من أعلام الأدب في العصر الحديث
الشيخ علي يوسف
(1331هـ-1913م)
(أديب)
[IMG][/IMG]الشيخ علي يوسف
(1331هـ-1913م)
(أديب)
ولد الشيخ: علي يوسف, في شهر جمادى الآخرة, سنة 1280 في "بلصفورة" من بلاد مديرية جرجا, بصعيد مصر من أسرةٍ كريمة الأصل, رقيقة الحال, ولما كانت والدته من بني عديّ, التابعة لمركز منفلوط, وهي بلدة شهيرة بالعلم والعلماء, انتقلت إليها به بعد وفاة والده, فحفظ القرآن بها, وتلقى العلم على أستاذه الشيخ: حسن الهواري, أحد علماء الأزهر النابهين, ولما شدا طرفًا من العلم, قدم إلى الأزهر, فنهل منه بعض سنين، ثم استشرفت نفسه إلى الأدب، ومال هواه إلى الارتواء منه, وقرض الشعر، وظلّ يعالجه حتى صارت له به شهرة، فمدح ورثى، وتغزل وهجا, وجال في فنونه وألوانه حتى اتسق له ديوان كامل, وقد طبعه باسم: "نسمة السحر".
ودعاه حبه للأدب, ونزوعه إليه, أن يختلف إلى مجالس العلماء والأدباء يسامرهم ويفاكههم, ويروي عنهم, وأن يغشى دور العليّة التي كان الأدباء والشعراء يحجون إليها, ثم طفق يرسل مقالاته إلى الصحف في ذلك الحين ولمّا نما هواه إلى الصحف, ساعد المرحوم "أحمد فارس الشدياق" في تحرير صحيفة "القاهرة" وكان يكتب أول الأمر على طراز الكاتبين في عصره؛ مقدمات طويلة تمهد بين يدي كل موضوع, ولولم تدع إليها حاجة الكلام, واحتفال بالمحسنات البديعية تستكره استكراهًا, ولو استهلكت الغرض المطلوب.
ثم مضى مع نهضة جمال الدين, وتوجيه المرصفي, يُدَرِّبُ قلمه, ويروّض بيانه, ويسلس أسلوبه, ويرسله جزلًا سهلًا لا عنت فيه, حتى استقام له أسلوبٌ رصينٌ منطلقٌ عُرِفَ به.
مجلة الآداب 1884م:
وبعد أن تهيأ للشيخ: علي يوسف, هذا القدر من الآدب, وعبّد له طريقه, ويسّرت مسالكه, لبَّى هوى الصحف في نفسه, فأنشأ صحيفةً علميةً أدبيةً سماها: "الآداب" وقد كانت هذه المجلة شيئًا مذكورًا في ذلك الحين, ولا سيما بعد أن دالت دولة صحيفة "روضة المدارس" التي كان يقوم على تحريرها صدور العلماء وأفذاذ الكتاب والشعراء، وفي السنة التالية لجريدته كَثُرَ إقبال الناس عليها, وعرف منشئها بمكانة مهَّدت له وضع جريدة "المؤيد" الغراء.
وأيّا ما كان, فإن "الآداب" لم تكن هي المديان الذي جُلّيَ فيه الشيخ: علي يوسف, بل كان ميدانه "المؤيد" أعظم صحيفة عربيةٍ في ذلك الزمان.
المؤيد 1889م:
كانت جريدة "المقطم" صحيفة الاحتلال في ذلك الحين, تُظَاهِرُ الإنجليز وتعاونهم، وتؤيد سياسة الاحتلال وتروجها، ولم يكن للأمة المصرية الإسلامية صحيفةٌ إذ ذاك ترفع صوتها، وتعلي كلمتها, وتنشر فكرها ورأيها, فتلك أقلام المصريين حبيسةً لا تجد مجالًا تصور فيها آمال الأمة وآلامها، ولا تجد متنفسًا لما يخالجها من كربٍ وحسرةٍ على المجد المغصوب, والموطن المنكوب.
