اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين، في المؤسسات التعليمية في جمهورية مصر العربية، الواقع والتحديات واستشراف المستقبل
أ.د محمد حسن عبد العزيز
رئيس قسم اللغة العربية- دار العلوم- القاهرة
أ.د محمد حسن عبد العزيز
رئيس قسم اللغة العربية- دار العلوم- القاهرة
معالم البحث
التغيرات الكبرى في مطلع القرن الحادي والعشرين
• العولمة ومخاطرها على الاقتصاد الوطني والسلام الاجتماعي
• تأثير العولمة منتشر في كل مجال وبغير حدود
• ثورة المعلومات أو التفجر المعرفي
• الموقف العربي اليوم
• عوامل التقدم
• ماذا علينا أن نفعل ؟
• العلم هو الحل
• تنمية الثروة البشرية
• الأهداف الكبرى للعملية التعليمية
التغيير هدفنا , ولكن .
• تقرير (واشنطون) وخطة (كولن باول) التنفيذية
اللغة وتكنولوجيا المعلومات
• الموقف العربي
• الأبعاد اللغوية لتحديات عصر المعلومات
o الأبعاد اللغوية للتحدي التربوي .
o الأبعاد اللغوية للتحدي الثقافي .
اللغة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين
أولا : الصراع بين الفصحى والعامية
الاتجاه الأول الداعي إلى اتخاذ العامية لغة قومية, واتخاذ حروف غير عربية لرسمها .
أ- الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية .
ب- الدعوة إلى رسم العربية بحروف غير عربية.
الاتجاه الثاني الداعي إلى الحفاظ على الفصحى ورسمها, والتقريب بينها وبين العامية, وتطويرها وفق نموذج لغوي غربي .
أ- التقريب بين العامية والفصحى
ب- إصلاح رسم العربية
الاتجاه الثالث الداعي إلى الحفاظ على الفصحى, والاعتداد بتغير معجمها, والإبقاء على رسمها, والتحكم في هذا التغير وفق مخطط قومي.
أ- العامية والفصحى
• الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية دعوة استعمارية عنصرية .
• العامية لا تصلح لأن تكون لغة قومية .
• العامية عربية الأصل .
• التقريب في مجال الألفاظ مقبول وفي محال التراكيب مرفوض .
• صعوبة النحو العربي مبالغ فيها .
• الفصحى الحديثة هي الحل .
• الفصحى لغة القرآن والعروبة .
ب- أسباب فشل مشروع عبد العزيز فهمي لاتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية .
ثانيا : ضعف الثقة بكفاية اللغة العربية الفصحى, وتدني الإحساس بالانتماء إليها.
من مظاهرها المعاصرة
أ- تسمية المحال والشركات بأسماء غير عربية, واستخدام لغة هجين في التخاطب.
ب- انتشار المدارس التي تعلم باللغات الأجنبية, وإنشاء جامعات أجنبية.
ثالثا : معالجة اللغة العربية إلىا لمواجهة التفجر المعلوماتي.
• الموقف العربي الراهن من تكنولوجيا المعلومات .
• كيف يمكن تضييق الفجوة المعرفية أو سدها .
• التعاون بين اللغويين وعلماء الهندسة والحاسو.ب .
خاتمة المطاف .
التغيرات الكبرى في مطلع القرن الحادي والعشرين
شهد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تغيراً حاسما, وإحداثاً جساما, وتغيرات سريعة متلاحقة قلبت الموازين في شتي مجالات الحياة رأسا على عقب, في إطار – الموجة الثالثة, والمتمثلة في : الثورة العلمية , وثورة الاتصالات , والثورة التكنولوجية, والثورة المعلوماتية الفائقة, والاكتشافات الهائلة التي حدثت في نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة, وشطرت العالم بفجوة حضارية وعلمية عميقة" (1)
العولمة ومخاطرها على الاقتصاد الوطني والسلام الاجتماعي :
أصبح الاقتصاد الحر في ظل العولمة هو الصيغة الأكثر شيوعاً لدى كل الشعوب, ومن ثم ساد اقتصاد السوق. واقتصاد السوق – أساساً – في تكوينه وفلسفته لا يولي مسوؤلية الاجتماعية والصالح العام اهتماماً كبيراً, لأن آليات السوق هي التي تحكمه, وعلى أحسن تقدير فإنه يولي مسئولية الصالح العام إلى مؤسسات ليس لها فعالية, كما أنه لا يضع في قمة أولوياته التخطيط الطويل المدى .
