أدبنا القــديم ونظريـة التلقّـي
د. غازي مختار طليمات
المتلقي.. لغة واصطلاحا: لقي فلان فلاناً، ولاقاه، وتلقاه، لقياناً وملاقاة وتلقيا: صادفه وقابله واستقبله. فالمتلقي المستقبل. والتلقي في المصطلح النقدي الحديث أن يستقبل القارئ النص الأدبي بعين الفاحص الذواقة بغية فهمه وإفهامه، وتحليله وتعليله على ضوء ثقافته الموروثة والحديثة، وآرائه المكتسبة والخاصة في معزل عن صاحب النص. ومنذ العقد السادس من القرن العشرين أخذ المهتمون بالتلقي يولون شخصية القارئ قدراً عظيماً من العناية والاهتمام، وأصبح القارئ المتلقي ذا شأن في النص نفسه، لأنه الطرف الآخر المعنيُّ به. ورأى كثير من الناس الذين «كتبوا عن نظرية التلقي بعد ذلك أن ما يجري في مجال نظرية الأدب يمكن أن يؤدي في غضون سنوات أو عدة عقود على الأكثر إلى حدوث انقلاب في مفاهيمنا الخاصة بالأدب أو تصورنا له»(1).
إن كل قارىء أو سامع للنص الأدبي متلق، سواء أكان قارئاً من أغمار الناس أم ناقداَ ذا خبرة ودربة، لأن للمتلقي ـ مهما يكن ضئيل الحظ من النقد ـ حظاً من الفهم، وقدراً من التذوق، وموقفا مما يقرأ ويسمع. وحسبه فهماً وتذوقاً أنه يختار ويشتار، ويتلقى ما يقع تحت بصره بالقبول أو بالرفض. فهذا الاختيار وحده نقد.، ومما يشفع لما نزعم أن الملكين اللذين يتلقيان أعمال العبد وأقواله، على نزاهتهما وتجردهما، يحكمان على ما يتلقيان، فيسجل الأيمن الحسنات، ويسجل الأيسر السيئات:{ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(2) إن هذين المتلقيين ناقدان، يميزان الخبيث من الطيب، والقبيح من الحسن ولكل منهما تفرد بما اختص به من أقوال الخير أو أقوال الشر. * البذور والجذور: يكاد يجمع الدارسون على أن النظريات النقدية لا تهبط على أصحابها من السماء، وعلى أن أكثرها ابتكارا وأوسعها انتشارا ليست جديدة كل الجدة، ولا بدعة لا سابقة لها، وإنما هي تطوير لآراء طافت بأذهان السابقين طواف الأفكار العابرة قبل أن تتضح قسماتها، وتتخذ أشكال النظريات المتكاملة. أو هي بذور طويلةُ أمدِ الحضانة، وجذور بطيئة الإنتاش، تكمن في التراب كمونا هادئا، فإذا أتيح لها ما يغذوها خرجت الجذور من البذور لتستقي النسغ، وانبثقت الفسائل من الأرض لترى النور. قال روبرت هولب «يستطيع الباحث أن يجد إرهاصات بها موغلة في القدم، فيما كتبه أرسطو في كتابه فن الشعر، متعلقاً بالتلقي، وفي التراث البلاغي وبصفة عامة من خلال تركيزه على أثر الاتصال الشفهي والكتابي على المستمع أو القارئ»(3)
أولا: في الأدب العربي: ولم يكن المتلقي العربي غائبا عن الأدب القديم، بل كان له حضوره المتأثر بالنص، والمؤثر فيه سواء أكان هذا المتلقي قارئا ذواقة أم ناقدا ذا بصر بحرفة النقد.، وأدل ما يدلك على ذلك اشتراك الناس على اختلاف طبقاتهم وملكاتهم وثقافاتهم في التمرس بالنصوص الأدبية رواية وتذوقا وفهما ونقدا واختيارا ومفاضلة «يروى أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم يقول: ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب؟ قالوا النابغة. قال: هو أشعرهم»(4).
فأنت ترى أن أبا حفص رضي الله عنه لم يكن شاعرا ولا ناقدا، ولكنه كان متلقيا، يحسن التذوق، أي: يتذوق النص، ويحكم على النص أي: يؤثر في تكوين الرأي النقدي الذي ينتقل في النهاية من النقاد إلى الشعراء. ومسألة أشعر الشعراء كانت الشغل الشاغل للمتلقين نقادهم والرواة، أعلامهم والأغفال حتى إن كبار النقاد تحيروا وترددوا في أحكامهم، وعزوا آراءهم إلى سواهم لئلا يتهموا بالتحيز قال ابن سلام: «علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأهل الكوفة كانوا يقدّمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة»(5).
