من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين
الشيخ عبد المتعال الصعيدي
( 1391 هـ - 1971 م)
ولد في 29 شعبان 1311 هـ الموافق 7 مارس عام 1894م بكفر النجبا، مركز أجا بمحافظة الدقهلية، عندما بلغ التاسعة التحق بكتاب القرية النظامي وتعلم هناك قواعد الخط والنحو وحفظ القرآن الكريم. بعد التحاقه بالمدارس الابتدائية النظامية التحق بالجامع الأحمدي بطنطا، وحصل على شهادة العالمية في عام 1918م، ودرس علم المنطق وكان الأول على طلاب معهد طنطا فتم تعينه مدرسًا بالجامع الأحمدي بطنطا، وفي عام 1932م انتقل للتدريس بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف بالقاهرة.
كان الصعيدي محبا للقراءة فكان يقرأ مجلة المقتطف والهلال والمنار والأستاذ والبلاغ، ورغب في دراسة الفلسفة وتاريخ العلم وأصول النقد وتاريخ الحضارة الإنسانية وقرأ مختارات جورجي زيدان. أعجب بفلسفة ابن رشد وموسوعة يعقوب صروف في تثقيف الرأى العام وكتابات عبد الله النديم.
عرف الشيخ الصعيدي بآرائه الثورية والتجديدية، فكان يرى نظام التعليم في الأزهر مصابا بالعقم والجدب، ورأى ضرورة تطويره بما يلائم روح العصر، لتخريج جيل من الأزهريين المجددين والمبدعين والبعيدين عن الجمود والتقليد والتعصب، والذين كان يراهم المذنب الحقيقي وراء ما يظهر من كتابات المجترئين من حين لآخر، وواكب هذا دعوته إلى تطوير فقه الحدود في الشريعة الإسلامية وذلك في مقالة نشرت في جريدة السياسة الأسبوعية عام 1937م
في عام 1919م شرع في تقديم كتابه "نقد نظام التعليم الحديث للأزهرالشريف" ونُشر في عام 1924م، وقد ألف الصعيدي 49 كتابًا مطبوعًا و20 كتابًا مخطوطًا أهداهم للأزهر مثل"تاريخ الإصلاح في الأزهر"، "حكماء اليونان السبعة"، "قضايا المرأة"، "الفن القصصى في القرآن"، ومن أشهر كتبه "المجددون في الإسلام" وهو أحد أهم الكتب التي ألقت الضوء بالنقد والتحليل علي أهم الشخصيات المجددة في الفكر الإسلامي منذ القرن الأول الهجري حتي نهاية القرن الثالث الهجري.
وشارك الصعيدي في العديد من المساجلات والمناقشات على صفحات الجرائد اليومية والمجلات حول قضايا الأدب وتاريخه، والإعجاز البياني في القرآن، وضرورة الاجتهاد في الأصول، وخصائص الإجماع والوحدة الإسلامية، مع كبار رواد الكلمة من أمثال محمد حسنين هيكل، وطه حسين، والعقاد، والشيخ يوسف الدجوي، وعلي عبد الواحد وافي، والشيخ عيسى منون، وخالد محمد خالد، وأحمد فؤاد الأهواني، والشيخ محمد الغزالي.
كما صحح كثيرًا من كتب اللغة والأدب والمنطق، كسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي وغيره.
قليلون للغاية هم من يعرفون هذا المجدد والعالم الأزهري الجليل الشيخ عبد المتعال الصعيدي.. فالرجل يكاد يقتصر اسمه والمعرفة بحياته وتاريخه ومؤلفاته وآراؤه على النخبة، بالمعنى الحرفي والضيق للكلمة، بحيث لا أبالغ إذ أقول أن الأغلبية الكبيرة ممن تخرجوا في جامعة الأزهر وممن تصدوا للخطابة والوعظ من على منابر الأوقاف لا يعرفون كلمة واحدة عن الرجل أو اسم واحد لمؤلف من مؤلفاته القيمة. وتلك واحدة من تجليات الغيبوبة الفكرية والعلمية والثقافية في حياتنا المعاصرة، وليتها اقتصرت فقط على العوام، ولكنها للأسف امتدت لتطال من يفترض فيهم أنهم أهل التخصص وأصحاب الفن.