ومن هنا يبدو الخطر الأعظم للعولمة. إنها تسعى إلى تفكيك الدولة, لأن الكيان الوطني والمؤسسي للدولة يعد عائقاً في وجهها, فلا يوجد نشاط أكثر عداء لاعتبارات الوطنية كالتجارة, ولا توجد أيديولوجية أضعف اهتماماً بالوطنية كالرأسمالية, ولا يوجد تحد أكثر ضراوة للحدود كالسوق .
تأثير العولمة منتشر في كل مجال وبغير حدود
إن العولمة في حقيقة الأمر تزيد من الاعتماد المتبادل بين سكان العالم بصورة تؤدي إلى تداخل وتشابك الاقتصاد وتمتد بتأثيرها إلى باقي مجالات الحياة, فلا تقف عند الاقتصاد فحسب بل تتعداه إلى الثقافة والسياسة والاجتماع. فما يحدث في أي مكان تتداعى تأثيراته السلبية والإيجابية على باقي الأماكن, فلم تعد هناك أحداث يقتصر تأثيرها على مجتمعها المحلي فحسب (2).
وفي ظل اتفاقية الجات وحرية التجارة تتعاظم شفافية الحواجز ومسامية الحدود لكل ما هو خير وشر, لأنه إذا كانت الحدود مسامية تسمح بانسياب المعلومات وحرية انتقال التجارة, وحرية انتقال الأفراد فهي أيضا تسمح بما هو غير ذلك من عادات ومسائل لا تقرها الأخلاق والتقاليد .
ويصاحب العولمة ويدعم سيطرتها ثورة في كل وسائل الاتصالات, ومع هذه الثورة بدأ الناس في كل مكان في العالم يتصلون ويشاهدون ويتأثرون بما يقال وبما يحدث وأصبحت المعلومات متوافرة لكل من يطلبها, بل إنها تسعى إلىه بكل الوسائل. وأصبحت الدول وكأنها قرى يجمعها سياج واحد .
ثورة المعلومات أو التفجر المعرفي :
تشكل الدول المتقدمة فيما بينها ما يسمى بالنظام الجديد, والنظام الجديد – على حد ما يقرره د. حسين بهاء الدين وزير التعاليم المصري السابق :
نظام يتميز بالسرعة الفائقة, وبإنتاج كثيف المعرفة, تلعب فيه التكنولوجيا دوراً حاكماً في تحديد مصير البشرية, وتنتج الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والإنتاجية أفكاراً ومبادئ لا سلعاً وآلاتٍ فحسب, ويلعب فيه الذكاء الاصطناعي دوراً كانت تقوم به المؤسسات والأنظمة الثابتة و الذكاء الإنساني فقط . (3)
بل يشير إلى ما يسميه مثلث الرعب الجديد والذي يتمثل في الهندسة الوراثية والتكنولوجيا فائقة الصغر, والإنسان الآلي, وهذه المنظومة – كما يقول – تمثل طاقات هائلة للبناء والتقدم, وتشكل في نفس الوقت أدوات وأسلحة الدمار الشامل .
وبالانفجار المعرفي وبسيطرة التكنولوجيا تأثرت ثقافات بعض الشعوب وأفقدتها هويتها في بعض الأحيان, ومن ثم ظهر التحلل الأخلاقي والتفكك الأسري والتمرد والعنف والجريمة ... الخ وكان من نتيجتها في أحيان أخرى انتشار نوع من التعصب الشديد, والتفكير الأحادي الاتجاه الذي لا يقيم وزنا للمتغيرات العلمية والأخلاقية .
هذا وتأثير العولمة بكل أدواتها التكنولوجية على الشعوب الأقل تقدما ونموا بالغ الخطورة, إذ يضاف إلى مخاطرها التي تعاني منها الشعوب المتقدمة آثار أخرى تتمثل في كل صور التدخل في شؤونها والسيطرة على قراراتها بعيدا عن الحق والعدل .
