نظرية ارتقاء الصفة في السياق القرآني
(دراسة لأنماط التحول في التركيب الوصفي في القرآن الكريم)
أ.د مفرح السيد سعفان
من الثابت في النحو العربي أن التركيب الوصفي يتألف من عنصرين اثنين هما الموصوف والصفة، وأنه لابد أن يتميز بأمرين اثنين :
١- أن يتقدم الموصوف على الصفة.
٢- أن تكون الصفة تابعة للموصوف.
ولكن من بدائع القرآن أن هذا التركيب الوصفي يتحول إلى أشكال أخرى متباينة ، وأنماط تركيبية متعددة، وهو في هذا التحول يرتقي بالصفة شيئا فشيئا من قمة الإهمال إلى قمة العناية والاهتمام، وذلك وفقا لما يقتضيه السياق ويتطلبه المعنى. ويمكننا إجمال هذه التحولات التي تطرأ على التركيب الوصفي في عشرة أنماط تحويلية على مرحلتين، على النحو الآتي :
المرحلة الأولى: ( مرحلة تقديم الموصوف على الصفة)
وتشتمل على الأنماط الآتية على الترتيب :
النمط الأول :
أن يحذف التركيب الوصفي بعنصريه ليفهم ويقدر لدلالة الحال عليه. ومن ذلك قوله سبحانه :" إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ". لأن المعنى: ولا يحيا حياة طيبة.
لأنه لايمكن أن يتصور منطقيا حالة لايموت فيها الإنسان ولا يحيا على وجه الحقيقة. فحذف التركيب الوصفي ( حياة طيبة) للمبالغة في بيان هذه الحالة العجيبة التي يتقلب فيها هذا الكافر الذي يعذب في النار والعياذ بالله، ولأن ذكر هذا التركيب هنا سوف يقلل من تأثير المعنى الذي يرمي إليه السياق.
النمط الثاني: أن يذكر الموصوف وحده وتحذف الصفة. ليكون الموصوف هو وحده محور اهتمام السياق، ولتكون الصفة عنصرا مهملا، ومن ذلك قوله سبحانه :" وقد خلقتك من قبل ولم
تك شيئا " فالأصل ( ولم تكن شيئا مذكورا) بدليل قوله تعالى في سورة الإنسان :" هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فذكر التركيب الوصفي كاملا.
وكذا قوله سبحانه :" قل يا أهل الكتاب لستم على شيء" أي :لستم على شيء نافع أو مفيد أو ذي قيمة.
وقوله: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " أي: قلب واع أو يقظ. لأن كل إنسان - في الحقيقة - عنده قلب حتى الكافر. فكأن من لم يؤمن بهذا الكتاب الكريم ليس عنده قلب على الإطلاق.
النمط الثالث: أن يذكر الموصوف وتذكر الصفة تابعة له.
وهذا هو النمط القياسي الشائع للتركيب الوصفي في علم النحو..وهو يدل على أن الموصوف هو محور الحديث، لأنه هو المتعرض للعوامل النحوية المختلفة،وتدل تبعية الصفة للموصوف على ارتباطها به، وأنها عنصر موضح أو مبين أو مفسر للصفة، فهي هنا - كما قال النحاة - كالحلية للموصوف.
النمط الرابع: أن يذكر الموصوف وتذكر الصفة مسبوقة بحرف الجر ( من). أي أن تتوسط ( من) بين الموصوف والصفة.
وهنا لايزال الموصوف هو محور اهتمام السياق، أو محور الحديث، وتفيد ( من) هنا ملازمة الموصوف للصفة، وكأنه مصنوع أو مخلوق منها، كما في قولنا مثلا :" هذا خاتم من ذهب " بدلا من الأصل الوصفي ( هذا خاتم ذهب). ومن ذلك قوله سبحانه في( سورة البقرة / ٢٣) :" فأتوا بسورة من مثله "، فالأصل :" فأتوا بسورة مثله "كما ورد في( سورة يونس / ٣٨).
وكذا قوله:" وحلوا أساور من فضة "، وقوله: " ولهم مقامع من حديد".
النمط الخامس: إضافة الموصوف إلى الصفة.
