحاة المعيارية) ، مما يجعل إحدى فترات اللغة محورا ثابتا يكبح التطور الطبيعي . فهناك العديد من التطورات التي وجدت حتى في النصوص العربية القديمة ، ولكنه لم يعترف بها مطلقا ، أو اعترف بها على مضض ، بوصفها حالات شاذة أو غير حسنة . وليست هذه الدراسة مجالا لمحاكمة القواعد النحوية العربية ، أو تصنيف النصوص معياريا، غير أن بعض الأسباب يمكن إيرادها في تعليل ذلك ، مثل كون من أسس قواعد العربية من غير العرب ، فكانوا يريدون قصر القواعد على نماذج محددة ، ومنها الصراع المستمر على السلطة بين الشعراء والأدباء ذوي الحظوة عند بلاط الأمراء والولاة من جهة، وبين النحاة من جهة أخرى الذين يريدون المنافسة على مناصب تأديب أبناء القصور على الأقل. وليس أمامهم لإظهار سطوتهم إلا تعقيد النحو وحصر اللغة في قواعدهم والغض من مكانة أشهر الشعراء والأدباء الذين ينافسونهم على الحظوة . 2 وقد أصبحت العربية بذلك لغة كتابة بالدرجة الأولى بعد نزع فتيل حيوية التطور عنها ، وعدم قبول تعدد الأساليب فيها .
أما أمثلة اللغات الميتة التي قضى عليها بالكامل تحكم القواعد المعيارية ، فكثيرة في تاريخ اللغات البشرية ، منها اليونانية الكلاسيكية واللاتينية الدارجة ، وهما اللتان كانتا تمثلان اللغة المشتركة ( lingua francas ) في العالم القديم 3. لكنها خنقت بالتقعيد الشديد ، وعدم السماح بتطورات النسق فيها ، لا من الداخل ، ولا من الخارج .
1 – 2 اتجاهات صنع النسق
تسهم دراسة الاتجاهات القوية في صنع النسق اللغوي في توضيح كثير من الظواهر التي يصعب تفسيرها في إطار التطورات الشكلية أو الطبيعية التي تحدث باستمرار ، وتفسر في إطار قوانين اللغة .
وقد تبنت دراسة تلك الاتجاهات عدة نظريات مختلفة في حقولها وأهدافها وفي النواحي التي تركز عليها من التطورات اللغوية وجوانب النظام اللغوي أو العلمي المصاحب الذي تعنى به نظرية دون أخرى .
أهم تلك النظريات وأقدمها انتشارا ما يسمى " نظرية الوفرة في الجهد " ، والتي تطور عنها قانون أصبحت تفسر به بعض ظواهر اللغة الصوتية والصرفية والتركيبية ؛ كما عرف أيضا بقانون الجهد الأقل ، 4 الذي يحدد إطارا عاما لمنحى كثير من التطورات باتجاه العينة الأسهل وتحاشي الصعب من الأصوات أو التراكيب أو اتصال المقاطع .
ومن أمثلة ذلك :
1) اعتماد النصب وسيلة لتمييز نهايات الكلمات التي لا تدخل في الإسناد (بوصفها فاعلا أو مبتدأ أو خبرا) ، أو التبعية ( بعد حرف جر أو في تركيب إضافة ) . ويعتقد بكون هذه الوسيلة أسهل من الأصوات الأخرى في نطقها .
2) تحول بعض الأصوات الصعبة إلى أصوات أسهل منها ؛ وأشهر هذه الأصوات القاف الذي تحول في أغلب اللهجات العربية ، إما إلى الهمزة ( في المدن العربية الكبيرة ) ، أو الكاف ( في الشام وفلسطين ) ، أو الجيم القاهرية ( في الأرياف والبوادي العربية ) ، أو الغين ( في السودان وأغلب لهجات الخليج الساحلية ) .
وقد تفرع عن هذا القانون الكلاسيكي قوانين فرعية شكلت أطرا لدراسة كثير من التطورات ؛ مثل قوانين الانسجام بين وحدات اللغة ، وهي القوانين التي تناولت بشكل علمي كثيرا من التغيرات الصوتية أو الآثار الصرفية المندرجة في إطار هذه القوانين .
