قراءة حوارية في تاريخ التعريب

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    قراءة حوارية في تاريخ التعريب

    قراءة حوارية في تاريخ التعريب
    محمد عبد الله العبد اللطيف


    مقدمة
    التعريب وإن اختلف مضمونه وتعددت تعريفاته قضية لغوية في المقام الأول. وما يجمع المعاني المختلفة للتعريب هو عاملان: كونها جميعًا تتعلق بظواهر لغوية؛ وكون هذه الظواهر في مجملها تتصل باللغة العربية التي منها اشتقت كلمة ’تعريب‘ . و تاريخ اللغة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بحيث لا يمكن فهم واحدة دون الأخرى. ولذلك فالتعريب ليس قضية لغوية فحسب، بل هو أيضًا قضية حضارية واجتماعية. وموضوع هذا البحث هو محاولة إعادة قراءة تطور مفهوم التعريب قراءة حوارية تربط تطور مفاهيم التعريب المختلفة بتطور الثقافة والحضارة الإسلاميتين؛ ومحاولة تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء تعدد المفاهيم المتداولة التي تعود عليها كلمة "تعريب"؛ ومحاولة فهمها من منظور حضاري تاريخي بدلاً من اختزالها اختزالاً مخلاًّ بتصويرها على أنها قضية لغوية فحسب. وسنعتمد في هذه القراءة على آراء بعض اللغويين التي ترى ضرورة النظر لتاريخ اللغة من حيث ارتباطها بالواقع التاريخي وليس كظاهرة منعزلة بذاتها. و للفيلسوف اللغوي الروسي ميخائيل باختين آراء مهمة بهذا الصدد حول جدل علاقة اللغة بالواقع من جهة، وعلاقات اللغات واللهجات بعضها ببعض من جهة أخرى. وأطلق باختين على نهجه هذا "مبدأ الحوراية". و الحوار هو بالنسبة لباختين مبدأ أعم وأشمل يتخلل الوجود الإنساني كله؛ وهو أيضًا، بالنسبة لباختين، عنصر أساسي لفهم المعني اللغوي، وعامل جوهري في نشوء الوعي الإنساني.
    وفلسفة باختين الحوارية فلسفة واسعة متشعبة كتب عنها الكثير ويصعب تلخيصها في صفحات معدودة، وبالرغم من ذلك فسنحاول فيما يلي توضيح المبادئ الأساسية لهذه الفلسفة وسوف نركز على الجوانب ذات العلاقة بالقضية التي نحن بصددها.

    الأسس الفلسفية للحوارية:

    "الحوارية" كما يراها باختين مبدأ فلسفي ينطلق من نظرة للوجود على أنه حوار دائم مستمر بين ما هو موجود وما هو متواجد. فالوجود لا يكون للشيء في ذاته ولا لذاته، ولا وفي وجود ما هو موجود حوله فقط بل بالحوار بين الاثنين. كما أن هذا الحوار يربط ما هو موجود بما هو غائب، وما هو حاضر بما هو ماضٍ، فالأشياء يضيء بعضها البعض الآخر ويوجد بعضها البعض الآخر. وأي محاولة لفهم شيء في ذاته إن لم تكن خاطئة فهي تكون في أحسن الأحوال ناقصة. ولذلك لا يمكن معرفة الشيء إلا بمدى مشابهته أو اختلافه، أو ارتباطه أو انفصاله عن الأشياء الأخرى التي يتزامن وجوده معها فهي تحده وتعطيه المعنى.
    و يرى هوليكويست (1990) أن الحوارية في مفهوم باختين تعتمد التزامن والاختلاف كمنطلقين رئيسين لفهم الوجود والوعي الإنسانيين، والأشياء حسب هذا المنظور تتعلق ببعضها بعلاقة تتموضع في مكان ما بين التشابه والاختلاف. كما أن العلاقة بين التشابه والاختلاف هي في حد ذاتها علاقة حوارية ؛ فكلما زاد الاختلاف اضمحل التشابه، وأقل التشابه هو أشد الاختلاف، فالاختلاف والتشابه وجهان لعملة واحدة، وهما حسب هوليكويست (1990) هما قطبا الحوارية التي تحاول من خلالها فهم العالم.
    والحوارية في مفهوم باختين تحدد الوعي الإنساني ووعي الفرد بذاته. فالفرد لا يعي ذاته إلا في عيون الآخرين، ومن خلال تشابهه أو اختلافه عمن هم في محيطه.و أهم حدثين في حياة الفرد، الولادة والممات لا يستطيع رؤيتهما إلا الآخر فقط. و يؤكد باختين هذه العلاقة بقوله:
    "أنا أكون من أنا فقط عندما أكشف نفسي للآخر، ...وهنا يتضح بأن الخبرة مهما كانت داخلية تتكون على حدود علاقتي بالآخر، وهي هنا تقابل خبرة الآخر، ولذلك فجوهرها يتشكل من علاقتها بالآخر.... كينونة الفرد نفسها (خارجية كانت أم داخلية) تتشكل من تواصله مع الآخر، ولذلك يكون الوجود نفسه تواصليًّا. ويكون وجودًا مع الآخر وله...ولذلك فالنفس الإنسانية ليس لديها مساحة مستقلة داخلية."
    ولذلك تلعب علاقة الذات بالآخر دوراً رئيسًا في عملية الوعي الذاتي. و لكن باختين يرى أن الذات تعي نفسها ليس فقط عندما تتماهى مع الآخر لترى نفسها انعكاسًا فيه، ولكن أيضًا في عودتها لوعيها الداخلي، فهناك حركة دؤوبة بين نظرة الذات لنفسها من الخارج في عيون الآخرين ونظرتها لنفسها من الداخل. وذلك ضروري لتكوين ذات جديدة مختلفة عن الآخر. وهذه الرؤية المعقدة المبهمة نوعًا ما تحتمها الطبيعة الجدلية لعلاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي، أي العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو "بين-ذاتي"، وهي عبارة يفضلها بعض المشتغلين بعلم النفس الاجتماعي على كلمة "موضوعي".
    وينطلق باختين من رؤيته هذه على مستوى الفرد إلى رؤية ميتافيزيقية أعم وأشمل ترى تماثلاً في تركيب العلاقات اللغوية بين الأفراد وبين الأجناس اللغوية `genre’ التي يتكلمون بها داخل لغة ما. لأن كل جنس لغوي يشكل رؤية مختلفة للعالم الخارجي. فلغة العلم، ولغة الدين، ولغة الأدب، على سبيل المثال، تعكس مواقف ورؤىً مختلفة للعالم والحياة. وهذا أيضاً ينطبق على اللغات المختلفة أيضا. فالعلاقات الحوارية بين الأفراد في المجتمع ليست إلا صورة مصغرة للعلاقات بين اللهجات والأجناس اللغوية، بل وبين اللغات المختلفة، فهناك حوار مستمر ودائم يؤطر حضور الكل في الجزء وتعلق الجزء بالكل.
    واللغة كما يراها باختين بالرغم من كونها وسيلة اتصال في المقام الأول، هي أيضاً المحيط العميق الذي تنعكس على سطحه العلاقات الأيديولوجية و الاجتماعية ويضم في أحشائه تاريخ وتطور تلك العلاقات. فهي أداة الحوار الأولى التي يستخدمها الناس للتفاهم، لقضاء حاجاتهم، للترويح عن أنفسهم. اللغة التي يستخدمها المصلي للصلاة، والعالم في كتبه، الشاعر في شعره، الحاكم في إصدار أوامره، الأطفال في لهوهم، والفلاح لمناداة بهائمه. وهذه الأنماط والنصوص واللهجات التي لها وجود فعلي هي دائمة التغير لتكيف نفسها لحاجاتهم، ولها زخم خاص قوي كالسيل الذي يصعب تقنينه أو السيطرة عليه.
    و هو يرى أنه يجب التفريق بين مفهومين للغة: اللغة كنظام، واللغة كوظيفة أو كوجود مادي، اللغة كجسد. فالأولى تتعلق بالنظام اللغوي، الذي يسعى اللغويون واللسانيون لتقعيده واستنباط أحكامه. وهي على عكس الاعتقاد الشائع، لا وجود مادي لها وإنما هي ذات طبيعة ما ورائية مجردة و تقع بمثابة الروح من الجسد. وهذا التجريد لا يكون تلقائيًّا فالقواعد تجرد اللغة الموصوفة من عوارض الاستخدام المختلفة كالأخطاء، والنواقص، والضرورات الشعرية والأدبية وغيرها، ولذلك فهي تصف كائنًّا مختبريًّا متخيلاً أكثر منه موجوداً. أما اللغة الحقيقية فهي بحر متلاطم من الرؤى والإيديولوجيات المختلفة.
    وهذه الخاصية هي ما وصفه ميكائيل باختين وأسماه ظاهرة "التغاير اللغوي" .`Heteroglossia’ عندما وصف اللغة بأنها: "في أي وقت من وجودها ،اللغة ذات وضع متغاير من القمة للقاع، إنها تمثل تعايش التناقضات الاجتماعية و الأيدلوجية بين الماضي والحاضر... بين المجموعات الأيديولوجية في الحاضر، بين اتجاهات، ومدارس، ودوائر، وهكذا دواليك، وكلها لها تجسيد شكلي في اللغة" .
    واللغة تستمد هذه الخاصية من المجتمع ذاته، أي أن ’التغاير اللغوي‘ انعكاس لـ ’التغاير الاجتماعي‘ ، و في اللغة على هذا المستوى تفوح كل جملة أو كلمة برائحة موقف أو شخص أو مهنة ما. ومن اللغة يمكن إلى حد كبير أن نستشف من هو المتكلم أو الكاتب، ما هي شخصيته وأي شريحة في المجتمع يمثل. وهناك حسب باختين ‘أجناس لغوية أولية’ تنظم استخدام اللغة في المواقف المختلفة.أجناس لغوية لها قدر كبير من الثبات وتعيد إنتاج نفسها كلما تكررت المواقف الاجتماعية التي تحتمها، لأن لكل مقام اجتماعي مقالًا يناسبه أكثر من غيره. وفوق هذه الأجناس الأولية توجد "أجناس لغوية عليا"، وهي أجناس لغوية خاصة أكثر تنظيماً و تعقيداً ، مثل أجناس الكتابة العلمية والأدبية وغيرها، وهذه الأجناس تشكل بالضرورة تطوراً من أجناس أولية، ولا يمكن أن تتطور بمفردها.
    فحقيقة الأمر إذاً هي أنه ليس هناك لغة بالمعنى الحرفي لكلمة لغة (عربية وإنجليزية وفرنسية)، وإنما هناك مجموعة كبيرة من اللهيجات والأساليب والأنماط واللهجات يطلق عليها تعميماً وتجاوزاً كلمة "اللغة X ". ولا يعرف أحد بالتحديد طبيعة ذلك الشيء المشترك بينها الذي يمكن أن تعود عليه تلك التسمية، إذ إنها لا يمكن أن يتجسد في أسلوب أو نمط أو لهجة بعينها، ولا يمكن لنص أو لهجة أن يجمل النظام اللغوي كله. وقد اختلف العلماء حول ماهية "اللغة الروح" فمنهم من قال بطبيعتها القبلية ومن هم من قال بأنها ذات طابع نفسي تاريخاني.
    و على الرغم من ذلك جرى العرف أن تبرز لهجة ما وتتمركز وتكتسب أهمية خاصة. وعادة ما تحظى هذه اللهجة باهتمام اللغويين ويختارونها كمعيار يقيسون عليه قواعد اللغة وبناء على ذلك يتم وصف وتقييم اللهجات الأخرى. و يبنى هذا الاختيار على أسس واعتبارات غير لغوية، كأهمية اللهجة المصطفاة سياسيًّا أو دينيًّا أو تاريخيًّا.
    يبقى أن نقول أن اللغات والحضارات كيانات حية تتفاعل وتتغير باستمرار كنتيجة حتمية لسعي الإنسان للحفاظ على بقائه، لأن الحفاظ على البقاء كما يقول مونود (1972) يبقى المشروع الإنساني الأول الذي تتفرع منه المشاريع الأخرى. ويرى مونود أن هذا المشروع ينطوي على تناقض ضرورى لاستمراره. فالإنسان من أجل الحفاظ على البقاء مضطر للتكيف والتطور. فاندماج الشباب في المجموعة ضروري من الناحية النفسية والاجتماعية للأفراد، وأيضاً لاستمرار الجماعة لأنه يسهم في استمرار عوامل الثبات في تكوينها وإعادة لإنتاجها لنفسها، ولكن إعادة إنتاج الجماعة لنفسها، ينتج عنه تطورها وتعدد أفرادها و يحمل أيضاً بين طياته عوامل تغيرها وهذا ما قصده مونود بـ "مبدأ التناقض في الوجود" (The paradox of being) .
    أما باختين فيصور هذا التناقض على مستوى اللغة، وهو يرى أن اللغة بالضرورة محكومة بالتجاذب بين عوامل التوحد والثبات وعوامل التعدد. بين ما أسماه ب "قوى الجذب" (centripetal forces) و"قوى الطرد" (centrifugal forces) . وتاريخ أي لغة ما محكوم بالتأرجح بين هاتين القوتين فقوى الطرد اللغوي هي مصدر التغاير اللغوي الذي تكلمنا عنه أعلاه، وهي مصدر التغير والتطور اللغوي. أما قوى الجذب فهى القوى المختلفة التي تحاول الحفاظ على وحدة اللغة وثباتها، ومنها توريث قواعد اللغة للأجيال الجديدة، واشتراط قواعد معينة للكتابة في اللغة، والتمسك بلهجة معيارية معينة.