وهنا يبقى الموصوف محور الحديث فهو المتعلق بالعوامل النحوية المختلفة، وتؤدي الإضافة هنا إلى تلاحم الموصوف بالصفة، فلا يمكن أن ينفصل عنها أبدا مثلما لا يجوز الفصل بين
المضاف والمضاف إليه، فتفيد بذلك تأكيد ملازمته لها ملازمة أبدية. ومن ذلك تركيب ( دين الحق) في قوله سبحانه :
"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله". أي: الدين الذي لاينفصل أبدا عن صفة الحق.
وكذلك تركيب ( وعد الحق) في قوله تعالى على لسان إبليس: " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ". وكذا تركيب ( وعد الصدق)
أي: الوعد الذي لا تنفصل عنه أبدا صفة الصدق.
النمط السادس: أن يحتمل التركيب وجهي الإضافة.
فيمكن أن يكون من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ، كما يمكن أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف.
ومن ذلك تركيب ( حق اليقين) في قوله تعالى :" إن هذا لهو حق اليقين " إذ يحتمل أن يكون المعنى الحق اليقين، كما يحتمل أن يكون المعنى اليقين الحق.
وهذا نمط بديع فريد نظرًا لما يحدثه من انبهار ناتج عن مزج الموصوف بالصفة، فلا يمكن التمييز بينهما، فكل واحد منهما صالح لكي يكون موصوفا، وصالح لكي يكون صفة.
المرحلة الثانية: مرحلة تقديم الصفة على الموصوف.
ومن العجيب أنها تسير في اتجاه معاكس تماما لأنماط المرحلة السابقة، فهي على النحو الآتي:
النمط السابع: إضافة الصفة إلى الموصوف.
( عكس النمط الخامس)
وفيه تتقدم الصفة على الموصوف واقعة موقعه الإعرابي،فتتحول بذلك من كونها مجرد عنصر تابع للموصوف، إلى عنصر مستقل، له إعرابه المستقل، لتحظى هي بالمكانة التي كان يحظى بها الموصوف من قبل في أنماط المرحلة السابقة،فتصير هي محور الحديث ومحل اهتمام السياق، فهي المتأثرة بالعوامل النحوية في الجملة وفي ذلك تنبيه على أهمية الصفة في هذا النمط وأنها قد بلغت الغاية في الموصوف.
ومن جهة أخرى تفيد إضافة الصفة هنا إلى الموصوف ضربا من التلاحم بينهما فلا يجوز أن تنفصل عنه أبدا مثلما لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
ومن ذلك تركيب ( سوء عمله) في مثل قوله سبحانه :
" وكذلك زين لفرعون سوء عمله " فالأصل أن يقال :( وكذلك
زين لفرعون عمله السيء) ولكن التركيب الوصفي بهذه الصورة
الأصلية يجعل صفة ( السوء) عنصرا تابعا للموصوف (عمل فرعون)، فتكون كالوصف العارض فيه والطارئ عليه.
ولكن بتقديم صفة ( السوء) على العمل، وإحلالها محله الإعرابي، ووقوعها موقعه - و هو موقع نائب الفاعل للفعل زين -
تحولت الصفة من كونها عنصرا تابعا للموصوف لتصير ركنا
رئيسا في الجملة، ولتتحول من كونها فضلة في الكلام لتصير
عمدة لا يمكن الاستغناء عنها، فتكون بذلك هي محور اهتمام السياق، فيدل هذا كله على أن صفة السوء قد بلغت منتهاها في الموصوف ( عمل فرعون).
كما تدل إضافة الصفة هنا إلى الموصوف على تلاحمها به، لتفيد تأكيد ملازمتها له، فلا تنفصل هي عنه أبدا مثلما لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
وعليه يصير المعنى : وكذلك زين لفرعون عمله الذي لا تنفصل عنه أبدا صفة السوء، فليس ثمة عمل أسوأ من عمله.
وكذلك تركيب( حسن المآب) في مثل قوله سبحانه :
" والله عنده حسن المآب " فالأصل ( والله عنده المآب الحسن) ثم حدث فيه ما حدث في التركيب السابق من تقديم وتأخير. ليصير المعنى: والله عنده المآب الذي لا يمكن أن تفارقه أبدا صفة الحسن.
النمط الثامن: توسط ( من) بين الصفة والموصوف.
( وهو عكس النمط الرابع)
وهنا تبقى الصفة هي محور اهتمام السياق لوقوعها موقع الموصوف،للتنبيه على أهميتها وخطورتها كما حدث في النمط السابق. وتفيد (من) هنا ملازمة الصفة للموصوف على العكس من النمط الرابع.
