التعليل عند النحاة ورأي ابن مضاء فيه
حجت رسولي: أستاذ مساعد في جامعة الشهيد بهشتي، ومساعد رئيس الجامعة
طالب ربيعي: باحث دکتوراه في جامعة الشهيد بهشتي في طهران
المقدمة
لقد اهتم علماؤنا المسلمون من العصور الأولى للإسلام بمسألة اللغة وما يتعلق بها اهتماماً بالغاً بحيث أنهم لو بذلوا هذه الطاقة الهائلة والمجهود العلمي الفذّ في مجال آخر لكانوا روّاد ذاك العلم ومنظّروه، كما أنهم كانوا ومازالوا كذلك في مجال اللغة. وكان علم النحو من أهمّ وأكثر العلوم اهتماماً لدى علماءنا بحيث أننا قلمّا نجد عالماً من علماءنا الأفذاذ القدامى مَن لم يتطرق إلى هذا العلم ولم يدلُ بدلوه في هذا المجال. ومن أهم العلماء الذين برزوا في هذا العلم وقعّدوا قواعده هما الخليل وتلميذه سيبويه. فكانت آراؤهما المنهل لسائر العلماء وشربوا منها إلى حد الريّ. ولكن بعد أمدٍ من الزمن ظهر هناك مَن رفض آراء علماء النحو ورآها صعبة مستعصية وفيها من الآراء المتكلفة ما لا يُستهان بها وكانوا يرون أن هذه الآراء نتيجة لسلطة نظرية العامل المختلَقة، فأرادوا أن يجددوا النحو وينهجوا به إلى الطريق الصحيحة وهذا ما دفعنا للبحث والتمحيص في هذا المجال بغية التوصل إلى الأهداف التالية:
أهداف البحث:
-تبيين حقيقة العامل النحوي و التعليل عند النحاة.
-وتبيين العلاقة التي تجمع هذا العامل بآراء فلاسفة اليونان.
-تأييد أو ردّ ما ذهب إليه ابن مضاء القرطبي من آراء بخصوص التعليل وما يتعلق به من قضايا.
أسئلة البحث: ما مدى تمسك النحاة بالعامل النحوي؟ وهل كانت هذه النظرية مأخوذة من طبيعة اللغة العربية أم أنها غريبة عنها لا تجمعها بها أي صلة؟ وما مدى صحة ما ذهب إليه ابن مضاء القرطبي في هذا الخصوص؟
أسلوب البحث: فكان الاعتماد في هذه الدراسة على استقراء آراء أحد أبرز العلماء المجددين في النحو ألا وهو ابن مضاء القرطبي ودراسة ما جاء به بخصوص العامل النحوي والتعليل وما يتعلق به من قضايا ومقارنتها بأفكار فحول النحاة بغية الوصول إلى الصواب.
سابقة البحث: وأما بخصوص الدراسات السابقة في هذا المجال يمكن أن نشير إلى كتاب محمد عرفة تحت عنوان “النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة” الذي تناول فيه آراء إبراهيم مصطفى، وهو من دُعاة التجديد، بالنقد والتحليل، والدكتور عمايرة الذي تناول في كتابه “العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه” العوامل اللفظية والمعنوية بالدرس والتمحيص، وأيضاً عبدالحميد السيد نظرية العامل في النحو العربي الذي دَرَسَ في دراسته “نظرية العامل في النحو العربي” الإعراب والعامل، وأيضاً بحث تحت عنوان التعليل للدكتور الشوشتري والذي تتطرق فيه إلى مسألة التعليل وحقيقته عند العرب، وغيرها من الدراسات. وأما الباحث حاول في هذه الدراسة أن يتطرق إلى أحد أبرز العلماء في مجال التجديد في النحو بصورة خاصة بالنقد وأن يساهم، ولو بقليل، في تنوير الأفكار في مجال هذا العلم، وتبيين مدى تمسّک النحاة بطبيعة اللغة ومدى بُعدهم عن آراء علماء اليونان.
العامل النحوي؛ تعريفه ونشأته
«اعتمد النحاة العرب في تقعيد العربية ووصف بنيتها النحوية، ثلاثة أصول شكلت مكونات منهجهم وهي :السماع، القياس، والتعليل…
ويشكل العامل، بتضافره مع الأصول الثلاثة السابقة، البنية العامة لنظرية النحو العربي، ويكاد ينعقد إجماع النحاة القدامي على أن ظواهر النحو في حركات الإعراب بمدلوليَّه المعنوي واللفظي، ومتغيرات التراكيب إنما هي آثار لعوامل»(الفهري، 1976: 13).
وهذا ما دفعنا إلى التطرّق وبشكل وافٍ –لو وُفقنا- إلى قضية العامل في النحو العربي وما أثارته من صخب وجدل لا يمكن غضّ الطرف عنها؛ ولمَ لا وهي تُعدّ قُطب الرحَى في النحو العربي!
تعود نشأة فكرة العامل إلى جدور اللغة العربية ونحوها، و«يُعدّ عبداللَّه بن أبي إسحاق الحضري (ت117هـ) مبتدع هذا المنحَى في الدرس النحوي، على وفق ما روي ابن سلّام (ت231هـ)، واحتذى هذا المنهج عيسى بن عمر (ت149هـ)، فجلّى هذا الاتجاه في النظر النحوي البصري»(تمام حسان، 1982: 65)، ولكن اتسع نطاق القول في العامل النحوي على يدي العالمين النحريرَين؛ ألا وهما الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) وبالأخص تلميذه الفذّ سيبويه (ت180هـ)، ويُعدّ هذان العالمان من ركائز هذا العلم واللغة العربية بشكلٍ عام.
