قراءة حوارية في تاريخ التعريب
محمد عبد الله العبد اللطيف
مقدمة
التعريب وإن اختلف مضمونه وتعددت تعريفاته قضية لغوية في المقام الأول. وما يجمع المعاني المختلفة للتعريب هو عاملان: كونها جميعًا تتعلق بظواهر لغوية؛ وكون هذه الظواهر في مجملها تتصل باللغة العربية التي منها اشتقت كلمة ’تعريب‘ . و تاريخ اللغة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بحيث لا يمكن فهم واحدة دون الأخرى. ولذلك فالتعريب ليس قضية لغوية فحسب، بل هو أيضًا قضية حضارية واجتماعية. وموضوع هذا البحث هو محاولة إعادة قراءة تطور مفهوم التعريب قراءة حوارية تربط تطور مفاهيم التعريب المختلفة بتطور الثقافة والحضارة الإسلاميتين؛ ومحاولة تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء تعدد المفاهيم المتداولة التي تعود عليها كلمة "تعريب"؛ ومحاولة فهمها من منظور حضاري تاريخي بدلاً من اختزالها اختزالاً مخلاًّ بتصويرها على أنها قضية لغوية فحسب. وسنعتمد في هذه القراءة على آراء بعض اللغويين التي ترى ضرورة النظر لتاريخ اللغة من حيث ارتباطها بالواقع التاريخي وليس كظاهرة منعزلة بذاتها. و للفيلسوف اللغوي الروسي ميخائيل باختين آراء مهمة بهذا الصدد حول جدل علاقة اللغة بالواقع من جهة، وعلاقات اللغات واللهجات بعضها ببعض من جهة أخرى. وأطلق باختين على نهجه هذا "مبدأ الحوراية". و الحوار هو بالنسبة لباختين مبدأ أعم وأشمل يتخلل الوجود الإنساني كله؛ وهو أيضًا، بالنسبة لباختين، عنصر أساسي لفهم المعني اللغوي، وعامل جوهري في نشوء الوعي الإنساني.
وفلسفة باختين الحوارية فلسفة واسعة متشعبة كتب عنها الكثير ويصعب تلخيصها في صفحات معدودة، وبالرغم من ذلك فسنحاول فيما يلي توضيح المبادئ الأساسية لهذه الفلسفة وسوف نركز على الجوانب ذات العلاقة بالقضية التي نحن بصددها.
الأسس الفلسفية للحوارية:
"الحوارية" كما يراها باختين مبدأ فلسفي ينطلق من نظرة للوجود على أنه حوار دائم مستمر بين ما هو موجود وما هو متواجد. فالوجود لا يكون للشيء في ذاته ولا لذاته، ولا وفي وجود ما هو موجود حوله فقط بل بالحوار بين الاثنين. كما أن هذا الحوار يربط ما هو موجود بما هو غائب، وما هو حاضر بما هو ماضٍ، فالأشياء يضيء بعضها البعض الآخر ويوجد بعضها البعض الآخر. وأي محاولة لفهم شيء في ذاته إن لم تكن خاطئة فهي تكون في أحسن الأحوال ناقصة. ولذلك لا يمكن معرفة الشيء إلا بمدى مشابهته أو اختلافه، أو ارتباطه أو انفصاله عن الأشياء الأخرى التي يتزامن وجوده معها فهي تحده وتعطيه المعنى.
و يرى هوليكويست (1990) أن الحوارية في مفهوم باختين تعتمد التزامن والاختلاف كمنطلقين رئيسين لفهم الوجود والوعي الإنسانيين، والأشياء حسب هذا المنظور تتعلق ببعضها بعلاقة تتموضع في مكان ما بين التشابه والاختلاف. كما أن العلاقة بين التشابه والاختلاف هي في حد ذاتها علاقة حوارية ؛ فكلما زاد الاختلاف اضمحل التشابه، وأقل التشابه هو أشد الاختلاف، فالاختلاف والتشابه وجهان لعملة واحدة، وهما حسب هوليكويست (1990) هما قطبا الحوارية التي تحاول من خلالها فهم العالم.
والحوارية في مفهوم باختين تحدد الوعي الإنساني ووعي الفرد بذاته. فالفرد لا يعي ذاته إلا في عيون الآخرين، ومن خلال تشابهه أو اختلافه عمن هم في محيطه.و أهم حدثين في حياة الفرد، الولادة والممات لا يستطيع رؤيتهما إلا الآخر فقط. و يؤكد باختين هذه العلاقة بقوله:
"أنا أكون من أنا فقط عندما أكشف نفسي للآخر، ...وهنا يتضح بأن الخبرة مهما كانت داخلية تتكون على حدود علاقتي بالآخر، وهي هنا تقابل خبرة الآخر، ولذلك فجوهرها يتشكل من علاقتها بالآخر.... كينونة الفرد نفسها (خارجية كانت أم داخلية) تتشكل من تواصله مع الآخر، ولذلك يكون الوجود نفسه تواصليًّا. ويكون وجودًا مع الآخر وله...ولذلك فالنفس الإنسانية ليس لديها مساحة مستقلة داخلية."
ولذلك تلعب علاقة الذات بالآخر دوراً رئيسًا في عملية الوعي الذاتي. و لكن باختين يرى أن الذات تعي نفسها ليس فقط عندما تتماهى مع الآخر لترى نفسها انعكاسًا فيه، ولكن أيضًا في عودتها لوعيها الداخلي، فهناك حركة دؤوبة بين نظرة الذات لنفسها من الخارج في عيون الآخرين ونظرتها لنفسها من الداخل. وذلك ضروري لتكوين ذات جديدة مختلفة عن الآخر. وهذه الرؤية المعقدة المبهمة نوعًا ما تحتمها الطبيعة الجدلية لعلاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي، أي العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو "بين-ذاتي"، وهي عبارة يفضلها بعض المشتغلين بعلم النفس الاجتماعي على كلمة "موضوعي".