وقال أيضا: (شهدت خَلَفاً، فقيل له: من أشعر الناس، فقال: ما تنتهي إلى واحد يجتمع عليه كما لا يجتمع على أشجع الناس، وأخطب الناس، وأجمل الناس)(6) ولا يعنينا من هذا الكلام إلا شيء واحد، وهو أن المتلقي الغابر كان له أثر ظاهر في التمرس بالنص الأدبي، يُصغي إليه أو يقرؤه، ويستجيده أو يستقبحه، ويحكم له أو عليه. غير أن النقاد وعلماء البلاغة لم يساووا بين المتلقين، بل رجحوا أهل الصناعة على المتطفلين، وأصحاب البصر الحديد على ذوي البصر الحسير، وآثروا من جمع الثقافة إلى الذوق على الدخيل الطارئ قال السكاكي: «ليس من الواجب في صناعة، وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية، واعتبارات إلفية. فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه، إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق»(7).
وإلى مثل هذا الترجيح للمتلقي الذواقة، ذهب ابن طباطبا، فقال: «وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو واف، وما مجه ونفاه فهو ناقص»(8) ثم علل قبول الذوق للشعر الجيد تعليلا فنيا نفسيا، وهو ملاءمة الشعر للطبع، فقال: والعلة في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه، ونفيه للقبيح منه، واهتزازه لما يقبله، وتكرهه لما ينفيه، أن كل حاسة من حواس البدن إنما تقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها ورودا لطيفا باعتدال لا جور فيه، وبموافقة لا مضادة معها»(9).
ولك أن تفهم من كلام حازم القرطاجني تفضيل الذوق على الثقافة، والملكة على التدريب، إذ يقول: «من لم يتوصل إلى التشبه إلا بالدربة من غير أن تكون له القوة التي ذكرت، فربما وقع له ما يعده ذو القوة البصير بطرق النقد متكلفا أو فاترا، وإن خفي ذلك على أكثر الناس»(10) ولما كانت مسألة القراءة عرضة للاختلاط بمسألة النقد فإنه يحسن بنا منذ البداية أن ندير الحوار حول التلقي بصورة عامة، لا حول التلقي الناقد على نحو خاص. وقضية التلقي أعقد مما نتوهم، وهي على سهولتها المتصورة متداخلة العناصر، يشتبك فيها قصد المرسل باستنباط المتلقي وقول صاحب النص بعد تصوره لما يريد أن يقول باستنتاج قارىء النص مما يقول. وفي هذا البحث تعنينا قراءة المتلقي، وطبيعة الفهم الذي يحصله، والوقوف على ما يكتنف فهمه من أمور قصد إليها الكاتب، وأمور توصل إليها القارىء مما لم يقصد إليه الكاتب. وإذا كنا نرتاب في أننا نفهم كل ما يقع تحت أبصارنا من نصوص حديثة على الوجوه التي يقصد إليها كتابها، ففهمنا للنصوص القديمة أشد عرضة للتنوع والتباين لسبب واضح، وهو أن النصوص الحديثة من صنع قوم تربطنا بهم روابط العصر الواحد، ومصطلحات حدد عصرنا دلالاتها على نحو يقارب الدقة. أما النصوص القديمة فإن قراءتها أدعى إلى التباين في الفهم لبعد ما بيننا وبين أصحابها، ولتقادم الألفاظ والأساليب التي صُبَّت فيها الأفكار والمشاعر، ولما عرض لمدلولات الألفاظ من تطور بسبب التخصيص أو التعميم، أو بسبب ارتقاء الدلالات من المحسوس إلى المجرد. هذه الأمور كلها حملت الأقدمين على الإشارة إلى ما يمكن أن يلابس الفهم من سحب التغيير والتباين بين القراء، أي إلى لفت النظر إلى المتلقي، ووضعه على ووضعه على محكِّ النقد، ثم إلى العناية بما يدلي به من تعليقات، يذهب بعضها مذهب النقد. أما التعليقات الناقدة فلا يخلو منها كتاب من كتب الأدب والبلاغة والنقد، وحسبنا هنا أن نذكر مسألة الغموض التي طلع بها الشعر الرمزي، فهي ـ على حداثتها المزعومة ـ مغرقة في القدم، اختلفَ فيها الشاعر والمتلقي، وأشهر ما قيل فيها المحاورة المعروفة بين أبي تمام وأحد المتلقين. «قال أبوسعيد الضرير لأبي تمام: يا أبا تمام لم لا تقول ما يُفهم؟ فقال له: يا أبا سعيد لم لا تفهم ما يُقال»(11).
