لغتنا العربية وفضل القرآن

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    لغتنا العربية وفضل القرآن

    لغتنا العربية وفضل القرآن


    د. رضا العطار



    إن ما يخص طبيعة اللغة العربية أنها مرآة الفكر ووسيلته الأدق والأكثر وضوحًا في التعبير عن ذاته، لذا فهي وإن تميزت بقدر عال من الوضوح، إلا أنها لا تعبر إلا عن الجزء الواضح من الوعي الإنساني الذي لا يمثل بدوره إلا حيزًا ضيقًا من شخصيته.

    أما ما يخص القرآن الكريم، فإنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حكيم. نزل به الروح الأمين على أعظم الخلق، منجّما مقسطا في ثلاث وعشرين سنة، حتى تستعد القوى البشرية لتلقي هذا الفيض الإلهي، وهو معجزة الإسلام الكبرى، إذ لم يبلغ أي كتاب ديني أو دنيوي ما بلغه القرآن الكريم من روعة البيان ومس المشاعر وأسر القلوب، سواء حين يتحدث عن عظمة الكون وجلاله أو حين يشرّع للناس ما به صلاح معاشهم، أو يصور لهم جمال الفردوس مكافئة لسلوكهم، أو يقص عليهم من أنباء الرسل الأولين وما فيه من العبر للمؤمنين.

    فإنه في الأسلوب لا يبارى في قوة الإقناع وبلاغة التركيب، فهو طراز وحده، له سحره البياني بل له إعجازه الذي انقطعت آمال العرب دونه في محاكاته أو الإتيان بشيء على مثاله في السيطرة على الألباب، وقد تحداهم جل ذكره أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا وذلّوا، "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين" صدق الله العظيم.

    يقول الجاحظ الذي عاش في القرن الثاني للهجرة: "بعث الله محمدًا عليه السلام في زمن أكثر ما كانت العرب فيه شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدّة، فدعاها من أقصاها إلى أدناها إلى التوحيد وتصديق الرسالة. فلما أزال الشبهة، وضعهم أمام الإقرار بجهلهم وحيرتهم، لقد نصبوا له الحرب. فدل ذلك على عجز القوم مع كثرة خطبائهم ووفرة شعرائهم. لأن سورة واحدة كانت كافية أن تنقض أقوالهم وتكشف أكاذيبهم في الخروج من الأوطان. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والفضل، ولهم الرجز الفاخر والخطب البليغة واللفظ المنثور".

    وكان طبيعيًّا أن يستكين العرب أمام هذه الذروة الرفيعة من البلاغة والبيان وهي ذروة ليس لها في اللغة العربية سابقة ولا لاحقة، ذروة جعلت العرب حين يستمعون إلى آيات القرآن، يخرون على وجوههم لربهم ساجدين، مشدوهين بجماله مبهورين ببلاغته.

    "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله" صدق الله العظيم.

    ولا زال هذا الشعور يختلج قلوب المؤمنين من المسلمين في العصر الراهن لما يفتح لهم القرآن من آفاق في العالم العلوي وما يؤثر بهم في صميم الوجدان الروحي.

    إن القرآن يمتاز بأسلوب خاص به، فهو نظم بديع، فُصلت آياته بفواصل تطمئن النفس إلى الوقوف عندها، وتتنوع هذه الفواصل بين طوال وقصار بتنوع موضوعاته، يغلب عليه الإيجاز والإشارة في بدء الدعوة قبل الهجرة حين كان الرسول عليه السلام يدعو إلى نبذ الأصنام وعبادة الله. فلما انتقل عليه السلام إلى يثرب غلب عليه البسط والإطناب لبيان نظم الشريعة وما ينبغي أن تكون مصالح البشر في حياته مبنية على نظام العدل الاجتماعي على اختلاف الأمكنة والأزمنة.

