أدبنا القــديم ونظريـة التلقّـي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    أدبنا القــديم ونظريـة التلقّـي

    أدبنا القــديم ونظريـة التلقّـي
    د. غازي مختار طليمات


    المتلقي.. لغة واصطلاحا: لقي فلان فلاناً، ولاقاه، وتلقاه، لقياناً وملاقاة وتلقيا: صادفه وقابله واستقبله. فالمتلقي المستقبل. والتلقي في المصطلح النقدي الحديث أن يستقبل القارئ النص الأدبي بعين الفاحص الذواقة بغية فهمه وإفهامه، وتحليله وتعليله على ضوء ثقافته الموروثة والحديثة، وآرائه المكتسبة والخاصة في معزل عن صاحب النص. ومنذ العقد السادس من القرن العشرين أخذ المهتمون بالتلقي يولون شخصية القارئ قدراً عظيماً من العناية والاهتمام، وأصبح القارئ المتلقي ذا شأن في النص نفسه، لأنه الطرف الآخر المعنيُّ به. ورأى كثير من الناس الذين «كتبوا عن نظرية التلقي بعد ذلك أن ما يجري في مجال نظرية الأدب يمكن أن يؤدي في غضون سنوات أو عدة عقود على الأكثر إلى حدوث انقلاب في مفاهيمنا الخاصة بالأدب أو تصورنا له»(1).
    إن كل قارىء أو سامع للنص الأدبي متلق، سواء أكان قارئاً من أغمار الناس أم ناقداَ ذا خبرة ودربة، لأن للمتلقي ـ مهما يكن ضئيل الحظ من النقد ـ حظاً من الفهم، وقدراً من التذوق، وموقفا مما يقرأ ويسمع. وحسبه فهماً وتذوقاً أنه يختار ويشتار، ويتلقى ما يقع تحت بصره بالقبول أو بالرفض. فهذا الاختيار وحده نقد.، ومما يشفع لما نزعم أن الملكين اللذين يتلقيان أعمال العبد وأقواله، على نزاهتهما وتجردهما، يحكمان على ما يتلقيان، فيسجل الأيمن الحسنات، ويسجل الأيسر السيئات:{ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(2) إن هذين المتلقيين ناقدان، يميزان الخبيث من الطيب، والقبيح من الحسن ولكل منهما تفرد بما اختص به من أقوال الخير أو أقوال الشر. * البذور والجذور: يكاد يجمع الدارسون على أن النظريات النقدية لا تهبط على أصحابها من السماء، وعلى أن أكثرها ابتكارا وأوسعها انتشارا ليست جديدة كل الجدة، ولا بدعة لا سابقة لها، وإنما هي تطوير لآراء طافت بأذهان السابقين طواف الأفكار العابرة قبل أن تتضح قسماتها، وتتخذ أشكال النظريات المتكاملة. أو هي بذور طويلةُ أمدِ الحضانة، وجذور بطيئة الإنتاش، تكمن في التراب كمونا هادئا، فإذا أتيح لها ما يغذوها خرجت الجذور من البذور لتستقي النسغ، وانبثقت الفسائل من الأرض لترى النور. قال روبرت هولب «يستطيع الباحث أن يجد إرهاصات بها موغلة في القدم، فيما كتبه أرسطو في كتابه فن الشعر، متعلقاً بالتلقي، وفي التراث البلاغي وبصفة عامة من خلال تركيزه على أثر الاتصال الشفهي والكتابي على المستمع أو القارئ»(3)
    أولا: في الأدب العربي: ولم يكن المتلقي العربي غائبا عن الأدب القديم، بل كان له حضوره المتأثر بالنص، والمؤثر فيه سواء أكان هذا المتلقي قارئا ذواقة أم ناقدا ذا بصر بحرفة النقد.، وأدل ما يدلك على ذلك اشتراك الناس على اختلاف طبقاتهم وملكاتهم وثقافاتهم في التمرس بالنصوص الأدبية رواية وتذوقا وفهما ونقدا واختيارا ومفاضلة «يروى أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم يقول: ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب؟ قالوا النابغة. قال: هو أشعرهم»(4).
    فأنت ترى أن أبا حفص رضي الله عنه لم يكن شاعرا ولا ناقدا، ولكنه كان متلقيا، يحسن التذوق، أي: يتذوق النص، ويحكم على النص أي: يؤثر في تكوين الرأي النقدي الذي ينتقل في النهاية من النقاد إلى الشعراء. ومسألة أشعر الشعراء كانت الشغل الشاغل للمتلقين نقادهم والرواة، أعلامهم والأغفال حتى إن كبار النقاد تحيروا وترددوا في أحكامهم، وعزوا آراءهم إلى سواهم لئلا يتهموا بالتحيز قال ابن سلام: «علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأهل الكوفة كانوا يقدّمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة»(5).
    وقال أيضا: (شهدت خَلَفاً، فقيل له: من أشعر الناس، فقال: ما تنتهي إلى واحد يجتمع عليه كما لا يجتمع على أشجع الناس، وأخطب الناس، وأجمل الناس)(6) ولا يعنينا من هذا الكلام إلا شيء واحد، وهو أن المتلقي الغابر كان له أثر ظاهر في التمرس بالنص الأدبي، يُصغي إليه أو يقرؤه، ويستجيده أو يستقبحه، ويحكم له أو عليه. غير أن النقاد وعلماء البلاغة لم يساووا بين المتلقين، بل رجحوا أهل الصناعة على المتطفلين، وأصحاب البصر الحديد على ذوي البصر الحسير، وآثروا من جمع الثقافة إلى الذوق على الدخيل الطارئ قال السكاكي: «ليس من الواجب في صناعة، وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية، واعتبارات إلفية. فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه، إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق»(7).
    وإلى مثل هذا الترجيح للمتلقي الذواقة، ذهب ابن طباطبا، فقال: «وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو واف، وما مجه ونفاه فهو ناقص»(8) ثم علل قبول الذوق للشعر الجيد تعليلا فنيا نفسيا، وهو ملاءمة الشعر للطبع، فقال: والعلة في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه، ونفيه للقبيح منه، واهتزازه لما يقبله، وتكرهه لما ينفيه، أن كل حاسة من حواس البدن إنما تقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها ورودا لطيفا باعتدال لا جور فيه، وبموافقة لا مضادة معها»(9).