ومن أمثلة ذلك :
1) قوانين خلق الانسجام في الكلمات العربية بين الأصوات في المقاطع المتجاورة ؛ من حيث اقتراب بعض صفات الأصوات بعضها من بعض :
أ. الصوامت المفخمة أو المجهورة في مقطع ما تفرض من أجل سهولة النطق أصواتا مفخمة أو مجهورة في المقطع المجاور : "اضتلع" إلى "اضطلع ؛ "ازتجر" إلى "ازدجر" .
ب. الصائت الأمامي في مقطع ما يفرض من أجل سهولة النطق صائتا أماميا أو وسطيا ، والصائت الخلفي يفرض صائتا خلفيا أو وسطيا في المقطع المجاور : "بِهُم" إلى "بِهِم" ؛ "لِهُ" إلى "لَهُ" .
2) إلغاء بعض المقاطع التي يكون وجودها صعوبة في نطق الكلمات . وقد نشأت لذلك بعض القوانين الصرفية منها :
أ. المقاطع المتوالية ، إذا كانا يبدآن بالصامت نفسه ، وكان أولهما مفتوحا ، مثل : شَدَدَ CVCVCV ؛ شادِدٌ CVVCVCVC ينطبق عليهما القانون ، فتصبح الأولى : "شدّ" باختصارها إلى مقطعين والثانية "شادٌ" باختصارها إلى مقطعين أيضا .
ب. حذف نصف الصامت ، إذا كان في مقطع مفتوح ، يليه فتحة ، مثل : كَفَيَ، سَرَيَ ، هَدَيَ ، فتصبح : كفى ، سرى ، هدى .
ومن تلك النظريات ما يسمى " نظرية الشيوع " التي تعزو أغلب التطورات ، خاصة تلك التي تشكل شذوذا في اللغة ، إلى كثرة استخدام العناصر ، لأن كثرة الدوران على الألسن يدعو إلى التغير المستمر ، وربما المعاملة الخاصة بالخروج عن النموذج المعتاد أو القالب الصرفي المستخدم في العناصر ذات الاستخدام الأقل5 .
وأمثلة ما يخضع لهذه النظرية من التطورات العربية كثيرة ، ويمكننا الاكتفاء بالتمثيل بعدة ظواهر تبين مواقع تطبيقها :
1) ظاهرة "الإلصاق التوهمي" 6 : ويكثر نشوء هذه الظاهرة في حالات الأدوات التي تستخدم باستمرار في سياقات معينة ، وبشكل خاص أداة النفي " لا " التي اندمجت مع بعض الأسماء أو الأفعال أو الأدوات ، لتشكل أداة جديدة ، توهم الناس أنها وحدة مستقلة ، فصرفوها على ذلك الأساس ، منها : " لات" ، " لن " ، " ليس " ، "ليت" وفي فترة متأخرة مع الفعل أو المصدر الصناعي وأداة التعريف : " اللاأدريين " ، "اللادينية" وغيرها من المركبات .
2) التغير المستمر في أسماء الإشارة والمركبات المكونة منها بسبب كثرة ما يحتاج إلى استخدامها في فترات اللغة المختلفة ؛ ففي حين كانت تستخدم الهاء بمفردها في فترات مبكرة ، أصبحت العربية بدءا من القرن السادس الميلادي تستخدمها مركبة مع الذال أو اللام ، ثم الكاف في فترة لاحقة . ثم بدأ الفصل بين استخدام الذال مع الهاء للقريب ، ومع الكاف للبعيد . ومع تواتر استخدام تلك الأدوات مرادفة للأسماء أو قائمة بدور أساسي في بناء التركيب ، بدأت هذه العناصر الإشارية المركبة بالدخول في تراكيب سياقية تحدد نقاطا زمنية معينة أو ظروف الحدث ، مثل : يومئذ – عندئذ – بعدئذ – حينئذ – آنذاك – حينذاك – إذذاك – يوم ذاك – عندذاك .