    وقد أثّر هذا الكتاب العظيم آثارًا بعيدة في اللغة العربية، فقد حوّل أدبها من قصائد في الغزل والهجاء والأخذ بالثأر ووصف الخيل والإبل والسيوف والرماح إلى أدب عالمي يخوض في مشاكل الإنسان والحياة، ينظم أموره الدينية والدنيوية، فارتقى الأدب العربي رقيّا لم يكن يحلم به، واتسعت آفاقه، فظهرت فيه ألفاظ جديدة مثل القرآن والفرقان والكافر والمشرك والمنافق والصلاة، فمدلولات هذه الألفاظ لم تكن معروفة قبل بزوغ فجر الإسلام.

    فالقرآن بروعة لغته، نظم الحياة الأسرية تنظيمًا أدبيًّا: ماديًّا ومعنويًّا، عقليًّا وروحيًّا، تنظيمًا يكفل سعادة الإنسان على أكمل وجه. وعلى نحو ما جمع العرب على دين واحد وعلى لهجة واحدة من لهجات اللغة العربية، هي لهجة قريش. بعد ما كانت تسود لهجات القبائل العدنانية في الشمال على لهجات القبائل القحطانية في الجنوب في زمن الجاهلية.

    وكانت اللغة العربية هي التي حملها العرب معهم في فتوحاتهم، فانتشرت في العالم الإسلامي جميعه من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، إذ كانت تلاوته فرضًا مكتوبًا على المسلمين. (ورتل القرآن ترتيلا). وبذلك أصبح للقرآن فضل عظيم في حفظ اللغة العربية وذيوعها وانتشارها في ملايين كثيرة من الناس عبر أجيال متعاقبة وقرون مترادفة إلى اليوم.

    فالقرآن هو الذي حفظ اللغة العربية عبر دهور متطاولة، وهو الذي حوّل العربي من إنسان جاهل يؤمن بالخرافات إلى إنسان يتطلع إلى الحياة في بشر وشغف. وهو الذي فتح أمام المسلمين أرض الله الواسعة كي تدخل إلى اللغة العربية أمم كثيرة شاركت في لسانها وآدابها، وتعاونت في نهضتها الروحية والاجتماعية والعلمية، في ترقية الإنسان. ومن الحق أن يقال إن كل ما كسبته لغتنا العربية من آداب في الشعر والنثر كان ذلك بفضل القرآن الكريم وحده.

    أما في مجال العلوم الطبيعية والعقلية والفلسفية، فقد جاء في القرآن ما يزيد عن سبعين صورة من الألفاظ، دالة على العلم ومشتقاته. فإننا أمام كتاب جعل للعلم والفكر منزلة، هيهات أن تجد لهما نظيرًا في أي مصدر آخر، القرآن لا يريد للإنسان علمًا، مجرد علم فحسب، بل يريد له أن ينفذ في أقطاره، لهذا هداه هذا الكتاب العظيم إلى وجوب قيام المعرفة على أساس العلم الخالص، فلا عجب أن أصبح للعرب بعد ظهور محمد (ص) بأقل من قرنين، نزوع خطير نحو الحركة العلمية بين المسلمين، التي أيعنت ثمارها زمن العباسيين في بغداد، فكانت بوادر علمية زاهرة تمثلت في نخبة الأعلام مثل ابن سينا في الطب والرازي في العلوم وابن حيان في الكيمياء والكندي في الطبيعيات وابن ماسكوية في علم التشريح وابن النفيس في الدورة الدموية وابن الهيثم في الفيزيائي بصري المولد الذي يصفه الكاتب الأمريكي المعاصر ميشيل هاملتون مورغان في كتابه الفريد Lost History المحفوظ حاليًّا في مكتبة الكونغرس بواشنطن – بأينشتاين زمانه – يقول فيه: "لم يكن ممكنًا لعلمائنا كوبرنيكوس وغاليلو غاليلي ونيوتن من تحقيق أبحاثهم العلمية إلا بفضل نظريات ابن الهيثم الذي سبق زمانهم ب 600 سنة".