    ولك أن تفهم من كلام حازم القرطاجني تفضيل الذوق على الثقافة، والملكة على التدريب، إذ يقول: «من لم يتوصل إلى التشبه إلا بالدربة من غير أن تكون له القوة التي ذكرت، فربما وقع له ما يعده ذو القوة البصير بطرق النقد متكلفا أو فاترا، وإن خفي ذلك على أكثر الناس»(10) ولما كانت مسألة القراءة عرضة للاختلاط بمسألة النقد فإنه يحسن بنا منذ البداية أن ندير الحوار حول التلقي بصورة عامة، لا حول التلقي الناقد على نحو خاص. وقضية التلقي أعقد مما نتوهم، وهي على سهولتها المتصورة متداخلة العناصر، يشتبك فيها قصد المرسل باستنباط المتلقي وقول صاحب النص بعد تصوره لما يريد أن يقول باستنتاج قارىء النص مما يقول. وفي هذا البحث تعنينا قراءة المتلقي، وطبيعة الفهم الذي يحصله، والوقوف على ما يكتنف فهمه من أمور قصد إليها الكاتب، وأمور توصل إليها القارىء مما لم يقصد إليه الكاتب. وإذا كنا نرتاب في أننا نفهم كل ما يقع تحت أبصارنا من نصوص حديثة على الوجوه التي يقصد إليها كتابها، ففهمنا للنصوص القديمة أشد عرضة للتنوع والتباين لسبب واضح، وهو أن النصوص الحديثة من صنع قوم تربطنا بهم روابط العصر الواحد، ومصطلحات حدد عصرنا دلالاتها على نحو يقارب الدقة. أما النصوص القديمة فإن قراءتها أدعى إلى التباين في الفهم لبعد ما بيننا وبين أصحابها، ولتقادم الألفاظ والأساليب التي صُبَّت فيها الأفكار والمشاعر، ولما عرض لمدلولات الألفاظ من تطور بسبب التخصيص أو التعميم، أو بسبب ارتقاء الدلالات من المحسوس إلى المجرد. هذه الأمور كلها حملت الأقدمين على الإشارة إلى ما يمكن أن يلابس الفهم من سحب التغيير والتباين بين القراء، أي إلى لفت النظر إلى المتلقي، ووضعه على ووضعه على محكِّ النقد، ثم إلى العناية بما يدلي به من تعليقات، يذهب بعضها مذهب النقد. أما التعليقات الناقدة فلا يخلو منها كتاب من كتب الأدب والبلاغة والنقد، وحسبنا هنا أن نذكر مسألة الغموض التي طلع بها الشعر الرمزي، فهي ـ على حداثتها المزعومة ـ مغرقة في القدم، اختلفَ فيها الشاعر والمتلقي، وأشهر ما قيل فيها المحاورة المعروفة بين أبي تمام وأحد المتلقين. «قال أبوسعيد الضرير لأبي تمام: يا أبا تمام لم لا تقول ما يُفهم؟ فقال له: يا أبا سعيد لم لا تفهم ما يُقال»(11).
    روى العكبري الخبر ثم علق عليه تعليقًا يدل على أن للمسألة ما يقاربها في القرآن الكريم وفي الشعر القديم فقال: «وهذا مثل قول الله تعالى: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم}(12)، وقال الشاعر: والنجم تستصغر الأبصار طلعته والذنب للعين لا للنجم في الصغر ومثله: إن عاب ناسٌ عليَّ قولي فليس بي قولهم يضير(13) قد قيل إن القرآن سحر وما يقول الرسول زور ونحن لا نبالغ في الأمر، فنزعم أن هذه المحاورات والأبيات هي البذور والجذور التي نبتت منها نظرية التلقي. ولكننا نزعم أنها تدل أن طيف النظرية طافت ولو من بعيد بأذهان النقاد القدماء، والشعراء القدماء، إذ يستحيل أن نتصور الأدب معزولا عن القراء. أما تباين القراء في الفهم فأوضح من أن يحتاج إلى دليل، وإذا كانت نظرية التلقي تجعل فهم النص موصول النسب بثقافة القارئ، ومستواه العقلي، وملكاته الفنية، ثم بالمستوى الثقافي العام للمجتمع فأبو الطيب المتنبي عبر عن هذا الرأي أوضح تعبير حينما قال: وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القرائح والفهوم(14).
    والبذرة الأخيرة التي نزعم أن نظرية التلقي موصولة الجذور بها هي ظاهرة التأويل التي برزت في فهم النصوص القديمة وهذه تتبدى في تفسير القرآن، وفي فهم النصوص القديمة عند اللغويين والأصوليين من الفقهاء. والنحاة تقول: «أول الكلام وتأوله: دبره وقدره»(15) فالتأويل عند اللغويين «نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل»(16) وعند المفسرين «ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة»(17) وعند الأصوليين «حمل معنى ظاهر اللفظ على معنى محتمل مرجوح بدليل يصيره راجحا»(18) وعند النحاة «هو العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر»(19).
    والدلالة التي تجمع أو تنتظم هذه التعريفات كلها هي أن فهم بعض النصوص ـ ولنخرج القرآن المنزل والحديث الشريف منها ـ تُرك أمره للمتلقي يقرؤه قراءة متدبرة، ويقدر معناه على النحو الذي يتراءى له. وهذا التدبر غير المتكئ على صاحب النص أصل من أصول نظرية التلقي. ثانيا: في الأدب الغربي: تكمن البذرة الأولى لنظرية التلقي ـ كما ذكرنا من قبل في كتاب (فن الشعر) لأرسطو. وتتمثل هذه البذرة ـ وفق الاجتهاد الذي ذهب إليه روبرت هولب ـ في فكرة التطهير، أي فيما ترمي إليه النصوص ولاسيما التراجيديا من غسل نفوس المتلقين من قراء ومن مشاهدين لتنقيتها من أوضار الشر(20).
    فإذا جاوزت العصور القديمة إلى العصر الحديث وجدت بعض المؤلفين يربط بين تفكيك النص وتلقيه، ووجدت جماعة التفكيك يولون القارئ (المتلقي) مكانة تفوق مكانة الكاتب. وهذا «يعني أن اختلاف القراءات أصبح هو السلطة الأولى في التعامل مع النص»(21) ويعني أيضًا «أن القصيدة ليس لها وجود فعلي إلا عند قراءتها، وأن معناها لا يمكن مناقشته إلا بقرائها»(22) ومع أن الشكلانية الروسية واهية الارتباط بنظرية التلقي فإن (روبرت هولب) استطاع أن يمَّد منها عرقا يغذو به نظرية التلقي، إذ وجد في اهتمام الشكلانيين بالقارئ ما يظاهر به نظرية التلقي، كما وجد في التفسير الشكلاني الذي يصحب قراءة النص خيطاً آخر يشد التلقي إلى الشكلانية(23) ومن البذور التي نبتت منها نظرية التلقي ما صنعه (رولان بارت) وأمثاله من النقاد البنيويين، إذ جعلوا القارئ بطلا مناقضا للكاتب أو مكملا له، وأعطوه مكانة بارزة في فهم النص وتذوقه تفوق مكانة الكاتب. قال بارت: «إن مولد القارئ ينبغي أن يحدث على حساب موت المؤلف»(24).