3) تعدد وظائف بعض الأدوات أو الأفعال التي يكثر استخدامها ، أو تنقل من دور وظيفي إلى آخر . وأشهر هذه الأدوات : من ، ما ، أي التي تستخدم أساسا في أساليب الاستفهام المباشر ، ثم انتقلت إلى أساليب الاستفهام غير المباشر ، ثم في جمل الصلة . وفي الوقت نفسه اعتمدت اللغة عليها ذاتها لأداء الأساليب الشرطية . ومن تلك الأدوات أيضا "حتى" التي تعددت مهامها بين العطف المتصاعد بين عناصر مفردة وبين تراكيب معقدة من الجمل المفصلة والغائية . ومن الأفعال تعرضت بعض الأفعال المساعدة لتطورات متسارعة نتيجة كثرة استخدامها إلى درجة تفقد فيها عناصر الثبات ، وخاصة "كان" في الجمل المركبة ، وبشكل أوضح ، عندما تتفاوت أزمنة الأحداث ، وتختلف الصيغ المعبر بها .
1 – 3 آثار التطورات النسقية في عناصر اللغة
لدى دراسة الأفعال ومقارنتها بما يحدث من الآثار النسقية في حالات الأسماء يمكن القول أن الفعل يخضع أكثر من الاسم للنسق ، لذا يكون الضغط باتجاه الإلزام النسقي أكبر في حالات الأفعال منها في الأسماء .
من أجل ذلك نجد أن المواءمة بين ما يحدث في الأفعال من تطورات والأطر الموجودة في اللغة من قبل تفوق كثيرا ما يوجد في تطورات الأسماء التي تتعدد اتجاهات التطور فيها ، وتنشأ في كثير من الأحيان أطر جديدة تصبح هي المقياس لحقبة قادمة . ويمكن التحقق من هذا التباين باستعراض ما يحدث في الأسماء من قوالب متعددة لحالات التعريف والجمع وما وجد من قبل من أوضاع التصريف الثلاثي والمنع من الصرف ( التصريف الثنائي ) وغير ذلك كثير في الأسماء من الأصناف التي تمتد من الدراسات المعجمية ( كالجذر الثنائي ) إلى الدراسات التركيبية ( المتعلقة بتحول بعض أصناف الأسماء إلى أدوات ربط زمنية أو شرطية أو غيرهما من الوظائف ) .
ومن أمثلة مظاهر خضوع الأفعال للإلزام النسقي أكثر من الأسماء :
1) اتباع الفعل لنمط بناء يفرضه النسق ، ويبدو ذلك جليا في قبول الصوائت التي تفرضها الصيغة لكل نوع من الأفعال حسب دلالته ، وبناء إحدى صيغه ؛ فمثلا : "فَعَلَ" لا يخرج عن ثلاثة أبنية في التصريف ( أو ثلاثة أبواب كما يقول الصرفيون ) ، هي : نَصَرَ – ينصُر؛ ضَرَبَ – يضرِب؛ فَتَحَ – يفتَح ، و "فَعِلَ" لا يخرج عن بنائين ( أو بابين كما يقول الصرفيون ) ، هما : فَرِحَ – يفرَح ؛ وَرِثَ – (يورِث) يرِث ، و "فَعُلَ" لا يخرج عن بناء واحد ( أو باب واحد كما يقول الصرفيون ) ، هو : شَرُفَ – يشرُف7.
2) في حالات الأفعال الثنائية تمد الصوائت لتصبح طويلة ، وتعامل معاملة الصوامت في النسق ، عدا الحالات التي لا يمكن قبولها لتعارضها مع قوانين صارمة في اللغة ؛ وهي الأفعال التي أصبحت تسمى المعتلة ، بسبب تحول الصائت الطويل إلى حرف علة ، يجري عليه ما يجري على الصامت في الأفعال الثلاثية : "أوضَحَ" مثل "أبلَغَ" أو "أحدَثَ" تماما ؛ و"قوّم" مثل "كرّس" أو "صنّع" تماما . بينما لم يتمكن النسق من تحقيق التواؤم بين "رمى" وبقية الأفعال الثلاثية ، وذلك بسبب قوة القانون الصرفي المذكور أعلاه الذي يمنع وجود مقطع مفتوح صامته الياء أو الواو ، وصائته الفتحة ، لو بني الفعل على "رَمَيَ" ، لذا اختصرت المقاطع بإلغاء الياء ، ودمج الصائتان القصيران ، ليكونا صائتا طويلا (رَمَى) . وكذلك لم يتمكن النسق من إخضاع صيغ الأمر أو المضارع المجزوم من المعتل الأجوف لقوالب الأغلبية ، بسبب قانون صرفي صارم يمنع تكون المقاطع المقفلة ذات الصوائت الطويلة :
أ. سار – يسير – سِيرْ (CVVC) وهذا المقطع غير موجود في الفصحى ، لذا يقصر طول الصائت ، ليصبح : سِرْ ( CVC) وهو مقطع مقبول .