وينطلق باختين من رؤيته هذه على مستوى الفرد إلى رؤية ميتافيزيقية أعم وأشمل ترى تماثلاً في تركيب العلاقات اللغوية بين الأفراد وبين الأجناس اللغوية `genre’ التي يتكلمون بها داخل لغة ما. لأن كل جنس لغوي يشكل رؤية مختلفة للعالم الخارجي. فلغة العلم، ولغة الدين، ولغة الأدب، على سبيل المثال، تعكس مواقف ورؤىً مختلفة للعالم والحياة. وهذا أيضاً ينطبق على اللغات المختلفة أيضا. فالعلاقات الحوارية بين الأفراد في المجتمع ليست إلا صورة مصغرة للعلاقات بين اللهجات والأجناس اللغوية، بل وبين اللغات المختلفة، فهناك حوار مستمر ودائم يؤطر حضور الكل في الجزء وتعلق الجزء بالكل.
واللغة كما يراها باختين بالرغم من كونها وسيلة اتصال في المقام الأول، هي أيضاً المحيط العميق الذي تنعكس على سطحه العلاقات الأيديولوجية و الاجتماعية ويضم في أحشائه تاريخ وتطور تلك العلاقات. فهي أداة الحوار الأولى التي يستخدمها الناس للتفاهم، لقضاء حاجاتهم، للترويح عن أنفسهم. اللغة التي يستخدمها المصلي للصلاة، والعالم في كتبه، الشاعر في شعره، الحاكم في إصدار أوامره، الأطفال في لهوهم، والفلاح لمناداة بهائمه. وهذه الأنماط والنصوص واللهجات التي لها وجود فعلي هي دائمة التغير لتكيف نفسها لحاجاتهم، ولها زخم خاص قوي كالسيل الذي يصعب تقنينه أو السيطرة عليه.
و هو يرى أنه يجب التفريق بين مفهومين للغة: اللغة كنظام، واللغة كوظيفة أو كوجود مادي، اللغة كجسد. فالأولى تتعلق بالنظام اللغوي، الذي يسعى اللغويون واللسانيون لتقعيده واستنباط أحكامه. وهي على عكس الاعتقاد الشائع، لا وجود مادي لها وإنما هي ذات طبيعة ما ورائية مجردة و تقع بمثابة الروح من الجسد. وهذا التجريد لا يكون تلقائيًّا فالقواعد تجرد اللغة الموصوفة من عوارض الاستخدام المختلفة كالأخطاء، والنواقص، والضرورات الشعرية والأدبية وغيرها، ولذلك فهي تصف كائنًّا مختبريًّا متخيلاً أكثر منه موجوداً. أما اللغة الحقيقية فهي بحر متلاطم من الرؤى والإيديولوجيات المختلفة.
وهذه الخاصية هي ما وصفه ميكائيل باختين وأسماه ظاهرة "التغاير اللغوي" .`Heteroglossia’ عندما وصف اللغة بأنها: "في أي وقت من وجودها ،اللغة ذات وضع متغاير من القمة للقاع، إنها تمثل تعايش التناقضات الاجتماعية و الأيدلوجية بين الماضي والحاضر... بين المجموعات الأيديولوجية في الحاضر، بين اتجاهات، ومدارس، ودوائر، وهكذا دواليك، وكلها لها تجسيد شكلي في اللغة" .
واللغة تستمد هذه الخاصية من المجتمع ذاته، أي أن ’التغاير اللغوي‘ انعكاس لـ ’التغاير الاجتماعي‘ ، و في اللغة على هذا المستوى تفوح كل جملة أو كلمة برائحة موقف أو شخص أو مهنة ما. ومن اللغة يمكن إلى حد كبير أن نستشف من هو المتكلم أو الكاتب، ما هي شخصيته وأي شريحة في المجتمع يمثل. وهناك حسب باختين ‘أجناس لغوية أولية’ تنظم استخدام اللغة في المواقف المختلفة.أجناس لغوية لها قدر كبير من الثبات وتعيد إنتاج نفسها كلما تكررت المواقف الاجتماعية التي تحتمها، لأن لكل مقام اجتماعي مقالًا يناسبه أكثر من غيره. وفوق هذه الأجناس الأولية توجد "أجناس لغوية عليا"، وهي أجناس لغوية خاصة أكثر تنظيماً و تعقيداً ، مثل أجناس الكتابة العلمية والأدبية وغيرها، وهذه الأجناس تشكل بالضرورة تطوراً من أجناس أولية، ولا يمكن أن تتطور بمفردها.
فحقيقة الأمر إذاً هي أنه ليس هناك لغة بالمعنى الحرفي لكلمة لغة (عربية وإنجليزية وفرنسية)، وإنما هناك مجموعة كبيرة من اللهيجات والأساليب والأنماط واللهجات يطلق عليها تعميماً وتجاوزاً كلمة "اللغة X ". ولا يعرف أحد بالتحديد طبيعة ذلك الشيء المشترك بينها الذي يمكن أن تعود عليه تلك التسمية، إذ إنها لا يمكن أن يتجسد في أسلوب أو نمط أو لهجة بعينها، ولا يمكن لنص أو لهجة أن يجمل النظام اللغوي كله. وقد اختلف العلماء حول ماهية "اللغة الروح" فمنهم من قال بطبيعتها القبلية ومن هم من قال بأنها ذات طابع نفسي تاريخاني.
