المصطلح والكلمة
من المفهوم إلى المعنى
د. أحمد خلدي
إنَّ هذا المخلوق البشريَّ الذي يتمتَّع بملَكة اللِّسان يستطيع أن ينتج اللغةَ، ويفهم اللُّغةَ في مجالات نشاط الحياة كلها، وهذا النَّشاط الذهنيُّ اللغويُّ يسمح لنا بأن نستخلص أمرين في غاية الأهميَّة؛ أولهما يتعلَّق بإنتاج اللُّغة في حدِّ ذاتها، أي: بقدرة الإنسان على أن يتكلَّم، وأن يبلغ ما يريد بواسطة اللُّغة، دون الحاجة إلى التعلُّم في المعاهد، أو الكليات، أو ما شابهها من مؤسَّسات بفطرته التي فطره الله عليها، وثانيهما: أنَّ اللُّغة من الأنساق الثقافية التي تدلُّ على قيمة العقل البشريِّ، وتُميِّزه عن باقي المخلوقات الأخرى، وما لديها مِن ملَكات؛ ولذلك يستطيع كلُّ مخلوقٍ بشَري أن يتواصل بواسطة اللُّغة الأم التي يكتسبها أول ما يَكتسب دون تعلُّمٍ للقواعد النحويَّة، أو البلاغية، أو الصرفية، أو الأسلوبية، أو ما شابه ذلك فطرة لا تعلُّمًا، ولكن الذي لا ينتبه إليه كثيرون هو: أنَّ هذا الذي يستطيع أن يتكلَّم بالفطرة دون تعلُّمٍ، يستطيع أيضًا أن ينتج مصطلحاتٍ مِن مجالات مختلفة مِن مجالات حياته دون تعلُّم، اكتسابًا وفطرة؛ ولذلك نلاحظ أن علماءنا الأولين كانوا ينتجون المصطلحات، ويتداوَلونها في علومهم، ويستعملونها في مجالات حياتهم، دون أن ينخرطوا في برامج تعليمية تعلِّمهم كيف يبنون المصطلحَ؟ وكيف يستعمل؟ وكيف ينمط؟ وكيف يصنَّف؟ وما إلى ذلك من القواعد والمبادئ الخاصَّة بعلم المصطلح، وهكذا نلاحظ أيضًا أن كلَّ شَعب، وكل أمَّة لها مصطلحاتها التي تتداولها، الخاصة بها، والدالَّة على هُويَّتها وإنسيَّتها، وحضارتها وثقافتها، وأصولها وتاريخها؛ ولذلك فأمر المصطلح أمر مهمٌّ؛ لأنَّه يدلُّ على قوة العقل البشريِّ، وطريقة عمله، ويدلُّ كذلك على الأمة، وحضارتها، وثقافتها، وعلمها، وإنتاجاتها عامة، فإذا كان العلماء الأولون يقولون: إنَّ المصطلحات مفاتيح العلوم، فإنه يمكن القول: إن المصطلح من أهمِّ المفاتيح التي يمكن معها فهم العقل البشري كيف يعمل؟ وكيف يكتسب العلوم؟ وكيف يتصوَّرها؟ وكيف ينتج المعرفةَ؟ وكيف يبني المعرفة؟ وكيف يتواصل بالمعرفة؟
إذًا، ما هو المصطلح؟ وما الفرق بينه وبين الكلمة؟ وما هي حدودُ الالتقاء والاختلاف بينهما؟
1 - مصطلح أم اصطلاح:
أ - مفهوم المصطلح لغة:
المُصطلح: اسم مفعول، يَرجع في أصله إلى مادة (ص ل ح)، وهي تدلُّ على معانٍ من بينها الصُّلح[1]، والاتفاق، والسلم، وضد الفساد، يقول ابن فارس (ت: 395هـ): "الصاد، واللام، والحاء، أصل واحد، يدلُّ على خِلاف الفساد"[2]، ولم يرِد هذا اللَّفظ "المصطلح"، ولا "الاصطلاح" في المعاجم القديمة، وإنَّما ورَد منها الفعل "اصطلح"، بصيغة (افتَعَل)، التي تدلُّ على المشاركة؛ يقول الجوهري (ت: 393هـ) في الصحاح: "وقد اصطلحا، وتصالحا، واصَّالحا أيضًا مشدَّدة الصاد"[3]، ويقول الزمخشريُّ (ت: 538): "وتصالحا عليه، واصطلحا"[4]، وهكذا، نجد المعنى نفسه عند ابن منظور (ت: 711) في لسان العرب؛ إذ يقول: "والصُّلح: تصالح القوم بينهم، والصُّلح: السِّلم، وقد اصطَلحُوا، وصالحوا، وتصالحوا، واصَّالحوا، مشددة الصاد، قلبوا التاء صادًا، وأدغموها في الصاد بمعنى واحد"[5].