ب. يسير – لم يسيرْ (CVCVVC) ، وكذلك : إن يسيرْ (CVCVVC) ؛ فالمقطع في هاتين الصيغتين غير موجود في الفصحى ، لذا لزم تقصير الصائت ، ليصبح "لم يسرْ" (CVCVC) و "إن يسرْ" (CVCVC) .
2 - عوامل الأداء الكلامي
توجد في اللغة أبنية وصيغ تنتجها القوانين اللغوية المختلفة ، وهي قوانين مضطردة صماء لا يمكن أن تراعي الصعوبات المصاحبة لبعض المواد اللغوية التي تنتج عنها في الأداء الكلامي ، كما يصعب أن تدرك التضارب الذي قد يحدث بين مخرجات القوانين – خاصة المطبقة منها في حقول مختلفة – وينشأ عنه ضعف الإفهام أو غيره من المشكلات .
2 – 1 التضاد بين أصل البناء والنحو
يعود مصطلحا " أصل البناء " و " النحو " إلى أوائل النحاة العرب ؛ 8 إذ يقسمون الكلام إلى قسمين أحدهما " أصل البناء " والآخر " النحو " . ويوافق " أصل البناء " ما نتحدث عنه هنا من نتاج القوانين اللغوية البحت الذي يكون عرضة للتعديل حسب مواقع بنائه ، أما " النحو " فيوافق الأبنية والصيغ بعد تعرضها للتطورات التي تلائم بها قدرات الأداء الكلامي .
أ.د فالح العجمي
1 - المقدمة
إذا نظر المرء إلى ما يحدث في اللغة الطبيعية من تطورات ، فإنها لن تخرج عن أحد مسارين كبيرين يحكمان التغيرات الطارئة في مستويات اللغة المختلفة . وتتحكم في أحد هذين المسارين عوامل خارجة عن اللغة ونابعة من السياق أو شروط ذرعية متصلة بالموقف ؛ أما الآخر – وهو موضوع البحث الحالي – فتتحكم فيه عوامل من داخل النسق اللغوي .
وبما أن اللغة نظام اجتماعي ، فهي معرضة للتحول . وفي جميع الأحوال هناك ثلاثة متغيرات خارجية تصنع جميع التحولات فيها ، وهي المكان والزمان والنظام الاجتماعي ، وتتبع جميعها المسار الأول ، بينما يسهم متغير داخلي هو " البناء اللغوي " وقابليته للتطبيق في إطار " الأداء الكلامي " لكل فرد يستخدم ذلك النظام ، ويتبع هذا المتغير المسار الثاني.
1 – 1 البناء اللغوي
تتمثل اللغة في أحداث لغوية مباشرة – كما أصبح معروفا في الدراسات اللغوية الحديثة – وتخضع أي دراسة تبعا لذلك لمتطلبات هذه الحقيقة بأن تراعى الشروط النفسية والمعرفية والفسيولوجية العصبية لدى المتكلم والسامع في حالات الاتصال ، وهي الشروط التي تغير بشكل كبير جانب التعبير في اللغة ، وتسمى هذه التغيرات عوامل الإلزام الداخلية في اللغة. من أجل ذلك يفترض أن تبحث الدراسة باستمرار عن أسباب التحول في حالات الاتصال التي تنشئ لغة أو ثقافة أو بناء اجتماعيا مشتركا بطريقة مباشرة .