    ومن النقاد الذين تعد كتابتهم وآراؤهم من الجذور والبذور، أو من الخطوات التمهيدية في السير نحو نظرية التلقي (رومان أنغاردن) الذي رأى «أن العمل الفني الأدبي في حاجة دائما إلى هذا النشاط الإنساني الذي يعمل فيه القارئ خياله، كذلك من أجل أن يكمل العمل ويحققه عيانا«(25) ومنهم (جان موكاروفسكي) زعيم المدرسة البنيوية التشيكية في براغ الذي رأى أن النص الأدبي يُوجّه إلى متلق، وأقر بأن للمتلقي شأنا أي شأن في إكمال النص الأدبي وتجليه «بهذا المتلقي للعمل، وليس بمنشئه يناط فهم المقصد الفني الكامن في العمل»(26) وتستطيع أن تضيف إلى هؤلاء النقاد السابقين علمين آخرين، هما (جوليان هيرش) و(شوكنغ). أما الأول فقد نادى «بضرورة التركيز لا على الأعمال ومنشئيها، بل على الآثار التي أحدثها هؤلاء المنشئون في زمنهم، وبعد زمنهم في نفوس المتلقين الذين يدركون قيمة تلك الأعمال، ويقررونها»(27).
    وأما الثاني، وهو شوكنغ فقد عني بالجانب الاجتماعي من ثقافة المتلقي، وبالعوامل الكثيرة التي شاركت في تكوين ذوقه على نحو معين، وذهب إلى أنه «لم يعد المؤلف وعمله الأدبي يحتلان مكانة الصدارة، بل انصرف الاهتمام أساسًا إلى المتلقي وإلى الظروف الاجتماعية التي تم فيها التلقي»(28).
    وهكذا يمكن أن نقول إن جذور نظرية التلقي كانت تمتص نسغ الحياة من بنيوية رولان بارت، وشكلانية الروس، ونظرات المدرسة البنيوية التشيكية، وآراء نقاد آخرين. * شذور من نظرية التلقي عند ياوس: نخلص من استعراض البذور والجذور التي نبتت منها نظرية التلقي إلى نتيجة أساسية، وهي أنها وضعت مفاتيح النصوص في أيدي القراء، وسمحت لهم أن يقتحموها من جهات مختلفة، وبأساليب متعددة، وأن المعنى الأدبي الذي يخلعه قارئ النص على النص لا يمنع غيره من القراء أن يخلع عليه معنى آخر. أي أن المعنى الأدبي يحيا ويتغير داخل تراث لا تنفصم حلقاته، وأن النص الواحد يمكن أن يقرأ على مر العصور المختلفة بأوجه مختلفة، وتسمى هذه الوجوه من القراءة (القراءة التداولية).(29)
    ومع بداية العقد السادس من القرن العشرين شاع هذا التيار النقدي في ألمانيا، وراح الشباب يناقشون دعاوي أسلافهم، ويصدرون البحوث التي تحذر من خطر المناهج السابقة ولوحظ أنه ابتداء من عام 1963م أخذ الاهتمام النقدي ينتقل في ميدان المسرح من إنتاج المسرحيات وعرضها وتمثيلها وموضوعاتها إلى تأثيرها واستجابة الجمهور لها.(30) أفاد (هانز روبرت ياوس) من هذه الآراء المتناثرة، وراح يصدر البحث تلو البحث في سبيل الوصول إلى نظرية مترابطة العناصر، فذهب إلى «أن جوهر العمل الفني يقوم على أساس تاريخيته، أي على أساس الأثر الناشئ عن الحوار المستمر مع الجمهور»(31) وطلع على الناس بمصطلح غير محدد الدلالة، وهو (أفق التوقعات) ذاهبا إلى أن المراد بهذا المصطلح وصف المقاييس التي يستخدمها القراء في التمرس بالنصوص الأدبية والحكم لها أو عليها.(32) وربما كان اختياره لهذا المصطلح الزئبقي نابعا من الآراء السابقة التي مهدت لنظرية التلقي، والقائل: إن المعنى نسبي، لأنه جماع المعاني التي تتحصل مما يستنبطه من النص قراء أو متلقون عديدون. وإن الحس الجمالي، وتذوق الإبداع مستندان إلى التلقي، وهذا الاستناد مرتبط بفكرة التطهير التي أشار إليها أرسطو قبل بضعة وعشرين قرنا. ومعناها تحرير الإنسان القارئ، أو المتأمل في النص، أو المشاهد للمسرحية من المصالح اليومية ونقله إلى الحرية الجمالية في تعامله مع الأدب. وانطلاقًا من هذه النقطة رفض (ياوس) رأي من رأى الحس الجمالي منفصلاً عن التطهير، وأن وظيفة الأديب إبداع الجمال لا معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية. ولهذا سخر ممن ينادون بفن النخبة، أو بالفن للفن، وممن يزعمون أن وظيفة الأديب الأولى هي تشكيل عالم جديد من السحر والجمال، تصوغه الألفاظ، لا الاتصال بالجماهير، ولا التأثر بهمومها، ولا الانصراف إلى معالجة قضاياها «وأكد ياوس أن جوهر العمل الفني يقوم على أساس تاريخيته، أي على أساس الأثر الناشئ عن حواره المستمر مع الجمهور».(33)
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 06-12-2017, 05:50 AM.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    وارتباط الأدب بالجماهير لا يعني التهوين من شأن المتعة، فإن ياوس لم ينس أن يخص هذا العنصر بحظ وافر من عنايته، «وأكد أن الاتصال بالفن كان في معظمه بسبب المتعة».(34) * ترويج البنيوية ونظرية التلقي في النقد العربي: تأثر فريق من نقادنا العرب بالتيارين النقديين اللذين شاعا في العقد السادس من القرن العشرين، وهما تيار البنيوية، وتيار التلقي. وراحوا يروجون أفكارهما النظرية، ويطبقونها على النصوص العربية. على رأس المتأثرين بالبنيوية محمد الهادي الطرابلسي، غير أنه بدأ بداية معكوسة في تأثره بها، إذ بدأ بالتطبيق لا بالتنظير، وحاول أن يقدم إلى قراء النقد العربي نموذجا تطبيقيا من الدراسة الأسلوبية البنيوية، وهي (خصائص الأسلوب في الشوقيات).(35) ومن المتأثرين بالبنيوية من بدأ بالتنظير وانتهى إلى التطبيق، فكان سيره أقرب إلى المنطق، وكان في درسه للنصوص العربية أقدر على الإحاطة وتوفية الأمور حقها. ومن هؤلاء الدكتور عبدالله محمد الغذامي الذي قرر أن البنيوية هي الثمرة التي انعقدت بعد أن تطورت الدراسات الألسنية والأسلوبية، فقال: «وتنبثق البنيوية من هذه الأفكار اللسانية(36)» ومنهم كمال أبو ديب الذي ذهب إلى أن البنيوية ستحدث تغيرا جذريا في الفكر العربي، وستنقله «من فكر تطغى عليه الجزئية والسطحية والشخصانية إلى فكر يترعرع في مناخ الرؤية المعقدة المتقصية الموضوعية والشمولية والجذرية في آن واحد».