من بدائع القرآن: ظاهرة إضافة الموصوف إلى الصفة
أ.د مفرح سعفان
قال تعالى :" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".
عزيزي القارئ الكريم هل فكرت يومًا لماذا استعمل السياق القرآني التركيب الإضافي ( دين الحق) ولم يستعمل التركيب الوصفي (الدين الحق) ؟
فالأصل أن يقال:( هو الذي أرسل رسوله بالهدى والدين الحق...) الواقع أن تحول التركيب الوصفي إلى تركيب إضافي له بعده الدلالي العظيم، ذلك أن التركيب الوصفي يتكون من عنصرين يجوز الفصل بينهما، وهما الموصوف والصفة، ولكن التركيب الإضافي يتكون من عنصرين لا يجوز الفصل بينهما إلا لضرورة، وهما المضاف والمضاف إليه. ومن ثم فإن تحول التركيب الوصفي إلى تركيب إضافي يهدف إلى إكساب هذا التركيب الوصفي ضربا من التلاحم بين الموصوف والصفة، فلا يجوز الفصل بينهما في هذه الحالة، مثلما لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
وعليه فإن هذا التحول التركيبي يترتب عليه تحول دلالي يتمثل في الارتقاء بدلالة التركيب من مجرد إفادة ارتباط الموصوف بالصفة برابط التبعية إلى إفادة تلاحم الموصوف بالصفة بلحام الإضافة.
أوبعبارة أخرى يمكن القول بأن هذا التحول التركيبي يترتب عليه ارتقاء البعد الدلالي للتركيب من مجرد تبيين الموصوف بالصفة في النمط الوصفي إلى إفادة تأكيد ملازمة الموصوف للصفة فلا ينفصل عنها أبدا في النمط الإضافي.
وبناء على هذا فإن التركيب الوصفي ( الدين الحق) يعني :
الدين الموصوف بصفة الحق، وصفا طارئا يمكن أن يزول عنه في وقت ما.
ولكن التركيب الإضافي ( دين الحق) يعني الدين الموصوف أبدا بصفة الحق ، فلا يمكن أن ينفصل عنها بحال من الأحوال.
وما ذكرناه هنا يمكن أن ينطبق على جميع التراكيب المماثلة، مثل استعمال تركيب ( وعد الحق) بدلا من ( الوعد الحق) في قوله سبحانه على لسان إبليس :" إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم "
أي: إن الله وعدكم الوعد الموصوف أبدا بصفة الحق.
وكذلك استعمال تركيب ( قول الحق) بدلا من ( القول الحق) في قوله سبحانه :" ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ". فهو يعني: أقول القول الموصوف أبدا بصفة الحق.
و مما يؤكد لنا أن التراكيب الإضافية السابقة محولة في الأصل عن تراكيب وصفية أننا نجد السياق القرآني أحيانا يستعمل التركيب الإضافي في موضع ويستعمل التركيب الوصفي الأصلي في موضع آخر. ومن ذلك مثلا استعمال التركيب الوصفي ( الدار الآخرة) في مثل قوله تعالى:"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون". ثم استعمال التركيب الإضافي في مثل قوله تعالى: " ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ".
فتركيب ( دار الآخرة) معناه - عندي - الدار الموصوفة أبدا بصفة الآخرة، فليس بعدها من دار أخرى. إذ ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
هذا هو ما أذهب إليه في هذه القضية، قضية إضافة الموصوف إلى الصفة.
أما النحاة القدماء - رحمهم الله - فقد كان لهم رأي آخر، إذ رفضوا إجازة إضافة الموصوف إلى الصفة ،ووصم المتأخرون منهم هذه الظاهرة بالقبح.
وذلك على أساس عقلاني فلسفي لايمت للواقع اللغوي بصلة،يتمثل في أن الموصوف والصفة كالشيء الواحد،وأنه لا يجوز أن يضاف الشيء إلى نفسه. ومن ثم فقد أوجبوا تأويل جميع ماورد من هذه التراكيب في اللغة العربية،لتكون الصفة الموجودة في هذه التراكيب هي صفة لموصوف محذوف، وليست صفة للموصوف المذكور.
فرأوا مثلا أن تركيب (دار الآخرة) تأويله عندهم: دار الساعة الآخرة، وأن تركيب ( حق اليقين) تأويله عندهم: حق الأمر اليقين. وغير ذلك ......
وأرى أن في هذا التأويل تعسفا، و تكلفا ما أنزل الله به من سلطان. إذ كيف نفسر التركيب اللغوي تفسيرا يخالف التفسير
القرآني له؟؟!!!!
وكيف نقول بعد أن يقول القرآن؟!!!!!!!!
و الأعجب في هذا الأمر أن جمهور المفسرين قد تابعوا النحاة في جميع ما ذكروه في تأويل هذه التراكيب وتفسيرها في جميع القرآن.
وأرى أن هذا كله مما يستلزم إعادة النظر فيه. لأن القضية خطيرة،إذ يترتب عليها تفسير النص القرآني الكريم.