ومن ذلك قوله سبحانه : ( وهدوا إلى الطيب من القول) فالأصل ( وهدوا إلى القول الطيب).
وقوله سبحانه :" وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا". فالأصل: ( وإنهم ليقولون قولا منكرا ).
وقوله سبحانه : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ". فالأصل :( فاجتنبوا الأوثان الرجس).
النمط التاسع: أن تتقدم الصفة على الموصوف واقعة موقعه،
ثم يذكر الموصوف تابعا لها و مفسرا لها على أنه بدل منها.
( وهو عكس النمط الثالث)
وهنا تبقى الصفة محور اهتمام السياق، كما حدث في النمط السابق، ويصير الموصوف مجرد عنصر مفسر للصفة على أنه بدل منها.
وعليه فإنه إذا كان النمط الثالث هو نمط تبعية الصفة للموصوف فإن هذا النمط التاسع يمكن أن نطلق عليه نمط قلب التبعية، إذ يصير الموصوف هنا هو العنصر التابع للصفة.
ومن ذلك قوله سبحانه :" الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها.. فالأصل: ( الله نزل كتابا أحسن الحديث). ثم قدم الصفة ( أحسن الحديث) واقعة موقع الموصوف لتحتل مكانه ومكانته، وأخر الموصوف على أنه بدل منها.وكذلك قوله تعالى: " أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين.
الله ربكم ورب آبائكم الأولين ".فالأصل: (وتذرون الله أحسن الخالقين).
النمط العاشر: أن تذكر الصفة وحدها واقعة موقع الموصوف
وقائمة مقامه ويحذف الموصوف.
( وذلك عكس النمط الثاني)
وهذا النمط يعبر عن قمة الاهتمام والارتقاء بالصفة وإهمال الموصوف، فالصفة هنا هي الغاية المبتغاة والموصوف هنا عنصر مهمل لاقيمة له في حد ذاته ولا تأثير له في مضمون السياق، فيكون ذكره هنا حشوا في الكلام لاتأثير له.
ومن ذلك مثلا قوله سبحانه :" وكان أبوهما صالحا " فالأصل: ( وكان أبوهما رجلا صالحا)، فحذف الموصوف ( رجلا) وأحل صفته محله ، لتقع الصفة هنا خبرا لكان، فتتحول الصفة من عنصر تابع فضلة إلى عنصر رئيس عمدة لايمكن الاستغناء عنه، وتصير هي وحدها المؤثر في مضمون
السياق.
وكذلك قوله تعالى:" وإن كان ذو عسرة " فالأصل :
( وإن كان رجل ذو عسرة) .
وهكذا تتعدد الأنماط التحويلية للتركيب الوصفي في سبيل الارتقاء بالصفة من قمة الإهمال إلى قمة العناية والاهتمام.
و لكن مما تجدر الإشارة إليه أن معظم هذه الأنماط التحويلية قد رفض النحاة استعمالها، ورأوا أنها مخالفة للقياس ، لأنها مخالفة للقاعدة التي ينص عليها علم النحو في التركيب الوصفي، بل وصف المتأخرون منهم بعضها بالقبح، مثل نمطي إضافة الموصوف إلى الصفة وإضافة الصفة إلى الموصوف.
ومن ثم طفقوا يؤولون ما ورد منهما من تراكيب. وقد تابع المفسرون مذاهب النحاة في تفسير تلك التراكيب وتأويلها. مع أن كل نمط من هذه الأنماط التحويلية قد ورد منه عشرات الأمثلة في القرآن الكريم.
ولذلك فإنني أدعو أبناءنا من شباب الباحثين - ممن يزعمون أن علم النحو قد نضج حتي احترق، وأنه لاتوجد موضوعات جديدة للبحث فيها في هذا العلم- إلى اختراق هذا الميدان،
فكل نمط من هذه الأنماط جدير بأبحاث ودراسات لأشكاله المختلفة بين القرآن والشعر العربي، كما أن كل نمط منها له قضاياه الشائكة مثل قضية السماع والقياس في استعمال هذه الأنماط وقضية الأبعاد الدلالية لكل نمط منها ، وكذلك لإعادة النظر فيما ذكره جمهور النحاة والمفسرين من تأويلات متكلفة للتراكيب الواردة في هذه الأنماط.
اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(دراسة لأنماط التحول في التركيب الوصفي في القرآن الكريم)
أ.د مفرح السيد سعفان
من الثابت في النحو العربي أن التركيب الوصفي يتألف من عنصرين اثنين هما الموصوف والصفة، وأنه لابد أن يتميز بأمرين اثنين :
١- أن يتقدم الموصوف على الصفة.
٢- أن تكون الصفة تابعة للموصوف.
ولكن من بدائع القرآن أن هذا التركيب الوصفي يتحول إلى أشكال أخرى متباينة ، وأنماط تركيبية متعددة، وهو في هذا التحول يرتقي بالصفة شيئا فشيئا من قمة الإهمال إلى قمة العناية والاهتمام، وذلك وفقا لما يقتضيه السياق ويتطلبه المعنى. ويمكننا إجمال هذه التحولات التي تطرأ على التركيب الوصفي في عشرة أنماط تحويلية على مرحلتين، على النحو الآتي :
المرحلة الأولى: ( مرحلة تقديم الموصوف على الصفة)
وتشتمل على الأنماط الآتية على الترتيب :
النمط الأول :
أن يحذف التركيب الوصفي بعنصريه ليفهم ويقدر لدلالة الحال عليه. ومن ذلك قوله سبحانه :" إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ". لأن المعنى: ولا يحيا حياة طيبة.
لأنه لايمكن أن يتصور منطقيا حالة لايموت فيها الإنسان ولا يحيا على وجه الحقيقة. فحذف التركيب الوصفي ( حياة طيبة) للمبالغة في بيان هذه الحالة العجيبة التي يتقلب فيها هذا الكافر الذي يعذب في النار والعياذ بالله، ولأن ذكر هذا التركيب هنا سوف يقلل من تأثير المعنى الذي يرمي إليه السياق.
النمط الثاني: أن يذكر الموصوف وحده وتحذف الصفة. ليكون الموصوف هو وحده محور اهتمام السياق، ولتكون الصفة عنصرا مهملا، ومن ذلك قوله سبحانه :" وقد خلقتك من قبل ولم
تك شيئا " فالأصل ( ولم تكن شيئا مذكورا) بدليل قوله تعالى في سورة الإنسان :" هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فذكر التركيب الوصفي كاملا.
وكذا قوله سبحانه :" قل يا أهل الكتاب لستم على شيء" أي :لستم على شيء نافع أو مفيد أو ذي قيمة.
وقوله: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " أي: قلب واع أو يقظ. لأن كل إنسان - في الحقيقة - عنده قلب حتى الكافر. فكأن من لم يؤمن بهذا الكتاب الكريم ليس عنده قلب على الإطلاق.
النمط الثالث: أن يذكر الموصوف وتذكر الصفة تابعة له.
وهذا هو النمط القياسي الشائع للتركيب الوصفي في علم النحو..وهو يدل على أن الموصوف هو محور الحديث، لأنه هو المتعرض للعوامل النحوية المختلفة،وتدل تبعية الصفة للموصوف على ارتباطها به، وأنها عنصر موضح أو مبين أو مفسر للصفة، فهي هنا - كما قال النحاة - كالحلية للموصوف.
النمط الرابع: أن يذكر الموصوف وتذكر الصفة مسبوقة بحرف الجر ( من). أي أن تتوسط ( من) بين الموصوف والصفة.
وهنا لايزال الموصوف هو محور اهتمام السياق، أو محور الحديث، وتفيد ( من) هنا ملازمة الموصوف للصفة، وكأنه مصنوع أو مخلوق منها، كما في قولنا مثلا :" هذا خاتم من ذهب " بدلا من الأصل الوصفي ( هذا خاتم ذهب). ومن ذلك قوله سبحانه في( سورة البقرة / ٢٣) :" فأتوا بسورة من مثله "، فالأصل :" فأتوا بسورة مثله "كما ورد في( سورة يونس / ٣٨).
وكذا قوله:" وحلوا أساور من فضة "، وقوله: " ولهم مقامع من حديد".
النمط الخامس: إضافة الموصوف إلى الصفة.