(37) وليس من المستغرب أن ينهض بنقل الفكر النقدي الغربي أبناؤنا الذين درسوا أدب الغرب ونقده في مواطنهما، لأنهم أقدر من الملتصقين بتراب الوطن العربي على فهمه وإفهامه. *المتلقِّي والمتلقَّى في أدبنا القديم: قبل أن نتحدث عن تلقي القدماء للأدب يحسن بنا أن نحدد أمرين أساسيين هما مستوى المتلقِّي، ومستوى المتلقَّى. فالأدب قد يطرق أسماع النقاد الذين أوتوا ملكات ذائقة، ووقفوا على ثقافات واسعة، فيكون له عندهم شأن، وقد يطرق أسماع العامة ممن لا يعنيهم من النصوص غير معانيها القريبة، فيكون له عندهم شأن آخر. وهذا التمييز بين مستويات المتلقين تجلى في كتب الأدب والنقد والبلاغة، إذ أريد الأديب في بعض الأحيان على أن ينزل إلى مستوى الجماهير، فيذلل النص حتى يسلس قياده لكل سامع ولكل قارئ، ويبوح بمعانيه لكل متلق مهما يضؤل حظه من الأدب والنقد. ووصف البليغ التام البلاغة بأنه «من استطاع أن يُفهم العامة معاني الخاصة، ثم لابد من الملاءمة بين المعنى والمستمعين، فلكل طبقة كلام، ولكل حالة مقام».(38) وأريد الأديب في الوقت نفسه على أن يخاطب كل طبقة بما يفهم، فلا يحلق إذا خاطب العامة، ولا يسف إذا خاطب الخاصة، إذ «لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة، ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم».(39) أما مستوى المتلقي فتحديده مرهون برسم الحدود الفاصلة بين الأدب وغيره من ضروب الكلام. فليس كل كلام أدبا يغري المتلقي بتذوقه وتحليله. فما كان من كلام الدهماء لم يكن له حظ من عناية المتلقين، لأنه قيل للتعبير عن تكاليف الحياة. أما ما كان موصول النسب بالأدب فهو الجدير باهتمام المتلقين القدماء والمحدثين على السواء. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نحدد مستوى النص المتلقى بأنه «التعبير الفني بالشعر والنثر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب جميل، أو هو الكلام الجميل المؤلف بطريقة فنية تؤثر في النفس، وتستثير فيها حب الخير والفضيلة والجمال، وتبغض إليها الشر والرذيلة والقبح».(40) وإذا كان بعض الباحثين قد وجد المثل الأعلى للنص العربي القديم في القرآن الكريم(41)، فإننا نؤثر أن يبقى القرآن والحديث في معزل عن نظريات التلقي، وعن مباضع النقد والنقاد وعن آرائهم المعرضة للإيجاب والسلب، والمدح والقدح ، ونفضل أن نجوز العصر الإسلامي كله إلى العصر الجاهلي لنجد ضالتنا في الرجز والقصيد والخطب والأمثال والقصص والوصايا، ولو لم ترق نصوصها إلى مستوى القرآن الكريم والحديث الشريف. ثم نرتد من العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي وإلى العصور التي تلته لنقف على طريقة التلقي التي قوبل بها الأدب العربي القديم. * كيف تلقى القدماء النصوص: ذكرنا قبل أن أحد الباحثين ذهب إلى أن الصورة الأولى من صور التلقي في تاريخ الفكر العربي تعود إلى تلقي القرآن الكريم. وزاد هذا الباحث ـ وهو الدكتور عبدالإله نبهان ـ هذه الصورة توضحاً، فرأى أن تلقي القرآن الكريم لم يكن يهدف إلى دراسة الجمال الفني، ولا إلى تحليل العناصر التي تتألف منها بلاغة القرآن المعجزة، وإنما كان يهدف إلى فهم المعنى. ولذلك دعا إلى التفريق بين النص وفقه النص، وأشار إلى أن فقه النص ـ وهو الفهم العميق لمعانيه ـ دفع المفسرين إلى الاستعانة بالتأويل للوصول إلى مرامي القرآن الكريم.(42) ولا يفهمن من الاستعانة بالتأويل أن المفسرين أباحوا لأنفسهم الخروج على الأصل في التفسير، وهو تفسير القرآن بالقرآن والسنة. وإنما التزموا هذا الأصل، وأضافوا إليه إطارا ضيقا يكمله، وهو التفسير بالعقل، أي: بالتأويل. وربما كان المعتزلة ـ وعلى رأسهم الزمخشري ـ أجرأ المفسرين وأسبقهم في هذا الميدان، حتى إنك لتجد لفظة (التأويل) في عنوان الكتاب الذي فسر به الزمخشري القرآن الكريم، وهو: (الكاشف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل). ولتمييز التأويل من التفسير قال أبوالبقاء الكفوي: «التأويل ما يتعلق بالدراية، والتفسير ما يتعلق بالرواية»(43) فكأنه يعني مظاهرة المنقول بالمعقول بغية الوقوف على مقاصد النصوص، ولا يعني مخالفة النقل بالعقل. والتأويل عند الأصوليين يرمي إلى ترجيح الرأي بدليل.. والدليل عنصر لغوي من جنس النص «لا رمز فيه ولا لغز، ولا باطن ولا إيماء».(44) وربما كانت العناية بالمعاني لفهم الكتاب والسنة هي التي جعلت النقاد يعنون بمعاني الشعر، ويحرصون الحرص كله على مقارنة المتأخرين بالمتقدمين ليبرزوا مواضع التشابه في معاني الأبيات من ناحية، وليتهموا المتأخرين بالإغارة على المتقدمين من ناحية ثانية، ثم ليثبت كل ناقد منهم أنه أقدر من سواه على تلقي النصوص وفهمها. وقد لاحظ الدكتور إحسان عباس هذه الظاهرة، وعزاها إلى غلبة الاعتزال على النقاد في القرن الثالث الهجري، فقال: «لو بحثنا عن الحاجة التي دفعت إلى هذا اللون من الاهتمام في ذلك القرن لوجدنا أن الانشغال بقضية المعنى تلك التي أثارها الجو الاعتزالي العقلي ذو صلة وثيقة بتوجيه النقاد حينئذ إلى رصد المعاني المشتركة بين الشعراء، وأخذ اللاحق بينهم من السابق».