ولهذا كان تشومسكي, وهو سياسي منصف ولغوي شهير, يرفض كل مظاهر الهيمنة التي يفرضها النظام الجديد, ويقول : القوة وحق التدخل المباشر للأقوياء والعقلانية الاقتصادية والشرعية الدولية, وحقوق الإنسان والديمقراطية للضعفاء" وهو ما يطلق عليه ثنائية المعايير.
الموقف العربي اليوم :
ليس لدى العرب – بكل أسف – إستراتيجية واضحة للتعامل مع النظام العالمي الجديد بكل ما يحمله من تحديات, ولا نملك القدرات المعرفية للمشاركة في وضع قواعده والمساهمة في تطوره المتسارع. وليس لدينا سياسة موحدة لمواجهته. ولكي نلحق بالنظام العالمي لابد أن نوفر لأنفسنا العوامل التي أوصلت العالم المتقدم إلى ما وصل إلىه من سيطرة على الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية ومن معارف وعلوم وتقنيات لا تفتأ تتطور وتتجدد في كل لحظة .
عوامل التقدم
لقد استطاع العالم المتقدم أن يتطور سريعا من خلال تطبيق مجموعة من القيم والأساليب التي أصبحت في وقتنا الحاضر ركائز أساسية للتطور والتقدم وهي: الالتزام والإيمان بهدف, الإتقان في العمل , روح الفريق , المنافسة الشريفة , احترام العمل وتقديس العلم واحترام التعليم, واتباع الأسلوب العلمي, وسرعة تطبيق واحترام التعليم , واتِّباع الأسلوب العلمي, وسرعة تطبيق الاكتشافات العلمية في الإنتاج, وتنمية الرصيد القومي المعرفي , والاهتمام بإنتاج البرمجيات ... وتدعيم الديمقراطية وحرية الرأي, وحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر , واحترام الوقت وفن إدارته ...... ( 4 )
ماذا علىنا أن نفعل ؟
لابد أولاً أن نفكر في المستقبل بعقلية المستقبل لا بعقلية الماضي التي ما تزال تسيطر على حياتنا وقراراتنا. العالم من حولنا يتغير وطرق التفكير تتطور, ومصادر القوة تشهد تحولات غير مسبوقة .
لقد أصبح التغيير ضرورة تقتضيها متغيرات العصر والعلاقات الدولية الجديدة, وشاملا لكل مؤسسات المجتمع وهيئاته ومكوناته .
العلم هو الحل
لابد أن نكون أقوياء, ووسيلتنا إليها هي العلم, فالعلم والمعرفة أصبحا يشكلان قوة العالم الجديد . وفي هذا يقول الدكتور حسين بهاء الدين : الرصيد القومي المعرفي هو المعيار الحقيقي لقوة الأمم. ومؤشراته ليست عدد المصانع ولا البنوك ولا الأرصدة الموجودة في الخزائن فحسب بل في عدد العلماء والمهندسين, ومتوسط عدد سنوات التعاليم على مستوى الدولة, وعدد الاكتشافات الدولية الجديدة, وعدد الدوريات العلمية والبحوث العلمية المنشورة, والقدرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة, واستخدام أجهزة الحاسوب ... الخ. العلم يتقدم في مجالات خطيرة جدا تشكل سبقاً كبيراً لمن يملك ناحية هذا العلم, وتشكل تهديدا أكبر لمن يفتقد القدرة على الوصول إلى هذا العلم (5).
ومع حاجتنا إلى التقدم العلمي للحاق بالعصر ومواجهة مشكلاته علينا أن نتنبه إلى أن أمامنا تحدي التقدم بما يفرضه من احترام التكنولوجيا المتقدمة, واكتشافها واستعمالها وتطبيقها, وأمامنا في الوقت نفسه حماية المجتمع من سيطرتها ومن ثم فعلينا أن نعمق جذور الانتماء بأوطاننا وبأهلينا والولاء إلى ثقافتنا الخاصة, وقيم التراث الذي نعتز بها حتى لا نكون ضحية لتلك التكنولوجيا .
تنمية الثروة البشرية
الإنسان هو صانع تقدمه أو تأخره, ومن ثم يجب النظر إليه على أنه عنصر أساسي في التنمية الدائمة, فهو أداتها, وهو هدفها في الوقت نفسه, وتنميته ليست مجرد تنمية تكنولوجية فحسب بل تنمية في المجالات الإنسانية المختلفة : الاجتماعية والثقافية والفنية والأخلاقية ... وتعتمد ثروة الأمم على قيمة ما تملكه من الثروة البشرية ذات القدرات العالية في تحصيل العلم واستخدام التكنولوجيا بل في الإبداع فيهما .