و على الرغم من ذلك جرى العرف أن تبرز لهجة ما وتتمركز وتكتسب أهمية خاصة. وعادة ما تحظى هذه اللهجة باهتمام اللغويين ويختارونها كمعيار يقيسون عليه قواعد اللغة وبناء على ذلك يتم وصف وتقييم اللهجات الأخرى. و يبنى هذا الاختيار على أسس واعتبارات غير لغوية، كأهمية اللهجة المصطفاة سياسيًّا أو دينيًّا أو تاريخيًّا.
يبقى أن نقول أن اللغات والحضارات كيانات حية تتفاعل وتتغير باستمرار كنتيجة حتمية لسعي الإنسان للحفاظ على بقائه، لأن الحفاظ على البقاء كما يقول مونود (1972) يبقى المشروع الإنساني الأول الذي تتفرع منه المشاريع الأخرى. ويرى مونود أن هذا المشروع ينطوي على تناقض ضرورى لاستمراره. فالإنسان من أجل الحفاظ على البقاء مضطر للتكيف والتطور. فاندماج الشباب في المجموعة ضروري من الناحية النفسية والاجتماعية للأفراد، وأيضاً لاستمرار الجماعة لأنه يسهم في استمرار عوامل الثبات في تكوينها وإعادة لإنتاجها لنفسها، ولكن إعادة إنتاج الجماعة لنفسها، ينتج عنه تطورها وتعدد أفرادها و يحمل أيضاً بين طياته عوامل تغيرها وهذا ما قصده مونود بـ "مبدأ التناقض في الوجود" (The paradox of being) .
أما باختين فيصور هذا التناقض على مستوى اللغة، وهو يرى أن اللغة بالضرورة محكومة بالتجاذب بين عوامل التوحد والثبات وعوامل التعدد. بين ما أسماه ب "قوى الجذب" (centripetal forces) و"قوى الطرد" (centrifugal forces) . وتاريخ أي لغة ما محكوم بالتأرجح بين هاتين القوتين فقوى الطرد اللغوي هي مصدر التغاير اللغوي الذي تكلمنا عنه أعلاه، وهي مصدر التغير والتطور اللغوي. أما قوى الجذب فهى القوى المختلفة التي تحاول الحفاظ على وحدة اللغة وثباتها، ومنها توريث قواعد اللغة للأجيال الجديدة، واشتراط قواعد معينة للكتابة في اللغة، والتمسك بلهجة معيارية معينة.
الحوارية و اللغة والثقافة:
يعتقد كثير من علماء الإناسة وعلم الاجتماع أن من التعاريف المهمة للحضارة، على تعدد هذه التعاريف، هو القول أن الحضارة أو الثقافة هي مجموع السلوكيات والإنجازات المادية والعقلية عند تجريدها من وسطها المادي، أي أنها تشبه اللغة في كونها كل مجرد يشمل بين ثناياه المادي والعقلي والروحي.
ويرى الكثير من هؤلاء أن قدرة الإنسان على استخدام الرموز هي التي مكنته من تطوير الحضارات. فايرنست كازرير Earnest Casserier يرى أن اللغة هي العامل الأساسي المشترك للثقافات البشرية، وبدونها لم يكن بالإمكان تطوير حضارة بشرية ولذلك فهو يصف الإنسان بالحيوان الرمزي "حيوان رمزي" “animal symbolicum” . فالإنسان يتميز عن الحيوان بالقدرة على "التجريد الرمزي"، أي التفكير باستخدام رموز مجردة لغوية.
واللغة ليست فقط أداة للحضارة وإنما الوعاء الحافظ لها. وقد أولى الفيلسوف الألماني هيردر علاقة اللغة بالثقافة اهتمامًا كبيرًا حيث كان يرى أن:
"المجموعات البشرية، صغيرة كانت أم كبيرة، هي نتاج الظروف المناخية، البيئة الجغرافية، الحاجات العضوية والطبيعية، وعوامل أخرى مشابهة، وهم محكومون بتراث مشترك وذاكرة جماعية واحدة، تكون اللغة هي رابطها الأول وأداتها الرئيسة-في الحقيقة اللغة أكثر من أداة-إن التجسيد في حد ذاته هو اللغة"
وقد ذكر الكواكبي أن حال الأمة في الاستبداد والحرية تستنطق من لغتها إذا كانت كثيرة ألفاظ التعظيم أو ألفاظ الخنوع أو تفتقر إليها. وكان الأفغاني يعتقد أن فقدان الأمة للغتها يفقدها هويتها.
من هنا نستنتج أن للغة أهمية مركزية بالنسبة لأية أمة، فهي تجسد تاريخ الأمة وواقعها، و أن دراسة الأمة يجب أن تمر عبر لغتها، وبالمقابل لا يمكن أن نفهم لغة قوم إلا إذا سلطنا الضوء على واقعهم وتاريخهم. وأي محاولة للفصل بين الواقع واللغة ستقود حتماً إما للتغريب أو الابتسار.
وهنا يجب أن نذكر بأن دراسة اللغة من حيث علاقتها بالتاريخ والحضارة لا تتم على مستوى النظام اللغوي المجرد فحسب، أو على مستوى النحو والمعاجم، وإنما يجب أن تركز على دراسة اللغة كأداة تواصل، أي على مستوى الأجناس اللغوية التي تعكس الواقع التاريخي في حقبة ما. ودراسة الأجناس هذه تأخذ بعين الاعتبار تعايشها وتواجدها في نفس الحقبة التاريخية، تشابهها واختلافها لأن الأجناس اللغوية تبرز ويضيء بعضها البعض الآخر. فعلى مستوى التواصل تدخل اللغة إلى الحياة تكيفها وتتكيف معها، وعلى هذا المستوى أيضاً تتأثر اللغة وتؤثر. و كما ذكرنا سابقاً فالعلاقة الحوارية بين الذات والآخر، هي علاقة موجودة أيضاً اللغة والثقافة ككل فـ :"في عالم الثقافات، الآخر هو أهم وأقوى أداة للوعي الذاتي، في عين الثقافة الأخرى فقط تستطيع ثقافة ما فهم نفسها بطريقة أعمق وأشمل" فليس هناك حضارة عذراء، أو أمة نقية طاهرة، وإنما ومن فجر التاريخ اتصلت الحضارات، تلاحمت وتلاقحت وأثرت وتأثرت.