(45) وإذا جاز لنا أن نعد النقد شكلا راقيا من أشكال التلقي، يمثل النمط بوجهيه المتأثر والمؤثر، وأردنا أن نمد بينه وبين التأويل سلكا رابطا وجدنا هذا السلك يتبدى بصورة تكمل الصورة التي أشار إليها الدكتور إحسان عباس، وهي أن المتلقي الناقد جعل همه الأول دراسة أبيات المعاني، أي الأبيات التي تحتمل أوجها متعددة، ويحتاج فهمها إلى تأويل، يختلف باختلاف ثقافات المتلقين وعقائدهم وأهوائهم وأغراضهم البعيدة الناجمة عن هذه العقائد والأهواء. ولك أن تعد من هذا الباب كتب النقد التي درست الشعراء دراسة مقارنة كالموازنة بين أبي تمام والبحتري، والوساطة بين المتنبي وخصومه، والرسائل التي حاولت الكشف عن سرقات بعض الشعراء من بعض، ومنها رسالة الحاتمي التي تعقبت شعر أبي الطيب، وردت طائفة من معانيه إلى معاني من سبقه، أو إلى حكم أرسطو. ولك كذلك أن تعد من هذا الباب كثرة الشروح التي تناول بها النقاد الشعر القديم. فأنت تجد المعلقات تشرح بقلم الزوزني مرة، وبقلم السكري مرة أخرى. وتجد شعر المتنبي مضمارا يتسابق فيه فرسان النقد من ابن جني إلى أبي العلاء، ومن العكبري إلى البرقوقي، حتى قيل إن شروحه قاربت خمسين شرحا. وقبل أن يجمح بنا الخيال، فنتوهم أن الاختلاف بين المتلقين شاسع البون، يحسن بنا هنا أن نشير إلى سلك جامع انتظم هذه الشروح كلها، والتقى عنده المتلقون جميعا، وهو سلك اللغة العربية. فأكثر الشراح، ومنهم ابن جني والمعري والعكبري، علماء في اللغة، والنحو والمحك الذي كانوا يضربون عليه الشعر، وهم يفسرون معانيه، هو اللغة بدلالاتها ونحوها وصرفها وطرائقها في التعبير. وكل اجتهاد خالف فيه المتأخر المتقدم جاء مشفوعا بدليل من اللغة أو بشاهد من الأدب القديم ونثره، أي أنه كان بين هؤلاء المتلقين من الاتفاق مثل ما بينهم من الافتراق، وأنهم لم يكونوا يختلفون اختلافا أساسيا مستلهما من تحكيم الثقافات الأجنبية في الثقافة العربية عامة، وفي الأدب العربي على نحو خاص. بل كانوا يختلفون اختلافات فرعية أساسها مقدار ما أحاطوا به من لغة العرب وأدبهم. فإذا خرجت من شرح إلى شرح لم تجد اختلافا في الجوهر، بل وجدت اختلافا في التوجيه، يشبه اختلاف الأئمة الأربعة في استنباط الأحكام الشرعية لاختلافهم في فهم الأدلة والظنية التي يظاهرون بها أحكامهم. بعد هذا الطواف بالتلقي الغابر للنصوص الغابرة نعود إلى المفترق الذي فارقنا عنده الدكتور عبدالإله نبهان، وهو اعتقاده بأن الصورة الأولى للتلقي في تاريخ الفكر العربي تتمثل في تلقي المفسرين للقرآن الكريم، وإلى تمييزه النص من فقه النص. نعود إليه، لا لنرفض ما اقترح، بل لنناقشه فيما ذهب إليه من آراء، وفيما عبر به عن هذه الآراء بألفاظ كادت تأخذ سمة المصطلح في حديثه عن النص وفقه النص، وفي اعتقاده أن فقه النصوص يتباين كما تتباين النصوص، وأن المتلقين الغابرين اختلفوا في تفسير النصوص لاختلافهم في فهمها. وإذا كنا نقر بما ذهب إليه من تباين فإننا في الوقت نفسه نود أن نرصد مقدار هذا التباين ونوعه. أهو تباين يبلغ فيه الخلاف حد الاختلاف بين المدارس والمذاهب الأدبية الحديثة في مواقفها من النصوص، وتفسيرها لها، وادعاء بعضها أن المؤلف قد مات، وانتقلت ملكية نصه إلى المتلقين، يفسرونه أو يمزقونه أو يعيدون صوغه كما يحلو لهم؟ أم هو اختلاف رؤوس المدرسة الواحدة في فهم النص الواحد، منبعثة من مبدأ واحد ومتجهة إلى غاية واحدة، وهي تفسير النص العربي بالعقلية العربية، وبالثقافة العربية، وعلى رأسها الدلالات اللغوية لألفاظ النص؟ وفي البداية نستثني القرآن والسنة، ونجلهما عن أن يوضعا في مكان واحد مع النصوص الأدبية الأخرى لئلا نعرضهما لاجتهاد المتلقين. إن إقرارنا بهذه الصورة أو اعتقادنا بأنها الصورة الأولى من صور التلقي الغابر قد يفتح بابا نؤثر أن يبقى مغلقا أمام التلقي الحاضر خوفا من أن يستطيل ويتمادى في التأويل. وحينئذ تتعرض نصوص القرآن والسنة إلى سهام المتلقين العصريين ومباضعهم المغموسة في الأهواء. هذه المباضع لن تقف عند التفسير والتأويل، حيث وقف الأقدمون، بل قد تعمل إلى التقتيل والتنكيل والتمثيل، وأخطر هذه المباضع أن يعلن المتلقون الجدد، وهم يدرسون القرآن والسنة، موت المؤلف وحياة القارئ فمن ذا الذي يجرؤ على وضع النصوص المقدسة تحت هذه المباضع، وفوق مشرحة التلقي الذي لا يقيم وزنا لنص ولا يرعى عهدا ولا ذمة لمقدس؟ أما تلقي الأدب شعره ونثره، وهو الصورة الحقيقية من صور التلقي، فإنها تبين لنا أن اختلاف النقاد في فقه النص لم يفض بهم إلى توجيهات شديدة التباين في فهم النصوص، لأنهم كانوا يحتكمون فيما يحكمون إلى معيار ثابت، وهو المعيار اللغوي، وإلى نمط من التفكير واحد وهو التفكير العربي الذي شكلته الثقافة الإسلامية. وإذا ظهر بعض الخلاف بين المتلقين في فهم النصوص كهذا الذي أشار إليه أبو الطيب المتنبي بقوله: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم(46) فهو خلاف ضئيل يتعلق بأجزاء المعاني، ولا يتعلق بفلسفة الحياة، ولا بالأغراض الكلية للنصوص. ومما سوغ هذا الخلاف وقربه من الأذهان وضوح الفكر العربي، وخلوه ـ ماعدا الأدب الصوفي ـ من الرموز، وبعده عن الغموض والأساطير، وانطواؤه على المفاتيح التي يديرها الشراح في نصوصه المغلقة، فإذا هي تبوح بما فيها. ومما يوضح ما نزعم شعر المتنبي في مدح كافور الأخشيدي، فأبو الطيب كان يكذب على الممدوح وعلى الناس وعلى نفسه حينما سمى شعره فيه مدحا، ولذلك أتاح الله له في مصر من كان يتعقب شعره، ويفضح ما فيه من هجو وسخر.