التغيرات الكبرى في مطلع القرن الحادي والعشرين
• العولمة ومخاطرها على الاقتصاد الوطني والسلام الاجتماعي
• تأثير العولمة منتشر في كل مجال وبغير حدود
• ثورة المعلومات أو التفجر المعرفي
• الموقف العربي اليوم
• عوامل التقدم
• ماذا علينا أن نفعل ؟
• العلم هو الحل
• تنمية الثروة البشرية
• الأهداف الكبرى للعملية التعليمية
التغيير هدفنا , ولكن .
• تقرير (واشنطون) وخطة (كولن باول) التنفيذية
اللغة وتكنولوجيا المعلومات
• الموقف العربي
• الأبعاد اللغوية لتحديات عصر المعلومات
o الأبعاد اللغوية للتحدي التربوي .
o الأبعاد اللغوية للتحدي الثقافي .
اللغة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين
أولا : الصراع بين الفصحى والعامية
الاتجاه الأول الداعي إلى اتخاذ العامية لغة قومية, واتخاذ حروف غير عربية لرسمها .
أ- الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية .
ب- الدعوة إلى رسم العربية بحروف غير عربية.
الاتجاه الثاني الداعي إلى الحفاظ على الفصحى ورسمها, والتقريب بينها وبين العامية, وتطويرها وفق نموذج لغوي غربي .
أ- التقريب بين العامية والفصحى
ب- إصلاح رسم العربية
الاتجاه الثالث الداعي إلى الحفاظ على الفصحى, والاعتداد بتغير معجمها, والإبقاء على رسمها, والتحكم في هذا التغير وفق مخطط قومي.
أ- العامية والفصحى
• الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية دعوة استعمارية عنصرية .
• العامية لا تصلح لأن تكون لغة قومية .
• العامية عربية الأصل .
• التقريب في مجال الألفاظ مقبول وفي محال التراكيب مرفوض .
• صعوبة النحو العربي مبالغ فيها .
• الفصحى الحديثة هي الحل .
• الفصحى لغة القرآن والعروبة .
ب- أسباب فشل مشروع عبد العزيز فهمي لاتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية .
ثانيا : ضعف الثقة بكفاية اللغة العربية الفصحى, وتدني الإحساس بالانتماء إليها.
من مظاهرها المعاصرة
أ- تسمية المحال والشركات بأسماء غير عربية, واستخدام لغة هجين في التخاطب.
ب- انتشار المدارس التي تعلم باللغات الأجنبية, وإنشاء جامعات أجنبية.
ثالثا : معالجة اللغة العربية إلىا لمواجهة التفجر المعلوماتي.
• الموقف العربي الراهن من تكنولوجيا المعلومات .
• كيف يمكن تضييق الفجوة المعرفية أو سدها .
• التعاون بين اللغويين وعلماء الهندسة والحاسو.ب .
خاتمة المطاف .
التغيرات الكبرى في مطلع القرن الحادي والعشرين
شهد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تغيراً حاسما, وإحداثاً جساما, وتغيرات سريعة متلاحقة قلبت الموازين في شتي مجالات الحياة رأسا على عقب, في إطار – الموجة الثالثة, والمتمثلة في : الثورة العلمية , وثورة الاتصالات , والثورة التكنولوجية, والثورة المعلوماتية الفائقة, والاكتشافات الهائلة التي حدثت في نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة, وشطرت العالم بفجوة حضارية وعلمية عميقة" (1)
العولمة ومخاطرها على الاقتصاد الوطني والسلام الاجتماعي :
أصبح الاقتصاد الحر في ظل العولمة هو الصيغة الأكثر شيوعاً لدى كل الشعوب, ومن ثم ساد اقتصاد السوق. واقتصاد السوق – أساساً – في تكوينه وفلسفته لا يولي مسوؤلية الاجتماعية والصالح العام اهتماماً كبيراً, لأن آليات السوق هي التي تحكمه, وعلى أحسن تقدير فإنه يولي مسئولية الصالح العام إلى مؤسسات ليس لها فعالية, كما أنه لا يضع في قمة أولوياته التخطيط الطويل المدى .