«العامل في اللغة: اسم فاعل من العمل، والعمل (المهنة والفعل)»(ابن منظور، دت: مادة عمل، جـ4، 3107) ، وأما في الاصطلاح: «فقد عرّفه الرماني: «عامل الإعراب هو موجب التغيير في الكلمة على طريقة المعاقبة لاختلاف المعنى»(الرماني، 1984: 69)، وعرّفه ابن بابشاذ: «العمل هو ماعمل في غيره شيئاً، من رفع أو نصب أو جر أو جزم على حسب اختلاف المعاني»(ابن بابشاذ، 1976: جـ2، 344)، وقال في تعريفه الجرجاني: «ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب»(الجرجاني، 2007: 135)، وعرّفه ابن الحجاج: «العمل ما به يتقوّم المعنى المقتضي للإعراب»(ابن الحاج، دت: 31).
فهذا هو العامل النحوي، متجذّر في اللغة، وعلى صلة وثيقة بالمعنى، كما تبيَّن من التعاريف السابقة الذكر، ولكن تبقى هناك قضية حائرة لابدّ من التطرق إليها ولو بصورة عابرة، ألا وهي مسألة الصلة بين العمل النحوي هذا وبين المنطق الأرسطي الذي يراه أصحاب التجديد مأخوذ منه. فهل في الواقع هناك ارتباط وصلة بين هذا وذاك؟ وهل عاملنا هذا متأثر بذلك المنطق الذي يتزعّمه أرسطو؟
العامل النحوي والمنطق الأرسطي
هناك نحاة من المحدثين يذهبون إلى أن هناك صلة تجمع عاملنا النحوي بمنطق الإغريق الذي خلّفه أرسطو وأصحابه وأن نظرية النحوي أثر وانعكاس للثقافة اليونانية، «واستندوا في اثبات ذلك إلى الصحبة التي كانت بين الخليل (توفي 175هـ) وحنين بن إسحاق (توفي 260هـ)، الذي كانت له دراية باليونانية والسريانية والفارسية»(محمد خان، 2012: 131)، ويبدو أن مصدر هذا الرأي على الأرجح يرجع إلى ما أشار إليه أحمد أمين في الجزء الأول من كتابه “ضحى الإسلام”، حيث قال:«كان لهذه الثقافة اليونانية أثر كبير في المسلمين، وممّا زاد في أثرها أن اتصال المسلمين بها صاحَبَ عصر تدوين العلوم العربية، تسرَّبت الثقافة اليونانية إليها، وصبغتها صبغة خاصة، كان لها تأثير كبير في الشكل وفي الموضوع»(أحمد أمين، 1997: 292). وأيضاً «أكد إبراهيم بيومي مدكور صلة العربي بالنحو السرياني على يد يعقوب الرهاوي، أورد هذا الزعم الحاج عبدالرحمن صالح»(محمد خان، 2012: 131).
قبل التطرق إلى هذا الرأي وإثبات صحته أو سقمه، علينا أولاً قبل أي شيء أن نتذّكر أنه لو فرضنا وسلّمنا أن نظرية العامل مقتبسة من ثقافة ومنطق الإغريق أو نحو السريان أو أي ثقافة أخرى، لا ضير في ذلك؛ أوَ ليس منطق العلم، منطق أخذ وعطاء، أوَ نتوقع أن يكون كل علم محصور لدى موجديه أو منظّريه، أوَ هذا ما يبتغيه موجدوا أو منطّروا العلوم أنفسهم، أم يريدونه شائعاً رائجاً في جميع أقطار العالم؟! أوَ ليست الأحاديث التي تفرض علينا عملية الأخذ والعطاء في العلم كافية، زاجرة هؤلاء عن القول بمثل هده الأقاويل؛ أحاديث من مثل: “اطلبوا العلم ولو بالصين”، و”الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك”؟!
ثانياً إننا لا نسلّم ولا نؤيد هذا الرأي، فهناك ما يثبت عكس ما ذهب إليه هؤلاء من زعمهم أن عاملنا النحوي مأخوذ من الإغريق أو السريان، فاستدلَّ الحاج عبدالرحمن صالح بالحجة «أن لا علاقة بين النحو العربي في نشأته الأولى وبين غيره، وبخاصة في عصر الخليل وسيبويه، كما بيّن وجه الغلط الذي سقط فيه مهدي المخزومي حيث يستحيل أن يلتقي الخليل بحنين، لأن الأول توفي سنة 175هـ، ووُلد الثاني سنة 194هـ»(المصدر السابق: 131-132).
والأهم من ذلك أن سِنخ التعليلات التي ذكرها النحاة الفحول المبنيّة على أساس نظرية العامل هذا تختلف كلَّ الاختلاف عمّا كان عليه في المنطق الأرسطي؛ فهذه التعليلات مأخوذة ومستوحاة من كلام العرب وطبيعة لغتهم. و خير شاهد على ذلک ما نقل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي حين سُئل عن علل النحو التي يعتلَّ بها، قال:«إن العرب نطقت على سجيّتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمستُ، وإن تكن هناك علّة له فمثلي في ذلك كمثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء، عجيبة النظم و الأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانِيها بالخبر الصادق أو البراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلّما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها، [قال]: إنما فعل هذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله، محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة. إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت به»(الزجاجي، 1979: 66).