بدون الاحتكاك بالحضارات الأخرى لا يمكن أن تعي أي حضارة ذاتها، فهي ترى نفسها بمقارنتها بغيرها، مقارنتها بحضارة أخرى مشابهة أو مختلفة، حضارة بعيدة أو أخرى قريبة. فحوار الحضارات ليس شيئاً كماليًّا تتفضل به حضارة ما وإنما هو أساسي لوجود الحضارة ذاتها ويشكل مصدر وعي الحضارة بنفسها الذي بدونه لا يمكن تمييزها. وليس بالضرورة في هذا الشأن أن يكون الحوار حواراً سلميًّا إذ إن الصدام و الصراع بين الحضارات يعد أيضاً نوعاً من الحوار.
والتأثر اللغوي بالحضارات المجاورة كما يرى بعض علماء لسانيات الإناسة (Anthrpological Linguistics) يمكن أن يكون إما على شكل ‘الاقتراض’، اقتراض المفردات والعبارات؛ أو على شكل ‘التداخل اللغوي’ (interference) أي التأثر على المستوى الصوتيمي والقواعدي . ويرى فولي W. Foley أن الاقتراض اللفظي، على عكس التداخل اللغوي، يتم بسرعة كبيرة، ولا يحتاج وقتاً طويلاً ويمكن أن يكون في مجال محدود، أو مجالات عدة. أما التداخل اللغوي فهو يتطلب وقتاً طويلاً وتمازجاً وتزاوجاً أكبر بين الحضارات. كما ويتطلب انفتاحاً أطول وتقبلاً أقوى من قبل الحضارة المقترضة.
و أغلب الظن أن التغييرات اللغوية نتيجة لتأثر حضارة بأخرى تأخذ مكانها على المستوى الأول مستوى الإقراض اللغوي والتركيبي بشكل مكثف ومؤثر و تكتسب صفة الديمومة إذا استمرت وتجذرت ووصلت للنظام اللغوي ذاته. ويمكن القول أن الاقتراض اللفظي يتم على المستوى الوظيفي للغة ويكون عادة سطحياً، أما التداخل اللغوي فيتم على مستوى اللغة كنظام.
وتصر النظرة الحوارية للغة على النظر إلى النصوص اللغوية من خلال السياق الحضاري العام لها، إلى فهمها من حيث تعلقها ببعضها البعض، وعلاقتها بوسطها الثقافي. فلا توجد لفظة واحدة خاصة بمتكلم بذاته بصفة مستقلة، فكل لفظة أو نص هي من نتاج تواصل المتخاطبين عن طريق اللغة، نتاج الوضع الاجتماعي المركب والعام التي تستخدم فيه اللغة. النص اللغوي هو نص فردي واجتماعي في آن واحد بكل ما في هذه العبارة من تناقض.
فالنص يستعيد، يستجيب، يؤيد، يعارض أو يذكر بنصوص أخرى ذات علاقة. وبدون فهم علاقة النص بالنصوص الأخرى يبقى النص عصيًّا على الفهم. ولذلك فالثقافة بالنسبة لباختين هي مجموع النصوص في مجتمع ما التي تنتظم في سلسلة متماسكة من العلاقات "البين نصية" أو العلاقات التناصية كما يسميها بعض الباحثين. وهي تشكل البعد اللغوي الإيديولوجي للثقافة. ولذلك كان باختين يشبه الثقافة على سبيل المجاز بأنها النص الجامع لجميع النصوص في مجتمع ما. ويمكن القول أن التأثير اللغوي على لغة ما يتم عندما تكون النصوص المستوردة من لغة لأخرى من الكثافة بحيث تشكل نمطاً نصياً متكاملاً ضمن اللغة المتأثرة.
وبالرغم من ذلك كان باختين يرى أن بعض النصوص لها نصيب أكبر من التفرد والخصوصية الذاتية لأنها ذات وزن ثقافي أكبر و لها إمكانية الاستمرار كنصوص مستقلة قائمة بذاتها، ولها أهمية أكثر من أهمية الذات التي أنتجتها. وهذا أمر يتطابق مع رؤية كيلى (1979) بأن لبعض الثقافات نصوصًا مركزية (central) تتمحور حولها الثقافات وتكون مصدر إلهام لها، وهى تشكل منطقة جذب للغة التي تكتب بها، وترجمتها تتمركز حول موضوعها وليس مؤلفها وأسماها (object centered) وذلك بخلاف بعض النصوص الأخرى التى تتموضع ترجمتها حول كاتبها (subject centered) ، وتأخذ بعين الاعتبار ذات وشخص الكاتب كمدخل لفهم النص أكثر من النص نفسه. هذه النصوص المركزية تشكل مركز ثقل في الثقافة وتحدد مسارها.
إن التركيز على علاقة اللغة بالثقافة والواقع، والنظرة للثقافة من منظار اللغة تجعل من مبدأ الحوارية لدى باختين مدخلاً جيداً محتملاً لفهم قضية التعريب، فالعربية من ناحية كلمة جامعة تنعت شيئاً عاماً تطور واختلف تاريخياً وثقافياً وجغرافياً. وهذا التطور كان نتيجة لعلاقة مستمرة بالآخر في المحيطين التاريخي والجغرافي للغة العربية. وكذلك كلمة "تعريب" من ناحية أخري اكتسبت معاني مختلفة نتيجة للواقع الزماني والمكاني المتغير للغة العربية.