    وفي سياق فضل القرآن على اللغة العربية أقول: "إنه لم يكن انتشار الحضارة العربية في أقطار كثيرة من العالم في صدر الإسلام وبعده بفضل الفتوحات العسكرية وبجهد التجار الأخيار وحدهم، بل إنما يعود الفضل الأكبر إلى عظمة اللغة العربية، بعد أن هذبها القرآن بعلو بيانه وروعة بلاغته وجمال سحره.

    لنتصور، حالة العرب، لو لم يبلغهم الرسول عليه السلام برسالته، لما جاوزت لغتهم نطاق جزيرة العرب، ولظلوا وثنيين في تنابذ وشقاق وحروب، بل لعل لغتهم كانت قد اندثرت كما اندثرت لغات قديمة كثيرة،ذ فالقرآن هو الذي نفخ في لغتهم الروح والحياة، وهو الذي أتاح لهم الدوام على توالي الزمن، وهو الذي نقل عرب الجزيرة من لغة بداوة متخلفة الى لغة مهذبة متحضرة، حتى أصبحت اللغة العربية لغة عالمية، اتخذتها أمم كثيرة لسان ثقافتها وآدابها، ولا يوجد في تاريخ البشرية كتاب له هذه الآثار الجسيمة في تغير أحوال البشر نحو الأحسن، بل القرآن هو وحده في هذا الباب، أنه حقًا مفخرة العرب ومعجزة الإسلام وآيته العظمى.

    فلا غرو أن يصرح الفيلسوف الإنكليزي الشهير برنارد شو قوله:

    "إن جهل رجال الدين عندنا في القرون الوسطى جعلهم يرسمون لدين محمد صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم، لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها، إني أعتقد أن الديانة المحمدية هي الديانة الوحيدة التي تجمع كل الشرائط الموافقة للحياة، لقد تنبأت بأن دين محمد سيكون مقبولا لدى أوربا مستقبلاً، وما أحوج العالم اليوم إلى رجل مثل محمد".

  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    حوار مع الدكتور رضا العطار الطبيب والكاتب الباحث
    من موقع صوت العراق :
    بقلم: حاوره // جابر الشلال الجبوري - 09-05-2014 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
    حوار مع الدكتور رضا العطار الطبيب والكاتب الباحث

    يومَ عادَ بفتوى في الطب من المرجع الحكيم (قد)

    وأبكاه قلع العيون من قبل مجرمي البعث

    جمعتني الصدفة مع الدكتور رضا العطار في إحدى الأمسيات الثقافية التي كانت تعقد في منتدى دار السلام الثقافي عام 2000 في واشنطن العاصمة، والتي كان يحاضر فيها عن الفنون في العراق خلال العهد القديم، والتي أصبحت فيما بعد كتاباً ألّفه الدكتور مؤخراً بعنوان (العراق وفنونه الجميلة)، توطدت علاقتي به حتّى ارتقت إلى مستوى الصداقة حيث أخذت لقاءاتنا تتكرر، ونتزاور فيما بيننا ونتحاور في عدة مفاصل عن الثقافة والمثقفين وعن شجون العراق وأمور كثيرة اخرى.


    قبل أيّام احتفل الدكتور رضا العطار ببلوغه الخامسة والثمانين من العمر، فقمت بزيارته بمعية الدكتور الصديق طي البدري وقدمنا له التهاني بهذه المناسبة، كما أهدى لكلٍّ منّا مطبوعه الجديد والجميل في كلّ محتوياته، حيث العراق وفنونه الجميلة، قديمها وحديثها وخلال قرون متعاقبة، قرأتُ الكتاب، وإذا به موسوعة ضخمة، تصلح أن تكون مرجعاً لطلاب العلم والباحثين في شؤون الفنون العراقية قديمها وحديثها، لم يخطر ببالي أن يكون هذا اللقاء مع الدكتور لقاءً صحفياً موثقا، حيث لم نتّفق على موعد أو ترتيبٍ مسبّق لأجل ذلك، ولكن استرسالنا بالحديث عن ذكرياته وعن حياته وثقافته وشهادته الأكاديمية أغراني بالمبادرة إلى إجراء هذا الحوار مع هذا الرجل الكبير في علمه ومعرفته وثقافته وأدبه وأخلاقه المثلى، فطرحت عليه رغبتي بذلك، فردّ مشكوراً بالإيجاب، فكان معه هذا الحوار:


    س – لكي يتعرّف إليك القاريء الكريم، من هو الدكتور رضا العطار؟


    ج - هو رضا عباس محمد العطار.