فالتعليلات التي ذكروها «مستنبطة من الاستعمالات اللغوية والأدبية، وغير خارجة عن أجواء اللغة العربية وطبيعة أربابها. فهي في مجموعها تستند إلى الحس اللغوي، والطبع العربي، وبعيدة كل البُعد عن الأساليب المنطقية وتعليلاتها، ولا تمتّ إليها وإلى كل ما هو مخالف لطبيعة اللغة العربية بأدنى صلة»(الشوشتري، 1381ه.شـ: 41). ومن أهمّ ما تمسكوا به في تعليلاتهم المشابهة الموجودة في الأساليب اللغوية المختلفة، وما أكثر هذه المشابهة والتشبيه في استعمال العرب! قال المبرد: «والتشبيه جارٍ، كثير في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد»(المبرد، 1355قـ: جـ2، 104). وهذا يدلّ على أن سيبويه والنحاة كانوا بعيدين كلّ البعد عن الأساليب المنطقية وكان التشبيه يُعَــدُّ الحجر الأساس في تعليلاتهم وكان سيبويه في استخدام هذا التشبيه «مقتدياً بالعرب، ومذاهبها في الاستعمالات اللغوية حرصاً منه على عدم الخروج باللغة العربية عن مذاهب أربابها، وعمّا تعارفوا عليه فيها»(المصدر السابق، جـ2، 104). سنذكر مثالاً عن تعليلهم بالتشبيه لكي نلاحظ مدى التمايز والتباين ما بين تعليل النحاة والمنطق الأرسطي. قال ابن جني: «قالوا للناقة: “جمالية”؛ لأنهم شبّوهها بالجَمَــــل في شدّته وعلوّ خلقه … وهو كثير. فلّما شاعَ ذلك واطرَّد صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا فشبَّهوا الجمل بالناقة في ذلك … وهذا المعنى قد استعمله النحويون في صناعتهم؛ فشبّهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل: ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك: (هذا حسن الوجه) أن يكون الجرّ في الوجه في موضعين، أحدهما الإضافة، والآخر تشبيهه بـ(الضارب الرجل) الذي إنما جاز فيه الجر تشبيهاً له بـ(الحسن الوجه) … فإن قيل: وما الذي سوّغ سيبويه هذا، وليس مما يرويه عن العرب رواية، وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه، وعلّل به؟
قيل: يدلّ على صحة ما رآه من هذا، وما ذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبّهت شيئاً بشيء مكنت ذلك الشبه لهما، وعمّرت به الحال بينهما … فاعرف –إذن- ما نحن عليه للعرب مذهباً، ولمن شرح لغاتها مضطرباً، وأن سيبويه لاحق بهم، غير بعيد فيه عنهم»(ابن جني، 1913: جـ1، 303-304). فما أبعد هذا من المنطق الأرسطي!
فالعامل والتعيلات التي قدّموها لنا النحاة القدامى والنحو بصورة كلية لا تمتّ بأدنى صلة بمنطق اليونان وثقافتهم ولا بأي ثقافة أخرى، بل هي مستوحاة ومستخرجة من طبيعة اللغة العربية ولم تبتعد بقليل ولا كثير عن عُرف أربابها، والنحاة كانوا حريصين الحرص كلّه على عدم إقحام ما هو غريبٌ عنها إليها. «قال صاحب المستوفي: النحو صناعة علمية، ينظر لها أصحابها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم؛ لتُعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى؛ فيُتوصّل بإحداهما إلى الآخر، … وقال ابن عصفور: النحو علم مستحرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصّلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها»(السيوطي، 1426: 21-22).
وأما بعدُ، وقبل التطرق إلى ابن مضاء القرطبي وأبرز آرائه في مجال التجديد لا ضير من الإشارة إلى السبب وراء الإتيان بالعامل النحوي وما قيل بخصوصه قبل الحديث عن ابن مضاء نفسه. يرجع هذا الأمر إلى أهمية هذا العامل في آراء هذا العالم -وهذا ما سنلاحظه في الحديث في آراء هذا العالم إن شاء اللَّه- وفي آراء المجددين في النحو بصورة أجمع.
نعم، فبعد هذا البحث الشبه المفصّل عن العامل وصلته بمنطق اليونان، ننتقل إلى ابن مضاء القرطبي وهو الذي أجهد نفسه في تجديد النحو أو تحديثه أو ما شابه ذلك من اصطلاحات، وندرس أهمّ القضايا التي تناولها ونتطرق إلى الجديد الذي أحدثه وإلى البديع الذي أبدعه.
ابن مضاء وأهم آرائه
كان ابن مضاء من علماء الأندلس، وقد وُلد بقرطبة سنة 512هــ، ومات بإشبيلية سنة 592هـ، ولقد بلغ هو وكتابه “الرد على النحاة” شهرة واسعة في علم النحو واهتم الدارسين في هذا المجال على كتابه بشكل منقطع النظير؛ لمَ لا وهو الذي يقول في مستهلّ كتابه: «قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه»(ابن مضاء، 1399قـ: 69).