ومن هنا يبدو الخطر الأعظم للعولمة. إنها تسعى إلى تفكيك الدولة, لأن الكيان الوطني والمؤسسي للدولة يعد عائقاً في وجهها, فلا يوجد نشاط أكثر عداء لاعتبارات الوطنية كالتجارة, ولا توجد أيديولوجية أضعف اهتماماً بالوطنية كالرأسمالية, ولا يوجد تحد أكثر ضراوة للحدود كالسوق .
تأثير العولمة منتشر في كل مجال وبغير حدود
إن العولمة في حقيقة الأمر تزيد من الاعتماد المتبادل بين سكان العالم بصورة تؤدي إلى تداخل وتشابك الاقتصاد وتمتد بتأثيرها إلى باقي مجالات الحياة, فلا تقف عند الاقتصاد فحسب بل تتعداه إلى الثقافة والسياسة والاجتماع. فما يحدث في أي مكان تتداعى تأثيراته السلبية والإيجابية على باقي الأماكن, فلم تعد هناك أحداث يقتصر تأثيرها على مجتمعها المحلي فحسب (2).
وفي ظل اتفاقية الجات وحرية التجارة تتعاظم شفافية الحواجز ومسامية الحدود لكل ما هو خير وشر, لأنه إذا كانت الحدود مسامية تسمح بانسياب المعلومات وحرية انتقال التجارة, وحرية انتقال الأفراد فهي أيضا تسمح بما هو غير ذلك من عادات ومسائل لا تقرها الأخلاق والتقاليد .
ويصاحب العولمة ويدعم سيطرتها ثورة في كل وسائل الاتصالات, ومع هذه الثورة بدأ الناس في كل مكان في العالم يتصلون ويشاهدون ويتأثرون بما يقال وبما يحدث وأصبحت المعلومات متوافرة لكل من يطلبها, بل إنها تسعى إلىه بكل الوسائل. وأصبحت الدول وكأنها قرى يجمعها سياج واحد .
ثورة المعلومات أو التفجر المعرفي :
تشكل الدول المتقدمة فيما بينها ما يسمى بالنظام الجديد, والنظام الجديد – على حد ما يقرره د. حسين بهاء الدين وزير التعاليم المصري السابق :
نظام يتميز بالسرعة الفائقة, وبإنتاج كثيف المعرفة, تلعب فيه التكنولوجيا دوراً حاكماً في تحديد مصير البشرية, وتنتج الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والإنتاجية أفكاراً ومبادئ لا سلعاً وآلاتٍ فحسب, ويلعب فيه الذكاء الاصطناعي دوراً كانت تقوم به المؤسسات والأنظمة الثابتة و الذكاء الإنساني فقط . (3)
بل يشير إلى ما يسميه مثلث الرعب الجديد والذي يتمثل في الهندسة الوراثية والتكنولوجيا فائقة الصغر, والإنسان الآلي, وهذه المنظومة – كما يقول – تمثل طاقات هائلة للبناء والتقدم, وتشكل في نفس الوقت أدوات وأسلحة الدمار الشامل .
وبالانفجار المعرفي وبسيطرة التكنولوجيا تأثرت ثقافات بعض الشعوب وأفقدتها هويتها في بعض الأحيان, ومن ثم ظهر التحلل الأخلاقي والتفكك الأسري والتمرد والعنف والجريمة ... الخ وكان من نتيجتها في أحيان أخرى انتشار نوع من التعصب الشديد, والتفكير الأحادي الاتجاه الذي لا يقيم وزنا للمتغيرات العلمية والأخلاقية .
هذا وتأثير العولمة بكل أدواتها التكنولوجية على الشعوب الأقل تقدما ونموا بالغ الخطورة, إذ يضاف إلى مخاطرها التي تعاني منها الشعوب المتقدمة آثار أخرى تتمثل في كل صور التدخل في شؤونها والسيطرة على قراراتها بعيدا عن الحق والعدل .
ولهذا كان تشومسكي, وهو سياسي منصف ولغوي شهير, يرفض كل مظاهر الهيمنة التي يفرضها النظام الجديد, ويقول : القوة وحق التدخل المباشر للأقوياء والعقلانية الاقتصادية والشرعية الدولية, وحقوق الإنسان والديمقراطية للضعفاء" وهو ما يطلق عليه ثنائية المعايير.