وعندما يكون رجلا بقامة الشيخ عبد المتعال الصعيدي المجدد التنويري، مجهولا عند هؤلاء الذين يوجهون الرأي العام الديني من على المنابر، فقل على التنوير الرسمي أو الحكومي السلام وصل عليه صلاة الميت فقد مات منذ زمان وعودته للحياة في حكم المستحيل.
ويبدو أن هناك خطة مدبرة ومحكمة للتعتيم على الرجل وعدم إبرازه ليأخذ مكانه الذي يستحق في المقدمة والصدارة، للدرجة التي تجعل من كتبوا عنه وأرخوا لحياته قد اختلفوا اختلافا عجيبا في تاريخ وفاته، فبعض الباحثين ومنهم د. عصمت يؤكد وفاته سنة 1966، بينما يقطع آخرون مثل د. محمد صابرعرب بأنه قد توفى سنة1971..
تخيل فارق بين الرأيين يصل إلى خمس سنوات كاملة، وكأنك تتحدث عن رجل مات في عهد نبي الله نوح أو في زمن الجاهلية الأولى.
ولعل هذا التضارب كما يؤكد عصمت نصار في كتابه (حقيقة الأصولية الإسلامية فى فكرالشيخ عبد المتعال الصعيدي) يرجع إلى إهمال الباحثين الأزهريين بخاصة والمعنيين بالفكرالإسلامى بعامة بكتابات الصعيدي، فلا نكاد نلمح دراسة واحدة عن آراء هذا المفكر والعالم الأزهري الكبير.
وقد بلغ عدد الكتب التى ألفها عبد المتعال الصعيدى - هذا المنسي المجهول - 49 كتابًا مطبوعًا و20 كتابا مخطوطا أهداهم للأزهر مثل (تاريخ الإصلاح فى الأزهر)، (حكماء اليونان السبعة)، (قضايا المرأة)، (الفن القصصي فى القرآن).. وأشهر مؤلفاته المتداولة والتي يمكن الحصول عليها لمن يريد هي (المجددون فى الإسلام)، ( القضايا الكبرى في الإسلام)، ( لماذا أنا مسلم)، وكتابيه الأهم والأخطر (الحرية الدينية فى الإسلام) و(حرية الفكر فى الإسلام).
فى كتابه "المجددون فى الإسلام" يتحسرالصعيدي على أوضاع المسلمين، فيعلن استياءه من حالة التغالي والمبالغة فى العبادات وتشددهم فيها، حتى يظن الواحد أن الإسلام دين عبادات فحسب، وهو ماعبر عنه الشيخ المفكر "ابتدعوا رهبانية فى الإسلام"، منبها أن الإسلام الحقيقي هو ما يحياه الإنسان فى حياته كلها ونظرته لتلك الحياة التي ينبغي أن تكون مستنيرة، ويضرب الشيخ مثلًا باستنارة عمر بن الخطاب فى أمور الدين معتبرًا عمر بن الخطاب من المجددين، لأنه راعى التغيرات الاجتماعية فى أحكامه معطيا العقل سلطة ومساحة أكبر فى التعامل مع النصوص.
وفي ذات السياق الذي يحترم العقل الذي لا يتوقف عن المساءلة والتفكير حتى أمام الأئمة من قمم الفقه، رفض الصعيدي منطق وكلام الإمام الشافعي: "كل قرشى غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس، فهو خليفة" وقال: "إن من يأخذ حقه بالسيف يكون غاصبا، وإجماع الناس عليه بعد ذلك لايصح أن يسوغ ما وقع، لأنه يكون ناشئًا عن عجزهم".
كما أخذ الشيخ على بعض الأئمة والتابعين آراءهم فيما يتصل بالكفاءة في النكاح، منها على سبيل المثال ما قاله الإمام سفيان الثوري: "إذا نكح المولى العربية يُفسخ النكاح".. والموالي هم أهل البلاد المفتوحة..وهو ذات الرأى الذي أقره الإمام أحمد بن حنبل فيما بعد،ورأى الصعيدي في ذلك نوع من العنصرية لا تتناسب مع تعاليم الإسلام، ولا آيات الكتاب الكريم ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".