يبدو مِن خلال المعاني اللغوية للاصطلاح، أنَّ المعنى يدور بين معانٍ، هي:
• نقيض الفساد؛ وهو ما نجده عند ابن فارس.
• الصلح والسلم؛ وهذا ما نلمسه عند ابن منظور.
• الاتفاق؛ وهو ما يشير إليه الجوهري، والزمخشري، وابن منظور.
وتجتمع الثلاثة الأخيرة، حول معنى واحد؛ هو نقيض الفساد، وأقرب هذه المعاني إلى المعنى المراد هو الاتفاق.
وانطلاقًا مما تَقَدَّم، فإنه يمكننا أن نُعطي تعريفًا تقريبيًّا للاصطلاح مِن الجانب اللغوي؛ بأنه "اتِّفاق بين اثنين أو أكثر على أمرٍ ما"، وهو ما صرَّح به الزبيديُّ (ت: 1205هـ) - مع الميل إلى التعريف الاصطلاحي؛ حيث أضاف عبارة التخصص - في تعريفه حين قال: "والاصطلاح: اتِّفاقُ طائفةٍ مخصوصة على أمرٍ مخصوص"[6].
ب - مفهوم المصطلح اصطلاحًا:
تبدو المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي جليَّة عند القدماء؛ حيث نجدهم يقيمون التعريفَ على مبدأ "الاتفاق"، وهو ما يعني أنَّ الاصطلاح لا بدَّ فيه مِن وجود الاتفاق، يقول الجرجاني (ت: 816هـ): "هو عبارة عن اتِّفاق قوم على تسمية الشيء باسمٍ ما، ينقل عن موضعه الأول"[7]، وهذا التعريف يبرز لنا ملاحظتين أساسيتين لا بدَّ من وجودهما في اللفظ حتى يأخذ صبغة الاصطلاحيَّة، وهما:
• وجود الاتفاق؛ وهذا يفيد أنَّ ما لم يحصل عليه اتفاق لا يدخل في الاصطلاح.
• وجود تحوُّل في المعنى للَّفظ المصطلح عليه، أو بعبارة أخرى: نقل لفظٍ مِن معنى أول إلى معنى ثانٍ.
ويبدو أنَّ التركيز على هذين العنصرين قد ظلَّ الطابع الأساسي، الذي يطبع تعريفات القدماء للاصطلاح؛ وذلك ما نستشفه من التعريفات الأخرى، التي أورَدَها الجرجانيُّ؛ مثل تعريفه بأنه: "إخراج اللَّفظ من معنى لغويٍّ إلى آخر لمناسبة بينهما"[8]، الذي ركَّز فيه على جانب النقل، أو تعريفه بأنه: "اتِّفاق طائفة على وضع اللَّفظ بإزاء المعنى"[9]، أو: "لفظ معيَّن، بين قوم معينين"[10]، ويلمس فيهما جانب الاتفاق، أو تعريفه بأنه: "إخراج الشيء مِن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد"[11]، الذي أضاف الغرض من استعمال الاصطلاح.
وعمومًا؛ فإنَّه يمكن القول: إنَّ مَن جاء بعد الجرجاني قد سار في الاتجاه نفسه، يقول أبو البقاء الكفوي (ت: 1094هـ): "هو اتِّفاق القوم على وضع الشيء، وقيل: إخراجُ الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر، لبيان المراد (...)، واصطلاح التخاطب، هو عرف اللُّغة"[12]، وسلَك التهانوي (ت: 1175 هـ) هذا المنحى، غير أنه أضاف أوجُهَ المناسبة التي يعتمد عليها في نقل المصطلحات، فقال: "هو العرف الخاص؛ وهو عبارة عن اتِّفاق قوم على تسمية شيء باسمٍ بعد نقله عن موضوعه الأول لمناسبة بينهما؛ كالعموم والخصوص، أو لمشاركتهما في أمرٍ، أو مشابهتهما في وصف أو غيرها"[13].