روى العكبري الخبر ثم علق عليه تعليقًا يدل على أن للمسألة ما يقاربها في القرآن الكريم وفي الشعر القديم فقال: «وهذا مثل قول الله تعالى: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم}(12)، وقال الشاعر: والنجم تستصغر الأبصار طلعته والذنب للعين لا للنجم في الصغر ومثله: إن عاب ناسٌ عليَّ قولي فليس بي قولهم يضير(13) قد قيل إن القرآن سحر وما يقول الرسول زور ونحن لا نبالغ في الأمر، فنزعم أن هذه المحاورات والأبيات هي البذور والجذور التي نبتت منها نظرية التلقي. ولكننا نزعم أنها تدل أن طيف النظرية طافت ولو من بعيد بأذهان النقاد القدماء، والشعراء القدماء، إذ يستحيل أن نتصور الأدب معزولا عن القراء. أما تباين القراء في الفهم فأوضح من أن يحتاج إلى دليل، وإذا كانت نظرية التلقي تجعل فهم النص موصول النسب بثقافة القارئ، ومستواه العقلي، وملكاته الفنية، ثم بالمستوى الثقافي العام للمجتمع فأبو الطيب المتنبي عبر عن هذا الرأي أوضح تعبير حينما قال: وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القرائح والفهوم(14).
والبذرة الأخيرة التي نزعم أن نظرية التلقي موصولة الجذور بها هي ظاهرة التأويل التي برزت في فهم النصوص القديمة وهذه تتبدى في تفسير القرآن، وفي فهم النصوص القديمة عند اللغويين والأصوليين من الفقهاء. والنحاة تقول: «أول الكلام وتأوله: دبره وقدره»(15) فالتأويل عند اللغويين «نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل»(16) وعند المفسرين «ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة»(17) وعند الأصوليين «حمل معنى ظاهر اللفظ على معنى محتمل مرجوح بدليل يصيره راجحا»(18) وعند النحاة «هو العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر»(19).
والدلالة التي تجمع أو تنتظم هذه التعريفات كلها هي أن فهم بعض النصوص ـ ولنخرج القرآن المنزل والحديث الشريف منها ـ تُرك أمره للمتلقي يقرؤه قراءة متدبرة، ويقدر معناه على النحو الذي يتراءى له. وهذا التدبر غير المتكئ على صاحب النص أصل من أصول نظرية التلقي. ثانيا: في الأدب الغربي: تكمن البذرة الأولى لنظرية التلقي ـ كما ذكرنا من قبل في كتاب (فن الشعر) لأرسطو. وتتمثل هذه البذرة ـ وفق الاجتهاد الذي ذهب إليه روبرت هولب ـ في فكرة التطهير، أي فيما ترمي إليه النصوص ولاسيما التراجيديا من غسل نفوس المتلقين من قراء ومن مشاهدين لتنقيتها من أوضار الشر(20).
فإذا جاوزت العصور القديمة إلى العصر الحديث وجدت بعض المؤلفين يربط بين تفكيك النص وتلقيه، ووجدت جماعة التفكيك يولون القارئ (المتلقي) مكانة تفوق مكانة الكاتب. وهذا «يعني أن اختلاف القراءات أصبح هو السلطة الأولى في التعامل مع النص»(21) ويعني أيضًا «أن القصيدة ليس لها وجود فعلي إلا عند قراءتها، وأن معناها لا يمكن مناقشته إلا بقرائها»(22) ومع أن الشكلانية الروسية واهية الارتباط بنظرية التلقي فإن (روبرت هولب) استطاع أن يمَّد منها عرقا يغذو به نظرية التلقي، إذ وجد في اهتمام الشكلانيين بالقارئ ما يظاهر به نظرية التلقي، كما وجد في التفسير الشكلاني الذي يصحب قراءة النص خيطاً آخر يشد التلقي إلى الشكلانية(23) ومن البذور التي نبتت منها نظرية التلقي ما صنعه (رولان بارت) وأمثاله من النقاد البنيويين، إذ جعلوا القارئ بطلا مناقضا للكاتب أو مكملا له، وأعطوه مكانة بارزة في فهم النص وتذوقه تفوق مكانة الكاتب. قال بارت: «إن مولد القارئ ينبغي أن يحدث على حساب موت المؤلف»(24).