    الحوارية و اللغة والثقافة:

    يعتقد كثير من علماء الإناسة وعلم الاجتماع أن من التعاريف المهمة للحضارة، على تعدد هذه التعاريف، هو القول أن الحضارة أو الثقافة هي مجموع السلوكيات والإنجازات المادية والعقلية عند تجريدها من وسطها المادي، أي أنها تشبه اللغة في كونها كل مجرد يشمل بين ثناياه المادي والعقلي والروحي.
    ويرى الكثير من هؤلاء أن قدرة الإنسان على استخدام الرموز هي التي مكنته من تطوير الحضارات. فايرنست كازرير Earnest Casserier يرى أن اللغة هي العامل الأساسي المشترك للثقافات البشرية، وبدونها لم يكن بالإمكان تطوير حضارة بشرية ولذلك فهو يصف الإنسان بالحيوان الرمزي "حيوان رمزي" “animal symbolicum” . فالإنسان يتميز عن الحيوان بالقدرة على "التجريد الرمزي"، أي التفكير باستخدام رموز مجردة لغوية.
    واللغة ليست فقط أداة للحضارة وإنما الوعاء الحافظ لها. وقد أولى الفيلسوف الألماني هيردر علاقة اللغة بالثقافة اهتمامًا كبيرًا حيث كان يرى أن:
    "المجموعات البشرية، صغيرة كانت أم كبيرة، هي نتاج الظروف المناخية، البيئة الجغرافية، الحاجات العضوية والطبيعية، وعوامل أخرى مشابهة، وهم محكومون بتراث مشترك وذاكرة جماعية واحدة، تكون اللغة هي رابطها الأول وأداتها الرئيسة-في الحقيقة اللغة أكثر من أداة-إن التجسيد في حد ذاته هو اللغة"
    وقد ذكر الكواكبي أن حال الأمة في الاستبداد والحرية تستنطق من لغتها إذا كانت كثيرة ألفاظ التعظيم أو ألفاظ الخنوع أو تفتقر إليها. وكان الأفغاني يعتقد أن فقدان الأمة للغتها يفقدها هويتها.
    من هنا نستنتج أن للغة أهمية مركزية بالنسبة لأية أمة، فهي تجسد تاريخ الأمة وواقعها، و أن دراسة الأمة يجب أن تمر عبر لغتها، وبالمقابل لا يمكن أن نفهم لغة قوم إلا إذا سلطنا الضوء على واقعهم وتاريخهم. وأي محاولة للفصل بين الواقع واللغة ستقود حتماً إما للتغريب أو الابتسار.
    وهنا يجب أن نذكر بأن دراسة اللغة من حيث علاقتها بالتاريخ والحضارة لا تتم على مستوى النظام اللغوي المجرد فحسب، أو على مستوى النحو والمعاجم، وإنما يجب أن تركز على دراسة اللغة كأداة تواصل، أي على مستوى الأجناس اللغوية التي تعكس الواقع التاريخي في حقبة ما. ودراسة الأجناس هذه تأخذ بعين الاعتبار تعايشها وتواجدها في نفس الحقبة التاريخية، تشابهها واختلافها لأن الأجناس اللغوية تبرز ويضيء بعضها البعض الآخر. فعلى مستوى التواصل تدخل اللغة إلى الحياة تكيفها وتتكيف معها، وعلى هذا المستوى أيضاً تتأثر اللغة وتؤثر. و كما ذكرنا سابقاً فالعلاقة الحوارية بين الذات والآخر، هي علاقة موجودة أيضاً اللغة والثقافة ككل فـ :"في عالم الثقافات، الآخر هو أهم وأقوى أداة للوعي الذاتي، في عين الثقافة الأخرى فقط تستطيع ثقافة ما فهم نفسها بطريقة أعمق وأشمل" فليس هناك حضارة عذراء، أو أمة نقية طاهرة، وإنما ومن فجر التاريخ اتصلت الحضارات، تلاحمت وتلاقحت وأثرت وتأثرت.
    بدون الاحتكاك بالحضارات الأخرى لا يمكن أن تعي أي حضارة ذاتها، فهي ترى نفسها بمقارنتها بغيرها، مقارنتها بحضارة أخرى مشابهة أو مختلفة، حضارة بعيدة أو أخرى قريبة. فحوار الحضارات ليس شيئاً كماليًّا تتفضل به حضارة ما وإنما هو أساسي لوجود الحضارة ذاتها ويشكل مصدر وعي الحضارة بنفسها الذي بدونه لا يمكن تمييزها. وليس بالضرورة في هذا الشأن أن يكون الحوار حواراً سلميًّا إذ إن الصدام و الصراع بين الحضارات يعد أيضاً نوعاً من الحوار.
    والتأثر اللغوي بالحضارات المجاورة كما يرى بعض علماء لسانيات الإناسة (Anthrpological Linguistics) يمكن أن يكون إما على شكل ‘الاقتراض’، اقتراض المفردات والعبارات؛ أو على شكل ‘التداخل اللغوي’ (interference) أي التأثر على المستوى الصوتيمي والقواعدي . ويرى فولي W. Foley أن الاقتراض اللفظي، على عكس التداخل اللغوي، يتم بسرعة كبيرة، ولا يحتاج وقتاً طويلاً ويمكن أن يكون في مجال محدود، أو مجالات عدة. أما التداخل اللغوي فهو يتطلب وقتاً طويلاً وتمازجاً وتزاوجاً أكبر بين الحضارات. كما ويتطلب انفتاحاً أطول وتقبلاً أقوى من قبل الحضارة المقترضة.
    و أغلب الظن أن التغييرات اللغوية نتيجة لتأثر حضارة بأخرى تأخذ مكانها على المستوى الأول مستوى الإقراض اللغوي والتركيبي بشكل مكثف ومؤثر و تكتسب صفة الديمومة إذا استمرت وتجذرت ووصلت للنظام اللغوي ذاته. ويمكن القول أن الاقتراض اللفظي يتم على المستوى الوظيفي للغة ويكون عادة سطحياً، أما التداخل اللغوي فيتم على مستوى اللغة كنظام.

    وتصر النظرة الحوارية للغة على النظر إلى النصوص اللغوية من خلال السياق الحضاري العام لها، إلى فهمها من حيث تعلقها ببعضها البعض، وعلاقتها بوسطها الثقافي. فلا توجد لفظة واحدة خاصة بمتكلم بذاته بصفة مستقلة، فكل لفظة أو نص هي من نتاج تواصل المتخاطبين عن طريق اللغة، نتاج الوضع الاجتماعي المركب والعام التي تستخدم فيه اللغة. النص اللغوي هو نص فردي واجتماعي في آن واحد بكل ما في هذه العبارة من تناقض.
    فالنص يستعيد، يستجيب، يؤيد، يعارض أو يذكر بنصوص أخرى ذات علاقة. وبدون فهم علاقة النص بالنصوص الأخرى يبقى النص عصيًّا على الفهم. ولذلك فالثقافة بالنسبة لباختين هي مجموع النصوص في مجتمع ما التي تنتظم في سلسلة متماسكة من العلاقات "البين نصية" أو العلاقات التناصية كما يسميها بعض الباحثين. وهي تشكل البعد اللغوي الإيديولوجي للثقافة. ولذلك كان باختين يشبه الثقافة على سبيل المجاز بأنها النص الجامع لجميع النصوص في مجتمع ما. ويمكن القول أن التأثير اللغوي على لغة ما يتم عندما تكون النصوص المستوردة من لغة لأخرى من الكثافة بحيث تشكل نمطاً نصياً متكاملاً ضمن اللغة المتأثرة.
    وبالرغم من ذلك كان باختين يرى أن بعض النصوص لها نصيب أكبر من التفرد والخصوصية الذاتية لأنها ذات وزن ثقافي أكبر و لها إمكانية الاستمرار كنصوص مستقلة قائمة بذاتها، ولها أهمية أكثر من أهمية الذات التي أنتجتها. وهذا أمر يتطابق مع رؤية كيلى (1979) بأن لبعض الثقافات نصوصًا مركزية (central) تتمحور حولها الثقافات وتكون مصدر إلهام لها، وهى تشكل منطقة جذب للغة التي تكتب بها، وترجمتها تتمركز حول موضوعها وليس مؤلفها وأسماها (object centered) وذلك بخلاف بعض النصوص الأخرى التى تتموضع ترجمتها حول كاتبها (subject centered) ، وتأخذ بعين الاعتبار ذات وشخص الكاتب كمدخل لفهم النص أكثر من النص نفسه. هذه النصوص المركزية تشكل مركز ثقل في الثقافة وتحدد مسارها.
    إن التركيز على علاقة اللغة بالثقافة والواقع، والنظرة للثقافة من منظار اللغة تجعل من مبدأ الحوارية لدى باختين مدخلاً جيداً محتملاً لفهم قضية التعريب، فالعربية من ناحية كلمة جامعة تنعت شيئاً عاماً تطور واختلف تاريخياً وثقافياً وجغرافياً. وهذا التطور كان نتيجة لعلاقة مستمرة بالآخر في المحيطين التاريخي والجغرافي للغة العربية. وكذلك كلمة "تعريب" من ناحية أخري اكتسبت معاني مختلفة نتيجة للواقع الزماني والمكاني المتغير للغة العربية.
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 05-27-2017, 07:20 AM.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    المدلولات القديمة لمصطلح التعريب:

    لقد أصبح مألوفاً لدى الكثير ممن اهتموا بقضية التعريب عدم وجود تعريف أو مرجعية محددة لما تدل عليه عبارة "تعريب"، فهي كلمة عامة ذات مفهوم مرن، وتعني أشياء كثيرة بعضها
    في كثير من الأحيان لا يتعلق ببعض، واختلف معناها القديم عن معانيها الحديثة إلى حد كبير حيث أضاف التاريخ العربي والإسلامي إلى معناها أبعاداً كثيرة ساهمت في زيادة عمومية مرجعية هذه الكلمة وغموضها. ونحن نرى أن الفهم الصحيح لمعاني هذه الكلمة يتطلب فهمها في السياقات التاريخية والأيديولوجية المختلفة التي مرت بها الثقافة العربية.
    فكلمة "التَّعْريب" كما ذكر ابن منظور لها معان كثيرة أغلبها غير حسن؛ ومن بين معانيها "الفحش" أو "ما قبح من الكلام". وقال الأزهري "ويحتمل أن يكون التَّعْريب على من يقول بلسانه المنكر من هذا لأنه يفسد عليه كلامه". وتأتي أيضاً بمعنى "المنع والإنكار"، إلا أنه من بين معانيها، وهذا المعنى ليس أكثر شيوعاً عند العرب القدماء، "قطع سعف النخل" وتشذيبه. وترد الكلمة بالمعني الأخيرً في القاموس المحيط أيضاً إلا أن الفيروزآبادي يضيف للمعنى الأخير معنى آخر هو "تهذيب المنطق من اللحن" قياساً على قطع سعف النخل. وتكاد جميع المصادر تجمع على أن ‘التَّعْريب’ بمعنى تهذيب المنطق وتنقية الكلام جاء بعد الإسلام نتيجة مخالطة العرب للشعوب المجاورة ودخول الكثير من أبناء الشعوب الأخرى الإسلام وانتشار الَّلَحْنُ في الكلام العربي. وهذا يخالف المعنى الأخر المتداول للتعريب وهو محاولة فصل الأصيل من الدخيل، أو تحديد ما دخل العربية من اللغات الأخرى الأجنبية.
    والتعريب، بمفهومه القديم الذي يعني اقتراض ألفاظ من لغات أجنبية ليس لها مقابل في العربية، قديم جدًّا ويسبق ظهور الإسلام. وهو أمر طبيعي تفرضه طبيعة التفاعل والحوار مع الثقافات الأخرى المجاورة. فعلى سبيل المثال، تأثر جنوب ووسط الجزيرة بالحبشة والفرس بينما كان تأثر الشمال بالروم واليونان. وذكرت كتب التاريخ أن كسرى آنو شروان أرسل قواته لمساعدة اليمنيين علي طرد الأحباش من اليمن وبقي الكثير منهم هناك واستقروا و يقال أنه إلى يومنا هذا يوجد جماعة تدعى "الأبناء" ذات أصول فارسية.
    واستمرت علاقة اليمن بفارس، السياسية والاقتصادية مدة طويلة بعد ذلك، وتولت قبائل عربية حراسة قوافل التجارة المتنقلة بين اليمن والحبشة وفارس وانتشرت الأسواق على طرق التجارة في الحيرة و عمان وهجر (الأحساء حالياً) والمشقر وغيرها. واتضح تأثر العرب بالفرس في الكثير من المفردات التي دخلت الشعر الجاهلي وفي المعتقدات الدينية التي انتقلت من فارس إلى الجزيرة العربية حيث كان سكان اليمن و جنوب ووسط الجزيرة يقدسون النار، وانتشرت المجوسية في اليمن ونجران وعمان والبحرين. وهناك شواهد كثيرة من الشعر الجاهلي على تأثر العربية في تلك المناطق باللغة الفارسية وهي ترد في ما وردنا من شعر طرفة بن العبد وعدي بن زيد على سبيل المثال. وألفاظ مثل: الكأس، الإبريق، الديوان، الكوب، الورد، المسك، الياقوت، الدينار، القنطار التي يحسبها العامة عربية، هي ألفاظ فارسية الأصل تجذرت في اللغة العربية فتعربت. وورد بعض هذه الألفاظ في القرآن الكريم، النص العربي المقدس والذي يعتبر النص المركزي للغة العربية، مثل سراط وسندس وأستبرق

    أما سكان شمال الجزيرة وغربها فقد تأثروا بشكل أكبر بالرومان، ويستدل على ذلك بعبادتهم للأصنام تأثراً بالرومان على عكس الأنحاء الأخرى في الجزيرة التي تأثرت بالفرس ودانت بالمجوسية وعبدت النار.
    فعرب الجاهلية وصدر الإسلام في جنوب الجزيرة ووسطها وشمالها جميعهم اقترضوا باستمرار ألفاظًا ممن جاورهم من حضارات بالرغم من أنهم لم يتطرقوا لهذه القضية في آدابهم ولم يسموها تعريباً. فالاقتراض في اللغة العربية عملية ثابتة مستمرة لأنها كانت محكومة بحوار دائم مع الثقافات المجاورة، إلا أن ذلك قد يتسارع أو يتباطأ لعوامل عارضة مختلفة. فمن المستحيل على لغة ما حية كالعربية تنتشر في منطقة ظلت دوماً منطقة التقاءٍ وصراعٍ لحضارات مختلفة أن تنأى بنفسها عن عوامل التأثر والتأثير اللغوي.
    وقد كانت الثقافة العربية قبل الإسلام ثقافة شعرية ذات طابع شفهي فرضتها، كما يرى بروكلمان، طبيعة حياة العرب البدوية الرعوية المتنقلة. ولم يكتب من أشعار الجاهلية إلا الأشعار المهمة فقط في مناسبات الأسواق التجارية التي تتيح بعض الاستقرار النسبي. ومارس عرب ما قبل الإسلام ديانة وثنية في معظم أرجاءالجزيرة. وبالرغم من انتشار النصرانية واليهودية بين قبائل قضاعة وتميم وطئ، وتردد ذكر أسماء الرهبان في شعرهم، إلا أنه لم تنتشر بينهم ثقافة مسيحية حقيقية. على عكس حال نصارى الحيرة الذي يغلب على حياتهم الاستقرار النسبي فقد انتشرت بينهم الثقافة النصرانية ولذلك بقوا على نصرانيتهم إلى العهد العباسى.
    وكما يتضح فلم يكن لعرب الجاهلية، لانعدام الاستقرار، نصوص حضارية مركزية ولا لهجة مركزية بالمعنى المفهوم، ولم يكن لهم حس قومي أو ولاء أممي، وإنما كان ولاؤهم الأول لقبائلهم وأنسابهم، ولذلك لم تكن لهم عصبية لغوية ولذلك اقترضوا من الحضارات المجاورة بصورة تلقائية. ولم تشكل قضية الدخيل والأصيل هاجساً بالنسبة لهم.
    هذا بالرغم من أن بعض المعلقات تعلق على الكعبة، وأن بعض القصائد المشهورة تلقى في سوق عكاظ القريب من مكة، إلا أن لهجة قريش لم تكن قد اكتسبت صفة اللهجة المركزية بعد. ولم تكن للعرب، ثقافة نثرية بمعنى الكلمة عدا بعض الأمثال وبعض الخطب والقصص التي تمجد أيام العرب، وتتكلم عن الحيوانات وبعض الخرافات.
    و يجدر بالذكر هنا أن الفرس الذين أثروا في العرب كثيراً تأثروا أيضاً بهم، شأنهم شأن الحضارات الأخرى، فاقترضوا من عرب الجاهلية بعض أنماط وتفعيلات الشعر الجاهلي التي دخلت الفارسية الفهلوية، وكذلك المصطلحات المتعلقة بالصحراء وسلع ومنتجات اليمن وجنوب الجزيرة، واكتتب ملوك الفرس بعض العرب كعدي بن زيد وغيره في دواوينهم واستخدموهم كمترجمين . إلا أن حجم تأثر أو تأثير حضارة ما يعتمد على مدي قوة تلك الحضارة وانتعاشها، ونظرة الحضارات الأخرى لها، فقول ابن خلدون بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب مهم إلى حد كبير في هذا الشأن.
    ونتيجة لظهور الإسلام وبدء مرحلة الفتوحات الإسلامية، وتوسع الدولة الإسلامية وزيادة التمازج الحضاري بين العرب وجاراتهم من الحضارات الأخرى تغير وضع اللغة العربية كثيراً. فنزل القرآن الكريم على الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ليكون نصًّا لغويًّا مركزيًّا التفت حوله قبائل العرب. وقد جاء هذا النص الرباني بتشريع ديني ومدني كامل ساهم في لم شمل و زيادة تلاحم القبائل العربية المتناحرة سابقاً. وأحدث نقلة ثقافية في مفاهيم العرب وقيمهم، التي أصبحت تتكلم عن المساواة والعدل بدلاً من الشجاعة والقتال والحرب. وكان لدعوة الإسلام إلى المساواة والعدل، مثل رفع عمر بن الخطاب الرق عن سكان البلاد المفتوحة وتأمينهم على أرضهم، أثر كبير في تهافت العرب وغير العرب على قبول الرسالة المحمدية، ودخول الإسلام بشكل كبير وسريع،ومن ثم قبول الشعوب الأخرى للغة العربية والتحمس لتعلمها. فانتشرت اللغة العربية وازدادت أهميتها بالنسبة لما جاورها من اللغات. أما على مستوى اللغة العربية ذاتها، وهذا أمر مهم جدًّا، فقد أسهم ظهور الإسلام أيضاً في إيجاد لهجة عربية مركزية التف حولها العرب وغيرهم، هي لهجة قريش ولغة القرآن الكريم. وهي لهجة تتوفر فيها، إلى جانب الأهمية الدينية، عوامل أخرى تؤهلها للعب مثل هذا الدور، إذ تحتل مكاناً جغرافياً وسطاً نسبياً على طريق تجاري هام، وتتكلمها قبيلة ذات غنى واسع يشتغل أهلها معظمهم بالتجارة، وبها تعقد أسواق تجارية وثقافية بصفة منتظمة أشبه ما تكون بالمؤتمرات الدورية.