يتبيَّن ممَّا تقدَّم: أنَّ تعريفات القدماء للاصطلاح قد ظلَّت محافظة على المعنيين اللذين رسمهما الجرجانيُّ، وأن قصارى ما أضافه مَن تأخَّروا عنه يكمُن في الشَّرح والتفسير، لكن هل الاصطلاح هو المصطلح؟ أم أنَّ هناك فروقًا جوهرية بينهما؟
تبدو للمتمعِّن في تلك التعريفات المتقدمة ملاحظات عدَّة نوجز أهمها فيما يلي:
• إنَّ القدماء كانوا يَذهبون إلى التسوية بين المصطلح والاصطلاح؛ فرغم أنه لم يؤثَر عنهم ذكر لهذا اللفظ "المصطلح"، إلَّا أن المتمعِّن في السياقات التي ورَدتْ بها كلمة الاصطلاح، يدرك بوضوحٍ أنَّ الاصطلاح عندهم كان مرادفًا للمصطلح[14].
• عدم خلوِّ هذه التعريفات مِن كلمة "الوضع"، التي تُشير إلى أن موضوع هذا اللَّفظ قديم، وهو: هل اللُّغة توقيف أم تواضع؟ وكيفية التواضع هي التي شرحها ابن جني (ت: 392 هـ) بقوله: "وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة، فيضعوا لكلِّ واحد منها سِمةً ولفظًا، إذا ذكر عُرِفَ به ما مسمَّاه؛ ليمتاز من غيره"[15].
• اختلاف وجهات النَّظَر بين التعريفات التي عرَّفتْ هذا المصطلح؛ ففي حين ركَّز التعريف الأول على الجانبين الأساسيين اللذين قدَّمنا، حاول بعضها الآخر أن يتوسَّع في المفهوم فيشرح النَّقلَ وكيفيته وأسبابه؛ وهو ما يدلُّ على التطوُّر الفكري لدى المعرِّفين.
أمَّا في المعاجم العربية المعاصرة، فنجد بعضها اقتصَر على ذكر الاصطلاح، فعرَّفه بقوله: "اصطلح القوم: زال ما بينهم مِن خِلاف، وعلى الأمر: تعارفوا عليه واتَّفقوا"[16]، و"الاصطلاح: مصدر اصطلح، واتِّفاق طائفة على شيء مخصوص، ولكلِّ علم اصطلاحاته"[17].
وإذا كان إغفال تَعريف كلمة "مصطلح" ظَلَّ متواصلًا حتى عصرنا الحاضر؛ فإنَّ هناك بعض الإشارات التي يمكن أن تكونَ نواةً لتتبُّع تاريخ استعمال هذه الكلمة، وهو ما يُمَكِّن مِن كشف الملابسات التي يُعترض بها على استعمال هذه الكلمة، وقد أثبت تتبُّع تاريخ هذه الكلمة أنها استُعملت منذ القرن الثامن الهجري، وكان معناها معروفًا متداولًا بين القدامى[18].
بينما نجد بعضها الآخر وقف على كِلا اللفظين؛ فعرَّف الاصطلاح بقوله: "الاصطلاح مصدر اصطلح، واتِّفاق طائفة على شيء مخصوص"[19]، أو "اتِّفاق في العلوم والفنون على لفظ أو رمزٍ معيَّن، لأداء مدلول خاص"[20]، أمَّا المصطلح فعرَّفه بقوله: "مجموع لفظ، أو رمز معيَّن يتَّفق عليه في العلوم والفنون على أداء معنى معيَّن"[21]، ويتَّضح مِن هذا التعريف أيضًا التسوية بين المصطلح والاصطلاح، غير أنَّ هناك مِن المعاصرين مَن يذهب إلى التفريق بينهما، فيعرِّف الاصطلاح بقوله: "مجموع مفردات خاصَّة تستعمل في ميدان من ميادين المعرفة، أو في ميدان مهني"، أمَّا المصطلح فهو: "مفرد الاصطلاح، أي: كلمة مِن مجموع مفردات خاصة، لا تُستعمل في الكلام العادي الجاري على ألسنة الناس"[22]، إلَّا أن هذا الفصل بين المصطلحين يبدو غير واضح؛ إذ لا يَظهر بين الكلمتين كبيرُ فرق، سواء مِن جهة الدلالة؛ إذ إنَّ كلًّا منهما يدلُّ على الوَحْدة، أو مِن جهة الاستعمال كما قدَّمنا، رغم أنَّ صاحب هذا التفريق قد اعتمد على ما اعتبره التفريق بين ترجمة الكلمتين (المصطلح/ الاصطلاح).