ومن النقاد الذين تعد كتابتهم وآراؤهم من الجذور والبذور، أو من الخطوات التمهيدية في السير نحو نظرية التلقي (رومان أنغاردن) الذي رأى «أن العمل الفني الأدبي في حاجة دائما إلى هذا النشاط الإنساني الذي يعمل فيه القارئ خياله، كذلك من أجل أن يكمل العمل ويحققه عيانا«(25) ومنهم (جان موكاروفسكي) زعيم المدرسة البنيوية التشيكية في براغ الذي رأى أن النص الأدبي يُوجّه إلى متلق، وأقر بأن للمتلقي شأنا أي شأن في إكمال النص الأدبي وتجليه «بهذا المتلقي للعمل، وليس بمنشئه يناط فهم المقصد الفني الكامن في العمل»(26) وتستطيع أن تضيف إلى هؤلاء النقاد السابقين علمين آخرين، هما (جوليان هيرش) و(شوكنغ). أما الأول فقد نادى «بضرورة التركيز لا على الأعمال ومنشئيها، بل على الآثار التي أحدثها هؤلاء المنشئون في زمنهم، وبعد زمنهم في نفوس المتلقين الذين يدركون قيمة تلك الأعمال، ويقررونها»(27).
وأما الثاني، وهو شوكنغ فقد عني بالجانب الاجتماعي من ثقافة المتلقي، وبالعوامل الكثيرة التي شاركت في تكوين ذوقه على نحو معين، وذهب إلى أنه «لم يعد المؤلف وعمله الأدبي يحتلان مكانة الصدارة، بل انصرف الاهتمام أساسًا إلى المتلقي وإلى الظروف الاجتماعية التي تم فيها التلقي»(28).
وهكذا يمكن أن نقول إن جذور نظرية التلقي كانت تمتص نسغ الحياة من بنيوية رولان بارت، وشكلانية الروس، ونظرات المدرسة البنيوية التشيكية، وآراء نقاد آخرين. * شذور من نظرية التلقي عند ياوس: نخلص من استعراض البذور والجذور التي نبتت منها نظرية التلقي إلى نتيجة أساسية، وهي أنها وضعت مفاتيح النصوص في أيدي القراء، وسمحت لهم أن يقتحموها من جهات مختلفة، وبأساليب متعددة، وأن المعنى الأدبي الذي يخلعه قارئ النص على النص لا يمنع غيره من القراء أن يخلع عليه معنى آخر. أي أن المعنى الأدبي يحيا ويتغير داخل تراث لا تنفصم حلقاته، وأن النص الواحد يمكن أن يقرأ على مر العصور المختلفة بأوجه مختلفة، وتسمى هذه الوجوه من القراءة (القراءة التداولية).(29)
ومع بداية العقد السادس من القرن العشرين شاع هذا التيار النقدي في ألمانيا، وراح الشباب يناقشون دعاوي أسلافهم، ويصدرون البحوث التي تحذر من خطر المناهج السابقة ولوحظ أنه ابتداء من عام 1963م أخذ الاهتمام النقدي ينتقل في ميدان المسرح من إنتاج المسرحيات وعرضها وتمثيلها وموضوعاتها إلى تأثيرها واستجابة الجمهور لها.(30) أفاد (هانز روبرت ياوس) من هذه الآراء المتناثرة، وراح يصدر البحث تلو البحث في سبيل الوصول إلى نظرية مترابطة العناصر، فذهب إلى «أن جوهر العمل الفني يقوم على أساس تاريخيته، أي على أساس الأثر الناشئ عن الحوار المستمر مع الجمهور»(31) وطلع على الناس بمصطلح غير محدد الدلالة، وهو (أفق التوقعات) ذاهبا إلى أن المراد بهذا المصطلح وصف المقاييس التي يستخدمها القراء في التمرس بالنصوص الأدبية والحكم لها أو عليها.(32) وربما كان اختياره لهذا المصطلح الزئبقي نابعا من الآراء السابقة التي مهدت لنظرية التلقي، والقائل: إن المعنى نسبي، لأنه جماع المعاني التي تتحصل مما يستنبطه من النص قراء أو متلقون عديدون. وإن الحس الجمالي، وتذوق الإبداع مستندان إلى التلقي، وهذا الاستناد مرتبط بفكرة التطهير التي أشار إليها أرسطو قبل بضعة وعشرين قرنا. ومعناها تحرير الإنسان القارئ، أو المتأمل في النص، أو المشاهد للمسرحية من المصالح اليومية ونقله إلى الحرية الجمالية في تعامله مع الأدب. وانطلاقًا من هذه النقطة رفض (ياوس) رأي من رأى الحس الجمالي منفصلاً عن التطهير، وأن وظيفة الأديب إبداع الجمال لا معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية. ولهذا سخر ممن ينادون بفن النخبة، أو بالفن للفن، وممن يزعمون أن وظيفة الأديب الأولى هي تشكيل عالم جديد من السحر والجمال، تصوغه الألفاظ، لا الاتصال بالجماهير، ولا التأثر بهمومها، ولا الانصراف إلى معالجة قضاياها «وأكد ياوس أن جوهر العمل الفني يقوم على أساس تاريخيته، أي على أساس الأثر الناشئ عن حواره المستمر مع الجمهور».(33)
المتلقي.. لغة واصطلاحا: لقي فلان فلاناً، ولاقاه، وتلقاه، لقياناً وملاقاة وتلقيا: صادفه وقابله واستقبله. فالمتلقي المستقبل. والتلقي في المصطلح النقدي الحديث أن يستقبل القارئ النص الأدبي بعين الفاحص الذواقة بغية فهمه وإفهامه، وتحليله وتعليله على ضوء ثقافته الموروثة والحديثة، وآرائه المكتسبة والخاصة في معزل عن صاحب النص. ومنذ العقد السادس من القرن العشرين أخذ المهتمون بالتلقي يولون شخصية القارئ قدراً عظيماً من العناية والاهتمام، وأصبح القارئ المتلقي ذا شأن في النص نفسه، لأنه الطرف الآخر المعنيُّ به. ورأى كثير من الناس الذين «كتبوا عن نظرية التلقي بعد ذلك أن ما يجري في مجال نظرية الأدب يمكن أن يؤدي في غضون سنوات أو عدة عقود على الأكثر إلى حدوث انقلاب في مفاهيمنا الخاصة بالأدب أو تصورنا له»(1).