    وعليه أصبحت لهجة قريش اللهجة المعيارية التي أطلق عليها العربية الفصحى و أصبحت هي المركز الذي تبلور حوله مركز الجذب اللغوي العربي. فأخذت العربية بالتمركز وتعاظمت قوى الجذب المركزي فيها(centripetal forces) وانتقلت من طور التأثر إلى طور التأثير، فالفرس، على سبيل المثال، الذين أثروا في العربية قبل الإسلام، تأثروا بالعربية بعد الإسلام، وتعلموا العربية وترجموا إليها، وليس العكس، ولعب القرآن الكريم دور النص المركزي المحافظ على العربية إلى يومنا هذا.
    وقد مهد الإسلام لظهور كيان سياسي إسلامي منظم تتوفر فيه عناصر الدولة، وذي طابع عربي لكون اللغة العربية هي لغة هذا الكيان. وأصبح للعرب أدب غني بمعنى الكلمة بعد دخول أساليب جديدة في الكتابة للغة العربية، وهو شيء لم يكن قبل ظهور الإسلام. وكان طبيعيًّا عند انتشار اللغة العربية بهذه السرعة أن تبدأ على هوامشها عوامل التغير.
    و هذه إنما سبقها تأثر العرب بطرق معيشة الحواضر التي فتحوها، واستقرارهم فيها واختلاطهم بأهلها، ودخول أساليب جديدة في معيشتهم. فبدأت في العربية مرحلة ما يمكن تسميته ب "التعريب الجذبي" (centripetal Arabization) أي التعريب الذي يتجه من الهوامش اللغوية للغات واللهجات المجاورة نحو المركز اللغوي العربي (لهجة قريش). واحتلت اللغة العربية الفصحى مكانة مركزية بين اللغات المجاورة،. ومن هنا بدأ الاهتمام باللغة العربية من العرب وغيرهم على حد سواء.
    فالعرب، كما يقول الدوري ، بعد أن حملوا راية الإسلام في البلاد التي فتحوها أحسوا بدورهم التاريخي وبأهميتهم وجعلوا ينظرون لأنفسهم كقلة ممتازة، ويشعرون بنوع من الاستعلاء على الشعوب الأخرى. وكان هذا الشعور منتشراً بين علية القوم منهم الذين ملكوا الجواري والخدم من الأجناس الأخرى، وقاس هؤلاء عروبتهم بانتمائهم للغتهم العربية. وحرصوا على تعليمها لأولادهم لتأكيد تميزهم عن غيرهم وحفاظاً علي عروبتهم.
    أما غير العرب من الأقاليم البعيدة، فقد حرصوا على فهم وتعلم اللغة العربية التي يستخدمونها في العبادة، والكثير منهم تعلم العربية ولم يكتسبها اكتساباً. ولذلك فالكثير مما كتب في علوم وقواعد اللغة كتبه أناس لم تكن العربية لغتهم الأم مثل سيبويه، و الكسائي والفراء وغيرهم، وكانوا يهدفون إلى تسهيل مهمة تعلم العربية للموالى الآخرين. كما أن تلك المرحلة شهدت أيضاً "رسم اللغة العربية"، وما يسمى أيضاً بـ "الإعجام" أي وضع النقاط على حروفها على يد أبي الأسود الدؤلي (69هـ) وذلك بتوصية من زياد بن أبيه خوفاً على الكتاب المنزل من اللحن والضياع، ثم أتم ذلك نصر بن عاصم (89هـ) عندما وضع "نقاط الإعجام" على الأحرف بتوصية من الحجاج بن يوسف وكان بذلك أن حفظت اللغة العربية إلى حد كبير. وقد مهد ذلك الطريق للخليل بن أحمد فيما(175هـ) بعد ليشكل حروف اللغة العربية ويضع قواعد ضبط حركاتها.
    ومما لاشك فيه فقد حصل تغير كبير في الحياة العربية في ذلك الوقت، فظهر للعرب مدن وحواضر مثل البصرة والكوفة وبغداد التي اختلطت فيها القبائل العربية كتميم وقريش وباهلة وثقيف بالفرس والآراميون والزنج واليونانيون واليهود وغيرهم. و تطبع العرب ببعض من طباع الشعوب التي احتكوا بها وحاكوها في طرق معيشتها.
    وربما كان انتشار الأجناس الأدبية الجديدة الطارئة على الحياة العربية آنذاك نتيجة مباشرة لانتشار أنماط حياة اجتماعية وسياسية جديدة لم يألفها العرب من قبل، فانتشرت أجناس من الشعر جديدة مثل الغزل الماجن، و"الخمريات"، و"الطرديات"، نتيجة لانتشار الغناء، والجواري والحانات، فتغير الشعر شكلاً ومضموناً. وظهرت أساليب جديدة في الكتابة مثل فن المقامات وأدب السياسة والمواعظ وأساليب أخرى في الكتابة التي لم تظهر كنشاط لغوي بحت، وإنما ظهرت نتيجة لظهور نظم جديدة اجتماعية وإدارية في الحواضر العربية.
    كما بدت ضرورة تعريب الإدارة والدواوين، ونظم الإدارة، لجعلها في متناول الأخلاط من الشعوب والأعراق التي تكلمت لغات مختلفة في سائر الأمصار الإسلامية، والتي تتكلم العربية كلغة ثانية لأسباب دينية، وهذا مما عزز قوى جذب المركز اللغوي العربي، ولكن في نفس الوقت أثر أيضاً على إحداث بعض التغيير على اللغة العربية نظراً لتوسع قاعدة المتكلمين بها وتعدد خلفياتهم الثقافية واللغوية.
    وقد ساعد على انتشار العربية في المجتمعات الجديدة انتشار استعمال الورق الذي جلب من الصين في البداية ثم تم تصنيعه في خراسان، وعم استخدامه بعض الحواضر العربية، فكثر ذكر الورق والوراقين في ذلك الوقت. فبدأ عصر جديد للحضارة الإسلامية لعبت فيه اللغة العربية دور اللغة الوسيطة ‘Lingua Franca’ .
    ومن هنا اكتسبت كلمة "التعريب" معنىً جديدًا يتعلق إلى حد كبير بوصف التغير الذي يطرأ على الكلمات الجديدة التي أدخلتها الشعوب الإسلامية الأخرى في العربية، وكيفية التعامل مع المفردات والمصطلحات الجديدة التي يرغب الكثير من الباحثين إدخالها اللغة، وقد كان دخول الكلمات إلى العربية في ذلك الوقت يتم بشكل مكثف، لفت على ما يبدو أنظار النحاة واللغويين العرب. فعرف السيوطي المعرب غير الأصيل بـ "ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغتها" ، و اشترط الجوهري في تعريب الاسم العجمي "أن تتفوه به العرب على منهاجها" ، ولم ير سيبويه هذا الشرط ملزماً إذ إنه يعد من قبيل المعرب ما ترك على حاله. وهناك من المحدثين من يؤيد ذلك ويرى التعريب كنقل للفظ الأعجمي إلى العربية دون شرط إجرائه على مناهجها.
    وكان الهدف بادئ الأمر علميًّا بحتًا و هو التفريق بين ما هو عربي أصلاً وبين ما هو عربي مستحدث في اللغة العربية ذلك الوقت. ولكن لم يكن هناك ما يشير إلى محاولة أو جهود منظمة أو مقصودة للتعريب، أو الحد من دخول تلك الكلمات التي كانت تعرب بصورة تلقائية. وموقف اللغويين من الدخيل كان موقفاً موضوعيًّا ولم يتبلور بعد إلى موقف أخلاقي، أو موقف تطهير لغوي (******** purism) واقتصر على جانب واحد فقط من اللغة هو الجانب المعجمي الصرفي المتعلق بالاقتراض اللفظي. وربما يكون لقوة مركز العرب الحضاري في ذلك الوقت دور في ذلك، لأنه لم يكن هناك بالنسبة لهم ما يخشونه من الثقافات الأخرى، فكانوا أقل حساسية تجاه الاقتراض اللغوي منهم الآن.
    وبعد توسع الدولة الإسلامية واستفحال ظاهرة اللحن ربما لعاملين أساسيين: الأول هو قوة التداخل والتأثر بين العربية والفارسية، حيث كانت حواظر الحضارة الاسلامية مزدوجة اللسان وسكانها يمكن وصفهم حديثاً بأنهم "ثنائيو-اللسان" والثاني هو زيادة دخول الأعاجم في الإسلام واصطدامهم بصعوبة التفريق بين ما هو عربي وما هو فارسي. وازداد على ما يبدو ظهور اللهجات الهجينة في الأمصار البعيدة عن المركز العربي، وبدأت تشتد قوة الطرد اللغوي كلما بعدت الأمصار عن المركز اللغوي العربي. وبدأت تطرأ على العربية بوادر التغير ليس فقط من حيث دخول المفردات إليها أو اللحن بها ولكن من حيث التغير الصوتيمي و القواعدي. وكان علية القوم يحرصون على تعليم أولادهم اللغة العربية السليمة وتهذيب ألسنتهم، خوفاً على ضياع لغتهم و من أجل تمييزهم عن العوام والموالي- الذين تمادوا في اللحن في العربية ، وكان ذلم مستهجناً من قبل العرب إلى حد كبير يستهجنون اللحن ويتضح هذا من قول ابن شبرمة "إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن فكأن عليه أخلاقاً"