محمد عبد الله العبد اللطيف
مقدمة
التعريب وإن اختلف مضمونه وتعددت تعريفاته قضية لغوية في المقام الأول. وما يجمع المعاني المختلفة للتعريب هو عاملان: كونها جميعًا تتعلق بظواهر لغوية؛ وكون هذه الظواهر في مجملها تتصل باللغة العربية التي منها اشتقت كلمة ’تعريب‘ . و تاريخ اللغة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بحيث لا يمكن فهم واحدة دون الأخرى. ولذلك فالتعريب ليس قضية لغوية فحسب، بل هو أيضًا قضية حضارية واجتماعية. وموضوع هذا البحث هو محاولة إعادة قراءة تطور مفهوم التعريب قراءة حوارية تربط تطور مفاهيم التعريب المختلفة بتطور الثقافة والحضارة الإسلاميتين؛ ومحاولة تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء تعدد المفاهيم المتداولة التي تعود عليها كلمة "تعريب"؛ ومحاولة فهمها من منظور حضاري تاريخي بدلاً من اختزالها اختزالاً مخلاًّ بتصويرها على أنها قضية لغوية فحسب. وسنعتمد في هذه القراءة على آراء بعض اللغويين التي ترى ضرورة النظر لتاريخ اللغة من حيث ارتباطها بالواقع التاريخي وليس كظاهرة منعزلة بذاتها. و للفيلسوف اللغوي الروسي ميخائيل باختين آراء مهمة بهذا الصدد حول جدل علاقة اللغة بالواقع من جهة، وعلاقات اللغات واللهجات بعضها ببعض من جهة أخرى. وأطلق باختين على نهجه هذا "مبدأ الحوراية". و الحوار هو بالنسبة لباختين مبدأ أعم وأشمل يتخلل الوجود الإنساني كله؛ وهو أيضًا، بالنسبة لباختين، عنصر أساسي لفهم المعني اللغوي، وعامل جوهري في نشوء الوعي الإنساني.
وفلسفة باختين الحوارية فلسفة واسعة متشعبة كتب عنها الكثير ويصعب تلخيصها في صفحات معدودة، وبالرغم من ذلك فسنحاول فيما يلي توضيح المبادئ الأساسية لهذه الفلسفة وسوف نركز على الجوانب ذات العلاقة بالقضية التي نحن بصددها.
الأسس الفلسفية للحوارية:
"الحوارية" كما يراها باختين مبدأ فلسفي ينطلق من نظرة للوجود على أنه حوار دائم مستمر بين ما هو موجود وما هو متواجد. فالوجود لا يكون للشيء في ذاته ولا لذاته، ولا وفي وجود ما هو موجود حوله فقط بل بالحوار بين الاثنين. كما أن هذا الحوار يربط ما هو موجود بما هو غائب، وما هو حاضر بما هو ماضٍ، فالأشياء يضيء بعضها البعض الآخر ويوجد بعضها البعض الآخر. وأي محاولة لفهم شيء في ذاته إن لم تكن خاطئة فهي تكون في أحسن الأحوال ناقصة. ولذلك لا يمكن معرفة الشيء إلا بمدى مشابهته أو اختلافه، أو ارتباطه أو انفصاله عن الأشياء الأخرى التي يتزامن وجوده معها فهي تحده وتعطيه المعنى.
و يرى هوليكويست (1990) أن الحوارية في مفهوم باختين تعتمد التزامن والاختلاف كمنطلقين رئيسين لفهم الوجود والوعي الإنسانيين، والأشياء حسب هذا المنظور تتعلق ببعضها بعلاقة تتموضع في مكان ما بين التشابه والاختلاف. كما أن العلاقة بين التشابه والاختلاف هي في حد ذاتها علاقة حوارية ؛ فكلما زاد الاختلاف اضمحل التشابه، وأقل التشابه هو أشد الاختلاف، فالاختلاف والتشابه وجهان لعملة واحدة، وهما حسب هوليكويست (1990) هما قطبا الحوارية التي تحاول من خلالها فهم العالم.
والحوارية في مفهوم باختين تحدد الوعي الإنساني ووعي الفرد بذاته. فالفرد لا يعي ذاته إلا في عيون الآخرين، ومن خلال تشابهه أو اختلافه عمن هم في محيطه.و أهم حدثين في حياة الفرد، الولادة والممات لا يستطيع رؤيتهما إلا الآخر فقط. و يؤكد باختين هذه العلاقة بقوله:
"أنا أكون من أنا فقط عندما أكشف نفسي للآخر، ...وهنا يتضح بأن الخبرة مهما كانت داخلية تتكون على حدود علاقتي بالآخر، وهي هنا تقابل خبرة الآخر، ولذلك فجوهرها يتشكل من علاقتها بالآخر.... كينونة الفرد نفسها (خارجية كانت أم داخلية) تتشكل من تواصله مع الآخر، ولذلك يكون الوجود نفسه تواصليًّا. ويكون وجودًا مع الآخر وله...ولذلك فالنفس الإنسانية ليس لديها مساحة مستقلة داخلية."
ولذلك تلعب علاقة الذات بالآخر دوراً رئيسًا في عملية الوعي الذاتي. و لكن باختين يرى أن الذات تعي نفسها ليس فقط عندما تتماهى مع الآخر لترى نفسها انعكاسًا فيه، ولكن أيضًا في عودتها لوعيها الداخلي، فهناك حركة دؤوبة بين نظرة الذات لنفسها من الخارج في عيون الآخرين ونظرتها لنفسها من الداخل. وذلك ضروري لتكوين ذات جديدة مختلفة عن الآخر. وهذه الرؤية المعقدة المبهمة نوعًا ما تحتمها الطبيعة الجدلية لعلاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي، أي العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو "بين-ذاتي"، وهي عبارة يفضلها بعض المشتغلين بعلم النفس الاجتماعي على كلمة "موضوعي".