ولو نظرنا إلى التطورات التي تحدث في أية لغة بشرية طبيعية ، لوجدنا أن ما يحدث منها بسبب البناء اللغوي هو الأكثر جذرية والأقرب مسا بجوهر اللغة ، مما يجعله يمثل منظورا مستقبليا لما ستؤول إليه كثير من عناصر اللغة المرتبطة بالنسق ، والتي تتأثر كثيرا باتجاهات التحول في البناء اللغوي . ويستثنى من ذلك بالطبع اللغات التي تعيش حياة غير طبيعية ، سواء كان ذلك في كل تاريخها أو في حقبة من ذلك التاريخ ؛ إذ لا تصنع التطورات المرتبطة بالبناء اللغوي مؤشرات التحول اللغوي بسبب الاضطراب الناتج عن وضع اللغة كحالة اللغة الهجين أو المولدة ، أو تحكم القواعد المعيارية التي تنطلق باستمرار من نقاط ارتكاز ثابتة لا تعترف معها بما يجد عليها من تحولات ، وذلك في حالات اللغات الميتة أو المكتوبة فقط .
ومن أمثلة اللغات الهجين أو المولدة التي لا تخضع لتطورات الإلزام النسقي ما حدث في النوبية المولدة ، التي يتحدث بها حاليا ما يقرب من 30000 نسمة في منطقتي كمبالا ونيروبي ( في أوغندا وكينيا ) ؛ إذ تطورت بشكل غير طبيعي عن لغة الممباشي العربية التي كان قد صنعها الجنود المصريون في منطقة جوبا في السودان بوصفها هجينا ، يتفاهمون بها مع المجندين من أبناء المنطقة ، عندما أرسلهم الإنجليز إلى هناك في نهاية القرن التاسع عشر1.
ومن اللغات التي تتحكم في تطوراتها القواعد المعيارية وأقربها إلينا العربية الفصحى (حسب قواعد النحاة المعيارية) ، مما يجعل إحدى فترات اللغة محورا ثابتا يكبح التطور الطبيعي . فهناك العديد من التطورات التي وجدت حتى في النصوص العربية القديمة ، ولكنه لم يعترف بها مطلقا ، أو اعترف بها على مضض ، بوصفها حالات شاذة أو غير حسنة . وليست هذه الدراسة مجالا لمحاكمة القواعد النحوية العربية ، أو تصنيف النصوص معياريا، غير أن بعض الأسباب يمكن إيرادها في تعليل ذلك ، مثل كون من أسس قواعد العربية من غير العرب ، فكانوا يريدون قصر القواعد على نماذج محددة ، ومنها الصراع المستمر على السلطة بين الشعراء والأدباء ذوي الحظوة عند بلاط الأمراء والولاة من جهة، وبين النحاة من جهة أخرى الذين يريدون المنافسة على مناصب تأديب أبناء القصور على الأقل. وليس أمامهم لإظهار سطوتهم إلا تعقيد النحو وحصر اللغة في قواعدهم والغض من مكانة أشهر الشعراء والأدباء الذين ينافسونهم على الحظوة . 2 وقد أصبحت العربية بذلك لغة كتابة بالدرجة الأولى بعد نزع فتيل حيوية التطور عنها ، وعدم قبول تعدد الأساليب فيها .
أما أمثلة اللغات الميتة التي قضى عليها بالكامل تحكم القواعد المعيارية ، فكثيرة في تاريخ اللغات البشرية ، منها اليونانية الكلاسيكية واللاتينية الدارجة ، وهما اللتان كانتا تمثلان اللغة المشتركة ( lingua francas ) في العالم القديم 3. لكنها خنقت بالتقعيد الشديد ، وعدم السماح بتطورات النسق فيها ، لا من الداخل ، ولا من الخارج .
1 – 2 اتجاهات صنع النسق
تسهم دراسة الاتجاهات القوية في صنع النسق اللغوي في توضيح كثير من الظواهر التي يصعب تفسيرها في إطار التطورات الشكلية أو الطبيعية التي تحدث باستمرار ، وتفسر في إطار قوانين اللغة .