إن كل قارىء أو سامع للنص الأدبي متلق، سواء أكان قارئاً من أغمار الناس أم ناقداَ ذا خبرة ودربة، لأن للمتلقي ـ مهما يكن ضئيل الحظ من النقد ـ حظاً من الفهم، وقدراً من التذوق، وموقفا مما يقرأ ويسمع. وحسبه فهماً وتذوقاً أنه يختار ويشتار، ويتلقى ما يقع تحت بصره بالقبول أو بالرفض. فهذا الاختيار وحده نقد.، ومما يشفع لما نزعم أن الملكين اللذين يتلقيان أعمال العبد وأقواله، على نزاهتهما وتجردهما، يحكمان على ما يتلقيان، فيسجل الأيمن الحسنات، ويسجل الأيسر السيئات:{ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(2) إن هذين المتلقيين ناقدان، يميزان الخبيث من الطيب، والقبيح من الحسن ولكل منهما تفرد بما اختص به من أقوال الخير أو أقوال الشر. * البذور والجذور: يكاد يجمع الدارسون على أن النظريات النقدية لا تهبط على أصحابها من السماء، وعلى أن أكثرها ابتكارا وأوسعها انتشارا ليست جديدة كل الجدة، ولا بدعة لا سابقة لها، وإنما هي تطوير لآراء طافت بأذهان السابقين طواف الأفكار العابرة قبل أن تتضح قسماتها، وتتخذ أشكال النظريات المتكاملة. أو هي بذور طويلةُ أمدِ الحضانة، وجذور بطيئة الإنتاش، تكمن في التراب كمونا هادئا، فإذا أتيح لها ما يغذوها خرجت الجذور من البذور لتستقي النسغ، وانبثقت الفسائل من الأرض لترى النور. قال روبرت هولب «يستطيع الباحث أن يجد إرهاصات بها موغلة في القدم، فيما كتبه أرسطو في كتابه فن الشعر، متعلقاً بالتلقي، وفي التراث البلاغي وبصفة عامة من خلال تركيزه على أثر الاتصال الشفهي والكتابي على المستمع أو القارئ»(3)
أولا: في الأدب العربي: ولم يكن المتلقي العربي غائبا عن الأدب القديم، بل كان له حضوره المتأثر بالنص، والمؤثر فيه سواء أكان هذا المتلقي قارئا ذواقة أم ناقدا ذا بصر بحرفة النقد.، وأدل ما يدلك على ذلك اشتراك الناس على اختلاف طبقاتهم وملكاتهم وثقافاتهم في التمرس بالنصوص الأدبية رواية وتذوقا وفهما ونقدا واختيارا ومفاضلة «يروى أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم يقول: ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب؟ قالوا النابغة. قال: هو أشعرهم»(4).
فأنت ترى أن أبا حفص رضي الله عنه لم يكن شاعرا ولا ناقدا، ولكنه كان متلقيا، يحسن التذوق، أي: يتذوق النص، ويحكم على النص أي: يؤثر في تكوين الرأي النقدي الذي ينتقل في النهاية من النقاد إلى الشعراء. ومسألة أشعر الشعراء كانت الشغل الشاغل للمتلقين نقادهم والرواة، أعلامهم والأغفال حتى إن كبار النقاد تحيروا وترددوا في أحكامهم، وعزوا آراءهم إلى سواهم لئلا يتهموا بالتحيز قال ابن سلام: «علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأهل الكوفة كانوا يقدّمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة»(5).
