عن اللغة والمعرفة
إبراهيم العجلونى
فارق اللغة مقتصر على الدلالة والإشارة. وقد يمتد إلى نمط العلاقة بين الأشياء على نحو ما يراها أهل هذا اللسان أو ذلك٬ ثم إلى أسلوب اللغة ونحوها الخاص بها٬ أو منطقها الداخلى الذى تتميز به عن غيرها.
أما أن يعتبر فارق اللغة فارقًا معرفيًا٬ فتلك دعوى عريضة داحضة الحجة ما لم تستظهر بشواهد لا نملك لها دفعًا. وذلك ما لا يستطيعه دعاة الاستعلاء العرقى الذين يربطون النفوذ الاستعمارى بدعوى تفوق اللغة٬ ويحتجون بالدبابة والصاروخ على أهلية الثقافة.
والذى يثير هذه القضية أن بعضنا لا يبلغ محصوله من هذه اللغة الأجنبية أو تلك أكثر من «معجم صغير» يستطيع به تسليك أموره فى مطار دولة ما أو فى فندق من فنادقها٬ ثم لا يتورع أن يتشادق بألفاظ يحفظها من هذا المعجم٬ مزدهيًا بذلك أيما ازدهاء٬ وكأنما قد تحققت له ريادة فكرية.
كما يثير هذه القضية أننا يتفق لنا أن نتعرف إلى بعض خريجى اللغة الإنجليزية (مثلا) فنسألهم عن شعراء مثل (شكسبير) و(إليوت) و(وردزورث) وعن نقاد مثل (ماثيو أرنولد) و(أ.أ. ريتشاردز) أو (فيرجينيا وولف) فلا نظفر منهم بغير الصمت (الذى لا يمكن ان يكون ذهبيا بحال) وغير الاعتذار بأن منهاج اللغة فى الجامعة لم يتحدث عن هؤلاء.
إن المقصد الرئيس من دراسة اللغة الأجنبية عند هؤلاء هو أن يكونوا «موظفين» لا أن يكونوا «مثقفين» ونحن نعتقد أنه لو توافرت لديهم أسباب الثقافة الذاتية فى لغتهم الأم وكانوا قد تمكنوا من معارفها وآدابها وأساليبها٬ لكان ذلك أقرب سبيل إلى أن يحاولوا مثل ذلك مع اللغات الأخرى. ومن يقرأ سير شخصيات أدبية من حجم طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وعبدالرحمن بدوى وعبدالغفار مكاوى وزكى مبارك وغيرهم من أعلام النهضة فى العصر الحديث يجد أن تمكنهم من العربية وإدراكهم أسرارها التعبيرية والجمالية قد ذهب بهم إلى العمق نفسه حين قرأوا اللغات الأخرى من إنجليزية وفرنسية وألمانية وغيرها.
إن اكتناه لغة ما وتمثل منطقها كفيل بأن يكون منطلقًا إلى اكتناه مثيل وبالدرجة نفسها لأى لغة أخرى٬ وإن العجز عن ذلك فى اللغة الأم لا يثمر إلا عجزًا مثيلًا فى سائر اللغات. وهو عجز يكشفه التشدق والادعاء ولى اللسان وينتهى به إلى أن يكون أضحوكة أو سخرية للساخرين.
ولقد يكون مفيدًا أن نستذكر هنا أن «ابن رشد» شارح فلسفة أرسطو الإغريقى المعتمد قرونًا عند الأوروبيين لم يكن يعرف اليونانية٬ وأن عقله الكبير قد تمثل المنجز الأرسطى من خلال الترجمات العربية التى وجدها أمامه٬ وأنه انتصر على فارق اللغة بتميز العقل الذى تكون «عربيًا» لديه٬ فبقدر ما استبطن لغته وثقافته الأصيلة كان قادرًا على مثل ذلك إزاء ما وجده من ترجمات يونانية لأرسطو.
ثم إن للمسألة جانبًا آخر لا بد أن يلتفت إليه «العربى» على وجه الخصوص. وهو بالغ ثراء العربية٬ حيث تتجاوز المفردات فيها اثنى عشرة مليون لفظة٬ لنا أن نتصور سعة ما يقابلها من معانٍ فى مقابل اللغات الأخرى التى لا تتجاوز مفردات أكثرها حضورًا المليون ونصف المليون لفظة٬ بما فى ذلك الإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية.
وإذا نحن اعتقدنا بما يراه بعضهم من رفض «الترادف» فى اللغة٬ ومن تحقق الاختلاف ــ ولو كان ضئيلًا ــ بين المترادفات٬ فإن من مقتضى ذلك أن للعربية إمكانات كبيرة ينبغى لنا الإفادة منها.
ولعل من يقرأ ما جاء فى الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى من حوار حول المنطق الإغريقى والنحو العربى أن يرى إلى جانب من تميز هذه اللغة الشريفة وأن يأسى فى الوقت نفسه يأسى لقصور أبنائها المعاصرين٬ ولما هم فيه من تخبط وتيه وذهول غير مقبول.