ولعل أهم القضايا التي اهتمَّ بها ابن مضاء في كتابه هذا هي مسألة العامل النحوي وإلغائه، ولعلَّ هذا ما جعله في رأس ما تتطرَّق إليه، واستهلَّ حديثه بما قاله سيبويه في صدر كتابه، حيث قال: «إنما ذكرت ثمانية مجارٍ، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدثه فيه العامل، وليس شيء منها إلا ويزول عنه، وبين ما يُبنغي عليه الحرف بناء لا يزول عنه، لغير شيء أحدث ذلك فيه»(سيبويه، 1408قـ: جـ1، 13)، ويقول معقباً على كلام سيبويه: «فظاهر هذا أن العامل أحدث الإعراب، وذلك بيّن الفساد»(ابن مضاء، 1399قـ: 69). وجاء أيضاً برأي ابن جني الذي يراه مؤيداً لما ذكره، حيث نقل عنه: «وأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه، لا لشيء غيره»(المصدر السابق: 69).
فابن مضاء كان يعتقد بأن العمل الحقيقي إنما هو للمتكلم وليس كما يعتقده النحاة وهو أن العمل للألفاظ أو المعاني.
أما بالنسبة إلى ما ذكره ابن مضاء عن سيبويه في أنه يعتقد أن هذه العوامل تعمل في معمولاتها على سبيل الحقيقة لا المجاز، ففي “الكتاب” ما لا يُستهان به حيث ينسب فيه سيبويه العمل للمتكلم، حيث يقول: «فمن ذلك قول بعض العرب: ليس خلق اللَّه مثله، فلو لا أن فيه إضماراً لم يجز أن تذكر الفعل، ولم تعمله في اسم»(سيبويه، 1408قـ: جـ1، 70)، فنسب الإعمال للمتكلم. وقال أيضاً: «وأما قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
فإنه رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يُرد ذلك ونصب، فَسَدَ المعنى، فنسب العمل إلى امرئ القيس»(المصدر السابق: جـ1، 79).
ثم يذهب سيبويه إلى أبعد من هذا ويصرّح بأن هذه الاصطلاحات شيء تَواضَعنا عليه، حيث ذكر: «فأما ما تراه في الكتاب من اصطلاح العمل ونسبته أحياناً إلى اللفظ أو إلى المتكلم، فذلك شيء تواضعنا عليه، رأينا أنه يحقق نوعاً من الاختصار في التعبير … فقد اصطلحنا على أن الكلمة إذا كانت طالبة لغيرها وصحب هذا الطلب تأثير في الكلمة المطلوبة، اصطلحنا على أن نسمي هذه الكلمة الطالبة: عاملة، والكلمة المطلوبة: معمولة لها، نظراً لوجود العمل مع وجودها، وزواله مع زوالها، فأما في الحقيقة فالأمر ما عرفت من قبل لا يعدو أن يكون عرفاً لغوياً»(المصدر السابق: جـ1، 15).
فهذا كلام صريح يبيّن أن الغرض من استعمال هذه الاصطلاحات إنما هو للاختصار ونتيجة للتواضع ما بين النحاة. فلعلّ ابن مضاء حين تمسّك بقول سيبويه ذاك نسي مثل هذه الأقول أو تناساها وصدق عليه هذا القول: “حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء”.
وأما ما نقله عن ابن جني في نسبة العمل للمتكم لا للألفاظ، فلا نراه يختلف كثيراً ولا قليلاً عمّا ذكره سيبويه، فماذا عساه يقول لابن جني وهو الذي يقول: «ألا ترى أنك إذا قلت قام بكرٌ، ورأيت بكراً، ومررت ببكرٍ، فإنك إنما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل»(ابن جني، 1913: جـ1، 37) ، وقوله: «إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل»(المصدر السابق، جـ2، 391)، وقوله: «إن أصل عمل النصب إنما هو للفعل وغيره من النواصب مشبه في ذلك الفعل»(المصدر السابق، جـ1، 103). وهنا لابدّ من الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية بغية الوصول إلى مبتغى ابن جني من نسبته الأفعال إلى المتكلم وهو أن ابن جني كان من المعتزلة والكلام كان على مطلق الأفعال عند ابن جني، والمبحث هنا في العقيدة لا في اللغة، فالمعتزلة ينسبون الأفعال للعباد، بخلاف أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن اللَّه خالق كلّ شيء. فالكلام هنا ليس عن اللغة وإنما عن العقيدة وبما أن ابن جني كان من المعتزلة، فلا غرو من إبدائه بمثل هذه الآراء، والشواهد المذكورة أعلاه تؤيد ما ذهبنا إليه. وإضافة إلى هذا، نسبة العمل إلى المتكلم لا تنفي قضية العامل كما أوضحنا ذلك في تبيين كلام سيبويه.
وهنا لابدّ من الإشارة إلى مسألة هامة جداً ألا وهي: ما القصد من نسبة العمل للمتكلم عند النحاة؟ وهل يعني هذا أن المتكلم حرّ يرفع وينصب ويجر ويجزم أنّى شاء وكيفما اتَّفق؟! لو كان الأمر كذلك لعمّت الفوضى على اللغة، «ولأخذ كل متحدث يرفع وينصب ويجر ويجزم كما يريد، بل لأخذ تارة يرفع وأخرى ينصب أو … في تركيب جملي واحد، ولذا فنرى أن القصد أن المتكلم في نيته ومكنون نفسه وعقله يعرف أنه يريد معنى معيناً فينطق بالكلمة التي تؤدي هذا المعنى، ثم يعطيها الحركة المناسبة لها آخذاً ممّا جاء في أقوال النحاة ذاتهم بناءً على استقراء لغة العرب»(عمايرة، دت: 71).