    س - أين ولدت، ومتى؟


    ج - في محافظة كربلاء المقدسة من أبوين عراقيين عربيين علويّي النسب حيث يرجع نسبي إلى جدّي الرسول الكريم محمّد صلى الله عليه وآله في 20/ 2 / 1929.


    س - أين أنهيت دراستك الأولى؟


    ج -أنهيت الابتدائيةَ بتفوّق، في مدرسة العلقمي الإبتدائيّة في كربلاء، ومن ثم المتوسطة والثانوية عام 1950.


    س - وبعد ذلك أين اتّجهتَ؟


    ج - تم قبولي في جامعة اسطنبول في تركيا بكلية الطب، حيث درستُ فيها أربع سنوات في موضوع الطب.


    س - وبعد ذلك أين توجّهت؟


    ج - في عام 1954 توجّهتُ إلى ألمانيا حيث أكملتُ دراستي في جامعة برلين الحرّة عام 1957 بعدها أنهيت سنوات التدريب الإلزامي في مستشفيات ألمانيا العديدة، ومن ثم دخلت مرحلة الإختصاص في الطب وجراحة العيون في جامعة (هومبلد) في برلين أيضاً، وأنجزتها عام 1962ثم اشتغلتُ على رسالة الدكتوراه، وختمتُ دراستي الأكاديمية بدورة فوق التخصص في جراحة ترقيع قرنيّة العين في نهاية عام 1964.


    س – ماذا بعد أن أنهيتَ هذه الرحلة العلمية مع العيون وجراحتها؟


    ج - عدتُ إلى وطني العراق كأوّل طبيب عراقي يحمل مثل هذا الإختصاص، فأرسل في طلبي، بذلك الوقت وزير الصحة العراقي فأخبرني بإصدار أمر تعييني في مستشفى الرمد ببغداد لكي أمارس اختصاصي وعملي فيها، فقلت له إنّ اختصاصي فريدٌ من نوعه في العراق، فهل يسمح لي القانون بممارسة عملي في إجراء عمليات زرع القرنية في العين والتي نحصل عليها من عيون المتوفين؟ فأجابني وزير الصحة آنذاك بعدم وجود مثل هذا التشريع لكنّه قيد الإصدار.

    س - وبعدها ماذا فعلت؟

    ج - طلب مني وزير الصحة الذهاب إلى النجف الاشرف واستحصال فتوى من المرجع السيد محسن الحكيم رحمه الله تجيز لي أن أمارس عملي وأن أحصل على القرنيّة من عيون المتوفين لأعالج بها عيون الأحياء، وفعلاً ذهبت إلى النجف وقابلتُ المرجع الحكيم آنذاك وطلب مني أن أشرح له نوع عملي وتخصّصي ونوع العمليات المراد إجراؤها على المرضى الأحياء، وبعد إحاطته تفصيلاً بذلك، تفهم السيد الحكيم متطلّبات عملي وقال إنّ هذا عمل إنساني كبير يجب أن نقف معه ونشجّعه وندعمه، فأفتى بما يلي (يجوز الإستفاده من عين المتوفي إذا كان تبرع بها في وصيّته أو بموافقة ذويه) فعدتُ إلى بغداد وأنا أحمل معي تلك الفتوى وسلمتها إلى وزير الصحة، والذي بدوره عرضها على مجلس الوزراء العراقي آنذاك، وبعد أربعة أشهر تم إصدار قرار يجيز لي ممارسة عملي كطبيب جراح عيون يقوم بترقيع القرنية المأخوذة من عيون الأموات، ومارستُ عملي بكلّ همّةٍ ونشاط بمستشفى الرمد في بغداد، وبدأت الناس تتقاطر على المستشفى للحجز على إجراء مثل هذه العمليات الجديدة من نوعها في العراق، واستمر الحال حتى عام 1974 حيث بدأت الناس العزوف عن إجراء مثل هذه العمليات وسط ذهولي وتعجبي ومن معي من أعضاء الطاقم الطبي ولم أعرف السبب.