وهناك تعريفات أخرى للمصطلح من قِبَل المُحدَثين، مثل تعريفه بأنه: "اللَّفظ، أو الرمز اللغوي الذي يُستخدم للدلالة على مفهوم علمي، أو عملي، أو فنِّيٍّ، أو أي مَوضوع ذي طبيعة خاصَّة"[23]، أو أنَّه: "لفظٌ يؤدِّي معنى دقيقًا يكتسب دلالته من المنطق الداخلي للعلم الذي ينتمي إليه"[24]، ولعلَّ السِّمة الأساسية لهذين التعريفين هي: التركيز على الوصف؛ وذلك باعتبار المصطلح وحدةً إجرائيَّة داخل نسق ما.
2 - المصطلح والكلمة:
إنَّ الغرض الأساسي مِن المقابلة بين الكلمة والمصطلح هو معرفة طبيعة المصطلح، وطريقة اشتغاله، وللوصول إلى هذه الغاية لا بدَّ مِن الوقوف عند الكلمة، وتعريفها تعريفًا وافيًا من أجل التعرُّف على خصائصها ومميِّزاتها؛ فالكلمة عند الفيروزَابادي: اللفظة[25]، وعند ابن فارس: اللفظة المفهمة، يقول: "فالأول الكلام، تقول: كلَّمته، أكلِّمه، تكليمًا، وهو كليمي: إذا كلمك أو كلمته، ثم يتَّسعون فيسمُّون اللفظةَ الواحدة المفهمة: كلمة"[26]، أمَّا ابن الخشاب فقد اعتبر الكلمةَ اللفظة المفردة[27]، في حين عدَّها ابن الحاجب: اللفظ الذي وُضع لمعنى مفرد[28]، ومِن الذين اعتبروا الكلمة قولًا مفردًا ابن هشام[29]، واعتبرها الجُرجانيُّ: "اللَّفظ الموضوع لمعنى مفرد"[30]، في حين قال الكفوي معرِّفًا الكلمة: "تقع على واحد من الأنواع الثلاثة، أعني: الاسم، والفعل، والحرف، وتقَع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة؛ ولهذا استُعملت في القضيَّة، والحكم، والحجَّة، وبجميعها ورد التنزيل: ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ [التوبة: 40]، أي: كلامه"[31]، ويقول أيضًا: "كلُّ لفظة دلَّت على معنى مفرَد بالوضع فهي كلمة، وبعبارة أخرى كل منطوق أفاد شيئًا بالوضع فهو كلمة، وجمعها كلمات، وكلم"[32].
من كلِّ ما سبق: إنَّ الكلمة عبارة عن لَفظ موضوع لمعنى معيَّن، وهي مركَّبة مِن لفظ ومعنى، وبذلك تأخذ الشكل التالي:

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ مصطلح الكلمة قد يُطلَق فيُراد به الكلام الطويل، وأنَّ الكلمة لا يُمكن أن يتحدَّد معناها إلا في السياق، فهي مرتبطة به ارتباطًا وثيقًا، وتدوَّن في المعاجم العامة، ومن ثَمَّ فهي وحدة اللُّغة العامة، على عكس المصطلح الذي يشكِّل وحدة اللُّغة الخاصَّة، ومِن هنا يَظْهَر الفرق بينه وبين الكلمة؛ لأنَّ المصطلح يسمَّى مفهومًا في مجال علميٍّ محدَّد، وهو يتشكَّل من المفهوم والتسمية، ويأخذ الشكلَ التالي:

ومما يميِّز المصطلح عن الكلمة: أنَّه يَتحدَّد مِن خلال العلاقات التي يُقيمها مع مجموع المصطلحات التي تنتمي إلى المجال الذي ينتمي إليه، على عكس الكلمة التي لا يُمكن أن يتحدَّد معناها إلَّا في سياق محددٍ؛ وهذا يعني أنَّ معناها يتغيَّر بتغير السياق المستعملة فيه، وكل واحد منهما مختصٌّ بمجال محدَّد، فغالبًا "ما يتم اعتبار الكلمة بمثابة الوحدة الأساس في علم الألفاظ (اللسانيات)[33]، والمصطلح بمثابة الوحدة الأساس في علم المصطلحات، وبالنِّسبة إلى علماء المصطلحات التقليديين ثمَّة اختلافات كافية بين المصطلح والكلمة، تخولنا تقديمهما كوحدتين مستقلَّتين"[34].