وفي قمة التوازن والموضوعية يشيد الصعيدى بموقف ابن حنبل فى محنة خلق القرآن لأنه أصرعلى رأيه بأن القرآن غير مخلوق، وصبرعلى ما أصابه من الحبس والجلد، وهذه شجاعة فى الرأى يحمد عليها.. لكنه الصعيدي لا يكتفي إلى هذا الحد بل يضيف: ولكن يؤخذ عليه أنه كان يكفر مخالفيه الذين يقولون بخلق القرآن.
وعلى نفس المنوال يذكر الصعيدي ماكان من أبي الحسن الأشعري بعد تبحره فى الاعتزال، ولما تركه، صعد إلى المنبر وقال "اشهدوا علىّ أنى كنت على غير دين الإسلام. وأني قد أسلمتُ الساعة".. فانتقده الصعيدى قائلا: "وحينئذ يكون المعتزلة فى نظره كفارًا لا مسلمين. وكان الأجدر به ألا يتنكر لمذهب مكث معتقدا صوابه أربعين سنة، فلا يصح أنْ ينفى الإسلام عنهم أويقال أنهم فسّاق مسلمون، وإنما هم مجتهدون يثابون على صوابهم ويُعذرون فى خطئهم".
وفي تعرضه في نفس الكتاب ( المجددون في الإسلام) للدعوة الوهابية، يعلل الصعيدي سبب نجاحها بأنها قد ظهرت بين البدو فى إمارة عربية. بينما لم تنجح دعوة ابن تيميه التي تعتبر النسخة الأصلية لها لأنها ظهرت فى أهل الحضر.
وقطع الصعيدي بأن الوهابية لم تكن دعوة سلمية، بل أعلنت فى سبيل تأييدها جهادا دينيا لحمل مخالفيها على الدخول فيها، فمن آمن بها سلم ومن خالف فقد حلّ دمه وماله. وعلى هذا الأساس كانت غزواتهم فى نجد واليمن والحجاز وأطراف الشام والعراق.
وذهب إلى أن الوهابيين: ((كغيرهم من جمهورالمسلمين فى ذلك الوقت كانوا يرون أنّ الإسلام لم يقم إلاّ بالسيف فلتقم دعوتهم بالسيف أيضًا)) أي أنها كانت دعوة دموية تنتهج العنف لتحقيق أهدافها.
أما كتابه القنبلة فهو ( الحرية الدينية في الإسلام)، وهو الكتاب الذي ألفه ونشره سنة 1955، ونسف فيه نسفا تاما ما تعارف عليه الفقه الإسلامي ب( حد الردة).. ولسبب تأليف هذا الكتاب قصة تستحق أن تروى في مقال خاص بها، لا مجال لتفاصيلها الآن.
وقد استهل الصعيدي كتابه بتلك السطور القوية والمعبرة:
"الحمد لله الذي فتح باب الاجتهاد في الدين، ولم يجعل الجمود سُنّة في العلم، بل فتح باب التجديد في الدين والعلم على مصراعيه، وجعل لكل قرن مجددين ينهضون بالدين والعلم فيه، حتى لا يَقفا على حد محدود، بل تسير الأمّة بهما في ركب النهوض والتجديد، ولا تتخلف عنه بالركون إلى الجمود. هذا كتاب "الحرية الدينية في الإسلام" يحوي اجتهادًا دينيًا خطيرًا، ويبين أنّ الحريّة الدينية في الإسلام عامة في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، وفي دعوة من أسلم ثم ارتد، وقد سبقني بعض العلماء المجددين إلى ترجيح الحكم في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، وهأنذا في هذا الكتاب ألحق به ترجيح الحكم فيمن أسلم ثم ارتد، وإني أحمد الله على توفيقي إلى ترجيح هذا الحكم فيه. لتكون الحرية الدينية ميزة للدين الإسلامي مطلقة لا استثناء فيها ".
ومما توقف أمامه الشيخ عبد المتعال في هذا الكتاب قضية الجزية، والتي فند كل أصولها، وأكد أن آية الجزية " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "، ليست آية عامة في جميع أهل الكتاب، بل رأى أن الأمر فيها: " أمر خاص ببعض أهل الكتاب لا عام، وهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حق الإيمان، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الإعتداء على الداعين إليه "، أي أن هناك عدوان واعتداء في المسألة..