وهنا يبقى الموصوف محور الحديث فهو المتعلق بالعوامل النحوية المختلفة، وتؤدي الإضافة هنا إلى تلاحم الموصوف بالصفة، فلا يمكن أن ينفصل عنها أبدا مثلما لا يجوز الفصل بين
المضاف والمضاف إليه، فتفيد بذلك تأكيد ملازمته لها ملازمة أبدية. ومن ذلك تركيب ( دين الحق) في قوله سبحانه :
"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله". أي: الدين الذي لاينفصل أبدا عن صفة الحق.
وكذلك تركيب ( وعد الحق) في قوله تعالى على لسان إبليس: " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ". وكذا تركيب ( وعد الصدق)
أي: الوعد الذي لا تنفصل عنه أبدا صفة الصدق.
النمط السادس: أن يحتمل التركيب وجهي الإضافة.
فيمكن أن يكون من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ، كما يمكن أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف.
ومن ذلك تركيب ( حق اليقين) في قوله تعالى :" إن هذا لهو حق اليقين " إذ يحتمل أن يكون المعنى الحق اليقين، كما يحتمل أن يكون المعنى اليقين الحق.
وهذا نمط بديع فريد نظرًا لما يحدثه من انبهار ناتج عن مزج الموصوف بالصفة، فلا يمكن التمييز بينهما، فكل واحد منهما صالح لكي يكون موصوفا، وصالح لكي يكون صفة.
المرحلة الثانية: مرحلة تقديم الصفة على الموصوف.
ومن العجيب أنها تسير في اتجاه معاكس تماما لأنماط المرحلة السابقة، فهي على النحو الآتي:
النمط السابع: إضافة الصفة إلى الموصوف.
( عكس النمط الخامس)
وفيه تتقدم الصفة على الموصوف واقعة موقعه الإعرابي،فتتحول بذلك من كونها مجرد عنصر تابع للموصوف، إلى عنصر مستقل، له إعرابه المستقل، لتحظى هي بالمكانة التي كان يحظى بها الموصوف من قبل في أنماط المرحلة السابقة،فتصير هي محور الحديث ومحل اهتمام السياق، فهي المتأثرة بالعوامل النحوية في الجملة وفي ذلك تنبيه على أهمية الصفة في هذا النمط وأنها قد بلغت الغاية في الموصوف.
ومن جهة أخرى تفيد إضافة الصفة هنا إلى الموصوف ضربا من التلاحم بينهما فلا يجوز أن تنفصل عنه أبدا مثلما لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
ومن ذلك تركيب ( سوء عمله) في مثل قوله سبحانه :
" وكذلك زين لفرعون سوء عمله " فالأصل أن يقال :( وكذلك
زين لفرعون عمله السيء) ولكن التركيب الوصفي بهذه الصورة
الأصلية يجعل صفة ( السوء) عنصرا تابعا للموصوف (عمل فرعون)، فتكون كالوصف العارض فيه والطارئ عليه.
ولكن بتقديم صفة ( السوء) على العمل، وإحلالها محله الإعرابي، ووقوعها موقعه - و هو موقع نائب الفاعل للفعل زين -
تحولت الصفة من كونها عنصرا تابعا للموصوف لتصير ركنا
رئيسا في الجملة، ولتتحول من كونها فضلة في الكلام لتصير
عمدة لا يمكن الاستغناء عنها، فتكون بذلك هي محور اهتمام السياق، فيدل هذا كله على أن صفة السوء قد بلغت منتهاها في الموصوف ( عمل فرعون).
كما تدل إضافة الصفة هنا إلى الموصوف على تلاحمها به، لتفيد تأكيد ملازمتها له، فلا تنفصل هي عنه أبدا مثلما لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
وعليه يصير المعنى : وكذلك زين لفرعون عمله الذي لا تنفصل عنه أبدا صفة السوء، فليس ثمة عمل أسوأ من عمله.
وكذلك تركيب( حسن المآب) في مثل قوله سبحانه :
" والله عنده حسن المآب " فالأصل ( والله عنده المآب الحسن) ثم حدث فيه ما حدث في التركيب السابق من تقديم وتأخير. ليصير المعنى: والله عنده المآب الذي لا يمكن أن تفارقه أبدا صفة الحسن.
النمط الثامن: توسط ( من) بين الصفة والموصوف.
( وهو عكس النمط الرابع)
وهنا تبقى الصفة هي محور اهتمام السياق لوقوعها موقع الموصوف،للتنبيه على أهميتها وخطورتها كما حدث في النمط السابق. وتفيد (من) هنا ملازمة الصفة للموصوف على العكس من النمط الرابع.