حجت رسولي: أستاذ مساعد في جامعة الشهيد بهشتي، ومساعد رئيس الجامعة
طالب ربيعي: باحث دکتوراه في جامعة الشهيد بهشتي في طهران
المقدمة
لقد اهتم علماؤنا المسلمون من العصور الأولى للإسلام بمسألة اللغة وما يتعلق بها اهتماماً بالغاً بحيث أنهم لو بذلوا هذه الطاقة الهائلة والمجهود العلمي الفذّ في مجال آخر لكانوا روّاد ذاك العلم ومنظّروه، كما أنهم كانوا ومازالوا كذلك في مجال اللغة. وكان علم النحو من أهمّ وأكثر العلوم اهتماماً لدى علماءنا بحيث أننا قلمّا نجد عالماً من علماءنا الأفذاذ القدامى مَن لم يتطرق إلى هذا العلم ولم يدلُ بدلوه في هذا المجال. ومن أهم العلماء الذين برزوا في هذا العلم وقعّدوا قواعده هما الخليل وتلميذه سيبويه. فكانت آراؤهما المنهل لسائر العلماء وشربوا منها إلى حد الريّ. ولكن بعد أمدٍ من الزمن ظهر هناك مَن رفض آراء علماء النحو ورآها صعبة مستعصية وفيها من الآراء المتكلفة ما لا يُستهان بها وكانوا يرون أن هذه الآراء نتيجة لسلطة نظرية العامل المختلَقة، فأرادوا أن يجددوا النحو وينهجوا به إلى الطريق الصحيحة وهذا ما دفعنا للبحث والتمحيص في هذا المجال بغية التوصل إلى الأهداف التالية:
أهداف البحث:
-تبيين حقيقة العامل النحوي و التعليل عند النحاة.
-وتبيين العلاقة التي تجمع هذا العامل بآراء فلاسفة اليونان.
-تأييد أو ردّ ما ذهب إليه ابن مضاء القرطبي من آراء بخصوص التعليل وما يتعلق به من قضايا.
أسئلة البحث: ما مدى تمسك النحاة بالعامل النحوي؟ وهل كانت هذه النظرية مأخوذة من طبيعة اللغة العربية أم أنها غريبة عنها لا تجمعها بها أي صلة؟ وما مدى صحة ما ذهب إليه ابن مضاء القرطبي في هذا الخصوص؟
أسلوب البحث: فكان الاعتماد في هذه الدراسة على استقراء آراء أحد أبرز العلماء المجددين في النحو ألا وهو ابن مضاء القرطبي ودراسة ما جاء به بخصوص العامل النحوي والتعليل وما يتعلق به من قضايا ومقارنتها بأفكار فحول النحاة بغية الوصول إلى الصواب.
سابقة البحث: وأما بخصوص الدراسات السابقة في هذا المجال يمكن أن نشير إلى كتاب محمد عرفة تحت عنوان “النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة” الذي تناول فيه آراء إبراهيم مصطفى، وهو من دُعاة التجديد، بالنقد والتحليل، والدكتور عمايرة الذي تناول في كتابه “العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه” العوامل اللفظية والمعنوية بالدرس والتمحيص، وأيضاً عبدالحميد السيد نظرية العامل في النحو العربي الذي دَرَسَ في دراسته “نظرية العامل في النحو العربي” الإعراب والعامل، وأيضاً بحث تحت عنوان التعليل للدكتور الشوشتري والذي تتطرق فيه إلى مسألة التعليل وحقيقته عند العرب، وغيرها من الدراسات. وأما الباحث حاول في هذه الدراسة أن يتطرق إلى أحد أبرز العلماء في مجال التجديد في النحو بصورة خاصة بالنقد وأن يساهم، ولو بقليل، في تنوير الأفكار في مجال هذا العلم، وتبيين مدى تمسّک النحاة بطبيعة اللغة ومدى بُعدهم عن آراء علماء اليونان.
العامل النحوي؛ تعريفه ونشأته
«اعتمد النحاة العرب في تقعيد العربية ووصف بنيتها النحوية، ثلاثة أصول شكلت مكونات منهجهم وهي :السماع، القياس، والتعليل…
ويشكل العامل، بتضافره مع الأصول الثلاثة السابقة، البنية العامة لنظرية النحو العربي، ويكاد ينعقد إجماع النحاة القدامي على أن ظواهر النحو في حركات الإعراب بمدلوليَّه المعنوي واللفظي، ومتغيرات التراكيب إنما هي آثار لعوامل»(الفهري، 1976: 13).
وهذا ما دفعنا إلى التطرّق وبشكل وافٍ –لو وُفقنا- إلى قضية العامل في النحو العربي وما أثارته من صخب وجدل لا يمكن غضّ الطرف عنها؛ ولمَ لا وهي تُعدّ قُطب الرحَى في النحو العربي!
تعود نشأة فكرة العامل إلى جدور اللغة العربية ونحوها، و«يُعدّ عبداللَّه بن أبي إسحاق الحضري (ت117هـ) مبتدع هذا المنحَى في الدرس النحوي، على وفق ما روي ابن سلّام (ت231هـ)، واحتذى هذا المنهج عيسى بن عمر (ت149هـ)، فجلّى هذا الاتجاه في النظر النحوي البصري»(تمام حسان، 1982: 65)، ولكن اتسع نطاق القول في العامل النحوي على يدي العالمين النحريرَين؛ ألا وهما الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) وبالأخص تلميذه الفذّ سيبويه (ت180هـ)، ويُعدّ هذان العالمان من ركائز هذا العلم واللغة العربية بشكلٍ عام.