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      ولم ينكر أبوالطيب ما كان يسمع من تأويل المتلقين، بل كان يتغاضى تغاضي المصانع المجامل، لكنه بعد أن تفلت من سجن كافور أقرَّ بهذا التلقي لشعره وذكر أنه كان هجاء للبشر أجمعين لا لكافور وحده فقال: وشعر مدحت به الكركد ن بين القريض وبين الرقى فما كان شعري مدحا له ولكنه كان هَجْوَ الورى(47) * تلقي الأدب الغابر في العصر الحاضر: قبل أن تظهر المدارس من رمزية وبنيوية وألسنية، وقبل أن يقتبس العرب من الغرب نظريات التلقي كان الدارسون المحدثون من العرب يتلقون أدبنا القديم على نحو ما تلقاه الأقدمون. أي: كانوا يدرسونه ويتذوقونه على ضوء المفاهيم والأصول العربية في النقد التقليدي يدرسون النصوص في إطارها التاريخي ويحتكمون في دراستها إلى دلالات الألفاظ، وعلوم البلاغة والنحو، ويفسرون ما فيها من جمال أو قبح، وعمق أو ضحالة، وإجادة أو إسفاف، وجزالة أو رقة تفسيرا مستمدا من الثقافة العربية الخالصة. وكل ما أضافوه إلى الطرائق التقليدية في الدرس والتحليل هو تعميق الأساليب القديمة، وتوسيع الإطار الذي يكنف النصوص، ومنها ربط النص بصاحبه وبيئته، وتضميخه بشيء من علم النفس أو علم الاجتماع، غير أن السيادة في دراسة النص بقيت لصاحب النص، ولم يجرؤ أحد من النقاد على نعيه وتشييعه ودفنه. درس طه حسين أبا الطيب وأبانواس، فلم يفصل شعرهما عن حياتهما وعصريهما ودرس شوقي ضيف الشعر والنثر فلم يفارق المبدأ النقدي القديم وهو الطبع والصنعة، بل ربط تطور الجمال الأدبي بتطور الأدب من الصنعة إلى التصنيع، ثم إلى التصنع وربط هذه الظاهرة بتطور الحضارة العربية الإسلامية وبانتقالها من الفطرة السمحة إلى التعقيد المحتفل بالزخرفة. ودرس مازن المبارك مقامات بديع الزمان الهمذاني، فلم يسرف في التأويل والاستنباط، بل قرر أن الغرض الأول من هذه المقامات كان «هو المتعة في الموضوع، وإظهار البراعة اللغوية في الأسلوب»(48) وأن السيادة فيها كانت للكاتب، ولم يوافق على انتزاع النص من صاحبه، فقال: «لابد أن يكون في الصورة الأدبية أثر ممن صورها. إنه يصور ما شاء، ويفعل ما يشاء، ويزيد منها أو ينقص تبعا لهواه ورأيه، ومن هنا كان لابد من الحذر، ولابد في غير الفن من إبعاد الأثر الفردي للكاتب، وإلا كانت لكل مجتمع صور بعدد الكتاب الذين صوروه».(49) لقد قرر المبارك أن مقامات بديع الزمان لا يمكن أن تكون مصدرا تاريخيا تستقى منه الحقائق التي تمثل حياة المسلمين في القرن الرابع الهجري، ولكنه مع ذلك، قرر أن احتفال البديع بالبديع لم يكن ابتداعا منه، بل كان استجابة لطبيعة العصر الذي كان يهتم بالزخرفة في الملابس والأبنية والأطعمة والأشربة(50) فكان رأيه هذا دعما لآراء أستاذه شوقي ضيف الذي تحدث عن المقامات، ونقد أسلوبها، فوجد أنه يمثل غاية التصنيع وبداية التصنع، وشبه المقامة من مقاماته «بواجهة أحد المساجد المزخرفة لعهده، لكثرة ما شغل فيها بالتنميق والتصنيع والترصيع».(51) ولم يكن نثر أبي العلاء المعري وشعره إلا صورة لحياته الخاصة، فقد عاش في ضيق شديد، «فانقلب هذا الضيق من حياته إلى فنه، فإذا هو يعقد على الناس حتى ينفس بتعقيده عن ضيقه».(52) «وحدد نفسه بقوانين صارمة في مطعمه وملبسه»(53) وكما حبس نفسه في داره خمسين سنة «ذهب يحبس أفكاره في سجون عروضية ولغوية»(54) وهي لزوم مالا يلزم، وغريب اللغة. مما سبق يتبين أن التلقي عند الرعيل الأول من الباحثين المحدثين لم يغفل ركنين أساسيين في فهم النص، وهما: صاحب النص، وعصره وبيئته. وأن فصل النص عن صاحبه شيء طارئ على الثقافة العربية، وعلى النقد العربي، فكيف تلقى الجيل الثاني من الباحثين المحدثين أدبنا القديم؟ وما الأسس التي استندوا إليها في هذا التلقي؟ لقد كان الجيل الثاني من النقاد العرب الذين درسوا في بلاد الغرب، أو الذين أتقنوا اللغات الأجنبية أقدر على فهم النظريات النقدية والمذاهب الأدبية الحديثة من الجيل المحافظ على المفاهيم التقليدية في تلقي الأدب تذوقا ونقدا. غير أن إقرارنا بهذه القدرة لا يعني الإقرار بكل ما تمخضت عنه من دراسات تطبيقية، تناولت الأدب القديم، أو أحكام نقدية توصلت إليها هذه الدراسات لأسباب كثيرة: أولها: أن القوانين النقدية التي حاكم بها المتأخرون نصوص المتقدمين ليست من جنس النصوص التي حشرت في قفص الاتهام. وثانيها: أن العصر الذي صنعت فيه القوانين يتأخر أكثر من ألف سنة عن العصر الذي صنعت فيه النصوص. وثالثها أن طبيعة التفكير الغربي المضمخ بالأساطير والرموز والتجريد والغموض تختلف عن طبيعة الفكر العربي الواضح المغموس في الحس، البعيد عن الرموز والأسطورة. ورابعها أن النصوص القديمة شديدة الارتباط بحيوات الشعراء والكتاب، حتى إن كثيرا منها، وفي مقدمتها الشعر الجاهلي وشعر الحماسة والمجون كروميات أبي فراس وخمريات أبي نواس صور دقيقة لسير أصحابها بما فيها من خير وشر، وصحو وسكر، وصعلكة وعهر، وقتال وأسر. ثم هي صور لعصورها وللأحداث التي جرت في هذه العصور، وهذا يعني أن تلقيها معزولاً عن أصحابها وعن عصورها يحرم المتلقي كثيرا من الأضواء التي تشق مسالكه إلى الفهم، وتكشف له عن الأسرار. إن الناقد الذي يتلقى النص معزولا عن صاحبه وعن العصر الذي عاش فيه صاحبه عاجز عن فهم النص بالاعتماد على اللغة وحدها مهما يحاول أن يحمل المفردات دلالات مجازية أو رمزية، لقد حاول بعض الدارسين أن يفسر بيت أبي نواس التالي: إذا ذاقها شُرّابها بجَّلوا لها بألسنهم شكرا، فهم عرب عجم فقال: «تحقق الخمرُ الإنسانية َبمفهومها الشامل، وتوحد بين الناس، فلا فرق بين عربي وأعجمي. من يشربها من الناس يشكرها، ويتعجب لها، دونما بخس لقيمتها، فهي رمز تلتقي عليه عواطف الناس».