من المفهوم إلى المعنى
د. أحمد خلدي
إنَّ هذا المخلوق البشريَّ الذي يتمتَّع بملَكة اللِّسان يستطيع أن ينتج اللغةَ، ويفهم اللُّغةَ في مجالات نشاط الحياة كلها، وهذا النَّشاط الذهنيُّ اللغويُّ يسمح لنا بأن نستخلص أمرين في غاية الأهميَّة؛ أولهما يتعلَّق بإنتاج اللُّغة في حدِّ ذاتها، أي: بقدرة الإنسان على أن يتكلَّم، وأن يبلغ ما يريد بواسطة اللُّغة، دون الحاجة إلى التعلُّم في المعاهد، أو الكليات، أو ما شابهها من مؤسَّسات بفطرته التي فطره الله عليها، وثانيهما: أنَّ اللُّغة من الأنساق الثقافية التي تدلُّ على قيمة العقل البشريِّ، وتُميِّزه عن باقي المخلوقات الأخرى، وما لديها مِن ملَكات؛ ولذلك يستطيع كلُّ مخلوقٍ بشَري أن يتواصل بواسطة اللُّغة الأم التي يكتسبها أول ما يَكتسب دون تعلُّمٍ للقواعد النحويَّة، أو البلاغية، أو الصرفية، أو الأسلوبية، أو ما شابه ذلك فطرة لا تعلُّمًا، ولكن الذي لا ينتبه إليه كثيرون هو: أنَّ هذا الذي يستطيع أن يتكلَّم بالفطرة دون تعلُّمٍ، يستطيع أيضًا أن ينتج مصطلحاتٍ مِن مجالات مختلفة مِن مجالات حياته دون تعلُّم، اكتسابًا وفطرة؛ ولذلك نلاحظ أن علماءنا الأولين كانوا ينتجون المصطلحات، ويتداوَلونها في علومهم، ويستعملونها في مجالات حياتهم، دون أن ينخرطوا في برامج تعليمية تعلِّمهم كيف يبنون المصطلحَ؟ وكيف يستعمل؟ وكيف ينمط؟ وكيف يصنَّف؟ وما إلى ذلك من القواعد والمبادئ الخاصَّة بعلم المصطلح، وهكذا نلاحظ أيضًا أن كلَّ شَعب، وكل أمَّة لها مصطلحاتها التي تتداولها، الخاصة بها، والدالَّة على هُويَّتها وإنسيَّتها، وحضارتها وثقافتها، وأصولها وتاريخها؛ ولذلك فأمر المصطلح أمر مهمٌّ؛ لأنَّه يدلُّ على قوة العقل البشريِّ، وطريقة عمله، ويدلُّ كذلك على الأمة، وحضارتها، وثقافتها، وعلمها، وإنتاجاتها عامة، فإذا كان العلماء الأولون يقولون: إنَّ المصطلحات مفاتيح العلوم، فإنه يمكن القول: إن المصطلح من أهمِّ المفاتيح التي يمكن معها فهم العقل البشري كيف يعمل؟ وكيف يكتسب العلوم؟ وكيف يتصوَّرها؟ وكيف ينتج المعرفةَ؟ وكيف يبني المعرفة؟ وكيف يتواصل بالمعرفة؟
إذًا، ما هو المصطلح؟ وما الفرق بينه وبين الكلمة؟ وما هي حدودُ الالتقاء والاختلاف بينهما؟
1 - مصطلح أم اصطلاح:
أ - مفهوم المصطلح لغة:
المُصطلح: اسم مفعول، يَرجع في أصله إلى مادة (ص ل ح)، وهي تدلُّ على معانٍ من بينها الصُّلح[1]، والاتفاق، والسلم، وضد الفساد، يقول ابن فارس (ت: 395هـ): "الصاد، واللام، والحاء، أصل واحد، يدلُّ على خِلاف الفساد"[2]، ولم يرِد هذا اللَّفظ "المصطلح"، ولا "الاصطلاح" في المعاجم القديمة، وإنَّما ورَد منها الفعل "اصطلح"، بصيغة (افتَعَل)، التي تدلُّ على المشاركة؛ يقول الجوهري (ت: 393هـ) في الصحاح: "وقد اصطلحا، وتصالحا، واصَّالحا أيضًا مشدَّدة الصاد"[3]، ويقول الزمخشريُّ (ت: 538): "وتصالحا عليه، واصطلحا"[4]، وهكذا، نجد المعنى نفسه عند ابن منظور (ت: 711) في لسان العرب؛ إذ يقول: "والصُّلح: تصالح القوم بينهم، والصُّلح: السِّلم، وقد اصطَلحُوا، وصالحوا، وتصالحوا، واصَّالحوا، مشددة الصاد، قلبوا التاء صادًا، وأدغموها في الصاد بمعنى واحد"[5].