«العامل في اللغة: اسم فاعل من العمل، والعمل (المهنة والفعل)»(ابن منظور، دت: مادة عمل، جـ4، 3107) ، وأما في الاصطلاح: «فقد عرّفه الرماني: «عامل الإعراب هو موجب التغيير في الكلمة على طريقة المعاقبة لاختلاف المعنى»(الرماني، 1984: 69)، وعرّفه ابن بابشاذ: «العمل هو ماعمل في غيره شيئاً، من رفع أو نصب أو جر أو جزم على حسب اختلاف المعاني»(ابن بابشاذ، 1976: جـ2، 344)، وقال في تعريفه الجرجاني: «ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب»(الجرجاني، 2007: 135)، وعرّفه ابن الحجاج: «العمل ما به يتقوّم المعنى المقتضي للإعراب»(ابن الحاج، دت: 31).
فهذا هو العامل النحوي، متجذّر في اللغة، وعلى صلة وثيقة بالمعنى، كما تبيَّن من التعاريف السابقة الذكر، ولكن تبقى هناك قضية حائرة لابدّ من التطرق إليها ولو بصورة عابرة، ألا وهي مسألة الصلة بين العمل النحوي هذا وبين المنطق الأرسطي الذي يراه أصحاب التجديد مأخوذ منه. فهل في الواقع هناك ارتباط وصلة بين هذا وذاك؟ وهل عاملنا هذا متأثر بذلك المنطق الذي يتزعّمه أرسطو؟
العامل النحوي والمنطق الأرسطي
هناك نحاة من المحدثين يذهبون إلى أن هناك صلة تجمع عاملنا النحوي بمنطق الإغريق الذي خلّفه أرسطو وأصحابه وأن نظرية النحوي أثر وانعكاس للثقافة اليونانية، «واستندوا في اثبات ذلك إلى الصحبة التي كانت بين الخليل (توفي 175هـ) وحنين بن إسحاق (توفي 260هـ)، الذي كانت له دراية باليونانية والسريانية والفارسية»(محمد خان، 2012: 131)، ويبدو أن مصدر هذا الرأي على الأرجح يرجع إلى ما أشار إليه أحمد أمين في الجزء الأول من كتابه “ضحى الإسلام”، حيث قال:«كان لهذه الثقافة اليونانية أثر كبير في المسلمين، وممّا زاد في أثرها أن اتصال المسلمين بها صاحَبَ عصر تدوين العلوم العربية، تسرَّبت الثقافة اليونانية إليها، وصبغتها صبغة خاصة، كان لها تأثير كبير في الشكل وفي الموضوع»(أحمد أمين، 1997: 292). وأيضاً «أكد إبراهيم بيومي مدكور صلة العربي بالنحو السرياني على يد يعقوب الرهاوي، أورد هذا الزعم الحاج عبدالرحمن صالح»(محمد خان، 2012: 131).
قبل التطرق إلى هذا الرأي وإثبات صحته أو سقمه، علينا أولاً قبل أي شيء أن نتذّكر أنه لو فرضنا وسلّمنا أن نظرية العامل مقتبسة من ثقافة ومنطق الإغريق أو نحو السريان أو أي ثقافة أخرى، لا ضير في ذلك؛ أوَ ليس منطق العلم، منطق أخذ وعطاء، أوَ نتوقع أن يكون كل علم محصور لدى موجديه أو منظّريه، أوَ هذا ما يبتغيه موجدوا أو منطّروا العلوم أنفسهم، أم يريدونه شائعاً رائجاً في جميع أقطار العالم؟! أوَ ليست الأحاديث التي تفرض علينا عملية الأخذ والعطاء في العلم كافية، زاجرة هؤلاء عن القول بمثل هده الأقاويل؛ أحاديث من مثل: “اطلبوا العلم ولو بالصين”، و”الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك”؟!
ثانياً إننا لا نسلّم ولا نؤيد هذا الرأي، فهناك ما يثبت عكس ما ذهب إليه هؤلاء من زعمهم أن عاملنا النحوي مأخوذ من الإغريق أو السريان، فاستدلَّ الحاج عبدالرحمن صالح بالحجة «أن لا علاقة بين النحو العربي في نشأته الأولى وبين غيره، وبخاصة في عصر الخليل وسيبويه، كما بيّن وجه الغلط الذي سقط فيه مهدي المخزومي حيث يستحيل أن يلتقي الخليل بحنين، لأن الأول توفي سنة 175هـ، ووُلد الثاني سنة 194هـ»(المصدر السابق: 131-132).
والأهم من ذلك أن سِنخ التعليلات التي ذكرها النحاة الفحول المبنيّة على أساس نظرية العامل هذا تختلف كلَّ الاختلاف عمّا كان عليه في المنطق الأرسطي؛ فهذه التعليلات مأخوذة ومستوحاة من كلام العرب وطبيعة لغتهم. و خير شاهد على ذلک ما نقل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي حين سُئل عن علل النحو التي يعتلَّ بها، قال:«إن العرب نطقت على سجيّتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمستُ، وإن تكن هناك علّة له فمثلي في ذلك كمثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء، عجيبة النظم و الأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانِيها بالخبر الصادق أو البراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلّما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها، [قال]: إنما فعل هذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله، محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة. إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت به»(الزجاجي، 1979: 66).