(55) كذا قال. ونحن نقول: أيَّ وحدة تبسط الخمر على الناس؟ الحق أن السكارى في بيت أبي نواس لم يخرجوا من عصبياتهم القبلية أو القومية إلى الوحدة الإنسانية، بل خرجوا من الإنسانية العاقلة، وراحوا يجمجمون بما لا يفهمون، ويهرفون بما لا يعرفون، فالعجمة هنا التلعثم في النطق لا الانتماء القومي. وأوضح من هذا المثال في الدلالة على أن تلقي النص معزولا عن صاحبه وعصره أمر محفوف بالخطر قول أبي نواس: أيها اللائمان في الخمر لوما لا أذوق المدام إلا شميما قد نهاني عن المدام إمام لا أرى لي خلافه مستقيما فكأني وما أزيِّن منها قَعَدي يزين التحكيما فالبيت الأول يتنافى مع ما ذكرت كتب الأدب عن أبي نواس من إدمان لا يعرف الري، ومجون مغرق في الغي. فلو أخذته مفصولا عن حياته لظننت أنه من شعر أبي العلاء عدو السكر والسكارى. لكنك حينما تبلغ البيت الثاني تجد نفسك مضطرا للإقلاع عما ظننت، ومدفوعا إلى الوقوف على حياة الشاعر، وعلى علاقته بالخليفة الذي زجره عن السكر. فإذا بلغت الثالث لم يكن لك بد من فهم العصر، لأن البيت مرتبط بفرق الخوارج التي تقاعس بعضها، فأقر جواز القعود عن محاربة الفرق الأخرى، ومرتبط بالتحكيم الذي فرضه الخوارج على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. إن تلقي هذه الأبيات اعتمادا على البينة اللغوية، لا يقف المتلقي إلا على بعض المعاني، ولهذا لا سبيل إلى فهمها إلا بربطها بصاحبها وبعصرها، وبما سبق هذا العصر. وأغرب ما في تلقي النص مقطوعا عن صاحبه أن المتلقي العصري يضطر أحيانا إلى اختلاق أفكار وأخبار ومشاعر يلصقها بالأديب ليفهم على ضوئها النص. فإذا عدت إلى المصادر الموثوقة، وإلى ما روي عن حياة الأديب لم تجد شيئا مما ادّعى المتلقي. ومن الأمثلة التي تختم بها هذا الأسلوب من التلقي البنيوي بيتان مشهوران تلقاهما كمال أبو ديب، هما: قد انقضت دولة الصيام وقد بشر سقم الهلال بالعيد يتلو الثريا كفاغر شره يفتح فاه لأكل عنقود قال أبو ديب: «وابن المعتز لم يعرف بتقواه وورعه وتدينه، بل عرف بامتلاء شعره وامتلاء وجوده بشرب الخمر. ولكنه رغم ذلك كان مجبراً على الصيام في رمضان على الأغلب بسبب الواقع الاجتماعي.. وربما بسبب ضغط السلطات أي الدولة ذاتها»(56). ذهب المتلقي إلى أن الشاعر كان مجبراً على الصيام، وأن السلطة كانت تغلق أفواه الناس في رمضان. وهبها أغلقتها في النهار، فما الذي يغلقها عن الخمر في الليل؟ ولنقل: إن الدولة أغلقت الأفواه علانية فما الذي يمنع افتتاحها سراً؟ وشاعر مترف كابن المعتز له من سلطانه وأقرانه وقصوره وخلواته ألف شفيع. لقد كان المسلم غير الورع يستطيع أن يتظاهر بالصوم كما كان أبو اسحاق الصابي غير المسلم يتظاهر به مصانعة للمسلمين. فلماذا حلل المتلقي الناقد نفس الشاعر وعصره قبل أن يحلل أبنية اللغة؟ ألعجز المعادلات البنيوية عن الغوص في النفس، أم لحرص الناقد على أن يستخرج من نفس الشاعر ما يريد استخراجه لا ما تنطوي عليه النفس، ولا ما يحمله النص؟ وكيف لايفعل ذلك وهو محصن بقانون التلقي الجائز، ونظرية البنيوية، وكلاهما يثبت الناقد، ويلغي الشاعر؟ إن إثبات الناقد على هذا النحو يعرض النصوص الموروثة لمزالق خطيرة. فقد ذهب المتلقي أبو ديب إلى أن ابن المعتز كان سكيراً، ملأت الخمر وجوده، وكتب التراجم لم تحشره في زمرة الخمارين المخمورين. قال القلقشندي. «كان فاضلا شاعراً إماما في البلاغة»(57). والفضل في كتب الرجال لايقرن بالخمر، بل ينافيها. وذكر ابن خلكان «أن له أرجوزة في ذم الصبوح»(58). وأنه كان حنفي المذهب، واستنبط من بيتين له أنه كان يشرب الخمر المطبوخة، والخمرة المطبوخة شراب حلو لايسكر، على ما كانوا يقولون. ومن المزالق التي قد تمتد تحت أقدام هذا المذهب من التلقي جعلُ النقد فوضى، ولاسبيل إلى تبرئة النقد من الفوضى إلا بالوقوف على أرض صلبة أساسها دلالات الألفاظ، ومفاهيم العصر وتجارب الشعراء وحيواتهم وثقافاتهم، والحفاظ على الشعراء والأدباء أحياء، لتخلع حيواتهم على النص حيوية تخلصه من الرجم بالغيب . نخلص مما عرضنا إلى أن التضحية بصاحب النص قد يكون لها ما يسوغها عند جماعة التلقي من الغربيين، وقد يكون لها ما يقارب التسويغ حينما تُدرس نصوص حديثة، تأثر أصحابها العرب بالثقافة الغربية، فنظموا من الشعر أو نثروا من المقالات والمسرحيات ماليس له ارتباط بتجاربهم وحيواتهم كهذه النصوص الغامضة التي ليس لها من ثقافة العرب وروح الإسلام غير الألفاظ المفردة. أما النصوص القديمة التي نبتت في نجد والحجاز، وصور فيها أصحابها تجاربهم وخلدوا قبائلهم، وأما النصوص الإسلامية المضمخة بروح الإسلام، المنبعثة من عقيدة التوحيد فلا يجوز إخضاعها بشكل من الأشكال لنظريات التلقي لأنها لاتفهم إلا في إطاريها الشخصي والتاريخي. فإن لم يكن بدٌ من الإفادة من الجديد فليكن رديفا للقديم لابديلا عنه.