وقال أيضا: (شهدت خَلَفاً، فقيل له: من أشعر الناس، فقال: ما تنتهي إلى واحد يجتمع عليه كما لا يجتمع على أشجع الناس، وأخطب الناس، وأجمل الناس)(6) ولا يعنينا من هذا الكلام إلا شيء واحد، وهو أن المتلقي الغابر كان له أثر ظاهر في التمرس بالنص الأدبي، يُصغي إليه أو يقرؤه، ويستجيده أو يستقبحه، ويحكم له أو عليه. غير أن النقاد وعلماء البلاغة لم يساووا بين المتلقين، بل رجحوا أهل الصناعة على المتطفلين، وأصحاب البصر الحديد على ذوي البصر الحسير، وآثروا من جمع الثقافة إلى الذوق على الدخيل الطارئ قال السكاكي: «ليس من الواجب في صناعة، وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية، واعتبارات إلفية. فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه، إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق»(7).
وإلى مثل هذا الترجيح للمتلقي الذواقة، ذهب ابن طباطبا، فقال: «وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو واف، وما مجه ونفاه فهو ناقص»(8) ثم علل قبول الذوق للشعر الجيد تعليلا فنيا نفسيا، وهو ملاءمة الشعر للطبع، فقال: والعلة في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه، ونفيه للقبيح منه، واهتزازه لما يقبله، وتكرهه لما ينفيه، أن كل حاسة من حواس البدن إنما تقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها ورودا لطيفا باعتدال لا جور فيه، وبموافقة لا مضادة معها»(9).
ولك أن تفهم من كلام حازم القرطاجني تفضيل الذوق على الثقافة، والملكة على التدريب، إذ يقول: «من لم يتوصل إلى التشبه إلا بالدربة من غير أن تكون له القوة التي ذكرت، فربما وقع له ما يعده ذو القوة البصير بطرق النقد متكلفا أو فاترا، وإن خفي ذلك على أكثر الناس»(10) ولما كانت مسألة القراءة عرضة للاختلاط بمسألة النقد فإنه يحسن بنا منذ البداية أن ندير الحوار حول التلقي بصورة عامة، لا حول التلقي الناقد على نحو خاص. وقضية التلقي أعقد مما نتوهم، وهي على سهولتها المتصورة متداخلة العناصر، يشتبك فيها قصد المرسل باستنباط المتلقي وقول صاحب النص بعد تصوره لما يريد أن يقول باستنتاج قارىء النص مما يقول. وفي هذا البحث تعنينا قراءة المتلقي، وطبيعة الفهم الذي يحصله، والوقوف على ما يكتنف فهمه من أمور قصد إليها الكاتب، وأمور توصل إليها القارىء مما لم يقصد إليه الكاتب. وإذا كنا نرتاب في أننا نفهم كل ما يقع تحت أبصارنا من نصوص حديثة على الوجوه التي يقصد إليها كتابها، ففهمنا للنصوص القديمة أشد عرضة للتنوع والتباين لسبب واضح، وهو أن النصوص الحديثة من صنع قوم تربطنا بهم روابط العصر الواحد، ومصطلحات حدد عصرنا دلالاتها على نحو يقارب الدقة. أما النصوص القديمة فإن قراءتها أدعى إلى التباين في الفهم لبعد ما بيننا وبين أصحابها، ولتقادم الألفاظ والأساليب التي صُبَّت فيها الأفكار والمشاعر، ولما عرض لمدلولات الألفاظ من تطور بسبب التخصيص أو التعميم، أو بسبب ارتقاء الدلالات من المحسوس إلى المجرد. هذه الأمور كلها حملت الأقدمين على الإشارة إلى ما يمكن أن يلابس الفهم من سحب التغيير والتباين بين القراء، أي إلى لفت النظر إلى المتلقي، ووضعه على ووضعه على محكِّ النقد، ثم إلى العناية بما يدلي به من تعليقات، يذهب بعضها مذهب النقد. أما التعليقات الناقدة فلا يخلو منها كتاب من كتب الأدب والبلاغة والنقد، وحسبنا هنا أن نذكر مسألة الغموض التي طلع بها الشعر الرمزي، فهي ـ على حداثتها المزعومة ـ مغرقة في القدم، اختلفَ فيها الشاعر والمتلقي، وأشهر ما قيل فيها المحاورة المعروفة بين أبي تمام وأحد المتلقين. «قال أبوسعيد الضرير لأبي تمام: يا أبا تمام لم لا تقول ما يُفهم؟ فقال له: يا أبا سعيد لم لا تفهم ما يُقال»(11).