    س - وهل اكتشفتَ السبب فيما بعد؟ وهنا أخذ الدكتور رضا يبكي بحرارة وسط ذهولنا وانتابتنا لحطات صمت رهيب فقلت له دكتور ماذا حصل لك هل أنت على مايرام؟ فقال لي نعم ولكن الذي سأحدثك عنه لاتتحمّله طاقةُ إنسان، فقلت له الله أكبر ماهذا؟ قال إن الناس المرضى من العراقيين قد وصلت اليهم أخبار موثقه بأن أجهزة البعثيين الأمنيّة تقوم بقلع عيون السجناء السياسيين دون رغبتهم، وتجبر الأطبّاء على زراعتها في عيون المرضى من البعثيين، وهذا ماجعل الناس يعزفون عن إجراء مثل هذه العمليات، وهذه الجريمة واحدة من الجرائم التي اقترفها أزلام النظام البعثي المنقرض، بحقِّ معارضيه السياسيين دون أن يعلم بها أحد.


    س - ثم ماذا بعد ياأبا (مها) ؟


    ج - أخذت الأوضاع السياسية تتدهور بعد تسلم الطاغية الذليل المقبور صدام، لمقاليد الحكم وبدأ التسفير القسري للناس دون أي وجه حق.


    س - وهل شملكم هذا التسفير؟


    ج - نعم في بداية الأمر تمّ تسفير كافة إخواني وأخواتي إلى ايران بحجّة أننا غير عراقيين، مع العلم أنني خدمتُ كضابط طبيب إحتياط برتبة نقيب في الجيش العراقي.


    س - وأنت كيف خرجتَ من العراق؟


    ج - بعد تضييق الخناق علينا ومراقبتنا والتحقيق معنا بين فترةٍ وأخرى قررتُ الرحيل والخروج من العراق،


    س - ولكن كيف؟


    ج - إتصلتُ بإحدى الجامعات الألمانيّة التي أنا على علاقةٍ بها منذ زمن الدراسة هناك، وطلبتُ منهم أن يقوموا بتوجيه دعوةٍ لي لحضور مؤتمر علمي في ألمانيا بمعية عائلتي فتمّ لي ذلك وحصلت الموافقه بعد عناء طويل وجهدٍ جهيد ورشاوى عديدة، خرجت من العراق عام 1980 مقهوراً لامسروراً وأنا في حالةٍ يُرثى لها حيث الغربة والبعد عن الوطن، وصلتُ إلى المانيا واتصلت بي إدارة مستشفى جامعة (ميونخ) وأخبرني ممثّلُها بأنّ مكاني موجود في الجامعة وبإمكاني المباشرة بالعمل، وفعلاً عملتُ في الجامعة لمدة سنة، ولأنّهم يقدرون شهادتي ومكانتي العلمية، فقد قدّموا لي ولعائلتي كلَّ الدعم والإسناد.


    س - وبعد السنة في ألمانيا أين حلّ بك المطاف؟


    ج - كنتُ آمُل أن تنتهي الحرب العراقية الإيرانية وأعود إلى بلدي لخدمة شعبي، ولكن على مايبدو خمّنتُ حسب مجرى الأحداث في حينه أنّ الحرب ستطول ولن تنتهي قريباً، ففكرتُ آنذاك بالرحيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.


    س - ومتى وصلت إلى أمريكا ؟


    ج - في عام 1981 وصلتُ إلى واشنطن، وقرّرتُ البقاء فيها ما حييت.