فالتعليلات التي ذكروها «مستنبطة من الاستعمالات اللغوية والأدبية، وغير خارجة عن أجواء اللغة العربية وطبيعة أربابها. فهي في مجموعها تستند إلى الحس اللغوي، والطبع العربي، وبعيدة كل البُعد عن الأساليب المنطقية وتعليلاتها، ولا تمتّ إليها وإلى كل ما هو مخالف لطبيعة اللغة العربية بأدنى صلة»(الشوشتري، 1381ه.شـ: 41). ومن أهمّ ما تمسكوا به في تعليلاتهم المشابهة الموجودة في الأساليب اللغوية المختلفة، وما أكثر هذه المشابهة والتشبيه في استعمال العرب! قال المبرد: «والتشبيه جارٍ، كثير في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد»(المبرد، 1355قـ: جـ2، 104). وهذا يدلّ على أن سيبويه والنحاة كانوا بعيدين كلّ البعد عن الأساليب المنطقية وكان التشبيه يُعَــدُّ الحجر الأساس في تعليلاتهم وكان سيبويه في استخدام هذا التشبيه «مقتدياً بالعرب، ومذاهبها في الاستعمالات اللغوية حرصاً منه على عدم الخروج باللغة العربية عن مذاهب أربابها، وعمّا تعارفوا عليه فيها»(المصدر السابق، جـ2، 104). سنذكر مثالاً عن تعليلهم بالتشبيه لكي نلاحظ مدى التمايز والتباين ما بين تعليل النحاة والمنطق الأرسطي. قال ابن جني: «قالوا للناقة: “جمالية”؛ لأنهم شبّوهها بالجَمَــــل في شدّته وعلوّ خلقه … وهو كثير. فلّما شاعَ ذلك واطرَّد صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا فشبَّهوا الجمل بالناقة في ذلك … وهذا المعنى قد استعمله النحويون في صناعتهم؛ فشبّهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل: ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك: (هذا حسن الوجه) أن يكون الجرّ في الوجه في موضعين، أحدهما الإضافة، والآخر تشبيهه بـ(الضارب الرجل) الذي إنما جاز فيه الجر تشبيهاً له بـ(الحسن الوجه) … فإن قيل: وما الذي سوّغ سيبويه هذا، وليس مما يرويه عن العرب رواية، وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه، وعلّل به؟
قيل: يدلّ على صحة ما رآه من هذا، وما ذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبّهت شيئاً بشيء مكنت ذلك الشبه لهما، وعمّرت به الحال بينهما … فاعرف –إذن- ما نحن عليه للعرب مذهباً، ولمن شرح لغاتها مضطرباً، وأن سيبويه لاحق بهم، غير بعيد فيه عنهم»(ابن جني، 1913: جـ1، 303-304). فما أبعد هذا من المنطق الأرسطي!
فالعامل والتعيلات التي قدّموها لنا النحاة القدامى والنحو بصورة كلية لا تمتّ بأدنى صلة بمنطق اليونان وثقافتهم ولا بأي ثقافة أخرى، بل هي مستوحاة ومستخرجة من طبيعة اللغة العربية ولم تبتعد بقليل ولا كثير عن عُرف أربابها، والنحاة كانوا حريصين الحرص كلّه على عدم إقحام ما هو غريبٌ عنها إليها. «قال صاحب المستوفي: النحو صناعة علمية، ينظر لها أصحابها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم؛ لتُعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى؛ فيُتوصّل بإحداهما إلى الآخر، … وقال ابن عصفور: النحو علم مستحرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصّلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها»(السيوطي، 1426: 21-22).
وأما بعدُ، وقبل التطرق إلى ابن مضاء القرطبي وأبرز آرائه في مجال التجديد لا ضير من الإشارة إلى السبب وراء الإتيان بالعامل النحوي وما قيل بخصوصه قبل الحديث عن ابن مضاء نفسه. يرجع هذا الأمر إلى أهمية هذا العامل في آراء هذا العالم -وهذا ما سنلاحظه في الحديث في آراء هذا العالم إن شاء اللَّه- وفي آراء المجددين في النحو بصورة أجمع.
نعم، فبعد هذا البحث الشبه المفصّل عن العامل وصلته بمنطق اليونان، ننتقل إلى ابن مضاء القرطبي وهو الذي أجهد نفسه في تجديد النحو أو تحديثه أو ما شابه ذلك من اصطلاحات، وندرس أهمّ القضايا التي تناولها ونتطرق إلى الجديد الذي أحدثه وإلى البديع الذي أبدعه.
ابن مضاء وأهم آرائه
كان ابن مضاء من علماء الأندلس، وقد وُلد بقرطبة سنة 512هــ، ومات بإشبيلية سنة 592هـ، ولقد بلغ هو وكتابه “الرد على النحاة” شهرة واسعة في علم النحو واهتم الدارسين في هذا المجال على كتابه بشكل منقطع النظير؛ لمَ لا وهو الذي يقول في مستهلّ كتابه: «قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه»(ابن مضاء، 1399قـ: 69).