وينطلق باختين من رؤيته هذه على مستوى الفرد إلى رؤية ميتافيزيقية أعم وأشمل ترى تماثلاً في تركيب العلاقات اللغوية بين الأفراد وبين الأجناس اللغوية `genre’ التي يتكلمون بها داخل لغة ما. لأن كل جنس لغوي يشكل رؤية مختلفة للعالم الخارجي. فلغة العلم، ولغة الدين، ولغة الأدب، على سبيل المثال، تعكس مواقف ورؤىً مختلفة للعالم والحياة. وهذا أيضاً ينطبق على اللغات المختلفة أيضا. فالعلاقات الحوارية بين الأفراد في المجتمع ليست إلا صورة مصغرة للعلاقات بين اللهجات والأجناس اللغوية، بل وبين اللغات المختلفة، فهناك حوار مستمر ودائم يؤطر حضور الكل في الجزء وتعلق الجزء بالكل.
واللغة كما يراها باختين بالرغم من كونها وسيلة اتصال في المقام الأول، هي أيضاً المحيط العميق الذي تنعكس على سطحه العلاقات الأيديولوجية و الاجتماعية ويضم في أحشائه تاريخ وتطور تلك العلاقات. فهي أداة الحوار الأولى التي يستخدمها الناس للتفاهم، لقضاء حاجاتهم، للترويح عن أنفسهم. اللغة التي يستخدمها المصلي للصلاة، والعالم في كتبه، الشاعر في شعره، الحاكم في إصدار أوامره، الأطفال في لهوهم، والفلاح لمناداة بهائمه. وهذه الأنماط والنصوص واللهجات التي لها وجود فعلي هي دائمة التغير لتكيف نفسها لحاجاتهم، ولها زخم خاص قوي كالسيل الذي يصعب تقنينه أو السيطرة عليه.
و هو يرى أنه يجب التفريق بين مفهومين للغة: اللغة كنظام، واللغة كوظيفة أو كوجود مادي، اللغة كجسد. فالأولى تتعلق بالنظام اللغوي، الذي يسعى اللغويون واللسانيون لتقعيده واستنباط أحكامه. وهي على عكس الاعتقاد الشائع، لا وجود مادي لها وإنما هي ذات طبيعة ما ورائية مجردة و تقع بمثابة الروح من الجسد. وهذا التجريد لا يكون تلقائيًّا فالقواعد تجرد اللغة الموصوفة من عوارض الاستخدام المختلفة كالأخطاء، والنواقص، والضرورات الشعرية والأدبية وغيرها، ولذلك فهي تصف كائنًّا مختبريًّا متخيلاً أكثر منه موجوداً. أما اللغة الحقيقية فهي بحر متلاطم من الرؤى والإيديولوجيات المختلفة.
وهذه الخاصية هي ما وصفه ميكائيل باختين وأسماه ظاهرة "التغاير اللغوي" .`Heteroglossia’ عندما وصف اللغة بأنها: "في أي وقت من وجودها ،اللغة ذات وضع متغاير من القمة للقاع، إنها تمثل تعايش التناقضات الاجتماعية و الأيدلوجية بين الماضي والحاضر... بين المجموعات الأيديولوجية في الحاضر، بين اتجاهات، ومدارس، ودوائر، وهكذا دواليك، وكلها لها تجسيد شكلي في اللغة" .
واللغة تستمد هذه الخاصية من المجتمع ذاته، أي أن ’التغاير اللغوي‘ انعكاس لـ ’التغاير الاجتماعي‘ ، و في اللغة على هذا المستوى تفوح كل جملة أو كلمة برائحة موقف أو شخص أو مهنة ما. ومن اللغة يمكن إلى حد كبير أن نستشف من هو المتكلم أو الكاتب، ما هي شخصيته وأي شريحة في المجتمع يمثل. وهناك حسب باختين ‘أجناس لغوية أولية’ تنظم استخدام اللغة في المواقف المختلفة.أجناس لغوية لها قدر كبير من الثبات وتعيد إنتاج نفسها كلما تكررت المواقف الاجتماعية التي تحتمها، لأن لكل مقام اجتماعي مقالًا يناسبه أكثر من غيره. وفوق هذه الأجناس الأولية توجد "أجناس لغوية عليا"، وهي أجناس لغوية خاصة أكثر تنظيماً و تعقيداً ، مثل أجناس الكتابة العلمية والأدبية وغيرها، وهذه الأجناس تشكل بالضرورة تطوراً من أجناس أولية، ولا يمكن أن تتطور بمفردها.
فحقيقة الأمر إذاً هي أنه ليس هناك لغة بالمعنى الحرفي لكلمة لغة (عربية وإنجليزية وفرنسية)، وإنما هناك مجموعة كبيرة من اللهيجات والأساليب والأنماط واللهجات يطلق عليها تعميماً وتجاوزاً كلمة "اللغة X ". ولا يعرف أحد بالتحديد طبيعة ذلك الشيء المشترك بينها الذي يمكن أن تعود عليه تلك التسمية، إذ إنها لا يمكن أن يتجسد في أسلوب أو نمط أو لهجة بعينها، ولا يمكن لنص أو لهجة أن يجمل النظام اللغوي كله. وقد اختلف العلماء حول ماهية "اللغة الروح" فمنهم من قال بطبيعتها القبلية ومن هم من قال بأنها ذات طابع نفسي تاريخاني.