وقد تبنت دراسة تلك الاتجاهات عدة نظريات مختلفة في حقولها وأهدافها وفي النواحي التي تركز عليها من التطورات اللغوية وجوانب النظام اللغوي أو العلمي المصاحب الذي تعنى به نظرية دون أخرى .
أهم تلك النظريات وأقدمها انتشارا ما يسمى " نظرية الوفرة في الجهد " ، والتي تطور عنها قانون أصبحت تفسر به بعض ظواهر اللغة الصوتية والصرفية والتركيبية ؛ كما عرف أيضا بقانون الجهد الأقل ، 4 الذي يحدد إطارا عاما لمنحى كثير من التطورات باتجاه العينة الأسهل وتحاشي الصعب من الأصوات أو التراكيب أو اتصال المقاطع .
ومن أمثلة ذلك :
1) اعتماد النصب وسيلة لتمييز نهايات الكلمات التي لا تدخل في الإسناد (بوصفها فاعلا أو مبتدأ أو خبرا) ، أو التبعية ( بعد حرف جر أو في تركيب إضافة ) . ويعتقد بكون هذه الوسيلة أسهل من الأصوات الأخرى في نطقها .
2) تحول بعض الأصوات الصعبة إلى أصوات أسهل منها ؛ وأشهر هذه الأصوات القاف الذي تحول في أغلب اللهجات العربية ، إما إلى الهمزة ( في المدن العربية الكبيرة ) ، أو الكاف ( في الشام وفلسطين ) ، أو الجيم القاهرية ( في الأرياف والبوادي العربية ) ، أو الغين ( في السودان وأغلب لهجات الخليج الساحلية ) .
وقد تفرع عن هذا القانون الكلاسيكي قوانين فرعية شكلت أطرا لدراسة كثير من التطورات ؛ مثل قوانين الانسجام بين وحدات اللغة ، وهي القوانين التي تناولت بشكل علمي كثيرا من التغيرات الصوتية أو الآثار الصرفية المندرجة في إطار هذه القوانين .
ومن أمثلة ذلك :
1) قوانين خلق الانسجام في الكلمات العربية بين الأصوات في المقاطع المتجاورة ؛ من حيث اقتراب بعض صفات الأصوات بعضها من بعض :
أ. الصوامت المفخمة أو المجهورة في مقطع ما تفرض من أجل سهولة النطق أصواتا مفخمة أو مجهورة في المقطع المجاور : "اضتلع" إلى "اضطلع ؛ "ازتجر" إلى "ازدجر" .
ب. الصائت الأمامي في مقطع ما يفرض من أجل سهولة النطق صائتا أماميا أو وسطيا ، والصائت الخلفي يفرض صائتا خلفيا أو وسطيا في المقطع المجاور : "بِهُم" إلى "بِهِم" ؛ "لِهُ" إلى "لَهُ" .
2) إلغاء بعض المقاطع التي يكون وجودها صعوبة في نطق الكلمات . وقد نشأت لذلك بعض القوانين الصرفية منها :
أ. المقاطع المتوالية ، إذا كانا يبدآن بالصامت نفسه ، وكان أولهما مفتوحا ، مثل : شَدَدَ CVCVCV ؛ شادِدٌ CVVCVCVC ينطبق عليهما القانون ، فتصبح الأولى : "شدّ" باختصارها إلى مقطعين والثانية "شادٌ" باختصارها إلى مقطعين أيضا .
ب. حذف نصف الصامت ، إذا كان في مقطع مفتوح ، يليه فتحة ، مثل : كَفَيَ، سَرَيَ ، هَدَيَ ، فتصبح : كفى ، سرى ، هدى .
ومن تلك النظريات ما يسمى " نظرية الشيوع " التي تعزو أغلب التطورات ، خاصة تلك التي تشكل شذوذا في اللغة ، إلى كثرة استخدام العناصر ، لأن كثرة الدوران على الألسن يدعو إلى التغير المستمر ، وربما المعاملة الخاصة بالخروج عن النموذج المعتاد أو القالب الصرفي المستخدم في العناصر ذات الاستخدام الأقل5 .