وذهب إلى أنها لم تجب على الناس لكفرهم بل لحرابهم، فلهذا لم تجب على "النساء" و"الذراري" ونحوهم ممن لا يصلح للحرب، وهذا يفيد أن الجزية ليست إلا غرامة حربية وأنها لا شأن لها بكفرهم، فلا يكون لها تأثير في تركهم له، ولا يكون في فرضها عليهم أدنى وسيلة لحملهم على الإسلام، لأن الإسلام أكبر من أن يغري الناس على دعوته بالمال، يأخذه من غيره باسم الجزية، فإذا أسلم لم يأخذه منه، لأنه إذا أسلم أخذ منه الزكاة، وهي ضريبة تصاعدية تبلغ ما لا تبلغه الزكاة.
وبدأ الصعيدي يصول و يجول في سطور الكتاب الذي عرض فيه الرأي والرأي الآخر بمنتهى الأمانة والموضوعية، ثم بدأ يناقش كل الآراء ويفككها ويوازن بينهما، ليخرج بنتيجة قد رجحها واطمأن لها عقله وقلبه.. مفادها باختصار ما ذكره فيما بعد في كتابه ( حرية الفكر في الإسلام) بعد أن عرّف الحرية الدينية بأنها حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية بحيث وحسب كلمات الشيخ الصعيدي : " لا يكون لغيره حق استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا يكون لغيره حق استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا ارتد عنها وإنما هي الدعوة بالتي هي أحسن في كل الحالات ".
ومن أول سطر لآخر سطر في ( الحرية الدينية في الإسلام ) يقر الصعيدي ما جاء في آيات القرآن الكريم حول الارتداد عن الدين وأن الآيات لم تذكر أي عقوبة على ذلك.. ثم يلح الرجل على استمرار مفعول آية "لا إكراه فى الدين"، وإبطال دعوى أنها منسوخة.. وفي لمحة في غاية الذكاء يقول الصعيدي: ( إن إكراه المرتد على الإسلام بالقتل أو الحبس داخل قطعا في عموم قوله تعالى "لا إكراه فى الدين" لأن الإكراه في الدين كما يكون في الابتداء يكون في الدوام، وكما لا يصح الإكراه على الدين في الإبتداء لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا، كذلك الإكراه على الدين لا يصح في الدوام لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا".
كما قام الصعيدي بعرض الأحاديث التي وردت في عقوبة المرتد مثل "من بدل دينه فاقتلوه"، و " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..."، ورأى أنها تحتاج إلى تأويل وفهم أوسع، واستدل بالرأي القائل بعدم قتل المرتدة، وهو ما يعنى أن قتال المرتد لا يصح إلا إذا حارب المسلمين.
والكتاب في مجمله، يستحق القراءة كاملا من أول كلمة إلى آخر كلمة، لأهمية موضوعة ولبراعة المؤلف في تناوله و سبقه وعبقريته في عرض وجهة نظره.. التي تجعلنا نعترف أنه كان الأسبق بين المحدثين في تناول هذه القضية الحساسة والشائكة بهذا العمق وهذا الذكاء والإنتهاء إلى عدم وجود ما يسمى بحد الردة، وأن كل من قالوا بهذا الرأي وانتهوا إليه في عصرنا هذا، إن لم يكونوا قد قرؤوا كتاب الشيخ عبد المتعال وتأثروا به، فهم في كل الأحوال تابعون لسبقه وريادته في هذا الرأي الذي ينفي عن الإسلام تهمة القهر والجبرية والإكراه.
رحم الله الشيخ عبد المتعال الصعيدي.. الذي لا تكفيه تلك السطور.. ونرجو أن تكون لنا وقفات أخرى معه ومع فكره التجديدي وكتبه ذات الطابع الثوري التنويري التي لن يرضى عنها المستبدين باسم السلطة أو المتسلطين باسم الدين.