يبدو مِن خلال المعاني اللغوية للاصطلاح، أنَّ المعنى يدور بين معانٍ، هي:
• نقيض الفساد؛ وهو ما نجده عند ابن فارس.
• الصلح والسلم؛ وهذا ما نلمسه عند ابن منظور.
• الاتفاق؛ وهو ما يشير إليه الجوهري، والزمخشري، وابن منظور.
وتجتمع الثلاثة الأخيرة، حول معنى واحد؛ هو نقيض الفساد، وأقرب هذه المعاني إلى المعنى المراد هو الاتفاق.
وانطلاقًا مما تَقَدَّم، فإنه يمكننا أن نُعطي تعريفًا تقريبيًّا للاصطلاح مِن الجانب اللغوي؛ بأنه "اتِّفاق بين اثنين أو أكثر على أمرٍ ما"، وهو ما صرَّح به الزبيديُّ (ت: 1205هـ) - مع الميل إلى التعريف الاصطلاحي؛ حيث أضاف عبارة التخصص - في تعريفه حين قال: "والاصطلاح: اتِّفاقُ طائفةٍ مخصوصة على أمرٍ مخصوص"[6].
ب - مفهوم المصطلح اصطلاحًا:
تبدو المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي جليَّة عند القدماء؛ حيث نجدهم يقيمون التعريفَ على مبدأ "الاتفاق"، وهو ما يعني أنَّ الاصطلاح لا بدَّ فيه مِن وجود الاتفاق، يقول الجرجاني (ت: 816هـ): "هو عبارة عن اتِّفاق قوم على تسمية الشيء باسمٍ ما، ينقل عن موضعه الأول"[7]، وهذا التعريف يبرز لنا ملاحظتين أساسيتين لا بدَّ من وجودهما في اللفظ حتى يأخذ صبغة الاصطلاحيَّة، وهما:
• وجود الاتفاق؛ وهذا يفيد أنَّ ما لم يحصل عليه اتفاق لا يدخل في الاصطلاح.
• وجود تحوُّل في المعنى للَّفظ المصطلح عليه، أو بعبارة أخرى: نقل لفظٍ مِن معنى أول إلى معنى ثانٍ.
ويبدو أنَّ التركيز على هذين العنصرين قد ظلَّ الطابع الأساسي، الذي يطبع تعريفات القدماء للاصطلاح؛ وذلك ما نستشفه من التعريفات الأخرى، التي أورَدَها الجرجانيُّ؛ مثل تعريفه بأنه: "إخراج اللَّفظ من معنى لغويٍّ إلى آخر لمناسبة بينهما"[8]، الذي ركَّز فيه على جانب النقل، أو تعريفه بأنه: "اتِّفاق طائفة على وضع اللَّفظ بإزاء المعنى"[9]، أو: "لفظ معيَّن، بين قوم معينين"[10]، ويلمس فيهما جانب الاتفاق، أو تعريفه بأنه: "إخراج الشيء مِن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد"[11]، الذي أضاف الغرض من استعمال الاصطلاح.
وعمومًا؛ فإنَّه يمكن القول: إنَّ مَن جاء بعد الجرجاني قد سار في الاتجاه نفسه، يقول أبو البقاء الكفوي (ت: 1094هـ): "هو اتِّفاق القوم على وضع الشيء، وقيل: إخراجُ الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر، لبيان المراد (...)، واصطلاح التخاطب، هو عرف اللُّغة"[12]، وسلَك التهانوي (ت: 1175 هـ) هذا المنحى، غير أنه أضاف أوجُهَ المناسبة التي يعتمد عليها في نقل المصطلحات، فقال: "هو العرف الخاص؛ وهو عبارة عن اتِّفاق قوم على تسمية شيء باسمٍ بعد نقله عن موضوعه الأول لمناسبة بينهما؛ كالعموم والخصوص، أو لمشاركتهما في أمرٍ، أو مشابهتهما في وصف أو غيرها"[13].