    س - بعد التغيير ماذا فعلت؟ وهل طلبت الجهاتُ المختصّةُ منك العودة للعمل في العراق؟


    ج - لم يطلب مني أحد العودة أوالعمل في التدريس أو ممارسة مهنة الطب في العراق وذلك لكوني لم أطلب ذلك لكبر سنّي واستقراري في الولايات المتحدة الأمريكية.


    س - هل زرت العراق بعد التغيير؟


    ج - نعم زرتُ العراق في عام 2003 وذهبتُ إلى مسقط رأسي مدينة كربلاء، واستعدتُ ذكريات طفولتي الجميلة وتجوّلتُ في حاراتها القديمة، وزرتُ كلّاً من المدارس الإبتدائية والمتوسطة والثانوية التي تخرّجتُ منها، والتقيتُ العديدَ من الناس الذين يعرفون أهلي وأصلي ويعرفون والدي الذي كان تاجراً معروفاً في كربلاء.


    س - هل تم تكريمك من قبل الحكومة العراقية الجديدة؟


    ج - نعم تمَّ تكريمي خلال حفل كبير أقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن، وخلال مؤتمر الأكاديميين العراقيين الذي أقامته الملحقية الثقافية العراقية بشخص مستشارها الثقافي البروفسور عبد الهادي الخليلي في عام 2009 ، وكذلك تمَّ تكريمي من قبل أبناء الجالية العراقية في واشنطن من خلال الملتقى العراقي الأمريكي الذي أقام على شرفنا حفلاً كبيراً في منتجع بيرك ليك السياحي في واشنطن، وقدّموا لي هدية تقديرية ثمينة أعتزّ بها كثيراً.


    س - دكتور أنت رجل مثقف وتكتب باستمرار عن العديد من الأمور الثقافية والموسيقى فما علاقة ذلك بالطب؟


    ج - أعتقد أنّ الطبيب المثقف يستكمل إبداعه في مجال عمله، فالثقافة جزء مهم في شخصية الإنسان وتنعكس عليه كثيراً من خلال تصرّفاته وحديثه وأثناء عمله حيث هو قريبٌ من شرائح ومستويات عديدة وهائلة من الناس، أمّا بخصوص الموسيقى، فهي فنٌّ يوازي لغة الأطيار في الطبيعة، وتبعث على الأمل والمحبّة والألفة بين الناس، فأنا ذواق منذ زمن طويل للموسيقى الكلاسيكية، وثقافتي في هذا الجانب أعتزّ بها، حيث تجذرّ في نفسي حبُّ الموسيقى منذ زمن طويل.


    س - كيف تجذّرتْ في ذاكرتك الثقافة إلى هذا الحد الذي لم يمر يوم إلّا وأنت تكتب في المواقع العراقية موضوعاً من مختلف المواضيع وتعدّد القضايا؟


    ج - ربما طبيعة مدينتي التي ولدتُ فيها وأعني كربلاء المقدسة التي هي إحدى أبرزمنابع العلم والعلماء، وأرض سيد الشهداء، التي تُعَدّ من المدن العراقية الزاخرة بالمنجزات الحضاريّة والرقي والأدب وفنّ الريادة الإسلاميّة.


    س - ماذا وجدتَ في أمريكا ؟


    ج - أكثر من ثلاثين سنة أعيش فيها بطمأنينة وراحة وأمان، وأقدس دستورها الذي يحترم حقوق الانسان وهو الدستور الوحيد في العالم الذي يحثّ المواطن على أن يجد طريقه إلى السعادة.


    س - هل حقّقتَ طموحك ؟


    ج - طموحي لم يتحقق، فلقد كانت أمنيتي أن أبني أكبر مستشفى في الشرق الاوسط لزراعة القرنيه وطب وجراحة العيون في بغداد، ولكن كل ذلك لم يحصل بسبب سياسات النظام البعثي المنقرض، تلك السياسات التي تقف عائقاً أمام إنجاز مثل هذه البوادر الإنسانيّة، وبذلك حرمَنا نحن أصحاب الكفاءات والشهادات العليا من أن نخدم شعبنا.