----------------الشيخ عبد المتعال الصعيدي
( 1391 هـ - 1971 م)
ولد في 29 شعبان 1311 هـ الموافق 7 مارس عام 1894م بكفر النجبا، مركز أجا بمحافظة الدقهلية، عندما بلغ التاسعة التحق بكتاب القرية النظامي وتعلم هناك قواعد الخط والنحو وحفظ القرآن الكريم. بعد التحاقه بالمدارس الابتدائية النظامية التحق بالجامع الأحمدي بطنطا، وحصل على شهادة العالمية في عام 1918م، ودرس علم المنطق وكان الأول على طلاب معهد طنطا فتم تعينه مدرسًا بالجامع الأحمدي بطنطا، وفي عام 1932م انتقل للتدريس بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف بالقاهرة.
كان الصعيدي محبا للقراءة فكان يقرأ مجلة المقتطف والهلال والمنار والأستاذ والبلاغ، ورغب في دراسة الفلسفة وتاريخ العلم وأصول النقد وتاريخ الحضارة الإنسانية وقرأ مختارات جورجي زيدان. أعجب بفلسفة ابن رشد وموسوعة يعقوب صروف في تثقيف الرأى العام وكتابات عبد الله النديم.
عرف الشيخ الصعيدي بآرائه الثورية والتجديدية، فكان يرى نظام التعليم في الأزهر مصابا بالعقم والجدب، ورأى ضرورة تطويره بما يلائم روح العصر، لتخريج جيل من الأزهريين المجددين والمبدعين والبعيدين عن الجمود والتقليد والتعصب، والذين كان يراهم المذنب الحقيقي وراء ما يظهر من كتابات المجترئين من حين لآخر، وواكب هذا دعوته إلى تطوير فقه الحدود في الشريعة الإسلامية وذلك في مقالة نشرت في جريدة السياسة الأسبوعية عام 1937م
في عام 1919م شرع في تقديم كتابه "نقد نظام التعليم الحديث للأزهرالشريف" ونُشر في عام 1924م، وقد ألف الصعيدي 49 كتابًا مطبوعًا و20 كتابًا مخطوطًا أهداهم للأزهر مثل"تاريخ الإصلاح في الأزهر"، "حكماء اليونان السبعة"، "قضايا المرأة"، "الفن القصصى في القرآن"، ومن أشهر كتبه "المجددون في الإسلام" وهو أحد أهم الكتب التي ألقت الضوء بالنقد والتحليل علي أهم الشخصيات المجددة في الفكر الإسلامي منذ القرن الأول الهجري حتي نهاية القرن الثالث الهجري.
وشارك الصعيدي في العديد من المساجلات والمناقشات على صفحات الجرائد اليومية والمجلات حول قضايا الأدب وتاريخه، والإعجاز البياني في القرآن، وضرورة الاجتهاد في الأصول، وخصائص الإجماع والوحدة الإسلامية، مع كبار رواد الكلمة من أمثال محمد حسنين هيكل، وطه حسين، والعقاد، والشيخ يوسف الدجوي، وعلي عبد الواحد وافي، والشيخ عيسى منون، وخالد محمد خالد، وأحمد فؤاد الأهواني، والشيخ محمد الغزالي.
كما صحح كثيرًا من كتب اللغة والأدب والمنطق، كسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي وغيره.
قليلون للغاية هم من يعرفون هذا المجدد والعالم الأزهري الجليل الشيخ عبد المتعال الصعيدي.. فالرجل يكاد يقتصر اسمه والمعرفة بحياته وتاريخه ومؤلفاته وآراؤه على النخبة، بالمعنى الحرفي والضيق للكلمة، بحيث لا أبالغ إذ أقول أن الأغلبية الكبيرة ممن تخرجوا في جامعة الأزهر وممن تصدوا للخطابة والوعظ من على منابر الأوقاف لا يعرفون كلمة واحدة عن الرجل أو اسم واحد لمؤلف من مؤلفاته القيمة. وتلك واحدة من تجليات الغيبوبة الفكرية والعلمية والثقافية في حياتنا المعاصرة، وليتها اقتصرت فقط على العوام، ولكنها للأسف امتدت لتطال من يفترض فيهم أنهم أهل التخصص وأصحاب الفن.