الموقف العربي اليوم :
ليس لدى العرب – بكل أسف – إستراتيجية واضحة للتعامل مع النظام العالمي الجديد بكل ما يحمله من تحديات, ولا نملك القدرات المعرفية للمشاركة في وضع قواعده والمساهمة في تطوره المتسارع. وليس لدينا سياسة موحدة لمواجهته. ولكي نلحق بالنظام العالمي لابد أن نوفر لأنفسنا العوامل التي أوصلت العالم المتقدم إلى ما وصل إلىه من سيطرة على الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية ومن معارف وعلوم وتقنيات لا تفتأ تتطور وتتجدد في كل لحظة .
عوامل التقدم
لقد استطاع العالم المتقدم أن يتطور سريعا من خلال تطبيق مجموعة من القيم والأساليب التي أصبحت في وقتنا الحاضر ركائز أساسية للتطور والتقدم وهي: الالتزام والإيمان بهدف, الإتقان في العمل , روح الفريق , المنافسة الشريفة , احترام العمل وتقديس العلم واحترام التعليم, واتباع الأسلوب العلمي, وسرعة تطبيق واحترام التعليم , واتِّباع الأسلوب العلمي, وسرعة تطبيق الاكتشافات العلمية في الإنتاج, وتنمية الرصيد القومي المعرفي , والاهتمام بإنتاج البرمجيات ... وتدعيم الديمقراطية وحرية الرأي, وحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر , واحترام الوقت وفن إدارته ...... ( 4 )
ماذا علىنا أن نفعل ؟
لابد أولاً أن نفكر في المستقبل بعقلية المستقبل لا بعقلية الماضي التي ما تزال تسيطر على حياتنا وقراراتنا. العالم من حولنا يتغير وطرق التفكير تتطور, ومصادر القوة تشهد تحولات غير مسبوقة .
لقد أصبح التغيير ضرورة تقتضيها متغيرات العصر والعلاقات الدولية الجديدة, وشاملا لكل مؤسسات المجتمع وهيئاته ومكوناته .
العلم هو الحل
لابد أن نكون أقوياء, ووسيلتنا إليها هي العلم, فالعلم والمعرفة أصبحا يشكلان قوة العالم الجديد . وفي هذا يقول الدكتور حسين بهاء الدين : الرصيد القومي المعرفي هو المعيار الحقيقي لقوة الأمم. ومؤشراته ليست عدد المصانع ولا البنوك ولا الأرصدة الموجودة في الخزائن فحسب بل في عدد العلماء والمهندسين, ومتوسط عدد سنوات التعاليم على مستوى الدولة, وعدد الاكتشافات الدولية الجديدة, وعدد الدوريات العلمية والبحوث العلمية المنشورة, والقدرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة, واستخدام أجهزة الحاسوب ... الخ. العلم يتقدم في مجالات خطيرة جدا تشكل سبقاً كبيراً لمن يملك ناحية هذا العلم, وتشكل تهديدا أكبر لمن يفتقد القدرة على الوصول إلى هذا العلم (5).
ومع حاجتنا إلى التقدم العلمي للحاق بالعصر ومواجهة مشكلاته علينا أن نتنبه إلى أن أمامنا تحدي التقدم بما يفرضه من احترام التكنولوجيا المتقدمة, واكتشافها واستعمالها وتطبيقها, وأمامنا في الوقت نفسه حماية المجتمع من سيطرتها ومن ثم فعلينا أن نعمق جذور الانتماء بأوطاننا وبأهلينا والولاء إلى ثقافتنا الخاصة, وقيم التراث الذي نعتز بها حتى لا نكون ضحية لتلك التكنولوجيا .
تنمية الثروة البشرية
الإنسان هو صانع تقدمه أو تأخره, ومن ثم يجب النظر إليه على أنه عنصر أساسي في التنمية الدائمة, فهو أداتها, وهو هدفها في الوقت نفسه, وتنميته ليست مجرد تنمية تكنولوجية فحسب بل تنمية في المجالات الإنسانية المختلفة : الاجتماعية والثقافية والفنية والأخلاقية ... وتعتمد ثروة الأمم على قيمة ما تملكه من الثروة البشرية ذات القدرات العالية في تحصيل العلم واستخدام التكنولوجيا بل في الإبداع فيهما .

تعليق