و على الرغم من ذلك جرى العرف أن تبرز لهجة ما وتتمركز وتكتسب أهمية خاصة. وعادة ما تحظى هذه اللهجة باهتمام اللغويين ويختارونها كمعيار يقيسون عليه قواعد اللغة وبناء على ذلك يتم وصف وتقييم اللهجات الأخرى. و يبنى هذا الاختيار على أسس واعتبارات غير لغوية، كأهمية اللهجة المصطفاة سياسيًّا أو دينيًّا أو تاريخيًّا.
يبقى أن نقول أن اللغات والحضارات كيانات حية تتفاعل وتتغير باستمرار كنتيجة حتمية لسعي الإنسان للحفاظ على بقائه، لأن الحفاظ على البقاء كما يقول مونود (1972) يبقى المشروع الإنساني الأول الذي تتفرع منه المشاريع الأخرى. ويرى مونود أن هذا المشروع ينطوي على تناقض ضرورى لاستمراره. فالإنسان من أجل الحفاظ على البقاء مضطر للتكيف والتطور. فاندماج الشباب في المجموعة ضروري من الناحية النفسية والاجتماعية للأفراد، وأيضاً لاستمرار الجماعة لأنه يسهم في استمرار عوامل الثبات في تكوينها وإعادة لإنتاجها لنفسها، ولكن إعادة إنتاج الجماعة لنفسها، ينتج عنه تطورها وتعدد أفرادها و يحمل أيضاً بين طياته عوامل تغيرها وهذا ما قصده مونود بـ "مبدأ التناقض في الوجود" (The paradox of being) .
أما باختين فيصور هذا التناقض على مستوى اللغة، وهو يرى أن اللغة بالضرورة محكومة بالتجاذب بين عوامل التوحد والثبات وعوامل التعدد. بين ما أسماه ب "قوى الجذب" (centripetal forces) و"قوى الطرد" (centrifugal forces) . وتاريخ أي لغة ما محكوم بالتأرجح بين هاتين القوتين فقوى الطرد اللغوي هي مصدر التغاير اللغوي الذي تكلمنا عنه أعلاه، وهي مصدر التغير والتطور اللغوي. أما قوى الجذب فهى القوى المختلفة التي تحاول الحفاظ على وحدة اللغة وثباتها، ومنها توريث قواعد اللغة للأجيال الجديدة، واشتراط قواعد معينة للكتابة في اللغة، والتمسك بلهجة معيارية معينة.
الحوارية و اللغة والثقافة:
يعتقد كثير من علماء الإناسة وعلم الاجتماع أن من التعاريف المهمة للحضارة، على تعدد هذه التعاريف، هو القول أن الحضارة أو الثقافة هي مجموع السلوكيات والإنجازات المادية والعقلية عند تجريدها من وسطها المادي، أي أنها تشبه اللغة في كونها كل مجرد يشمل بين ثناياه المادي والعقلي والروحي.
ويرى الكثير من هؤلاء أن قدرة الإنسان على استخدام الرموز هي التي مكنته من تطوير الحضارات. فايرنست كازرير Earnest Casserier يرى أن اللغة هي العامل الأساسي المشترك للثقافات البشرية، وبدونها لم يكن بالإمكان تطوير حضارة بشرية ولذلك فهو يصف الإنسان بالحيوان الرمزي "حيوان رمزي" “animal symbolicum” . فالإنسان يتميز عن الحيوان بالقدرة على "التجريد الرمزي"، أي التفكير باستخدام رموز مجردة لغوية.
واللغة ليست فقط أداة للحضارة وإنما الوعاء الحافظ لها. وقد أولى الفيلسوف الألماني هيردر علاقة اللغة بالثقافة اهتمامًا كبيرًا حيث كان يرى أن:
"المجموعات البشرية، صغيرة كانت أم كبيرة، هي نتاج الظروف المناخية، البيئة الجغرافية، الحاجات العضوية والطبيعية، وعوامل أخرى مشابهة، وهم محكومون بتراث مشترك وذاكرة جماعية واحدة، تكون اللغة هي رابطها الأول وأداتها الرئيسة-في الحقيقة اللغة أكثر من أداة-إن التجسيد في حد ذاته هو اللغة"
وقد ذكر الكواكبي أن حال الأمة في الاستبداد والحرية تستنطق من لغتها إذا كانت كثيرة ألفاظ التعظيم أو ألفاظ الخنوع أو تفتقر إليها. وكان الأفغاني يعتقد أن فقدان الأمة للغتها يفقدها هويتها.
من هنا نستنتج أن للغة أهمية مركزية بالنسبة لأية أمة، فهي تجسد تاريخ الأمة وواقعها، و أن دراسة الأمة يجب أن تمر عبر لغتها، وبالمقابل لا يمكن أن نفهم لغة قوم إلا إذا سلطنا الضوء على واقعهم وتاريخهم. وأي محاولة للفصل بين الواقع واللغة ستقود حتماً إما للتغريب أو الابتسار.
وهنا يجب أن نذكر بأن دراسة اللغة من حيث علاقتها بالتاريخ والحضارة لا تتم على مستوى النظام اللغوي المجرد فحسب، أو على مستوى النحو والمعاجم، وإنما يجب أن تركز على دراسة اللغة كأداة تواصل، أي على مستوى الأجناس اللغوية التي تعكس الواقع التاريخي في حقبة ما. ودراسة الأجناس هذه تأخذ بعين الاعتبار تعايشها وتواجدها في نفس الحقبة التاريخية، تشابهها واختلافها لأن الأجناس اللغوية تبرز ويضيء بعضها البعض الآخر. فعلى مستوى التواصل تدخل اللغة إلى الحياة تكيفها وتتكيف معها، وعلى هذا المستوى أيضاً تتأثر اللغة وتؤثر. و كما ذكرنا سابقاً فالعلاقة الحوارية بين الذات والآخر، هي علاقة موجودة أيضاً اللغة والثقافة ككل فـ :"في عالم الثقافات، الآخر هو أهم وأقوى أداة للوعي الذاتي، في عين الثقافة الأخرى فقط تستطيع ثقافة ما فهم نفسها بطريقة أعمق وأشمل" فليس هناك حضارة عذراء، أو أمة نقية طاهرة، وإنما ومن فجر التاريخ اتصلت الحضارات، تلاحمت وتلاقحت وأثرت وتأثرت.