      ـــــــــــــــــــــــــــ
      مصادر البحث : - الأدب الجاهلي، د.غازي مختار طليمات، وعرفان الأشقر، دار الإرشاد حمص 1993م. - الإنافة في مآثر الخلافة، القلقشندي، بيروت 1980م. - البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الفكر 1403هـ - بحوث في اللغة والنحو والبلاغة، د. عبد الإله نبهان، دار اليمامة، حمص 1995م. - البيان والتبيين، الجاحظ، تح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي القاهرة 1985م. - تاريخ النقد الأدبي عند العرب، د. إحسان عباس ، دار الشروق عمّان 1986م - جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبوديب، بيروت 1981م. - خصائص الأسلوب في الشوقيات، محمد الهادي الطرابلسي، تونس 1981م. - الخطاب والقارئ (نظريات التلقي تحليل الخطاب وما بعد الحداثة) د. حامد أبو أحمد الرياض مؤسسة اليمامة 1996م. - الخطيئة والتكفير، عبد الله الغذامي، دار سعاد الصباح القاهرة والكويت 1993. - دراسة في مناهج المفسرين. - شرح ديوان المتبني، العكبري، دار المعرفة بيروت. - شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير، ابن النجار، تح: د. محمد الزحيلي ونزيه حماد طبعة جامعة أم القرى 1409هـ - شعر أبي نواس، د. أحمد دهمان، حمص 1983م. - طبقات فحول الشعراء ابن سلام، تح: محمود شاكر، مطبعة المدني القاهرة 1972م. - عيار الشعر، ابن طباطبا، تح: د. عبد العزيز المانع، مكتبة الخانجي القاهرة. - الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د. شوقي ضيف، دار المعارف 1945م. - الفن ومذاهبه في النثر العربي، د. شوقي ضيف، دار المعارف 1965م. - الكليات، الكفوي، تح: د. عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق 1982م. - لسان العرب، ابن منظور، بيروت. - مجتمع الهمذاني، د. مازن المبارك ، دار الفكر 1981م. - مفتاح العلوم، السكاكي، شرح نعيم زرزور، دار الكتب العلمية بيروت 1983م. - منهاج البلغاء، القرطاجني، تح : محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي بيروت 1986م. - نظرية التلقي، روبرت هولب، ترجمة عز الدين إسماعيل، جدة 1994م. - وفيات الأعيان، ابن خلكان، دار صادر بيروت 1978م. ـــــــــــــــــــــــــــ الهوامش: (1) الخطاب والقارىء (نظريات التلقي، وتحليل الخطاب وما بعد الحداثة)د. حامد أبوأحمد ص15. (2) سورة ق 16-18. (3) نظرية التلقي، روبرت هولب ص10-11. (4) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 1/52. (5) المصدر السابق 1/52. (6) المصدر السابق 1/66. (7) مفتاح العلوم للسكاكي ص169. (8) عيار الشعر لابن طباطبا ص19. (9) المصدر السابق 19-20. (10) منهاج البلغاء وسراج الأدباء للقرطاجني ص344. (11) شرح ديوان المتنبي للعكبري 4/20. (12) سورة الأحقاف11. (13) شرح ديوان المتنبي 4/120. (14) المصدر السابق 4/120. (15) لسان العرب مادة (أول). (16) لسان العرب مادة (أول). (17) دراسات في مناهج المفسرين 1/22. (18) شرح الكوكب المنير 3/460. (19) البحر المحيط 2/158. (20) انظر الخطاب والقارىء ـ نظريات التلقي، د. حامد أبوأحمد ص28. (21) المصدر السابق ص31. (22) المصدر السابق ص32. وانظر نظرية التلقي، روبرت هولب ص182. (23) المصدر السابق 36. (24) المصدر السابق ص38. (25) نظرية التلقي، روبرت هولب ص13. (26) المصدر السابق ص13. (27) المصدر نفسه ص14. (28) المصدر نفسه ص14. (29) انظر الخطاب والقارىء، نطريات المتلقي ص53. (30) المصدر السابق ص77. (31) المصدر السابق ص80. (32) المصدر السابق ص84. (33) المصدر السابق ص105. (34) المصدر السابق ص106. (35) انظر خصائص الأسلوب في الشوقيات محمد الهادي الطرابلسي تونس 1981م. (36) الخطيئة، التكفير، عبدا> الغذامي ص18. (37) جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبوديب، ص8 بيروت 1981م. (38) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، د. إحسان عباس ص67 دار الشروق للنشر والتوزيع عمان 1986م. (39) البيان والتبيين للجاحظ 1/92. (40) الأدب الجاهلي، د. غازي مختار طليمات وعرفان الأشقر ص16 دار الإرشاد حمص 1992م. (41) انظر: بحوث في اللغة والنحو والبلاغة، عبدالإله نبهان. (42) المصدر السابق ص245-267. (43) الكليات لأبي البقاء الكفوي 2/16. ثم د. عدنان درويش ومحمد المصري دمشق 1982م. (44) المصدر السابق 2/17. (45) تاريخ النقد الأدبي ص70. (46) ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح العكبري 3/367. (47) المصدر السابق 1/43-44. (48) مجتمع الهمذاني للدكتور مازن المبارك ص112 دار الفكر 1981م. (49) المصدر السابق ص113. (50) انظر المصدر السابق ص114. (51) الفن ومذاهبه في النثر العربي ص154 للدكتور شوقي ضيف. دار المعارف بمصر 1965م. (52) المصدر السابق ص269. (53) الفن ومذاهبه في الشعر العربي ص273 للدكتور شوقي ضيف القاهرة 1945م. (54) المصدر السابق ص284. (55) شعر أبي نواس، د. أحمد دهمان ص276 حمص 1983م. (56) جدلية الخفاء والتجلي كمال أبوديب ص25 بيروت 1981م. (57) الإنافة في مآثر الخلافة للقلقشندي 1/276 بيروت 1980م. (58) وفيات الأعيان لابن خلكان 1/77-79. نشر في مجلة (الأدب الإسلامي)عدد(23)بتاريخ (1420هـ)

      تعليق

      يعمل...