وعندما يكون رجلا بقامة الشيخ عبد المتعال الصعيدي المجدد التنويري، مجهولا عند هؤلاء الذين يوجهون الرأي العام الديني من على المنابر، فقل على التنوير الرسمي أو الحكومي السلام وصل عليه صلاة الميت فقد مات منذ زمان وعودته للحياة في حكم المستحيل.
ويبدو أن هناك خطة مدبرة ومحكمة للتعتيم على الرجل وعدم إبرازه ليأخذ مكانه الذي يستحق في المقدمة والصدارة، للدرجة التي تجعل من كتبوا عنه وأرخوا لحياته قد اختلفوا اختلافا عجيبا في تاريخ وفاته، فبعض الباحثين ومنهم د. عصمت يؤكد وفاته سنة 1966، بينما يقطع آخرون مثل د. محمد صابرعرب بأنه قد توفى سنة1971..
تخيل فارق بين الرأيين يصل إلى خمس سنوات كاملة، وكأنك تتحدث عن رجل مات في عهد نبي الله نوح أو في زمن الجاهلية الأولى.
ولعل هذا التضارب كما يؤكد عصمت نصار في كتابه (حقيقة الأصولية الإسلامية فى فكرالشيخ عبد المتعال الصعيدي) يرجع إلى إهمال الباحثين الأزهريين بخاصة والمعنيين بالفكرالإسلامى بعامة بكتابات الصعيدي، فلا نكاد نلمح دراسة واحدة عن آراء هذا المفكر والعالم الأزهري الكبير.
وقد بلغ عدد الكتب التى ألفها عبد المتعال الصعيدى - هذا المنسي المجهول - 49 كتابًا مطبوعًا و20 كتابا مخطوطا أهداهم للأزهر مثل (تاريخ الإصلاح فى الأزهر)، (حكماء اليونان السبعة)، (قضايا المرأة)، (الفن القصصي فى القرآن).. وأشهر مؤلفاته المتداولة والتي يمكن الحصول عليها لمن يريد هي (المجددون فى الإسلام)، ( القضايا الكبرى في الإسلام)، ( لماذا أنا مسلم)، وكتابيه الأهم والأخطر (الحرية الدينية فى الإسلام) و(حرية الفكر فى الإسلام).
فى كتابه "المجددون فى الإسلام" يتحسرالصعيدي على أوضاع المسلمين، فيعلن استياءه من حالة التغالي والمبالغة فى العبادات وتشددهم فيها، حتى يظن الواحد أن الإسلام دين عبادات فحسب، وهو ماعبر عنه الشيخ المفكر "ابتدعوا رهبانية فى الإسلام"، منبها أن الإسلام الحقيقي هو ما يحياه الإنسان فى حياته كلها ونظرته لتلك الحياة التي ينبغي أن تكون مستنيرة، ويضرب الشيخ مثلًا باستنارة عمر بن الخطاب فى أمور الدين معتبرًا عمر بن الخطاب من المجددين، لأنه راعى التغيرات الاجتماعية فى أحكامه معطيا العقل سلطة ومساحة أكبر فى التعامل مع النصوص.
وفي ذات السياق الذي يحترم العقل الذي لا يتوقف عن المساءلة والتفكير حتى أمام الأئمة من قمم الفقه، رفض الصعيدي منطق وكلام الإمام الشافعي: "كل قرشى غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس، فهو خليفة" وقال: "إن من يأخذ حقه بالسيف يكون غاصبا، وإجماع الناس عليه بعد ذلك لايصح أن يسوغ ما وقع، لأنه يكون ناشئًا عن عجزهم".
كما أخذ الشيخ على بعض الأئمة والتابعين آراءهم فيما يتصل بالكفاءة في النكاح، منها على سبيل المثال ما قاله الإمام سفيان الثوري: "إذا نكح المولى العربية يُفسخ النكاح".. والموالي هم أهل البلاد المفتوحة..وهو ذات الرأى الذي أقره الإمام أحمد بن حنبل فيما بعد،ورأى الصعيدي في ذلك نوع من العنصرية لا تتناسب مع تعاليم الإسلام، ولا آيات الكتاب الكريم ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".
