الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

سطور في كتاب (36): من كتاب الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    سطور في كتاب (36): من كتاب الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي

    العربية علم تتوقف صحة الاجتهاد عليه
    من كتاب الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي

    وَأَمَّا الثَّانِي مِنَ الْمَطَالِبِ: وَهُوَ فَرْضُ عِلْمٍ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عِلْمٌ لَا يَحْصُلُ الِاجْتِهَادُ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فيه، فهو لا بُدٍّ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فُرِضَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ فِي الْعَادَةِ الْوُصُولُ إِلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ دُونَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلِهِ عَلَى تَمَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مُبْهَمٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيُسْأَلُ عَنْ تَعْيِينِهِ.
    وَالْأَقْرَبُ فِي الْعُلُومِ إِلَى أَنْ يَكُونَ هَكَذَا عِلْمُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا أَعْنِي بِذَلِكَ النَّحْوَ وَحْدَهُ، وَلَا التَّصْرِيفَ وَحْدَهُ، وَلَا اللُّغَةَ، وَلَا عِلْمَ الْمَعَانِي، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسَانِ، بَلِ الْمُرَادُ جُمْلَةُ عِلْمِ اللِّسَانِ ألفاظ أو معاني كيف تصورت، ما عدا الْغَرِيبِ، وَالتَّصْرِيفَ الْمُسَمَّى بِالْفِعْلِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالشِّعْرِ من حيث هو الشعر كَالْعَرُوضِ وَالْقَافِيَةِ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مُفْتَقَرٍ إِلَيْهِ هنا، وإن كَانَ الْعِلْمُ بِهِ كَمَالًا فِي الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبَيَانُ تَعَيُّنِ هَذَا الْعِلْمِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَرَبِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَتْ عَرَبِيَّةً؛ فَلَا يَفْهَمُهَا حَقَّ الْفَهْمِ إِلَّا مَنْ فَهِمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةِ حَقَّ الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُمَا سِيَّانِ فِي النَّمَطِ مَا عَدَا وُجُوهَ الْإِعْجَازِ، فَإِذَا فَرَضْنَا مُبْتَدِئًا فِي فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ مُبْتَدِئٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ، أَوْ مُتَوَسِّطًا؛ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَوَسِّطُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ النِّهَايَةِ، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الْغَايَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَكَانَ فَهْمُهُ فِيهَا3 حُجَّةً كَمَا كَانَ فَهْمُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُصَحَاءِ الَّذِينَ فَهِمُوا الْقُرْآنَ حُجَّةً، فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ شَأْوَهُمْ؛ فَقَدْ نَقَصَهُ مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ بِمِقْدَارِ التَّقْصِيرِ عَنْهُمْ، وَكُلُّ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ لَمْ يُعَدَّ حُجَّةً، وَلَا كَانَ قَوْلُهُ فِيهَا مَقْبُولًا.
    فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَبْلَغَ الْأَئِمَّةِ فِيهَا؛ كَالْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ، وَالْأَخْفَشِ، وَالْجَرْمِيِّ، وَالْمَازِنِيِّ وَمَنْ سِوَاهُمْ، وَقَدْ قَالَ الْجَرْمِيُّ: "أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أُفْتِي الناس في الفقه من كتاب سيبويه".
    وَفَسَّرُوا ذَلِكَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِهِ بِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكِتَابُ سِيبَوَيْهِ يُتَعَلَّمُ مِنْهُ النَّظَرُ وَالتَّفْتِيشُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْوِ، فَقَدْ نَبَّهَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَقَاصِدِ الْعَرَبِ، وَأَنْحَاءِ تَصَرُّفَاتِهَا فِي أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا، وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى بَيَانِ أَنَّ الْفَاعِلَ مَرْفُوعٌ وَالْمَفْعُولَ مَنْصُوبٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ يُبَيِّنُ فِي كُلِّ بَابٍ مَا يَلِيقُ بِهِ، حَتَّى إِنَّهُ احْتَوَى عَلَى عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَوُجُوهِ تَصَرُّفَاتِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، وَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ الْجَرْمِيُّ عَلَى مَا قَالَ، وَهُوَ كَلَامٌ يُرْوَى عَنْهُ فِي صَدْرِ "كِتَابِ سِيبَوَيْهِ" مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ.
    وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَدْ نَفَوْا هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ؛ فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَى الْأُصُولِيِّ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ، الْبَاحِثِينَ عَنْ دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَمُشْكِلَاتِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهَا مَا تَتَيَسَّرُ بِهِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
    لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي هَذَا الشَّرْطِ: "إِنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ خِطَابُ الْعَرَبِ وَعَادَتَهُمْ فِي الِاسْتِعْمَالِ، حَتَّى يُمَيَّزَ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ وَمُجْمَلِهِ، وَحَقِيقَتِهِ ومجازه، وعامه وخاصه،ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه، ونصه وفحواه ولحنه ومفهمومه".
    وَهَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ قَالَ: "وَالتَّخْفِيفُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ، وَأَنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَيَتَعَمَّقَ فِي النَّحْوِ".
    وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ، فَالَّذِي نُفِيَ اللُّزُومُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْرِيرُ الْفَهْمِ حَتَّى يضاهي العربي في ذلك الْمِقْدَارِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَلَا أَنْ يَسْتَعْمِلَ الدَّقَائِقَ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَرُبَّمَا يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَيَبْنِي فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى التَّقْلِيدِ المحض، فيأتي في الكلام على مسائل الشرعية بِمَا السُّكُوتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ جَلَالَةً فِي الدِّينِ، وَعِلْمًا فِي الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ.
    وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي "رِسَالَتِهِ" إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْعَرَبَ بِكِتَابِهِ بِلِسَانِهَا عَلَى مَا تَعْرِفُ مِنْ مَعَانِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِيهَا اتِّسَاعَ لِسَانِهَا وَأَنْ تَخَاطَبَ بِالْعَامِّ مُرَادًا بِهِ ظَاهِرُهُ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا يُدْخِلُهُ فِي الْكَلَامِ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَيُعْرَفُ بِالسِّيَاقِ، وَبِالْكَلَامِ يُنْبِئُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ، وَآخِرُهُ عَنْ أَوَّلِهِ، وَأَنْ تَتَكَلَّمَ بِالشَّيْءِ تُعَرِّفُهُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَمَا تُعَرِّفُ بِالْإِشَارَةِ وَتُسَمِّي الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِالْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمَعَانِي الْكَثِيرَةَ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ.
    ثُمَّ قَالَ: "فَمَنْ جَهِلَ هَذَا مِنْ لِسَانِهَا- وَبِلِسَانِهَا نَزَلَ الْكِتَابُ وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَتَكَلَّفَ الْقَوْلَ فِي عِلْمِهَا تَكَلُّفَ مَا يَجْهَلُ بَعْضَهُ، وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا جَهِلَ وَمَا لَمْ تُثْبِتْهُ معرفته؛ كانت موافقته للصواب وإن وافقه من حيث لا يعرف غَيْرَ مَحْمُودَةٍ، وَكَانَ بِخَطَئِهِ غَيْرَ مَعْذُورٍ، إِذَا نَطَقَ فِيمَا لَا يُحِيطُ عِلْمُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ فِيهِ".
    هَذَا قَوْلُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَغَالِبُ مَا صُنِّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنَ الْفُنُونِ إِنَّمَا هُوَ الْمَطَالِبِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تَكَفَّلَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا بِالْجَوَابِ عَنْهَا، وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ؛ فَقَدْ يَكْفِي فِيهِ التَّقْلِيدُ، كَالْكَلَامِ فِي الْأَحْكَامِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا؛ كَأَحْكَامِ النَّسْخِ، وَأَحْكَامِ الْحَدِيثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
    فالحصل أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْمُجْتَهِدِ فِي الشَّرِيعَةِ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ فَهْمُ خِطَابِهَا لَهُ وَصْفًا غَيْرَ مُتَكَلَّفٍ ولا متوقف فيه في الغلب إِلَّا بِمِقْدَارِ تَوَقُّفِ الْفَطِنِ لِكَلَامِ اللَّبِيبِ.

...
يعمل...