    وقد قرب الخلفاء العباسيون الفرس لهم، لأسباب سياسية ومذهبية، وولوهم المناصب المهمة في الجيش والدواوين واشتهر منهم الكثير مثل أبي مسلم الخرساني والبرامكة، و بني سهل وغيرهم ممن توارثوا الوزارة في العصر العباسي، حتى أنه لم يكن بين الوزراء العباسيين أحد من العرب. وقد ارتفعت أسهم الفرس في العصر العباسي وقويت شوكتهم وبدأوا في منافسة العرب في جاههم وسلطانهم، وبدأت تظهر بوادر الشعوبية ومحاولة الارتقاء بالفارسية على حساب العربية، وظهرت مرحلة من الازدواج اللغوي في مراكز الدولة الإسلامية، كانت فيها الفارسية والعربية في شبه صراع لتسيد الساحة اللغوية وظهر مؤلفون يؤلفون بالعربية والفارسية. وقد انتعشت الترجمة من الفارسية في عصر المنصور وترجمت العديد من الكتب من الفارسية بأمر منه ومنها كتاب كليلة ودمنة.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      العصر الذهبي للتعريب:

      هناك الكثير ممن يعتبر الفترة بين القرنين الثاني والرابع الهجري على أنها العصر الذهبي للتعريب في الحضارة الإسلامية ويعزون ذلك إلى نشاط حركة الترجمة في عهدي الرشيد والمأمون وفي هذين العهدين شهدت الدولة الإسلامية قدراً كبيراً من الاستقرار و الازدهار، وكانت عائدات الدولة الإسلامية من الجزية والخراج غير مسبوقة من حيث حجمها وانتظام وصولها؛ فحكم الخليفة هارون الرشيد استمر ثلاثة وعشرين عاماً من 786-809م وبلغت فيه حدود الدولة الإسلامية أقصاها، ثم تلاه الأمين الذي لم يدم حكمه إلا أربع سنوات ليأتي المأمون ويتولى الخلافة لمدة عشرين عاماً (813-833م).
      وقد جاء العصر العباسي بكثير من الأسئلة التي احتدم الجدل حولها، مثل مسألة الخلافة، خلق أو تنزيل القرآن، علاقة المسلمين بغيرهم ممن يتبعون الديانات الأخرى، فانتشرت المدارس الفكرية الإسلامية المختلفة. وكان الحوار الفكري في ذلك الوقت حواراً فقهياً وفلسفياً عميقاً يتسم بالحرية والانفتاح.
      وقد شجع المأمون الاجتهاد والاتجاهات العقلانية في التفسير التي تقول بأحقية الأكفاء في خلافة المسلمين وذلك للرد علي غلاة الشيعة الذين يرون الخلافة في سلالة علي رضي الله عنه، ولذلك لم يكن عهد المأمون عهداً منفتحاً، يكفل الكثير من الحريات الشخصية فحسب بل كان القضاء في عهده مستقلاً إلى حد كبير، مما وفر مناخاً صحياً وبيئة خصبة ساعدت على تطور العلوم و ازدهار الحضارة في عصره الذي جمع بين الاستقرار وتوفر الحريات اللازمة.
      والخليفة المأمون، هو الذي أنشأ (حسب المصادر التاريخية) أول أكاديمية علمية هي "بيت الحكمة" في بغداد. و كانت تعنى بالتأليف والبحث العلمي ومن بين أنشطتها الترجمة ونقل المعرفة. وقد ذكر ابن النديم أن ما تم ترجمته في ذلك الوقت يزيد على أربعمائة كتاب منها 149 كتاباً في الطب، وكثير من هذه الكتب ترجم من السريانية لأن أغلب المشتغلين بالعلوم في ذلك الوقت هم من النساطرة النصارى واليهود واشتهر منهم في ذلك الوقت بعض المترجمين مثل اسحق بن حنين، وابنه حنين، ومتى بن يونس، وقسطا لوقا والأعسم وغيرهم. وفيها ترجمت كتب الفلسفة والطب من اليونانية والسريانية. وترجم جالينوس و أرسطو، و أفلاطون، و إقليدس وغيرهم إلى العربية.
      ومما يجدر التنويه به هنا هو أن "بيت الحكمة" لم يكن دار ترجمة فقط بالرغم من أنها اشتهرت بالترجمة أكثر من غيرها، فربما كانت دار بحث وتأليف وأن الترجمة ظهرت نتيجة لتلبية حاجة الدارسين والباحثين للاطلاع على العلوم باللغات الأخرى، كما أنها لم تعنى بالترجمة من السريانية واليونانية فقط وإنما عنيت بالترجمة من الفارسية والهندية وربما غيرها من اللغات، وربما ترجم في بيت الحكمة إلى لغات أخرى غير العربية: كالسريانية واليونانية للفارسية؛ فالسهل بن هارون خازن بيت الحكمة في عهد المأمون كان فارسياً كما كان غيره من الوزراء والكتاب في الدواوين في ذلك الوقت.
      وبالرغم من انتعاش حركة الترجمة والتعريب في هذه المرحلة، والتي كانت لها دوافع سياسية وطائفية، إلا أن هناك في معظم الأحيان سوء فهم للدور الذي لعبته الترجمة في تشكيل الحضارة العربية الإسلامية. فالبعض يعزو هذه الحضارة للتعريب ويرى دوراً أساسيًّا للتعريب في نشوء هذه الحضارة، ومن بينهم بعض الدعاة المتحمسين للتعريب. بينما يرى البعض الآخر وخاصة من المستشرقين أن ما قام به العرب والمسلمون هو فقط ترجمة ومحاكاة التراث اليوناني، وأن العرب والمسلمين لم يكونوا صناع حضارة، وهذا رأى في زعمنا، إضافة لكونه غير مبرر، مجحف في حق التاريخ الحضاري العربي والإسلامي، وفيه انتقاص واضح لدورهم التاريخي. إذ إن جميع الشواهد الحضارية توضح تفرد وأصالة الثقافة الحضارة العربية الإسلامية.
      ويرى آل علي، أن تأثر العرب بالفرس أعظم وأشمل من تأثرهم بالروم، وقد امتزجت الحضارة الفارسية بالعربية، في مرحلة تشكيل الثانية في العهدين الأموي والعباسي، بشكل موسع طبع اللغة العربية والفنون والموسيقى لدرجة أصبح معها جزءاً لا يتجزأ من العربية واعتبر عربياً، بينما كان التأثر بالرومان محدوداً وبقى هامشياً، ولذلك بقي واضحاً.
      والقول بأن الحضارة العربية الإسلامية قامت على النقل والتعريب، وهو قول مردود لعدة أسباب لابد من الوقوف على بعضها:
      فالعرب عندما ترجموا من اليونانية كانوا قد وصلوا إلى مرحلة من التطور الفكري والعلمي الذي يمكنهم من هضم وإعادة إنتاج التراث اليوناني والسرياني وغيره. فعياد (1993) يرى أن الحياة الأدبية العربية، على سبيل المثال، كانت في ذلك الوقت "قابلة لأن تتلقى هذا التيار اليوناني بكثير من الاهتمام، فاحتل مكانه منذ البدء بكثير من الوضوح والتميز". ، ويتضح أيضاً من المناظرة المعروفة بين متى بن يونس أحد المترجمين السريان من اليونانية للعربية وبين أبي سعيد السيرافي في مجلس الوزير الفضل بن الفرات، والتي أوردها أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة"، واعترض فيها السيرافي على إمكانية قياس الكلام بالمنطق الإغريقي وأوزانه كما كان يرى متى بن يونس، أن قبول الفكر اليوناني في العربية لم يكن تلقائياً وأنه كان في ذلك الوقت للعرب فكر أصيل يوازن أو يفوق كل ما هو دخيل.فالحضارة العربية في ذلك الوقت كانت طرفاً فاعلاً مؤثراً في حوارها مع الثقافة اليونانية عبر النصوص التي ترجمها النساطرة المسيحيون.
      ودراسات الترجمة الحديثة تؤكد عدم إمكانية الترجمة إلى لغة لا تكافئ أو على الأقل تقارب اللغة المترجم منها من حيث المستوى العلمي والفكري. والعرب قاموا بالترجمة من اليونانية في بداية القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) بعد أن بلغت الحضارة الإسلامية شأناً كبيراً، وبعد أن ظهر كتاب وعلماء وفلاسفة عرب يقارعون التراث المترجم، فالجاحظ (773-869م) ، والخليل بن أحمد (718-791م) و الرازي (865-925م)، والبيروني (973-1050م)، والكندي (796-873م) والخوارزمي (780-850م) وأبو العلاء المعري (973-1057م)، وغيرهم كثير، عاصروا فترة بيت الحكمة.
      وكما ذكرنا سابقاً فلم تقتصر الترجمة على اليونانية، وإنما كانت أيضاً من الفارسية والهندية، والسريانية، وغيرها. وكثير من التراث اليوناني لم يترجم مباشرة وإنما ترجم من السريانية، وربما أيضاً لم يكن ترجمة أصلاً بل كان نوعاً من التأليف باللغة العربية، التي كما ذكرنا سابقاً أصبحت اللغة الوسيطة للعلم والثقافة في ذلك الوقت، حتى أن العبادة والطقوس الدينية في بعض الديانات الأخرى مثل السريانية، والقبطية واليهودية كانت في ذلك الوقت تتم باللغة العربية.
      وهناك دليل أخر على محدودية تأثر العرب بالتراث اليوناني وهو أن الترجمة من اليونانية إلى العربية التي قام بها السريان على وجه الخصوص في ذلك الوقت، كانت ترجمات في مجملها غير دقيقة لأن هؤلاء لم يجيدوا اللغة العربية بالشكل المطلوب ولأنهم، ولأسباب دينية، لم يندمجوا في الثقافة العربية ولم يكن اتصالهم بها قويًّا. فكان ناشئتهم يتعلمون في الأديرة، وقل منهم من أجاد العربية مثل حنين ابن إسحق الذي تلقى العربية على يد الخليل بن أحمد. وكما تذكر المصادر التاريخية، كان الكثير منهم يلجا إلى الغير في تقويم عبارته العربية، و كانوا محط شك معاصريهم مثل الجاحظ و السيرافي، وفي أحيان كثيرة كانوا محل التندر والطرافة لضعف لغتهم العربية. إضافة إلى ذلك كان دافعهم للترجمة ديني وطائفي في المقام الأول. فهم ترجموا بعض كتب الفلسفة اللاهوتية اليونانية، والمنطق كوسيلة للإقناع ونشر الدين المسيحي. وهم لجأوا للمنطق الإغريقي لمقارعة الفلاسفة المسلمين الذين تجاوزوهم في العمق الفكري والإقناع المنطقي.
      و يذكر الدبيان (1993) بعض المآخذ على مترجمي ذلك الوقت مما ترك أثراً سيئًا على اللغة العربية كإدخال الكثير من الكلمات الأعجمية مما لا تحتاجه اللغة العربية لغرض تقريب النصوص المترجمة لأصولها الأجنبية، أو لعدم الإلمام الكافي باللغة العربية. وكذلك أدخلوا على العربية أساليب جديدة في الكتابة مخالفة للسليقة العربية مثل الإكثار من استخدام الأفعال، و المصادر الصناعية، والأبنية للمجهول. كما أن الكثير من المترجمين ينقصهم التخصص في المجالات التي يترجمون فيها، وأحياناً الاطلاع الكافي على اللغة التي يترجمون منها. وكان الدافع للترجمة في كثير من الأحيان الطمع في العطايا والهبات التي أغدقها الخلفاء في ذلك الوقت على المترجمين.
      وربما كان المترجمون في ذلك الوقت يلجأون لتعريب بعض الألفاظ التي تستعصي عليهم ترجمتها أو فهمها كما فعل متى بن يونس عندما عرب كلمة "القوانين" ب "الفواسس". أو كلمتي "الكوميديا" و "التراجيديا"، على سبيل المثال، اللتين عربهما ابن سينا ب "طراغوذيا" و "قوموذيا". علماً بأن متى بن يونس كان قد ترجم هاتين الكلمتين إلى "الهجاء" و "المديح" بالرغم من التباعد الواضح سواء بين معني الأصل والترجمة أو بين الترجمتين.
      فاللغة العربية من أجل أن تستوعب التراث اليوناني والهندي والسندي والفارسي، كان لابد أن تكون على درجة كبيرة من السعة والتطور، ولابد أن يتوفر فيها بنى وتراكيب عقلية علمية على قدر كبير من التعقيد، تواكب جميع ما لدى تلك اللغات. ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، الترجمة إلى لغة تفتقر للبنى المفاهيمية المتجذرة في اللغات المترجم منها؛ ولعل أكبر دليل على ذلك هو صعوبة الترجمة للغة العربية من اللغات الآوربية في الوقت الحالي نتيجة لافتقار اللغة العربية لمثل هذه البنى. فالترجمة من اليونانية والسريانية، على عكسها من الفارسية في بادئ الأمر، تمت على مستوى الأجناس اللغوية المتطورة، أي أجناس الكتابات الأدبية والفلسفية والعلمية التي سبق أن تطورت نتيجة لتمازج ثقافات مختلفة فيما عرف لاحقاً بالحضارة العربية الإسلامية. فالترجمة لم تكن، حسب رأينا، عاملاً حاسمًا في ظهور الحضارة الإسلامية، وإنما لعبت دوراً ثانوياً فقط في إثراء التراث العربي والإسلامي.
      ويشبه السيميائي لوتمان (1990) عملية التثاقف بين أي حضارتين (acculturation) بالدخول في حوار تكون فيه إحدى الحضارتين نشطة مثلها مثل المتكلم والأخرى أقل نشاطاً وتكون بمثابة المتلقي. وهو يرى أن ذلك الحوار يمر بخمس مراحل: في الأولى، تدخل النصوص إلى الحضارة المتلقية وتحافظ على نكهتها الأجنبية وتبدو كنصوص غريبة. أما المرحلة الثانية، فهي تتمثل في اندماج واستيعاب هذه النصوص في الثقافة المتلقية وتشكيلها نصوصاً محلية بالاختلاط بالنصوص الأصلية للثقافة المحلية لتشكل نصوصاً جديدة. والمرحلة الثالثة تتمثل في النظر إلي النصوص المندمجة على أنها نصوص أكثر أهمية وقوة من النصوص الأصلية التي دخلت الثقافة للمرة الأولى وتبدأ مرحلة نقد وتقويم لتلك النصوص. أما المرحلة الرابعة فعندما يتم تأصيل هذه النصوص وجعلها جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المتلقية يصعب فهمها خارجها. ثم تأتي المرحلة الخامسة والأخيرة عندما تبث الثقافة هذه النصوص إلى الثقافات الأخرى كنصوص جديدة أصيلة. وفي رأي لوتمان فإن عملية المثاقفة أطول وأكثر تعقيداً من عملية الترجمة أو النقل المباشر.
      وربما يكون أغلب التراث العلمي الذي اعتمدت عليه أوربا الوسيطة، وخاصة ما ادعى البعض بأنه تراث إغريقي، هو تراث ذو جذور إغريقية وشكل عربي، أي أنه يتكون من مجموعة نصوص قد بلغت المرحلة الخامسة من التثاقف التي قصدها لوتمان وأصبحت نصوصاً جديدة أصيلة بعيدة عن أصولها السابقة. وتذكر مينوكال (1987) أنه بالرغم من كون الأندلس كياناً ثقافياً اختلط فيه الثقافة الإسلامية بثقافات غير إسلامية ناقض بعضها الإسلام بشكل واضح، فقد كان "عمل أرسطو، على سبيل المثال، يعد حتى فترة متأخرة من القرن الثالث عشر وقد يتعدى ذلك في بعض الحالات، جزءاً من مدار الثقافة العربية،… وأن ترجمات ابن رشد وفهمه لأرسطو هي التي ألقت بالمجتمع الأوربي في دوامة القرن الثاني عشر." وربما لم يتسن لأوربا، فهم العلوم والفلسفات اليونانية، كما هو الحال بالنسبة لأرسطو وابن رشد، دون شروح فلاسفة وعلماء مسلمين عرب. وكان دانتي يطلق على ابن رشد لقب "الشارح"، أي الشارح لأرسطو.
      ويرى حوراني (1991) أن العباسيين نجحوا في جعل منطقة المحيط الهندي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط منطقة تجارية واحدة، بما في ذلك المناطق الإغريقية. وهم بذلك جمعوا الحضارات الفارسية والهندية والإغريقية بعضها ببعض. ولذلك يرى حوراني صحة ما يقال بأنه في ذلك الوقت "وللمرة الأولى في التاريخ، أصبح العلم ممارسة علمية على نطاق واسع.
      وعليه يحق القول بأن الحضارة العربية الإسلامية التي تكونت مع بدايات الفتوحات الإسلامية واستمرت إلى تفكك الدولة العربية الإسلامية وظهور الحكم العثماني التركي هي حضارة فريدة أصيلة مبدعة أسستها مئات الأعوام من الجهد والبناء.
      فقوى الجذب للغة العربية كانت في أوجها في ذلك الوقت، واللغة العربية كانت لغة محورية بالنسبة لجميع اللهجات واللغات المجاورة بما في ذلك اليونانية، و أن إسهامات علماء العرب والمسلمين مثل الرازي، وابن سينا وابن النفيس، وابن رشد، وابن خلدون وغيرهم كثير هي إسهامات خلاقة مبدعة لا علاقة لها بالترجمة من الإغريق أو غيرهم، وأن بعض هؤلاء بالرغم من كونهم مسلمين من جنسيات متعددة غير عربية أسهموا بكتاباتهم في خلق حضارة إسلامية ذات بعد عربي، لأن اللغة، حسب فهم باختين لها، تشكل بعداً معيناً يمكن من خلاله تكوين نظرة أيديولوجية خاصة للعالم الخارجي. واللغة العربية كانت في ذلك الوقت المرآة التي يرى فيها الآخرين أنفسهم والكون من حولهم.
      والحقيقة إن القول بأن الحضارات يمكن أن تؤسس على الترجمة هو قول فيه الكثير من المبالغة وهو قول غير دقيق، لأن الحضارة حركة ثقافية، علمية، تقنية ذات طابع تراكمي تاريخي واجتماعي تتجاوز بكثير أي حركة ترجمة مهما كان حجمها. وإذا كنا نقول إنه لا يمكن إرجاع الحضارة العربية الإسلامية للترجمة من أي حضارة كانت بالرغم من أن احتكاك الحضارة الإسلامية بغيرها من الحضارات كان عاملاً مهماً في ذلك، فإن هذا القول أيضاً ينطبق على القول بأن الغرب أخذوا حضارتهم من العرب لأن الأوربيين ترجموا الكثير من الكتب العربية. ففي هذا القول أيضاً مغالطة وتجاهل واضح لكيفية تطور الحضارة الآوربية التي كانت نتيجة لتطور تاريخي بطيء، وصراع طويل بين الكنيسة ورجال العلم، وهي استندت كثيراً على اكتشاف الآلات العلمية الحديثة واعتماد المذهب العلمي التجريبي، والكشوف الجغرافية، وظهور النزعة الإنسانية في الفكر الغربي (literae humaniores) .