روى العكبري الخبر ثم علق عليه تعليقًا يدل على أن للمسألة ما يقاربها في القرآن الكريم وفي الشعر القديم فقال: «وهذا مثل قول الله تعالى: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم}(12)، وقال الشاعر: والنجم تستصغر الأبصار طلعته والذنب للعين لا للنجم في الصغر ومثله: إن عاب ناسٌ عليَّ قولي فليس بي قولهم يضير(13) قد قيل إن القرآن سحر وما يقول الرسول زور ونحن لا نبالغ في الأمر، فنزعم أن هذه المحاورات والأبيات هي البذور والجذور التي نبتت منها نظرية التلقي. ولكننا نزعم أنها تدل أن طيف النظرية طافت ولو من بعيد بأذهان النقاد القدماء، والشعراء القدماء، إذ يستحيل أن نتصور الأدب معزولا عن القراء. أما تباين القراء في الفهم فأوضح من أن يحتاج إلى دليل، وإذا كانت نظرية التلقي تجعل فهم النص موصول النسب بثقافة القارئ، ومستواه العقلي، وملكاته الفنية، ثم بالمستوى الثقافي العام للمجتمع فأبو الطيب المتنبي عبر عن هذا الرأي أوضح تعبير حينما قال: وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القرائح والفهوم(14).
والبذرة الأخيرة التي نزعم أن نظرية التلقي موصولة الجذور بها هي ظاهرة التأويل التي برزت في فهم النصوص القديمة وهذه تتبدى في تفسير القرآن، وفي فهم النصوص القديمة عند اللغويين والأصوليين من الفقهاء. والنحاة تقول: «أول الكلام وتأوله: دبره وقدره»(15) فالتأويل عند اللغويين «نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل»(16) وعند المفسرين «ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة»(17) وعند الأصوليين «حمل معنى ظاهر اللفظ على معنى محتمل مرجوح بدليل يصيره راجحا»(18) وعند النحاة «هو العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر»(19).
والدلالة التي تجمع أو تنتظم هذه التعريفات كلها هي أن فهم بعض النصوص ـ ولنخرج القرآن المنزل والحديث الشريف منها ـ تُرك أمره للمتلقي يقرؤه قراءة متدبرة، ويقدر معناه على النحو الذي يتراءى له. وهذا التدبر غير المتكئ على صاحب النص أصل من أصول نظرية التلقي. ثانيا: في الأدب الغربي: تكمن البذرة الأولى لنظرية التلقي ـ كما ذكرنا من قبل في كتاب (فن الشعر) لأرسطو. وتتمثل هذه البذرة ـ وفق الاجتهاد الذي ذهب إليه روبرت هولب ـ في فكرة التطهير، أي فيما ترمي إليه النصوص ولاسيما التراجيديا من غسل نفوس المتلقين من قراء ومن مشاهدين لتنقيتها من أوضار الشر(20).
فإذا جاوزت العصور القديمة إلى العصر الحديث وجدت بعض المؤلفين يربط بين تفكيك النص وتلقيه، ووجدت جماعة التفكيك يولون القارئ (المتلقي) مكانة تفوق مكانة الكاتب. وهذا «يعني أن اختلاف القراءات أصبح هو السلطة الأولى في التعامل مع النص»(21) ويعني أيضًا «أن القصيدة ليس لها وجود فعلي إلا عند قراءتها، وأن معناها لا يمكن مناقشته إلا بقرائها»(22) ومع أن الشكلانية الروسية واهية الارتباط بنظرية التلقي فإن (روبرت هولب) استطاع أن يمَّد منها عرقا يغذو به نظرية التلقي، إذ وجد في اهتمام الشكلانيين بالقارئ ما يظاهر به نظرية التلقي، كما وجد في التفسير الشكلاني الذي يصحب قراءة النص خيطاً آخر يشد التلقي إلى الشكلانية(23) ومن البذور التي نبتت منها نظرية التلقي ما صنعه (رولان بارت) وأمثاله من النقاد البنيويين، إذ جعلوا القارئ بطلا مناقضا للكاتب أو مكملا له، وأعطوه مكانة بارزة في فهم النص وتذوقه تفوق مكانة الكاتب. قال بارت: «إن مولد القارئ ينبغي أن يحدث على حساب موت المؤلف»(24).