    س - دكتور رضا أرجو تسليط الضوء حول حياتك اليوميّة ؟


    ج - أشكر الله على أنّني أحيا بصحة جيدة، وبالرغم من سنوات عمري الذي يناهز الخامسة والثمانين، إلّا انني أمارس رياضة المشي يوميّاً وأرتاد المسبح بعض الأحيان لممارسة رياضة السباحة، وقد منَّ الله عليَّ بزوجةٍ صالحة هي السيدة (سميرة العطار) التي ترعاني بكلّ اهتمام وتسهر على راحتي، فهي بالنسبة لي واحة العمر، إذ لولاها لفقدت الكثير من مقوّمات صحّتي كما أنّها العمود الفقري لبيت أسرتنا، والتي شاركتني العمرَ في السرّاء والضرّاء، وفي أيّام المحنة عندما اضطررنا لمغادرة العراق كانت صامدةً بحزم وثبات أمام المعاناة لتوصل قارب الأسرة إلى شاطئ الأمان والإستقرار.


    س – ماذا عن التواصل مع الأبناء؟


    ج - لي بنتان هما الدكتورة (مها) مساعدة أستاذ علم الاعصاب، والثانية (لبنى) متخصصة بدراسة الفن التشكيلي في كل من إيطاليا وأمريكا وهي فنانة موهوبة بالفطرة.


    س - هل للهوايات مجرىً في حياتك؟


    ج - هوايتي المطالعة أوّلاً، وتأتي الأسفار في المرتبة الثانية ثمّ الإستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي أواظب على سماعها بشكل يومي تقريباً ومنذ زمنٍ طويل.


    س – حدّثنا عن الكتابة وهومها.


    ج – أكتبُ في العديد من المواضيع المتنوعة، وأنشرها في موقعي المفضّل (صوت العراق) الذي يديره بنجاحٍ منقطع النظير، الأخ أنور عبد الرحمن ( أبو علي ) ، كما لديَّ موقعي الخاص الذي يضمّ كل مقالاتي ومؤلفاتي طيلة السنين الماضية.


    س - في أيِّ المواضيع تحبذ الكتابة؟


    ج - أفضّل المواضيع الثقافية العامّة، محاولاً قدر الإمكان، إدخال عنصر التشويق، كما أنتقي المادّة التي يتذوّقها الشابُّ العراقيّ بهدف تحفيزه على القراءة، حيث أجد أغلبيّة الشباب بعيدين عنها هذه الأيّام للأسف الشديد.


    س - هل أصدرتَ كتباً في مجال عملك الطبّي ومن ثمّ الثقافي فيما بعد؟


    ج - نعم في الثمانينات وقبل مغادرتي العراق صدر لي كتاب علمي بعنوان (عيوننا وحوادث الطرق) وتمّ قراءة أجزاء منه في عدّة حلقات من البرنامج التلفزيوني المعروف آنذاك (العلم للجميع) الذي كان يقدمه الأستاذ الراحل كامل الدباغ رحمه الله، والذي كان يحث الناس خلاله على قراءة الكتاب لما يحتوي على معلومات قيّمة عن العيون تفيدهم في حياتهم اليوميّة، أمّا كتابي الثاني فقد صدر قبل أيّام في العاصمة الأمريكية واشنطن ويحمل عنوان (العراق وفنونه الجميلة) فهو جامع لكل الفنون العراقيّة قديمها وحديثها ويعتبر بشهادة المختصّين مرجعاً للباحثين في شؤون حضارة وادي الرافدين الفنية.


    س – أخيراً أمنيتك دكتور رضا ؟


    ج - أمنيتي أن ارى العراق وقد استقرّ الوضع الأمني فيه، وأن تجتمع الناس على المحبّة والخير والتآلف والوئام، ويساهموا في بناء بلدنا الذي انهكته الحروب وأن يتّعظوا بتجارب بلدان العالم المتقدم، وأن يتم تأسيس بلد ديمقراطي خالٍ من الدكتاتورية، يحكمه القانون وتسوده الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.