      مرحلة الركود:

      بدأت الحضارة العربية الإسلامية في القرن الحادي العشر الميلادي تدخل مرحلة من الركود والضعف والتفكك نتيجة للصراعات المتكررة على الخلافة، واستجلاب الموالي من الشعوب الأخرى كالأتراك الذين استقدمهم الخليفة المهدي من فرغانة و بلخ و سمرقند ليوازن بهم الفرس، وأسكنهم في "سر من رأى" بالقرب من بغداد لشراء ولائهم بالمال، مما أدى إلى تعاظم نفوذهم في عهد المأمون والمعتصم، وفي عهد الأخير كان الجيش الإسلامي من الأتراك. أما في عهد المتوكل فكانوا هم الحكام الحقيقين.


      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4
        وبينما كانت اللغة العربية والدين الإسلامي هما الرابطتين اللتين تشدان الكيان الضخم للدولة الإسلامية، وتوحدان الرؤى الأيديولوجية المختلفة للشعوب الإسلامية، حيث لم تكن القوة وحدها قادرة على الحفاظ على هذا الكيان، فقد أصبح الكيان ضعيفاً ليس لأسباب عسكرية فقط وإنما لظهور التفكك أيضاً على مستوى الأيديولوجيات الفكرية واللغة والدين. فتعددت المراكز اللغوية والأيديلوجية في العالم الإسلامي. وفقدت العربية الكثير من بريقها وقوتها الجاذبة لتمكن الفرس والترك من الدولة الإسلامية وتملكهم عوامل القوة فيها. وفقد العرب والعربية بريقهم، وثقتهم في أنفسهم مما سهل السيطرة عليهم. فظهرت الحركات الشعوبية المختلفة التي تطالب بالعودة إلى تراثها ولغتها السابقة للإسلام لاسيما في بلاد فارس وخراسان. كما ظهرت المذاهب المختلفة في الدين التي تحمل وجهات نظر مختلفة في أمور الخلافة والحكم وشجع بعض الولاة بعض وجهات النظر هذه لأسباب غالباً ما كانت سياسية ونفعية في المقام الأول. فظهرت الدولة البويهية الشيعية في الشرق، والفاطمية في مصر، والسلاجقة السنيون في بغداد وبلاد الشام 1055م، ودولة الموحدين، في المغرب، والأباضية في جنوب شرق الجزيرة، والزيدية في جنوبها، كلها دول قامت بدعم من التفكك المذهبى الذي اعترى الدولة الإسلامية، ونتيجة لضعف السلطة المركزية.
        وشمل التفكك أيضاً الدولة العربية في الأندلس التي تقسمت إلى ممالك صغيرة. وكان هذا حافزاً لشعوب أخرى غير متحضرة كالمغول والأتراك لغزو الدولة الإسلامية ، فقضي المغول على الخلافة العباسية في عام 1258م. ودخلت الحضارة العربية الإسلامية مرحلة عدم التوازن، فتعاقبت الدول والممالك على الأمصار العربية إلى أن جاء الحكم العثماني.
        ويجدر بالذكر هنا أن اللغة العربية الفصحى عندما عمت الدولة الإسلامية وأصبحت اللغة الوسيطة للعلم والثقافة والإدارة، لم تقض نهائيًّا على اللغات واللهجات الأخرى وإنما بقيت هذه اللغات واللهجات كوسائط ثانوية للتخاطب خاصة في الأرياف وبين العامة. ولكن ظهور المد الشعوبي وتفكك الدولة الإسلامية وابتعاد الأقاليم عن المركز ساهم في تزايد قوى الطرد اللغوي (centrifugal forces) مما أدى إلى تقلص أهمية اللغة العربية الفصحى، وظهور حركات إحياء للغات أخرى كالفارسية والهندية والسندية وغيرها، لاسيما وأن الحكم في العالم الإسلامي انتقل إلى مجموعات غير عربية هي في الغالب تركية.
        والمعروف أن السلاجقة والأتراك على حد سواء كانوا اتخذوا من الفارسية وليست العربية لغة للبلاط والدولة، وكانت الفارسية أيضاً هي لغة الدولة البويهية، أما الدولة الأيوبية في مصر (569-650هـ، 1174-1353) فكانت لغة البلاط فيها هي التركية. و من الملاحظ أن العرق العربي في ذلك الوقت كان قد فقد البريق الذي تمتع به في صدر الدولة الإسلامية وانعكس ذلك على اللغة العربية التي بدأت تفقد جاذبيتها للمثقفين والأوساط الحاكمة، ويذكر حسين المصري أن المماليك في مصر كانوا يحتقرون العرب بشكل كبير.
        وقد توالت الفتوحات العثمانية للعالم العرب والإسلامي بعد معركة مرج دابق 1516م وانتصارهم على السلاجقة وفتح بلاد الشام ثم تقدموا إلى مصر و فتحوها بعدها بعام وقضوا على دولة المماليك هناك، وتلتها العراق 1534م، الأحساء 1555م، وعدن 1547م، ثم تلمسان 1556م. و تزامن ذلك مع بداية الاكتشافات الجغرافية الغربية وتطور أساليب الملاحة، وكذلك سقوط آخر ممالك المسلمين في غرناطة وطرد المسلمين نهائياً من أسبانيا عام 1492م. وحكم الأتراك المناطق العربية مدة تقارب أربعة قرون، وكانوا يعتبرون أنفسهم أئمة لسائر الأمة الإسلامية، وكان الباب العالي يسمى دار الإمامة، هناك إدعاء عثماني فيما بعد، تدور حوله الشكوك وهو أن الخليفة العباسي المتوكل تنازل للسلطان سليم عن الخلافة فجمع العثمانيون بعد ذلك لقب الخلافة مع لقب الإمامة والسلطنة.
        وفي البداية تبنى الأتراك الفارسية لغة للدواوين والتشريعات والجيش والعلوم الطبيعية والفنون والعمارة، وبقيت اللغة التركية المطعمة إلى حد كبير بالفارسية والعربية لغة البلاط والأسر الحاكمة، بينما استمرت اللغة العربية لغة الدين والعلوم الشرعية والقضاء. ولكن العربية حافظت على مكانتها في ذلك الوقت في المغرب العربي وفي ما تبقى من الجيوب الإسلامية في أسبانيا حيث بقيت هي لغة الحكم والتشريع والثقافة حتى بين البربر سكان المناطق الجبلية. وذلك لأن ميزان القوة في علاقة العرب بالشعوب الأندلسية كان في صالح العناصر العربية الحاكمة. وكانت للغة والثقافة العربية جاذبية في تلك الأنحاء، وصورة العربي في عين الآخر صورة متفوقة.
        ولم تكن الدولة العثمانية في أواخر حكمها تهتم بالعلم والتعليم وخاصة في الدول التي خضعت لهم ومن بينها الدول العربية لاسيما سوريا والعراق التي تمسك بها الترك بشدة لكونها تدر علي خزانة الباب العالي أموالاً طائلة. ولذلك عم التخلف البلاد العربية ومنها أيضاً التي لم تكن تحت الاستعمار التركي المباشر مثل وسط الجزيرة العربية وذلك نتيجة لتخلف الدول المحيطة بها. وقد أبقى الترك العالم العربي، كجزء من الإمبراطورية العثمانية، معزولاً عن بقية العالم قرنين من الزمان، وكانت ولاية الأقاليم في أواخر الحكم العثماني تباع عن طريق المزايدة، و كان الفساد مستشرياً في هذه الأقاليم.
        وكانت تركيا فعلياً غافلة تماماً عن الاكتشافات العلمية والطبية التي كانت تتسارع في البلدان الأوربية، وكانت في القرن الثامن عشر متخلفة عن أوربا بقرن من الزمان فالاختراعات و الاكتشافات العلمية الكبيرة التي حققتها أوربا في القرن السابع عشر في مجالات العلوم والطب لم تعرف في تركيا إلا في القرن الثامن عشر. وقد كانت هناك محاولة لتحديث الجيش فقط في أواخر هذا القرن نتيجة تلقيه هزائم نكراء في القرم والبلقان نتيجة لتخلف تدريبه وعتاده، ولكن ذلك جوبه بمعارضة شديدة من بعض رجال الدين المتزمتين الذين رأوا في ذلك تشبهاً بالغرب.
        ولم تتم أي محاولة لإصلاح الإدارة إلا في أواخر القرن التاسع نتيجة لانسلاخ معظم أقاليم الدولة العثمانية عنها ودخولها تحت سيطرة الدول الأوربية مباشرة، ونتيجة لفقدان الباب العالي الكثير من السيادة الوطنية على أراضي الإمبراطورية العثمانية المريضة آنذاك.
        وكانت اللغة التركية في ذلك الوقت هي اللغة الرسمية للدولة ولغة التعامل والمعاملات، وكانت هي أيضاً لغة التعليم في المدارس. وكانت اللغة التركية هي أيضاً لغة الصحافة، فكانت صحيفة "الوقائع الرسمية" التي صدرت في القاهرة في عام 1828م تصدر بالتركية، وكذلك الحال بالنسبة لصحيفة "الرائد التونسي" وصحيفة "طرابلس الغرب" الليبية، و"الزوراء" العراقية. ثم ألحق في بعض هذه الصحف ملاحق عربية فيما بعد.
        ولم تظهر طيلة أيام هذه المرحلة أي بوادر تدل على مطالبة العرب بالتعريب، أو وعيهم بأهميته، وكانت الثقافة العربية الغير تركية في معظم الأقاليم العربية ثقافة غير مكتوبة وأداتها اللهجات العامية المختلفة. ذلك بالرغم من أن الإصلاحات التي أرغمت الدولة العثمانية على القيام بها في عام 1856م نصت على المساواة بين جميع رعايا الدولة العثمانية بغض النظر عن ملتهم أو دينهم، وكانت الدول الغربية تتحرك لدعم وحماية الرعايا المسيحيين الذين يتبعون لها داخل الدولة العثمانية، وكان للعرب المسيحيين جزء كبير من هذه الحماية، فسمح لهم بفتح مدارس خاصة بهم، وكانت هذه المدارس تعلم اللغة والأدب والتاريخ العربي من منطلق قومي بحت مما مهد لظهور حركة الإحياء العربية. هذا في الوقت الذي كان فيه العرب المسلمون محرومين من حق فتح المدارس الخاصة بهم بالرغم من قيام طوائف أخرى كالبلغار والأرمن بفتح مدارس خاصة بهم، وكانت حجة الدولة العثمانية هي أن قوانين الإصلاح لا تنطبق عليهم كونهم مسلمين.
        وكانت رغبة الدول الغربية في إضعاف الكيان العثماني وكذلك لزيادة نفوذها بين الأقليات التي يحكمها الأتراك دافعاً رئيساً لدعم الاتجاهات القومية والعرقية الغير العثمانية، فالحملة الفرنسية على مصر في عام 1798م وزعت منشورات تحث الأهالي العرب على الثورة على الوالي الغريب التركي وتذكر العرب بماضيهم المجيد. واصطحب نابليون معه بعثة علمية من بحاثة وعلماء ومستشرقين أحضروا معهم مخطوطات وكتب وخرائط باللغة العربية ومطبعة باللغة العربية طبعت إضافة إلى المناشير السالفة الذكر بعض الكتب في الطب والعلوم الأخرى بالعربية، وأسست البعثة كذلك مجمعاً علمياً مصرياً كان أول مجمع من نوعه في مصر.
        وقد أشاد المؤرخ الجبرتي بهؤلاء العلماء وحسن تعاملهم مع الأهالي واستعدادهم لتزويد المهتمين بشتى أنواع المعرفة. إلا أن هذه الحملة لم تعمر طويلاً فقد التف الإنجليز حولها وألبوا المماليك عليها وتحالفوا معهم للقضاء عليها في أول تحالف تركي مع دولة غير مسلمة، وذلك بسبب بروز الأهمية القصوى للقطن المصري لمصانع النسيج البريطانية في "لانكشاير"، و قد قام الإنجليز بضرب الأسطول الفرنسي في معركة "أبي قير" وبهذا تم القضاء على هذه الحملة. ولكن أثر هذه الحملة في محاولة الإصلاح التي قام بها الحاكم المملوكي في مصر آنذاك محمد علي باشا 1805م استمر كعامل أساسي في إذكاء وعي عرب مصر بهويتهم وأهمية لغتهم. و كان مبعث حركة الإصلاح المملوكية في مصر هو هزيمة الجيش المملوكي بسهولة متناهية ضد الفرنسيين وعجزهم عن الدفاع عن الأراضي المصرية مما حمل محمد علي على تحديث هذا الجيش، كما أن الحملة الفرنسية ساهمت في إعادة صياغة العلاقات العربية-التركية في مصر لأن العرب جربوا لفترة وجيزة حكماً غير تركي. كذلك تغيرت طبيعة العلاقات التركية-التركية بين مصر والباب العالي لعجز الأخير عن الدفاع عن مصر ضد الغزاة الكفرة.
        يضاف إلى ذلك أن الإنجليز أبدوا اهتماماً بتطوير زراعة القطن في مصر وشرائه، واهتم المماليك بتطوير صناعة نسيج القطن في مصر لنفس السبب. وقد قام محمد علي بتطوير الإدارة في الداخل، و أرسل بعثات علمية لأوروبا. وجلب كتباً غربيةً في مجالات الزراعة والهندسة لتعليمها في مصر. ولكن اللغة التركية بقيت هي اللغة الرسمية للدولة. فكانت تلك المرحلة مرحلة ازدواج لغوي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وكان محمد على يطلب من كل مبتعث ترجمة كتاب إلى التركية أو العربية، وكانت مدرسة الألسن التي أنشأها محمد علي في عام 1835م تترجم للعربية والتركية، وليس للعربية فقط كما يرد في بعض أدبيات التعريب. وقد لوحظ أن الكثير من الأهالي في مصر وسوريا و الحجاز، خاصة في الحواضر يتكلمون بلسان مزدوج من التركية والعربية، ولكن تأثر العربية بالتركية كان أوضح على اللغة العامية منه على اللغة المكتوبة.
        ولاشك أن طول مدة الاستعمار التركي عموماً وتهميش دور اللغة العربية، واحتقار الأتراك للعرب قد أسهم بشكل كبير في المشاكل اللغوية التي تعاني منها اللغة العربية الآن. إذ إن الأتراك لم يسهموا في تخلف العرب فقط، ولكنهم أيضاً أسهموا في تخلف اللغة العربية وتغريبها عن العلوم العالمية المعاصرة لمدة ما يقارب خمسة قرون. والعهد التركي بامتداده الطويل أسهم في خلق حالة الازدواج اللغوية التي تعاني منها الأمة العربية الآن.
        فالأتراك حصروا استخدام العربية على العلوم الدينية والشرعية، وفصلوا لأول مرة في التاريخ الإسلامي بين اللغة العربية والعلوم الدنيوية التي كان تدريسها مقصوراً على الأتراك في الآستانة ويتم باللغة التركية أو الفارسية. ولم يكن يخالط العرب شك في كونهم عثمانيين، وكانوا يعتبرون أنفسهم عثمانيين عرباً. وقد تخلوا بصورة شبه تامة وبشكل غير مسبوق عن هويتهم العربية، وتماهوا إلى درجة كبيرة في هوية الآخر التي هي الهوية التركية، فاضمحل شعورهم القومي ووعيهم بذاتهم، وبالتالي ضعفت لغتهم والتحقت بالمركز اللغوي التركي، ثم جاء الاستعمار ليبقى الوضع كما هو، ويجد الطريق ممهداً لتدريس هذه العلوم بلغته المختلفة لتستمر تلك الازدواجية التي نعاني منها حالياً.