ومن النقاد الذين تعد كتابتهم وآراؤهم من الجذور والبذور، أو من الخطوات التمهيدية في السير نحو نظرية التلقي (رومان أنغاردن) الذي رأى «أن العمل الفني الأدبي في حاجة دائما إلى هذا النشاط الإنساني الذي يعمل فيه القارئ خياله، كذلك من أجل أن يكمل العمل ويحققه عيانا«(25) ومنهم (جان موكاروفسكي) زعيم المدرسة البنيوية التشيكية في براغ الذي رأى أن النص الأدبي يُوجّه إلى متلق، وأقر بأن للمتلقي شأنا أي شأن في إكمال النص الأدبي وتجليه «بهذا المتلقي للعمل، وليس بمنشئه يناط فهم المقصد الفني الكامن في العمل»(26) وتستطيع أن تضيف إلى هؤلاء النقاد السابقين علمين آخرين، هما (جوليان هيرش) و(شوكنغ). أما الأول فقد نادى «بضرورة التركيز لا على الأعمال ومنشئيها، بل على الآثار التي أحدثها هؤلاء المنشئون في زمنهم، وبعد زمنهم في نفوس المتلقين الذين يدركون قيمة تلك الأعمال، ويقررونها»(27).
وأما الثاني، وهو شوكنغ فقد عني بالجانب الاجتماعي من ثقافة المتلقي، وبالعوامل الكثيرة التي شاركت في تكوين ذوقه على نحو معين، وذهب إلى أنه «لم يعد المؤلف وعمله الأدبي يحتلان مكانة الصدارة، بل انصرف الاهتمام أساسًا إلى المتلقي وإلى الظروف الاجتماعية التي تم فيها التلقي»(28).
وهكذا يمكن أن نقول إن جذور نظرية التلقي كانت تمتص نسغ الحياة من بنيوية رولان بارت، وشكلانية الروس، ونظرات المدرسة البنيوية التشيكية، وآراء نقاد آخرين. * شذور من نظرية التلقي عند ياوس: نخلص من استعراض البذور والجذور التي نبتت منها نظرية التلقي إلى نتيجة أساسية، وهي أنها وضعت مفاتيح النصوص في أيدي القراء، وسمحت لهم أن يقتحموها من جهات مختلفة، وبأساليب متعددة، وأن المعنى الأدبي الذي يخلعه قارئ النص على النص لا يمنع غيره من القراء أن يخلع عليه معنى آخر. أي أن المعنى الأدبي يحيا ويتغير داخل تراث لا تنفصم حلقاته، وأن النص الواحد يمكن أن يقرأ على مر العصور المختلفة بأوجه مختلفة، وتسمى هذه الوجوه من القراءة (القراءة التداولية).(29)
ومع بداية العقد السادس من القرن العشرين شاع هذا التيار النقدي في ألمانيا، وراح الشباب يناقشون دعاوي أسلافهم، ويصدرون البحوث التي تحذر من خطر المناهج السابقة ولوحظ أنه ابتداء من عام 1963م أخذ الاهتمام النقدي ينتقل في ميدان المسرح من إنتاج المسرحيات وعرضها وتمثيلها وموضوعاتها إلى تأثيرها واستجابة الجمهور لها.(30) أفاد (هانز روبرت ياوس) من هذه الآراء المتناثرة، وراح يصدر البحث تلو البحث في سبيل الوصول إلى نظرية مترابطة العناصر، فذهب إلى «أن جوهر العمل الفني يقوم على أساس تاريخيته، أي على أساس الأثر الناشئ عن الحوار المستمر مع الجمهور»(31) وطلع على الناس بمصطلح غير محدد الدلالة، وهو (أفق التوقعات) ذاهبا إلى أن المراد بهذا المصطلح وصف المقاييس التي يستخدمها القراء في التمرس بالنصوص الأدبية والحكم لها أو عليها.(32) وربما كان اختياره لهذا المصطلح الزئبقي نابعا من الآراء السابقة التي مهدت لنظرية التلقي، والقائل: إن المعنى نسبي، لأنه جماع المعاني التي تتحصل مما يستنبطه من النص قراء أو متلقون عديدون. وإن الحس الجمالي، وتذوق الإبداع مستندان إلى التلقي، وهذا الاستناد مرتبط بفكرة التطهير التي أشار إليها أرسطو قبل بضعة وعشرين قرنا. ومعناها تحرير الإنسان القارئ، أو المتأمل في النص، أو المشاهد للمسرحية من المصالح اليومية ونقله إلى الحرية الجمالية في تعامله مع الأدب. وانطلاقًا من هذه النقطة رفض (ياوس) رأي من رأى الحس الجمالي منفصلاً عن التطهير، وأن وظيفة الأديب إبداع الجمال لا معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية. ولهذا سخر ممن ينادون بفن النخبة، أو بالفن للفن، وممن يزعمون أن وظيفة الأديب الأولى هي تشكيل عالم جديد من السحر والجمال، تصوغه الألفاظ، لا الاتصال بالجماهير، ولا التأثر بهمومها، ولا الانصراف إلى معالجة قضاياها «وأكد ياوس أن جوهر العمل الفني يقوم على أساس تاريخيته، أي على أساس الأثر الناشئ عن حواره المستمر مع الجمهور».(33)

تعليق