وأمثلة ما يخضع لهذه النظرية من التطورات العربية كثيرة ، ويمكننا الاكتفاء بالتمثيل بعدة ظواهر تبين مواقع تطبيقها :
1) ظاهرة "الإلصاق التوهمي" 6 : ويكثر نشوء هذه الظاهرة في حالات الأدوات التي تستخدم باستمرار في سياقات معينة ، وبشكل خاص أداة النفي " لا " التي اندمجت مع بعض الأسماء أو الأفعال أو الأدوات ، لتشكل أداة جديدة ، توهم الناس أنها وحدة مستقلة ، فصرفوها على ذلك الأساس ، منها : " لات" ، " لن " ، " ليس " ، "ليت" وفي فترة متأخرة مع الفعل أو المصدر الصناعي وأداة التعريف : " اللاأدريين " ، "اللادينية" وغيرها من المركبات .
2) التغير المستمر في أسماء الإشارة والمركبات المكونة منها بسبب كثرة ما يحتاج إلى استخدامها في فترات اللغة المختلفة ؛ ففي حين كانت تستخدم الهاء بمفردها في فترات مبكرة ، أصبحت العربية بدءا من القرن السادس الميلادي تستخدمها مركبة مع الذال أو اللام ، ثم الكاف في فترة لاحقة . ثم بدأ الفصل بين استخدام الذال مع الهاء للقريب ، ومع الكاف للبعيد . ومع تواتر استخدام تلك الأدوات مرادفة للأسماء أو قائمة بدور أساسي في بناء التركيب ، بدأت هذه العناصر الإشارية المركبة بالدخول في تراكيب سياقية تحدد نقاطا زمنية معينة أو ظروف الحدث ، مثل : يومئذ – عندئذ – بعدئذ – حينئذ – آنذاك – حينذاك – إذذاك – يوم ذاك – عندذاك .
3) تعدد وظائف بعض الأدوات أو الأفعال التي يكثر استخدامها ، أو تنقل من دور وظيفي إلى آخر . وأشهر هذه الأدوات : من ، ما ، أي التي تستخدم أساسا في أساليب الاستفهام المباشر ، ثم انتقلت إلى أساليب الاستفهام غير المباشر ، ثم في جمل الصلة . وفي الوقت نفسه اعتمدت اللغة عليها ذاتها لأداء الأساليب الشرطية . ومن تلك الأدوات أيضا "حتى" التي تعددت مهامها بين العطف المتصاعد بين عناصر مفردة وبين تراكيب معقدة من الجمل المفصلة والغائية . ومن الأفعال تعرضت بعض الأفعال المساعدة لتطورات متسارعة نتيجة كثرة استخدامها إلى درجة تفقد فيها عناصر الثبات ، وخاصة "كان" في الجمل المركبة ، وبشكل أوضح ، عندما تتفاوت أزمنة الأحداث ، وتختلف الصيغ المعبر بها .
1 – 3 آثار التطورات النسقية في عناصر اللغة
لدى دراسة الأفعال ومقارنتها بما يحدث من الآثار النسقية في حالات الأسماء يمكن القول أن الفعل يخضع أكثر من الاسم للنسق ، لذا يكون الضغط باتجاه الإلزام النسقي أكبر في حالات الأفعال منها في الأسماء .
من أجل ذلك نجد أن المواءمة بين ما يحدث في الأفعال من تطورات والأطر الموجودة في اللغة من قبل تفوق كثيرا ما يوجد في تطورات الأسماء التي تتعدد اتجاهات التطور فيها ، وتنشأ في كثير من الأحيان أطر جديدة تصبح هي المقياس لحقبة قادمة . ويمكن التحقق من هذا التباين باستعراض ما يحدث في الأسماء من قوالب متعددة لحالات التعريف والجمع وما وجد من قبل من أوضاع التصريف الثلاثي والمنع من الصرف ( التصريف الثنائي ) وغير ذلك كثير في الأسماء من الأصناف التي تمتد من الدراسات المعجمية ( كالجذر الثنائي ) إلى الدراسات التركيبية ( المتعلقة بتحول بعض أصناف الأسماء إلى أدوات ربط زمنية أو شرطية أو غيرهما من الوظائف ) .