        البدايات الحقيقية لحركة التعريب:

        كان القرن التاسع عشر هو عصر هيجل، و نيتشه، وداروين، أي عصر تسيد النموذج التاريخاني الارتقائي لجميع مجالات البحث العلمي بما في ذلك البحث اللغوي. فكان البحث الفيلولوجي التاريخي في أصول وصلات اللغات بعضها ببعض هو النموذج السائد في أوربا، قد فرضت الحركة الرومانسية رؤية للقومية على أنها تشكل مع اللغة كياناً واحداً لا يمكن فصله وصورت اللغة على أنها مرآة عبقرية وتطور الأمة الناطقة بها، وأن اللغة تتجاوز الفرد وتعكس روح الأمة وتطورها، و من هذا المنطلق أيضاً قال الرومانسيون بعدم قابلية الترجمة بين اللغات. وفي علوم الإناسة ظهرت الآراء التي تشبه الشعوب من حيث تطورها بأطوار نمو الإنسان. فبعض الشعوب كان ينظر إليها على أنها ما زالت في مرحلة الطفولة الحضارية. وفي هذا القرن بدأت معظم الحركات العنصرية الأوربية.
        وعندما انحسر الحكم التركي وخرج العرب من العباءة العثمانية لا حول لهم ولا قوة و بدأوا يتحسسون هوية جديدة غير عثمانية فلم يكن أفضل من العودة إلى الجذور القديمة لاسيما وأن التاريخ القديم أنصع وأنقى وأدعى للفخر من الوضع الجديد ولذلك كان موضوع "البعث" لأمجاد الأجداد هو شغلهم الشاغل، حتى أن هذه الكلمة أطلقت على أحزاب سياسية عديدة بعضها لازال قائماً اليوم. وكانت بدايات الأدب العربي الذي ولد حديثاً في ذلك الوقت تعبر عن إعادة وعي العرب بكيانهم ومكانهم في العالم الحديث الذي انفتحوا فجأة عليه، وكان المحور الأساسي لهذا الأدب هو اللغة العربية ذاتها.
        وهذه الحركة اكتسبت زخماً خاصًا نتيجة لتلكؤ السلطات العثمانية في تنفيذ إصلاحات عام 1856م وتراجع السلطان عبد الحميد الثاني عن هذه الإصلاحات كلية إلى عام 1908م، وكانت أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هي عصر تنامي الروح القومية وإثارة العصبيات على مستوى العالم أجمع، وفي هذا القرن أدت الروح العصبية القومية إلى قيام حربين عالميتين. ويجب هنا ألا ننسى الدور الأوربي في إذكاء هذه الروح بين العرب وغيرهم نكاية بالدولة العثمانية.
        خرجت الأمة العربية من الحكم التركي الذي عزل اللغة العربية لتدخل تحت نير الاستعمار الذي همشها، فهم القوى الاستعمارية الأول كان إيجاد كوادر محلية تخدم مصالحه وتتكلم لغته تكون واسطة بينه وبين الأهالي. وبدأ العرب، وهم حديثو العهد بإحساسهم القومي، يتوجسون خيفة طغيان اللغات الأوربية على لغتهم القومية. فكان هذا أيضاً عاملاً إضافياً لتأجيج حركة المطالبة بـ "البعث اللغوي"، إذا جازت لنا التسمية.
        وكان هدف التعريب ليس فقط استحداث ألفاظ عربية لمفردات أجنبية وإنما أيضًا وضع مفردات ومصطلحات إدارية لتحل محل المصطلحات التركية والفارسية المستخدمة آنذاك في الدوائر الحكومية، وكان هذا هو أحد الأهداف المعلنة لمجمع اللغة العربية الأول في دمشق.
        و هنا يجدر الذكر بأنه في بدايات النزعة العروبية، كانت الصبغة القومية هي التي تطبع مطالب العرب جميعاً بمختلف اتجاهاتهم بما في ذلك التيار الإسلامي فقد كان عبد الرحمن الكواكبي يري عدم أحقية العثمانين بالخلافة وأسبقية العرب عليهم في ذلك الحق، بينما كان حسن البنا 1928م يرى أن العرب هم "عصب الإسلام وحراسه" ويدعو بحماس إلى وحدة عربية.
        و كان لابد لبرنامج البعث العربي الذي تطلعت له الجماهير العربية من قضية يلتف حولها العرب دون غيرهم ممن شاركوهم تاريخهم الطويل الحافل، مثل الفرس، والأتراك الذين يشاركونهم الدين الإسلامي، فلم يكن هناك غير اللغة العربية، التفوا حولها وجعلوها القضية المركزية، وهذا ما جسده أمين أبو خاطر في مقالة في مجلة "المقتطف" 1913م بقوله: "فالجنسية لا تعرف من صفات الفرد إلاً ما ندر والشرائع والنظامات لا تحدد الجنسية حداً صحيحاً فاصلاً… بل ما يحددها هو اللغة لأن بها وحدها يصبح الإنسان عضواً من شعب خاًص" . وفي ذلك الوقت ظهرت أيضاً المجامع اللغوية العربية، في سوريا 1913م، وفي مصر 1923م.

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #5
          وهنا يمكن القول بأن تمحور الشعور القومي العربي في بدايات نهضة الأمة العربية لم يأت من فراغ، وإنما كان لثلاثة أسباب رئيسة: الأول، لأنهم كانوا يبحثون عن شيء يجمعهم كعرب ويميزهم عن العثمانيين الذين سئم العرب العيش تحت حكمهم مع أنهم يشاركونهم الدين؛ الثاني، كان كثير من زعماء حركات الإحياء العربي من غير المسلمين الذين تعلموا في الأديرة و في مدارس الإرساليات المسيحية في مصر وسوريا ولبنان؛ الثالث، تأثر العرب بحركات البعث القومية الأخرى في أوربا والبلقان وروسيا، خاصة وأن الكثير منهم كان قد سافر إلى الخارج.
          وكان موقف العرب من اللغة العربية رومانسياً إلى حد كبير، وهو موقف مزدوج تأرجح بين أكثرية تنادي بإحياء اللغة العربية وتدعو لتنقية الفصحى ومحاربة العامية، وهي الأكثرية التي تكره الأتراك وترفض الاستعمار. وهناك من بلغ به التطرف حد رفض التعريب ذاته بحجة كونه مفسداً للغة العربية، ومن هؤلاء الشيخ أحمد الإسكندري الذي كتب في مجلة "المنار" 1908م خطاباً حذر من تفشي الإفراط في التعريب، وهو يقصد إدخال الكلمات الأجنبية في اللغة العربية، وحذر من أن استمرار هذا النهج سوف يؤدي إلى ذوبان اللغة العربية في اللغات المستوردة مثل ما "اندمجت لغة بقية العرب في لغة الأسبانيولية وعرب جاوة في لغة الملايو واللغة القبطية ورومية سورية في لغة العرب"، ويصف الشيخ السكندري تفشي ظاهرة إقحام الألفاظ والتعابير الأجنبية في اللغة العربية وخاصة في جرائد ذلك الوقت ويورد أمثلة على ذلك من قبيل "تلفنا بنك أنجلو اجبشان ليميتدبان أحد البناكير تلغرفه بعمل برنستو علينا"، و " أترمت الى أوتيل ميناهوس حيث رأينا تيلونوتوجرافيين يلفجرون متش الجمال ثم رجعت متنبلا الى الكازينو.." ويرى الشيخ السكندري التعريب على أنه فساد في اللغة ويقترح الترجمة والتجوز بدلاً منه "صيانة للغة من مفاسد العجمة"
          أما الفئة الثانية فهي الأقلية النخبوية، التي خلفها الاستعمار لحماية مصالحه، أو الفئات التي تأثرت تأثراً كبيراً بالثقافات الغربية في مدارس الإرساليات الأجنبية أو التي عاشت في أوربا، وهذه الفئة تمثل الجانب الآخر للنظرة الرومانسية للغة وترى في اللغة العربية سبب تخلف الأمة العربية وتدعو لتبني العامية وكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية. ومن الفئة الأخيرة "أنيس فريحه" ، وشكري الخوري، ومارون غصن، وسعيد عقل وغيرهم.
          وقد كان هناك أيضاً من غلبته فكرة ضرورة التعليم باللغة الأجنبية كضرورة للنهوض بالأمة العربية مثل خليل أبي أسعد الذي كتب يقول:
          "إن من قلب فكرته العارية من أسمال التعصب وأعمل جنانه المزمل ببجاد الاستقامة لايجاد ذريعة حسنة تتكفل بإيضاح عميم المعارف والتمدن إلى قلوب أبناء العرب الناطقين بالضاد بأسرع ما يمكن من الوقت وأسدد ما يوجد من الطرق نادى على رؤوس الملأ مصرحاً بوجوب تعليم إحدى لغات الممالك الأجنبية المتضلعة في العلوم والتمدن تعليماً مدققاً في جميع المدارس العربية" ويبرر أبي أسعد منحاه بأسباب عديدة منها كون الإنجليزية لغة غنية بالمعارف، ولأن التعلم بها سوف يدخل تمدناً حقيقياً إلى الأقطار العربية، إضافة لكونها سهلة، وممتدة إلى أكثر ممالك العالم وبها يسهل العامل التجاري.
          ووصف جبران ارتباط الوضع اللغوي بالاستعمار وصفًا دقيقًا بقوله "… كان التعليم يأتينا من الغرب بشكل الصدقة، وكنا لا نزال نلتهم خبز الصدقة لأننا جياع متضورون، ولقد أحيانا ذلك الخبز، ولما أحيانا أماتنا. أحيانا لأنه أيقظ بعض مداركنا ونبه عقولنا، وأماتنا لأنه فرق كلمتنا ,أضعف وحدتنا وقطع روابطنا… فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية قد تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرع رشفة من العلم في مدرسة يسوعية صار سفيراً فرنسياً، والشاب الذي لبس قميصاً من نسيج مدرسة روسية أصبح ممثلاً لروسيا… وأعظم دليل على ما تقدم اختلاف الآراء وتباين المنازع في الوقت الحاضر في مستقبل سوريا السياسي، فالذين درسوا بعض العلوم الإنكليزية يريدون أمريكا وإنكلترا وصية على بلادهم، والذين درسوا باللغة الإفرنسية يطلبون فرنسا أن تتولى أمرهم والذين لم يدرسوا بهذه اللغة أو بتلك لايريدون هذه الدولة ولا تلك، بل يتبعون سياسة أدنى إلى معارفهم وأقرب إلى مداركهم " ، و ثم يستطرد جبران ليعزو ذلك الميل السياسي إلى عاطفة رد الجميل، وهي عاطفة حسب رأيه "تبني حجراً من جهة واحدة وتهدم جداراً من الجهة الأخرى"