يتبيَّن ممَّا تقدَّم: أنَّ تعريفات القدماء للاصطلاح قد ظلَّت محافظة على المعنيين اللذين رسمهما الجرجانيُّ، وأن قصارى ما أضافه مَن تأخَّروا عنه يكمُن في الشَّرح والتفسير، لكن هل الاصطلاح هو المصطلح؟ أم أنَّ هناك فروقًا جوهرية بينهما؟
تبدو للمتمعِّن في تلك التعريفات المتقدمة ملاحظات عدَّة نوجز أهمها فيما يلي:
• إنَّ القدماء كانوا يَذهبون إلى التسوية بين المصطلح والاصطلاح؛ فرغم أنه لم يؤثَر عنهم ذكر لهذا اللفظ "المصطلح"، إلَّا أن المتمعِّن في السياقات التي ورَدتْ بها كلمة الاصطلاح، يدرك بوضوحٍ أنَّ الاصطلاح عندهم كان مرادفًا للمصطلح[14].
• عدم خلوِّ هذه التعريفات مِن كلمة "الوضع"، التي تُشير إلى أن موضوع هذا اللَّفظ قديم، وهو: هل اللُّغة توقيف أم تواضع؟ وكيفية التواضع هي التي شرحها ابن جني (ت: 392 هـ) بقوله: "وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة، فيضعوا لكلِّ واحد منها سِمةً ولفظًا، إذا ذكر عُرِفَ به ما مسمَّاه؛ ليمتاز من غيره"[15].
• اختلاف وجهات النَّظَر بين التعريفات التي عرَّفتْ هذا المصطلح؛ ففي حين ركَّز التعريف الأول على الجانبين الأساسيين اللذين قدَّمنا، حاول بعضها الآخر أن يتوسَّع في المفهوم فيشرح النَّقلَ وكيفيته وأسبابه؛ وهو ما يدلُّ على التطوُّر الفكري لدى المعرِّفين.
أمَّا في المعاجم العربية المعاصرة، فنجد بعضها اقتصَر على ذكر الاصطلاح، فعرَّفه بقوله: "اصطلح القوم: زال ما بينهم مِن خِلاف، وعلى الأمر: تعارفوا عليه واتَّفقوا"[16]، و"الاصطلاح: مصدر اصطلح، واتِّفاق طائفة على شيء مخصوص، ولكلِّ علم اصطلاحاته"[17].
وإذا كان إغفال تَعريف كلمة "مصطلح" ظَلَّ متواصلًا حتى عصرنا الحاضر؛ فإنَّ هناك بعض الإشارات التي يمكن أن تكونَ نواةً لتتبُّع تاريخ استعمال هذه الكلمة، وهو ما يُمَكِّن مِن كشف الملابسات التي يُعترض بها على استعمال هذه الكلمة، وقد أثبت تتبُّع تاريخ هذه الكلمة أنها استُعملت منذ القرن الثامن الهجري، وكان معناها معروفًا متداولًا بين القدامى[18].
بينما نجد بعضها الآخر وقف على كِلا اللفظين؛ فعرَّف الاصطلاح بقوله: "الاصطلاح مصدر اصطلح، واتِّفاق طائفة على شيء مخصوص"[19]، أو "اتِّفاق في العلوم والفنون على لفظ أو رمزٍ معيَّن، لأداء مدلول خاص"[20]، أمَّا المصطلح فعرَّفه بقوله: "مجموع لفظ، أو رمز معيَّن يتَّفق عليه في العلوم والفنون على أداء معنى معيَّن"[21]، ويتَّضح مِن هذا التعريف أيضًا التسوية بين المصطلح والاصطلاح، غير أنَّ هناك مِن المعاصرين مَن يذهب إلى التفريق بينهما، فيعرِّف الاصطلاح بقوله: "مجموع مفردات خاصَّة تستعمل في ميدان من ميادين المعرفة، أو في ميدان مهني"، أمَّا المصطلح فهو: "مفرد الاصطلاح، أي: كلمة مِن مجموع مفردات خاصة، لا تُستعمل في الكلام العادي الجاري على ألسنة الناس"[22]، إلَّا أن هذا الفصل بين المصطلحين يبدو غير واضح؛ إذ لا يَظهر بين الكلمتين كبيرُ فرق، سواء مِن جهة الدلالة؛ إذ إنَّ كلًّا منهما يدلُّ على الوَحْدة، أو مِن جهة الاستعمال كما قدَّمنا، رغم أنَّ صاحب هذا التفريق قد اعتمد على ما اعتبره التفريق بين ترجمة الكلمتين (المصطلح/ الاصطلاح).