ولعل أهم القضايا التي اهتمَّ بها ابن مضاء في كتابه هذا هي مسألة العامل النحوي وإلغائه، ولعلَّ هذا ما جعله في رأس ما تتطرَّق إليه، واستهلَّ حديثه بما قاله سيبويه في صدر كتابه، حيث قال: «إنما ذكرت ثمانية مجارٍ، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدثه فيه العامل، وليس شيء منها إلا ويزول عنه، وبين ما يُبنغي عليه الحرف بناء لا يزول عنه، لغير شيء أحدث ذلك فيه»(سيبويه، 1408قـ: جـ1، 13)، ويقول معقباً على كلام سيبويه: «فظاهر هذا أن العامل أحدث الإعراب، وذلك بيّن الفساد»(ابن مضاء، 1399قـ: 69). وجاء أيضاً برأي ابن جني الذي يراه مؤيداً لما ذكره، حيث نقل عنه: «وأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه، لا لشيء غيره»(المصدر السابق: 69).
فابن مضاء كان يعتقد بأن العمل الحقيقي إنما هو للمتكلم وليس كما يعتقده النحاة وهو أن العمل للألفاظ أو المعاني.
أما بالنسبة إلى ما ذكره ابن مضاء عن سيبويه في أنه يعتقد أن هذه العوامل تعمل في معمولاتها على سبيل الحقيقة لا المجاز، ففي “الكتاب” ما لا يُستهان به حيث ينسب فيه سيبويه العمل للمتكلم، حيث يقول: «فمن ذلك قول بعض العرب: ليس خلق اللَّه مثله، فلو لا أن فيه إضماراً لم يجز أن تذكر الفعل، ولم تعمله في اسم»(سيبويه، 1408قـ: جـ1، 70)، فنسب الإعمال للمتكلم. وقال أيضاً: «وأما قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
فإنه رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يُرد ذلك ونصب، فَسَدَ المعنى، فنسب العمل إلى امرئ القيس»(المصدر السابق: جـ1، 79).
ثم يذهب سيبويه إلى أبعد من هذا ويصرّح بأن هذه الاصطلاحات شيء تَواضَعنا عليه، حيث ذكر: «فأما ما تراه في الكتاب من اصطلاح العمل ونسبته أحياناً إلى اللفظ أو إلى المتكلم، فذلك شيء تواضعنا عليه، رأينا أنه يحقق نوعاً من الاختصار في التعبير … فقد اصطلحنا على أن الكلمة إذا كانت طالبة لغيرها وصحب هذا الطلب تأثير في الكلمة المطلوبة، اصطلحنا على أن نسمي هذه الكلمة الطالبة: عاملة، والكلمة المطلوبة: معمولة لها، نظراً لوجود العمل مع وجودها، وزواله مع زوالها، فأما في الحقيقة فالأمر ما عرفت من قبل لا يعدو أن يكون عرفاً لغوياً»(المصدر السابق: جـ1، 15).
فهذا كلام صريح يبيّن أن الغرض من استعمال هذه الاصطلاحات إنما هو للاختصار ونتيجة للتواضع ما بين النحاة. فلعلّ ابن مضاء حين تمسّك بقول سيبويه ذاك نسي مثل هذه الأقول أو تناساها وصدق عليه هذا القول: “حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء”.
وأما ما نقله عن ابن جني في نسبة العمل للمتكم لا للألفاظ، فلا نراه يختلف كثيراً ولا قليلاً عمّا ذكره سيبويه، فماذا عساه يقول لابن جني وهو الذي يقول: «ألا ترى أنك إذا قلت قام بكرٌ، ورأيت بكراً، ومررت ببكرٍ، فإنك إنما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل»(ابن جني، 1913: جـ1، 37) ، وقوله: «إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل»(المصدر السابق، جـ2، 391)، وقوله: «إن أصل عمل النصب إنما هو للفعل وغيره من النواصب مشبه في ذلك الفعل»(المصدر السابق، جـ1، 103). وهنا لابدّ من الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية بغية الوصول إلى مبتغى ابن جني من نسبته الأفعال إلى المتكلم وهو أن ابن جني كان من المعتزلة والكلام كان على مطلق الأفعال عند ابن جني، والمبحث هنا في العقيدة لا في اللغة، فالمعتزلة ينسبون الأفعال للعباد، بخلاف أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن اللَّه خالق كلّ شيء. فالكلام هنا ليس عن اللغة وإنما عن العقيدة وبما أن ابن جني كان من المعتزلة، فلا غرو من إبدائه بمثل هذه الآراء، والشواهد المذكورة أعلاه تؤيد ما ذهبنا إليه. وإضافة إلى هذا، نسبة العمل إلى المتكلم لا تنفي قضية العامل كما أوضحنا ذلك في تبيين كلام سيبويه.
وهنا لابدّ من الإشارة إلى مسألة هامة جداً ألا وهي: ما القصد من نسبة العمل للمتكلم عند النحاة؟ وهل يعني هذا أن المتكلم حرّ يرفع وينصب ويجر ويجزم أنّى شاء وكيفما اتَّفق؟! لو كان الأمر كذلك لعمّت الفوضى على اللغة، «ولأخذ كل متحدث يرفع وينصب ويجر ويجزم كما يريد، بل لأخذ تارة يرفع وأخرى ينصب أو … في تركيب جملي واحد، ولذا فنرى أن القصد أن المتكلم في نيته ومكنون نفسه وعقله يعرف أنه يريد معنى معيناً فينطق بالكلمة التي تؤدي هذا المعنى، ثم يعطيها الحركة المناسبة لها آخذاً ممّا جاء في أقوال النحاة ذاتهم بناءً على استقراء لغة العرب»(عمايرة، دت: 71).

تعليق