بدون الاحتكاك بالحضارات الأخرى لا يمكن أن تعي أي حضارة ذاتها، فهي ترى نفسها بمقارنتها بغيرها، مقارنتها بحضارة أخرى مشابهة أو مختلفة، حضارة بعيدة أو أخرى قريبة. فحوار الحضارات ليس شيئاً كماليًّا تتفضل به حضارة ما وإنما هو أساسي لوجود الحضارة ذاتها ويشكل مصدر وعي الحضارة بنفسها الذي بدونه لا يمكن تمييزها. وليس بالضرورة في هذا الشأن أن يكون الحوار حواراً سلميًّا إذ إن الصدام و الصراع بين الحضارات يعد أيضاً نوعاً من الحوار.
والتأثر اللغوي بالحضارات المجاورة كما يرى بعض علماء لسانيات الإناسة (Anthrpological Linguistics) يمكن أن يكون إما على شكل ‘الاقتراض’، اقتراض المفردات والعبارات؛ أو على شكل ‘التداخل اللغوي’ (interference) أي التأثر على المستوى الصوتيمي والقواعدي . ويرى فولي W. Foley أن الاقتراض اللفظي، على عكس التداخل اللغوي، يتم بسرعة كبيرة، ولا يحتاج وقتاً طويلاً ويمكن أن يكون في مجال محدود، أو مجالات عدة. أما التداخل اللغوي فهو يتطلب وقتاً طويلاً وتمازجاً وتزاوجاً أكبر بين الحضارات. كما ويتطلب انفتاحاً أطول وتقبلاً أقوى من قبل الحضارة المقترضة.
و أغلب الظن أن التغييرات اللغوية نتيجة لتأثر حضارة بأخرى تأخذ مكانها على المستوى الأول مستوى الإقراض اللغوي والتركيبي بشكل مكثف ومؤثر و تكتسب صفة الديمومة إذا استمرت وتجذرت ووصلت للنظام اللغوي ذاته. ويمكن القول أن الاقتراض اللفظي يتم على المستوى الوظيفي للغة ويكون عادة سطحياً، أما التداخل اللغوي فيتم على مستوى اللغة كنظام.
وتصر النظرة الحوارية للغة على النظر إلى النصوص اللغوية من خلال السياق الحضاري العام لها، إلى فهمها من حيث تعلقها ببعضها البعض، وعلاقتها بوسطها الثقافي. فلا توجد لفظة واحدة خاصة بمتكلم بذاته بصفة مستقلة، فكل لفظة أو نص هي من نتاج تواصل المتخاطبين عن طريق اللغة، نتاج الوضع الاجتماعي المركب والعام التي تستخدم فيه اللغة. النص اللغوي هو نص فردي واجتماعي في آن واحد بكل ما في هذه العبارة من تناقض.
فالنص يستعيد، يستجيب، يؤيد، يعارض أو يذكر بنصوص أخرى ذات علاقة. وبدون فهم علاقة النص بالنصوص الأخرى يبقى النص عصيًّا على الفهم. ولذلك فالثقافة بالنسبة لباختين هي مجموع النصوص في مجتمع ما التي تنتظم في سلسلة متماسكة من العلاقات "البين نصية" أو العلاقات التناصية كما يسميها بعض الباحثين. وهي تشكل البعد اللغوي الإيديولوجي للثقافة. ولذلك كان باختين يشبه الثقافة على سبيل المجاز بأنها النص الجامع لجميع النصوص في مجتمع ما. ويمكن القول أن التأثير اللغوي على لغة ما يتم عندما تكون النصوص المستوردة من لغة لأخرى من الكثافة بحيث تشكل نمطاً نصياً متكاملاً ضمن اللغة المتأثرة.
وبالرغم من ذلك كان باختين يرى أن بعض النصوص لها نصيب أكبر من التفرد والخصوصية الذاتية لأنها ذات وزن ثقافي أكبر و لها إمكانية الاستمرار كنصوص مستقلة قائمة بذاتها، ولها أهمية أكثر من أهمية الذات التي أنتجتها. وهذا أمر يتطابق مع رؤية كيلى (1979) بأن لبعض الثقافات نصوصًا مركزية (central) تتمحور حولها الثقافات وتكون مصدر إلهام لها، وهى تشكل منطقة جذب للغة التي تكتب بها، وترجمتها تتمركز حول موضوعها وليس مؤلفها وأسماها (object centered) وذلك بخلاف بعض النصوص الأخرى التى تتموضع ترجمتها حول كاتبها (subject centered) ، وتأخذ بعين الاعتبار ذات وشخص الكاتب كمدخل لفهم النص أكثر من النص نفسه. هذه النصوص المركزية تشكل مركز ثقل في الثقافة وتحدد مسارها.
إن التركيز على علاقة اللغة بالثقافة والواقع، والنظرة للثقافة من منظار اللغة تجعل من مبدأ الحوارية لدى باختين مدخلاً جيداً محتملاً لفهم قضية التعريب، فالعربية من ناحية كلمة جامعة تنعت شيئاً عاماً تطور واختلف تاريخياً وثقافياً وجغرافياً. وهذا التطور كان نتيجة لعلاقة مستمرة بالآخر في المحيطين التاريخي والجغرافي للغة العربية. وكذلك كلمة "تعريب" من ناحية أخري اكتسبت معاني مختلفة نتيجة للواقع الزماني والمكاني المتغير للغة العربية.

تعليق