وهناك تعريفات أخرى للمصطلح من قِبَل المُحدَثين، مثل تعريفه بأنه: "اللَّفظ، أو الرمز اللغوي الذي يُستخدم للدلالة على مفهوم علمي، أو عملي، أو فنِّيٍّ، أو أي مَوضوع ذي طبيعة خاصَّة"[23]، أو أنَّه: "لفظٌ يؤدِّي معنى دقيقًا يكتسب دلالته من المنطق الداخلي للعلم الذي ينتمي إليه"[24]، ولعلَّ السِّمة الأساسية لهذين التعريفين هي: التركيز على الوصف؛ وذلك باعتبار المصطلح وحدةً إجرائيَّة داخل نسق ما.
2 - المصطلح والكلمة:
إنَّ الغرض الأساسي مِن المقابلة بين الكلمة والمصطلح هو معرفة طبيعة المصطلح، وطريقة اشتغاله، وللوصول إلى هذه الغاية لا بدَّ مِن الوقوف عند الكلمة، وتعريفها تعريفًا وافيًا من أجل التعرُّف على خصائصها ومميِّزاتها؛ فالكلمة عند الفيروزَابادي: اللفظة[25]، وعند ابن فارس: اللفظة المفهمة، يقول: "فالأول الكلام، تقول: كلَّمته، أكلِّمه، تكليمًا، وهو كليمي: إذا كلمك أو كلمته، ثم يتَّسعون فيسمُّون اللفظةَ الواحدة المفهمة: كلمة"[26]، أمَّا ابن الخشاب فقد اعتبر الكلمةَ اللفظة المفردة[27]، في حين عدَّها ابن الحاجب: اللفظ الذي وُضع لمعنى مفرد[28]، ومِن الذين اعتبروا الكلمة قولًا مفردًا ابن هشام[29]، واعتبرها الجُرجانيُّ: "اللَّفظ الموضوع لمعنى مفرد"[30]، في حين قال الكفوي معرِّفًا الكلمة: "تقع على واحد من الأنواع الثلاثة، أعني: الاسم، والفعل، والحرف، وتقَع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة؛ ولهذا استُعملت في القضيَّة، والحكم، والحجَّة، وبجميعها ورد التنزيل: ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ [التوبة: 40]، أي: كلامه"[31]، ويقول أيضًا: "كلُّ لفظة دلَّت على معنى مفرَد بالوضع فهي كلمة، وبعبارة أخرى كل منطوق أفاد شيئًا بالوضع فهو كلمة، وجمعها كلمات، وكلم"[32].
من كلِّ ما سبق: إنَّ الكلمة عبارة عن لَفظ موضوع لمعنى معيَّن، وهي مركَّبة مِن لفظ ومعنى، وبذلك تأخذ الشكل التالي:

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ مصطلح الكلمة قد يُطلَق فيُراد به الكلام الطويل، وأنَّ الكلمة لا يُمكن أن يتحدَّد معناها إلا في السياق، فهي مرتبطة به ارتباطًا وثيقًا، وتدوَّن في المعاجم العامة، ومن ثَمَّ فهي وحدة اللُّغة العامة، على عكس المصطلح الذي يشكِّل وحدة اللُّغة الخاصَّة، ومِن هنا يَظْهَر الفرق بينه وبين الكلمة؛ لأنَّ المصطلح يسمَّى مفهومًا في مجال علميٍّ محدَّد، وهو يتشكَّل من المفهوم والتسمية، ويأخذ الشكلَ التالي:

ومما يميِّز المصطلح عن الكلمة: أنَّه يَتحدَّد مِن خلال العلاقات التي يُقيمها مع مجموع المصطلحات التي تنتمي إلى المجال الذي ينتمي إليه، على عكس الكلمة التي لا يُمكن أن يتحدَّد معناها إلَّا في سياق محددٍ؛ وهذا يعني أنَّ معناها يتغيَّر بتغير السياق المستعملة فيه، وكل واحد منهما مختصٌّ بمجال محدَّد، فغالبًا "ما يتم اعتبار الكلمة بمثابة الوحدة الأساس في علم الألفاظ (اللسانيات)[33]، والمصطلح بمثابة الوحدة الأساس في علم المصطلحات، وبالنِّسبة إلى علماء المصطلحات التقليديين ثمَّة اختلافات كافية بين المصطلح والكلمة، تخولنا تقديمهما كوحدتين مستقلَّتين"[34].

تعليق