ومن ذلك قوله سبحانه : ( وهدوا إلى الطيب من القول) فالأصل ( وهدوا إلى القول الطيب).
وقوله سبحانه :" وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا". فالأصل: ( وإنهم ليقولون قولا منكرا ).
وقوله سبحانه : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ". فالأصل :( فاجتنبوا الأوثان الرجس).
النمط التاسع: أن تتقدم الصفة على الموصوف واقعة موقعه،
ثم يذكر الموصوف تابعا لها و مفسرا لها على أنه بدل منها.
( وهو عكس النمط الثالث)
وهنا تبقى الصفة محور اهتمام السياق، كما حدث في النمط السابق، ويصير الموصوف مجرد عنصر مفسر للصفة على أنه بدل منها.
وعليه فإنه إذا كان النمط الثالث هو نمط تبعية الصفة للموصوف فإن هذا النمط التاسع يمكن أن نطلق عليه نمط قلب التبعية، إذ يصير الموصوف هنا هو العنصر التابع للصفة.
ومن ذلك قوله سبحانه :" الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها.. فالأصل: ( الله نزل كتابا أحسن الحديث). ثم قدم الصفة ( أحسن الحديث) واقعة موقع الموصوف لتحتل مكانه ومكانته، وأخر الموصوف على أنه بدل منها.وكذلك قوله تعالى: " أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين.
الله ربكم ورب آبائكم الأولين ".فالأصل: (وتذرون الله أحسن الخالقين).
النمط العاشر: أن تذكر الصفة وحدها واقعة موقع الموصوف
وقائمة مقامه ويحذف الموصوف.
( وذلك عكس النمط الثاني)
وهذا النمط يعبر عن قمة الاهتمام والارتقاء بالصفة وإهمال الموصوف، فالصفة هنا هي الغاية المبتغاة والموصوف هنا عنصر مهمل لاقيمة له في حد ذاته ولا تأثير له في مضمون السياق، فيكون ذكره هنا حشوا في الكلام لاتأثير له.
ومن ذلك مثلا قوله سبحانه :" وكان أبوهما صالحا " فالأصل: ( وكان أبوهما رجلا صالحا)، فحذف الموصوف ( رجلا) وأحل صفته محله ، لتقع الصفة هنا خبرا لكان، فتتحول الصفة من عنصر تابع فضلة إلى عنصر رئيس عمدة لايمكن الاستغناء عنه، وتصير هي وحدها المؤثر في مضمون
السياق.
وكذلك قوله تعالى:" وإن كان ذو عسرة " فالأصل :
( وإن كان رجل ذو عسرة) .
وهكذا تتعدد الأنماط التحويلية للتركيب الوصفي في سبيل الارتقاء بالصفة من قمة الإهمال إلى قمة العناية والاهتمام.
و لكن مما تجدر الإشارة إليه أن معظم هذه الأنماط التحويلية قد رفض النحاة استعمالها، ورأوا أنها مخالفة للقياس ، لأنها مخالفة للقاعدة التي ينص عليها علم النحو في التركيب الوصفي، بل وصف المتأخرون منهم بعضها بالقبح، مثل نمطي إضافة الموصوف إلى الصفة وإضافة الصفة إلى الموصوف.
ومن ثم طفقوا يؤولون ما ورد منهما من تراكيب. وقد تابع المفسرون مذاهب النحاة في تفسير تلك التراكيب وتأويلها. مع أن كل نمط من هذه الأنماط التحويلية قد ورد منه عشرات الأمثلة في القرآن الكريم.
ولذلك فإنني أدعو أبناءنا من شباب الباحثين - ممن يزعمون أن علم النحو قد نضج حتي احترق، وأنه لاتوجد موضوعات جديدة للبحث فيها في هذا العلم- إلى اختراق هذا الميدان،
فكل نمط من هذه الأنماط جدير بأبحاث ودراسات لأشكاله المختلفة بين القرآن والشعر العربي، كما أن كل نمط منها له قضاياه الشائكة مثل قضية السماع والقياس في استعمال هذه الأنماط وقضية الأبعاد الدلالية لكل نمط منها ، وكذلك لإعادة النظر فيما ذكره جمهور النحاة والمفسرين من تأويلات متكلفة للتراكيب الواردة في هذه الأنماط.
اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