وفي قمة التوازن والموضوعية يشيد الصعيدى بموقف ابن حنبل فى محنة خلق القرآن لأنه أصرعلى رأيه بأن القرآن غير مخلوق، وصبرعلى ما أصابه من الحبس والجلد، وهذه شجاعة فى الرأى يحمد عليها.. لكنه الصعيدي لا يكتفي إلى هذا الحد بل يضيف: ولكن يؤخذ عليه أنه كان يكفر مخالفيه الذين يقولون بخلق القرآن.
وعلى نفس المنوال يذكر الصعيدي ماكان من أبي الحسن الأشعري بعد تبحره فى الاعتزال، ولما تركه، صعد إلى المنبر وقال "اشهدوا علىّ أنى كنت على غير دين الإسلام. وأني قد أسلمتُ الساعة".. فانتقده الصعيدى قائلا: "وحينئذ يكون المعتزلة فى نظره كفارًا لا مسلمين. وكان الأجدر به ألا يتنكر لمذهب مكث معتقدا صوابه أربعين سنة، فلا يصح أنْ ينفى الإسلام عنهم أويقال أنهم فسّاق مسلمون، وإنما هم مجتهدون يثابون على صوابهم ويُعذرون فى خطئهم".
وفي تعرضه في نفس الكتاب ( المجددون في الإسلام) للدعوة الوهابية، يعلل الصعيدي سبب نجاحها بأنها قد ظهرت بين البدو فى إمارة عربية. بينما لم تنجح دعوة ابن تيميه التي تعتبر النسخة الأصلية لها لأنها ظهرت فى أهل الحضر.
وقطع الصعيدي بأن الوهابية لم تكن دعوة سلمية، بل أعلنت فى سبيل تأييدها جهادا دينيا لحمل مخالفيها على الدخول فيها، فمن آمن بها سلم ومن خالف فقد حلّ دمه وماله. وعلى هذا الأساس كانت غزواتهم فى نجد واليمن والحجاز وأطراف الشام والعراق.
وذهب إلى أن الوهابيين: ((كغيرهم من جمهورالمسلمين فى ذلك الوقت كانوا يرون أنّ الإسلام لم يقم إلاّ بالسيف فلتقم دعوتهم بالسيف أيضًا)) أي أنها كانت دعوة دموية تنتهج العنف لتحقيق أهدافها.
أما كتابه القنبلة فهو ( الحرية الدينية في الإسلام)، وهو الكتاب الذي ألفه ونشره سنة 1955، ونسف فيه نسفا تاما ما تعارف عليه الفقه الإسلامي ب( حد الردة).. ولسبب تأليف هذا الكتاب قصة تستحق أن تروى في مقال خاص بها، لا مجال لتفاصيلها الآن.
وقد استهل الصعيدي كتابه بتلك السطور القوية والمعبرة:
"الحمد لله الذي فتح باب الاجتهاد في الدين، ولم يجعل الجمود سُنّة في العلم، بل فتح باب التجديد في الدين والعلم على مصراعيه، وجعل لكل قرن مجددين ينهضون بالدين والعلم فيه، حتى لا يَقفا على حد محدود، بل تسير الأمّة بهما في ركب النهوض والتجديد، ولا تتخلف عنه بالركون إلى الجمود. هذا كتاب "الحرية الدينية في الإسلام" يحوي اجتهادًا دينيًا خطيرًا، ويبين أنّ الحريّة الدينية في الإسلام عامة في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، وفي دعوة من أسلم ثم ارتد، وقد سبقني بعض العلماء المجددين إلى ترجيح الحكم في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، وهأنذا في هذا الكتاب ألحق به ترجيح الحكم فيمن أسلم ثم ارتد، وإني أحمد الله على توفيقي إلى ترجيح هذا الحكم فيه. لتكون الحرية الدينية ميزة للدين الإسلامي مطلقة لا استثناء فيها ".
ومما توقف أمامه الشيخ عبد المتعال في هذا الكتاب قضية الجزية، والتي فند كل أصولها، وأكد أن آية الجزية " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "، ليست آية عامة في جميع أهل الكتاب، بل رأى أن الأمر فيها: " أمر خاص ببعض أهل الكتاب لا عام، وهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حق الإيمان، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الإعتداء على الداعين إليه "، أي أن هناك عدوان واعتداء في المسألة..