ومن أمثلة مظاهر خضوع الأفعال للإلزام النسقي أكثر من الأسماء :
1) اتباع الفعل لنمط بناء يفرضه النسق ، ويبدو ذلك جليا في قبول الصوائت التي تفرضها الصيغة لكل نوع من الأفعال حسب دلالته ، وبناء إحدى صيغه ؛ فمثلا : "فَعَلَ" لا يخرج عن ثلاثة أبنية في التصريف ( أو ثلاثة أبواب كما يقول الصرفيون ) ، هي : نَصَرَ – ينصُر؛ ضَرَبَ – يضرِب؛ فَتَحَ – يفتَح ، و "فَعِلَ" لا يخرج عن بنائين ( أو بابين كما يقول الصرفيون ) ، هما : فَرِحَ – يفرَح ؛ وَرِثَ – (يورِث) يرِث ، و "فَعُلَ" لا يخرج عن بناء واحد ( أو باب واحد كما يقول الصرفيون ) ، هو : شَرُفَ – يشرُف7.
2) في حالات الأفعال الثنائية تمد الصوائت لتصبح طويلة ، وتعامل معاملة الصوامت في النسق ، عدا الحالات التي لا يمكن قبولها لتعارضها مع قوانين صارمة في اللغة ؛ وهي الأفعال التي أصبحت تسمى المعتلة ، بسبب تحول الصائت الطويل إلى حرف علة ، يجري عليه ما يجري على الصامت في الأفعال الثلاثية : "أوضَحَ" مثل "أبلَغَ" أو "أحدَثَ" تماما ؛ و"قوّم" مثل "كرّس" أو "صنّع" تماما . بينما لم يتمكن النسق من تحقيق التواؤم بين "رمى" وبقية الأفعال الثلاثية ، وذلك بسبب قوة القانون الصرفي المذكور أعلاه الذي يمنع وجود مقطع مفتوح صامته الياء أو الواو ، وصائته الفتحة ، لو بني الفعل على "رَمَيَ" ، لذا اختصرت المقاطع بإلغاء الياء ، ودمج الصائتان القصيران ، ليكونا صائتا طويلا (رَمَى) . وكذلك لم يتمكن النسق من إخضاع صيغ الأمر أو المضارع المجزوم من المعتل الأجوف لقوالب الأغلبية ، بسبب قانون صرفي صارم يمنع تكون المقاطع المقفلة ذات الصوائت الطويلة :
أ. سار – يسير – سِيرْ (CVVC) وهذا المقطع غير موجود في الفصحى ، لذا يقصر طول الصائت ، ليصبح : سِرْ ( CVC) وهو مقطع مقبول .
ب. يسير – لم يسيرْ (CVCVVC) ، وكذلك : إن يسيرْ (CVCVVC) ؛ فالمقطع في هاتين الصيغتين غير موجود في الفصحى ، لذا لزم تقصير الصائت ، ليصبح "لم يسرْ" (CVCVC) و "إن يسرْ" (CVCVC) .
2 - عوامل الأداء الكلامي
توجد في اللغة أبنية وصيغ تنتجها القوانين اللغوية المختلفة ، وهي قوانين مضطردة صماء لا يمكن أن تراعي الصعوبات المصاحبة لبعض المواد اللغوية التي تنتج عنها في الأداء الكلامي ، كما يصعب أن تدرك التضارب الذي قد يحدث بين مخرجات القوانين – خاصة المطبقة منها في حقول مختلفة – وينشأ عنه ضعف الإفهام أو غيره من المشكلات .
2 – 1 التضاد بين أصل البناء والنحو
يعود مصطلحا " أصل البناء " و " النحو " إلى أوائل النحاة العرب ؛ 8 إذ يقسمون الكلام إلى قسمين أحدهما " أصل البناء " والآخر " النحو " . ويوافق " أصل البناء " ما نتحدث عنه هنا من نتاج القوانين اللغوية البحت الذي يكون عرضة للتعديل حسب مواقع بنائه ، أما " النحو " فيوافق الأبنية والصيغ بعد تعرضها للتطورات التي تلائم بها قدرات الأداء الكلامي .

تعليق