    وفي أثناء حديثنا الشيق والجميل مع الدكتور رضا العطار الذي يجيد أربع لغات عالميّة، كانت مداخلات السيدة (أم مها) تثري ذاكرة الدكتور بالعديد من الأمور وهي تقدّم كاسات الشاي العراقي المعطّر بالهيل، إلى جانب الفواكه والكعك العراقي الذي تصنعه بيدها الكريمة، وحالما أنهيت لقائي مع الدكتور رضا العطار حدّثتُ نفسي وقلت أين الفضائيات العراقية من هؤلاء الرجال العظام أصحاب الشهادات الأكاديمية العليا وأصحاب التجارب الكبيرة في الطبّ، ذوي التاريخ الناصع والغزير بالمعلومات العلميّة والسياسيّة والإجتماعيّة والثقافيّة، ولماذ لاتقوم إحدى فضائياتنا بإعداد برنامج ثقافي تجرى فيه لقاءاتٍ مع أمثال هؤلاء العظماء الذين من واجبنا جميعا رعايتهم ودعمهم في إظهار منجزاتهم للناس كي يستفاد منها شبابنا الجديد، كلّي أمل أن تستجيب إحدى الفضائيات لندائي المشروع هذا، فتبادر إلى القيام بهذا العمل النبيل، لا سيّما وإنّه حسب علمي هناك العديد من الأكاديميين العراقيين المتواجدين في واشنطن ومن أصحاب الشهادات العليا التي تعتز بهم الولايات المتحدة الأمريكية وتعتبرهم من أبنائها وممّن قاموا بخدمة المجتمع الأمريكي، في الوقت الذي نتنكر لهم ولانعير لهم أيّ اهتمام يذكر، وهم أبناء وطننا وجلدتنا وقدّموا للعراق الكثير الكثير، وحتّى ألتقي بجبل عراقي كبير في واشنطن ومن اصحاب الشهادات الاكاديميه العليا اتمنى للجميع التمتع بقراءة هذا الحوار مع خالص محبتي.

    جابر الشلال الجبوري
    ----------------------------------------------------------
    تصحيح على ما ورد في مقال صديقي العزيز جابر الشلال الجبور مساء امس !

    لقد جاء في المقال الذي نشر بتاريخ 9 / 5 / 2014 على موقع صوت العراق الموقر، تحت عنوان :
    حوار مع الدكتور رضا العطار الطبيب والكاتب الباحث. الذي جاء في مجمله، مطابقا للواقع واني اشكره على عواطفه الصادقة والمتسمة بالصفاء والحميمية، ماعدا المقطع الذي يقول فيه : ( ان اجهزة البعثيين الامنية تقوم بقلع عيون السجناء السياسيين دون رغبتهم، وتجبر الاطباء على زراعتها في عيون البعثيين ) - - اقول انني لم اقل هذا الكلام، و ان هذا العمل لم يحصل قط. ويظهر ان صديقي العزيز ابو على قد فاته فهم جوهر الموضوع، وجزئياته المتعلقة بكيفية اجراء العملية المذكورة. علما ان القرار الحكومي بشأن ترقيع القرنية صدر في عهد القوميين عام 1966، ايام حكم عبد
    السلام عارف ووزير الصحة المرحوم د. شامل السامرائي، لكن اثناء حكم البعث، اصدر صدام عام 1974 قانونا يقضي بأعدام اعضاء حزب الدعوة، وعندما انتشر الخبر بين العراقيين، بان عيون المشنوقين، المستفاد منها، ليست عيون مجرمي المخدرات كما تزعم السلطة، انما هي عيون شباب حزب الدعوة، و بذلك عزفوا في الحضور، للاستفاد من العيون البشرية المحفوظة لهم في بنك العيون في مستشفانا.
    هذا واني ارى لزاما علي ان اقدم هذا التوضيح بغية، كشف الحقيقة وانا امام مسؤولية والطن والتاريخ ! وشكرا.


    Read more: http://www.sotaliraq.com/mobile-item...#ixzz4lOoMOsiO

    تعليق

    يعمل...