إبراهيم العجلونى
فارق اللغة مقتصر على الدلالة والإشارة. وقد يمتد إلى نمط العلاقة بين الأشياء على نحو ما يراها أهل هذا اللسان أو ذلك٬ ثم إلى أسلوب اللغة ونحوها الخاص بها٬ أو منطقها الداخلى الذى تتميز به عن غيرها.
أما أن يعتبر فارق اللغة فارقًا معرفيًا٬ فتلك دعوى عريضة داحضة الحجة ما لم تستظهر بشواهد لا نملك لها دفعًا. وذلك ما لا يستطيعه دعاة الاستعلاء العرقى الذين يربطون النفوذ الاستعمارى بدعوى تفوق اللغة٬ ويحتجون بالدبابة والصاروخ على أهلية الثقافة.
والذى يثير هذه القضية أن بعضنا لا يبلغ محصوله من هذه اللغة الأجنبية أو تلك أكثر من «معجم صغير» يستطيع به تسليك أموره فى مطار دولة ما أو فى فندق من فنادقها٬ ثم لا يتورع أن يتشادق بألفاظ يحفظها من هذا المعجم٬ مزدهيًا بذلك أيما ازدهاء٬ وكأنما قد تحققت له ريادة فكرية.
كما يثير هذه القضية أننا يتفق لنا أن نتعرف إلى بعض خريجى اللغة الإنجليزية (مثلا) فنسألهم عن شعراء مثل (شكسبير) و(إليوت) و(وردزورث) وعن نقاد مثل (ماثيو أرنولد) و(أ.أ. ريتشاردز) أو (فيرجينيا وولف) فلا نظفر منهم بغير الصمت (الذى لا يمكن ان يكون ذهبيا بحال) وغير الاعتذار بأن منهاج اللغة فى الجامعة لم يتحدث عن هؤلاء.
إن المقصد الرئيس من دراسة اللغة الأجنبية عند هؤلاء هو أن يكونوا «موظفين» لا أن يكونوا «مثقفين» ونحن نعتقد أنه لو توافرت لديهم أسباب الثقافة الذاتية فى لغتهم الأم وكانوا قد تمكنوا من معارفها وآدابها وأساليبها٬ لكان ذلك أقرب سبيل إلى أن يحاولوا مثل ذلك مع اللغات الأخرى. ومن يقرأ سير شخصيات أدبية من حجم طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وعبدالرحمن بدوى وعبدالغفار مكاوى وزكى مبارك وغيرهم من أعلام النهضة فى العصر الحديث يجد أن تمكنهم من العربية وإدراكهم أسرارها التعبيرية والجمالية قد ذهب بهم إلى العمق نفسه حين قرأوا اللغات الأخرى من إنجليزية وفرنسية وألمانية وغيرها.
إن اكتناه لغة ما وتمثل منطقها كفيل بأن يكون منطلقًا إلى اكتناه مثيل وبالدرجة نفسها لأى لغة أخرى٬ وإن العجز عن ذلك فى اللغة الأم لا يثمر إلا عجزًا مثيلًا فى سائر اللغات. وهو عجز يكشفه التشدق والادعاء ولى اللسان وينتهى به إلى أن يكون أضحوكة أو سخرية للساخرين.
ولقد يكون مفيدًا أن نستذكر هنا أن «ابن رشد» شارح فلسفة أرسطو الإغريقى المعتمد قرونًا عند الأوروبيين لم يكن يعرف اليونانية٬ وأن عقله الكبير قد تمثل المنجز الأرسطى من خلال الترجمات العربية التى وجدها أمامه٬ وأنه انتصر على فارق اللغة بتميز العقل الذى تكون «عربيًا» لديه٬ فبقدر ما استبطن لغته وثقافته الأصيلة كان قادرًا على مثل ذلك إزاء ما وجده من ترجمات يونانية لأرسطو.
ثم إن للمسألة جانبًا آخر لا بد أن يلتفت إليه «العربى» على وجه الخصوص. وهو بالغ ثراء العربية٬ حيث تتجاوز المفردات فيها اثنى عشرة مليون لفظة٬ لنا أن نتصور سعة ما يقابلها من معانٍ فى مقابل اللغات الأخرى التى لا تتجاوز مفردات أكثرها حضورًا المليون ونصف المليون لفظة٬ بما فى ذلك الإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية.
وإذا نحن اعتقدنا بما يراه بعضهم من رفض «الترادف» فى اللغة٬ ومن تحقق الاختلاف ــ ولو كان ضئيلًا ــ بين المترادفات٬ فإن من مقتضى ذلك أن للعربية إمكانات كبيرة ينبغى لنا الإفادة منها.
ولعل من يقرأ ما جاء فى الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى من حوار حول المنطق الإغريقى والنحو العربى أن يرى إلى جانب من تميز هذه اللغة الشريفة وأن يأسى فى الوقت نفسه يأسى لقصور أبنائها المعاصرين٬ ولما هم فيه من تخبط وتيه وذهول غير مقبول.

تعليق