          الخلاصة:
          بعد هذا العرض التاريخي المقتضب بعض الشيء، والذي يحاول وضع قضية التعريب في إطارها التاريخي الصحيح، المستند على الوقائع والظروف التي واكبت تطور اللغة والمجتمع العربيين، يمكن القول، كما وضحنا سابقاً، بأن التعريب، بالمفهوم المقصود في أدبيات التعريب في أيامنا، خلافاً لما يعتقده الكثير ممن كتبوا في هذه المسألة، لم يكن له وجود في العصور الإسلامية الغابرة بالرغم من تداخل الثقافة العربية مع الفارسية بشكل كثيف وموسع، وبالرغم من أن الحضارة العربية الإسلامية، في عصرها الذهبي بين القرن الثاني والرابع الهجري، قامت بترجمة الكثير من الكتب من الحضارات المختلفة ودخلتها الكثير من المفردات الأجنبية.
          كما يمكن القول بأنه ليس هناك أي دليل على وجود تعريب منظم، ولا تخطيط لمثل هذا التعريب. وكون بعض أدبيات اللغة العربية قد وصفت ما يطرأ من تغير على بعض الكلمات الأجنبية التي استعارتها اللغة العربي بحكم تداخل العرب وتعايشهم مع غيرهم من الأقوام (ما سمي بظاهرة الدخيل) بأنه تعريب، فهذه الكلمات تغير شكلها كتحصيل حاصل نتيجة لاستخدامها في بيئة لغوية جديدة ونظام لغوي جديد، وهي نتيجة طبيعية للاقتراض اللغوي. ولم تورد أدبيات التعريب المختلفة أدلة كافية على وجود محاولة تدخل مقصودة لتغيير هذه الكلمات أو تغيير مجرى اللغة العربية عموما.، ولذلك فربما يكون من التعميم المفرط الافتراض الذي يتردد كثيراً في بعض أدبيات التعريب من أن العرب عربوا فنهضوا.
          كما أن الحرص على عدم اللحن ومحاولة تعليم الأبناء العربية الصحيحة، كما يرد في مصادر تاريخ العربية كان مقصوراً علي أبناء الولاة وميسوري الحال، بينما كان اللحن متفشياً بين العوام وفي الأقاليم. وعلى ما يبدو فإن هناك وللأسف نوعاً من الإسقاط من الحاضر على الماضي عند التطرق لهذه المسألة بين المعاصرين.
          وعندما نعرف أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك لا كهرباء ولا مطابع ولا سيارات ولا هواتف، ولم يكن هناك مدارس أو جامعات بالمعنى المفهوم، وعندما نقدر المستوى العلمي والتقني في ذلك الوقت تقديره الحقيقي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن تعلم العربية من قبل بعض الأقوام الأخرى نتيجة دخول الإسلام لا يعتبر تعريباً ولا يدخل ضمن المفهوم المتداول لهذه الكلمة نستطيع عندئذ وضع تصور حقيقي للوضع اللغوي في ذلك الوقت بما في ذلك حركة التعريب.
          وعليه فإننا نعتقد أن البدايات الحقيقية لظاهرة التعريب ليست صدر الإسلام أو قرون الحضارة العربية الإسلامية الأولى، أو عصر المعتصم أو المأمون، كما هو الاعتقاد الشائع.
          و إنما البداية الحقيقية للتعريب هي، على الأرجح، أواخر القرن التاسع عشر، التي هي بداية ظهور حركة الإحياء اللغوي العربي والتي توافقت مع بروز المد القومي العربي ومحاولة الثورة على الاضطهاد والتفرقة العنصرية والسياسية التركية ضد العرب ولغتهم.
          ونحن هنا، وهذا يجب أن يكون واضحاً وضوح الشمس في وقت الضحى، لا نريد التقليل من أهمية التاريخ العربي الإسلامي أو منجزات الحضارة العربية الإسلامية، ولكننا نود أن ننبه إلى أن المبالغة في الكلام عن شيء ما هي صنو التقليل من أهمية ذلك الشيء. والوعي بأن التعريب قضية حديثة نسبياً لا يقلل إطلاقاً من أهميتها، وإنما يساعدنا على فهمها فهماً حقيقياً، إذ إن أدبيات التعريب في أيامنا هذه، كما يتضح مما ذكرنا، لا تختلف كثيراً عنها أيام بدايات التحرر العربي، وهنا مجال للتأمل لما تم تحقيقه في هذا المجال من ذلك الوقت حتى الآن.
          ويمكن أن نخلص بطريق غير مباشرة إلى أن التعريب مرهون بنظرة متكلمي العربية لأنفسهم وموقفهم من لغتهم من ناحية وموقفهم من الآخر من ناحية أخرى. وقد لا يحتاج التعريب لهجوم على اللغة العربية لتطهيرها أو حشوها بالمقابلات المعجمية فيما يسمي مجازاً بـ "المصطلحات"، وإنما يتطلب تصحيحاً للعلاقة المختلة الآن إلى حد كبير مع الآخر الذي هو العالم الغربي، فربما يكون ميزان القوة اللغوي مرتبطاً بصفة كبيرة بموازين القوى الأخرى. لأننا وبعد ما ينيف على مائة عام على محاولات التعريب، نزداد تغريباً وغربة.


          ----------------------
          المراجع

          أبو خاطر، أمين "اللغة والجنسية"، ص 138، في "نجاح الأمة العربية في لغتها الأصلية"، يوسف قزما الخوري إعداد وتحقيق، بيروت: دار الحمراء، 1991 ، ص. ص. 136-143
          ابن منظور "لسان العرب"، الجزء الرابع، القاهرة: دار المعارف.
          أبي سعد، خليل "مقالة في وجوب تفضيل العرب التعليم في اللغة الإنكليزية عليه في ما سواها ولاسيما العريبة"، في "نجاح الأمة في لغتها الأصلية"، ص 10.
          البعلبكي، منير (1999) "المورد: قاموس إنكليزي-عربي"، بيروت: دار العلم للملايين.
          بروكلمان، كارل "تاريخ الأدب العربي"،الجزء الأول، ت. عبد الحليم النجار، القاهرة: دار المعارف.
          - "تاريخ الأدب العربي"، الجزء الثاني، ترجمة عبد الحميد النجار، ط2، 1968، القاهرة: دار المعارف.
          البشري، طارق "الخُلف بين النخبة والجماهير إزاء العلاقة بين القومية العربية والإسلام"، في "القومية العربية والإسلام"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1982م.
          الفيروزآبادي، مجد الدين "القاموس المحيط"، الطبعة الأولى، الجزء الثالث، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1991.
          الدبيان، محمد عبدالله (1993) "حنين بن اسحق: دراسة لغوية عربية"، الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية.
          الدوري عبد العزيز "الإسلام وانتشار اللغة العربية والتعريب" في "القومية العربية والإسلام " 1982 ، ط ث، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص ص 61-99، ص33.
          الحصري، أبو خلدون ساطع "البلاد العربية والدولة العثمانية"، بيروت: دار العلم، الطبعة الثالثة، 1965.
          جبران، خليل جبران "رد خليل جبران"، في "نجاح الأمة في لغتها الأصلية" ص ص 159-160.
          الاسكندري، أحمد "خطاب الشيخ أحمد الاسكندري في اللغة العربية "، المنار فبراير 1908، ص ص 887-903.
          شمام، محمد "المجامع اللغوية في العالم العربي ودورها في إثراء اللغة إفراداً وتركيباً"، دراسات الملتقي الرابع لابن منظور، تونس 1978م، ص 155.
          ظبيان، نشأة ، "حركة الإحياء اللغوي في بلاد الشام"، دمشق، 1976م.
          الزبيدي، أبو بكر محمد بن الحسن (ت319) "طبقات النحويين واللغويين"، الطبعة الثانية، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة: دار المعارف، 1984.
          الكاروري، عبد المنعم "التعريب في ضوء علم اللغة المعاصر: دراسة تحليلية للدخيل في اللغة العربية مع استنباط قوانين." جامعة الخرطوم،1986.
          آل ياسين، محمد حسين "الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث"، دار مكتبة الحياة: بيروت 1980.
          عبدالعزيز، محمد حسن "التعريب في القديم والحديث: مع معاجم الألفاظ المعربة"، دار الفكر العربي، القاهرة.
          عياد، شكري (1993) "كتاب أرسطو طاليس في الشعر: نقل أبي بشر متى بن يونس القنائي من السرياني إلى العربي"، {في الأصل رسالة دكتوراة كتبت في عام 1952} القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
          متولي، أحمد فؤاد "الألفاظ التركية في اللهجات العربية وفي لغة الكتابة"، القاهرة: دار الزهراء.
          المصري، حسين مجيب "صلات بين العرب والفرس والترك"، مكتبة الأنجلو المصرية، 1971، ص ص 65-72.
          مينوكال، ماريا روزا (1999) "الدور العربي في التاريخ الأدبي للقرون الوسطى: تراث منسي" ترجمة صالح بن معيض الغامدي، الرياض: جامعة الملك سعود.


          Berlin, Isiah (1976) Herder and Vico. The Hogarth Press, London
          Beiser, F. Hegel and the Problem of ****physics. In F. Beiser (ed.) Hegel. Cambridge: Cambridge University. Press. (1993), 271.
          Encyclopedia Britannica, Multimedia Edition. CD 98.
          Cazden C. B. (1989) Contributions of The Bakhtin Circles to ‘Communicative Commpetence’. Applied Linguistics, Vol.10, 2, p. 118. Oxford University. Press, pp 117-27.
          Hourani, Albert (1991) A History of the Arab Peoples, London: Faber & Faber.
          Foley, W. (1997) Anthropological Linguistics: An introduction. Oxford: Blackwell.
          Holiquest, M (1990) Dialogism: Bakhtin and His World, London:Routledge.
          Kelly, L. G. 1979 The True Interpreter: A History of Translation Theory and Practice in the West, Oxford: Blackwell.
          Lorenzer, Y (1976) Symbols and Stereotypes, in Paul Connerton (ed.) Critical Sociology. Middlesex: Penguin, (1976), pp. 134-52.
          Lotman, Y. (1990) Universe of Mind: A Semiotics Theory of Culture. London, Tauris.
          Monod, J. (1972) Chance and Necessity. London: Collins, P 24-26.
          Tambiah, S. J. (1990) Magic, Science, Religion, and the Scope of Rationality. Cambridge: Cambridge University Press.
          Todorov, Y. Mikhail Bakhtin: The Dialogic Principle, Trans. W. Godzich. Manchester: Manchester University press.
          Wasow, R. (1987) ******** and Meaning and Logic in the Renaissance. Princeton: Princeton Univ. Pr., p. 81.

          تعليق

          يعمل...