هذا وبالله التوفيق..
أ.د مفرح سعفان
قال تعالى :" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".
عزيزي القارئ الكريم هل فكرت يومًا لماذا استعمل السياق القرآني التركيب الإضافي ( دين الحق) ولم يستعمل التركيب الوصفي (الدين الحق) ؟
فالأصل أن يقال:( هو الذي أرسل رسوله بالهدى والدين الحق...) الواقع أن تحول التركيب الوصفي إلى تركيب إضافي له بعده الدلالي العظيم، ذلك أن التركيب الوصفي يتكون من عنصرين يجوز الفصل بينهما، وهما الموصوف والصفة، ولكن التركيب الإضافي يتكون من عنصرين لا يجوز الفصل بينهما إلا لضرورة، وهما المضاف والمضاف إليه. ومن ثم فإن تحول التركيب الوصفي إلى تركيب إضافي يهدف إلى إكساب هذا التركيب الوصفي ضربا من التلاحم بين الموصوف والصفة، فلا يجوز الفصل بينهما في هذه الحالة، مثلما لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
وعليه فإن هذا التحول التركيبي يترتب عليه تحول دلالي يتمثل في الارتقاء بدلالة التركيب من مجرد إفادة ارتباط الموصوف بالصفة برابط التبعية إلى إفادة تلاحم الموصوف بالصفة بلحام الإضافة.
أوبعبارة أخرى يمكن القول بأن هذا التحول التركيبي يترتب عليه ارتقاء البعد الدلالي للتركيب من مجرد تبيين الموصوف بالصفة في النمط الوصفي إلى إفادة تأكيد ملازمة الموصوف للصفة فلا ينفصل عنها أبدا في النمط الإضافي.
وبناء على هذا فإن التركيب الوصفي ( الدين الحق) يعني :
الدين الموصوف بصفة الحق، وصفا طارئا يمكن أن يزول عنه في وقت ما.
ولكن التركيب الإضافي ( دين الحق) يعني الدين الموصوف أبدا بصفة الحق ، فلا يمكن أن ينفصل عنها بحال من الأحوال.
وما ذكرناه هنا يمكن أن ينطبق على جميع التراكيب المماثلة، مثل استعمال تركيب ( وعد الحق) بدلا من ( الوعد الحق) في قوله سبحانه على لسان إبليس :" إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم "
أي: إن الله وعدكم الوعد الموصوف أبدا بصفة الحق.
وكذلك استعمال تركيب ( قول الحق) بدلا من ( القول الحق) في قوله سبحانه :" ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ". فهو يعني: أقول القول الموصوف أبدا بصفة الحق.
و مما يؤكد لنا أن التراكيب الإضافية السابقة محولة في الأصل عن تراكيب وصفية أننا نجد السياق القرآني أحيانا يستعمل التركيب الإضافي في موضع ويستعمل التركيب الوصفي الأصلي في موضع آخر. ومن ذلك مثلا استعمال التركيب الوصفي ( الدار الآخرة) في مثل قوله تعالى:"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون". ثم استعمال التركيب الإضافي في مثل قوله تعالى: " ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ".
فتركيب ( دار الآخرة) معناه - عندي - الدار الموصوفة أبدا بصفة الآخرة، فليس بعدها من دار أخرى. إذ ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
هذا هو ما أذهب إليه في هذه القضية، قضية إضافة الموصوف إلى الصفة.
أما النحاة القدماء - رحمهم الله - فقد كان لهم رأي آخر، إذ رفضوا إجازة إضافة الموصوف إلى الصفة ،ووصم المتأخرون منهم هذه الظاهرة بالقبح.
وذلك على أساس عقلاني فلسفي لايمت للواقع اللغوي بصلة،يتمثل في أن الموصوف والصفة كالشيء الواحد،وأنه لا يجوز أن يضاف الشيء إلى نفسه. ومن ثم فقد أوجبوا تأويل جميع ماورد من هذه التراكيب في اللغة العربية،لتكون الصفة الموجودة في هذه التراكيب هي صفة لموصوف محذوف، وليست صفة للموصوف المذكور.
فرأوا مثلا أن تركيب (دار الآخرة) تأويله عندهم: دار الساعة الآخرة، وأن تركيب ( حق اليقين) تأويله عندهم: حق الأمر اليقين. وغير ذلك ......
وأرى أن في هذا التأويل تعسفا، و تكلفا ما أنزل الله به من سلطان. إذ كيف نفسر التركيب اللغوي تفسيرا يخالف التفسير
القرآني له؟؟!!!!
وكيف نقول بعد أن يقول القرآن؟!!!!!!!!
و الأعجب في هذا الأمر أن جمهور المفسرين قد تابعوا النحاة في جميع ما ذكروه في تأويل هذه التراكيب وتفسيرها في جميع القرآن.
وأرى أن هذا كله مما يستلزم إعادة النظر فيه. لأن القضية خطيرة،إذ يترتب عليها تفسير النص القرآني الكريم.
هذا وبالله التوفيق..

تعليق