وذهب إلى أنها لم تجب على الناس لكفرهم بل لحرابهم، فلهذا لم تجب على "النساء" و"الذراري" ونحوهم ممن لا يصلح للحرب، وهذا يفيد أن الجزية ليست إلا غرامة حربية وأنها لا شأن لها بكفرهم، فلا يكون لها تأثير في تركهم له، ولا يكون في فرضها عليهم أدنى وسيلة لحملهم على الإسلام، لأن الإسلام أكبر من أن يغري الناس على دعوته بالمال، يأخذه من غيره باسم الجزية، فإذا أسلم لم يأخذه منه، لأنه إذا أسلم أخذ منه الزكاة، وهي ضريبة تصاعدية تبلغ ما لا تبلغه الزكاة.
وبدأ الصعيدي يصول و يجول في سطور الكتاب الذي عرض فيه الرأي والرأي الآخر بمنتهى الأمانة والموضوعية، ثم بدأ يناقش كل الآراء ويفككها ويوازن بينهما، ليخرج بنتيجة قد رجحها واطمأن لها عقله وقلبه.. مفادها باختصار ما ذكره فيما بعد في كتابه ( حرية الفكر في الإسلام) بعد أن عرّف الحرية الدينية بأنها حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية بحيث وحسب كلمات الشيخ الصعيدي : " لا يكون لغيره حق استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا يكون لغيره حق استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا ارتد عنها وإنما هي الدعوة بالتي هي أحسن في كل الحالات ".
ومن أول سطر لآخر سطر في ( الحرية الدينية في الإسلام ) يقر الصعيدي ما جاء في آيات القرآن الكريم حول الارتداد عن الدين وأن الآيات لم تذكر أي عقوبة على ذلك.. ثم يلح الرجل على استمرار مفعول آية "لا إكراه فى الدين"، وإبطال دعوى أنها منسوخة.. وفي لمحة في غاية الذكاء يقول الصعيدي: ( إن إكراه المرتد على الإسلام بالقتل أو الحبس داخل قطعا في عموم قوله تعالى "لا إكراه فى الدين" لأن الإكراه في الدين كما يكون في الابتداء يكون في الدوام، وكما لا يصح الإكراه على الدين في الإبتداء لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا، كذلك الإكراه على الدين لا يصح في الدوام لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا".
كما قام الصعيدي بعرض الأحاديث التي وردت في عقوبة المرتد مثل "من بدل دينه فاقتلوه"، و " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..."، ورأى أنها تحتاج إلى تأويل وفهم أوسع، واستدل بالرأي القائل بعدم قتل المرتدة، وهو ما يعنى أن قتال المرتد لا يصح إلا إذا حارب المسلمين.
والكتاب في مجمله، يستحق القراءة كاملا من أول كلمة إلى آخر كلمة، لأهمية موضوعة ولبراعة المؤلف في تناوله و سبقه وعبقريته في عرض وجهة نظره.. التي تجعلنا نعترف أنه كان الأسبق بين المحدثين في تناول هذه القضية الحساسة والشائكة بهذا العمق وهذا الذكاء والإنتهاء إلى عدم وجود ما يسمى بحد الردة، وأن كل من قالوا بهذا الرأي وانتهوا إليه في عصرنا هذا، إن لم يكونوا قد قرؤوا كتاب الشيخ عبد المتعال وتأثروا به، فهم في كل الأحوال تابعون لسبقه وريادته في هذا الرأي الذي ينفي عن الإسلام تهمة القهر والجبرية والإكراه.
رحم الله الشيخ عبد المتعال الصعيدي.. الذي لا تكفيه تلك السطور.. ونرجو أن تكون لنا وقفات أخرى معه ومع فكره التجديدي وكتبه ذات الطابع الثوري التنويري التي لن يرضى عنها المستبدين باسم السلطة أو المتسلطين باسم الدين.
1-موقع المكتبة الشاملة:
2-موقع الموسوعة الحرة:
3-مقال للكاتب حاتم صادق: لماذ لا يعرف المسلمون في مصر الشيخ عبد المتعال الصعيدي:

تعليق