لم يكن للوطنيين مَفَرٌّ من أن يتجهوا بتفكيرهم إلى إنشاء صحيفة وطنيةٍ تعبر عن إحساسهم وآمالهم, ويتخذونها منبرًا يذودون منه عن وطنهم وكرامتهم ودينهم وحقوقهم.
فاجتمع لطيف باشا سليم الحجازي وحسن باشا عاصم وإبراهيم بك الهلباوي, وغيرهم من الوطنيين النابهين, واستقَرَّ رأيهم على أن يعرض الأول فكرة إنشاء صحيفة على رياض باشا, وعلى أن تجاهد الاحتلال, وتنتهي الأحداث على رغم منه، وأعانها على ذلك وطنية هذه الحكومة وشعورها الغيور على مجد البلاد, فلم ير رئيس الحكومة مانعًا يحول دون إنشاء "المؤيد".
تقدَّم الشيخ: علي يوسف, ومعه صديقه الشيخ: أحمد ماضي, أحد رفاقه في الأزهر, فأنشأ صحيفة" المؤيد" وكان الشيخ: أحمد ماضي, معروفًا بالذكاء والنباهة، وفيه هوًى شديد إلى الكتابة والإنشاء, وكثيرًا ما كتب بصحيفة "الآداب" التي كان يصدرها صديقه الشيخ: علي يوسف، فلا عجب أن يشرك زميله في عمله الصحفيّ الجديد.
ولكن عقبةً أثيرت في طريق "المؤيد" وهي في مستهلِّ الطريق؛ إذ لم يلبث الشريكان أن اختلفا، ولا ينزل أحدهماعن الشركة إلّا على مال, والشيخ: علي يوسف, لا يجد من المال ما يسعفه، وهنا اهتزت أريحة -المغفور له- سعد زغلول باشا, فأعانه في حلكة اليأس, وأمده بما خَلَّصَ "المؤيد" له، ولما أتى صاحب "المؤيد" بمطبعة جديدةٍ من طراز فاخر، وعقد لذلك حفلًا رائعًا في دار "المؤيد"، خطب في الجمع, فأتى على سيرة هذه الحادثة, ونوّه بفضل سعد زغلول -المستشار بمحكمة الاستئناف- الذي أبى أن يسمع الخطبة إلّا واقفًا.
أغراض المؤيد:
صدرت المؤيد في أول ديسمبر سنة 1889م, ومن أهم أغراضها كما تقول: بَثُّ الأفكار المفيدة، والأخبار الصادقة، والمبادرة إلى نشر الحوادث الداخلية من باب الاعتبار والتحذير، أو الترويج والتبشير ... غير تاركةٍ شأن التجارة الداخلية والخارجية.... ومن واجباتها: نشر كل ما يهم الوطنيّ معرفته من الحوادث, معتمدةً في كل ذلك على البرهان القويّ, والسند المثبت,.. والخدمة الحقيقية, والبحث الدقيق، وإرسال النظر خلف كل سائحة.
وقد كانت "المؤيد" مؤيدة لحكومة رياض باشا, مواليةً له، ولا بدع في ذلك, فهو الذي ارتاح لإنشائها، وصرّح بها, وقد عملت على نشر الأغراض التي أنشئت من أجلها في رويِّةٍ وهوادةٍ، وبذلك ظفرت برضا المسلمين الوطنيين وبثقتهم.
أصبحت "المؤيد: ميدانًا للأقلام المشبوبة التي يجريها على صفحاتها زعماء السياسة والأدب والاجتماع، وجرى "المؤيد" إلى غاياته طلقًا يرفده.
بالمقالات الرائعة أبطالُ الراي والأدب والعلم؛ من أمثال الشيخ: محمد عبده، وسعد زغلوك بك، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، ومصطفى لطفي المنفلوطي، فتحي بك زغلول، وحفني بك ناصف, وإبراهيم اللقاني، ومحمد المويلحي، وإسماعيل أباظة, وعالجت هذه الأقلام, وعالج معها صاحب "المؤيد" هذه الموضوعات المصرية الإسلامية, في مقالاتٍ مسهبةٍ قد تبلغ الصحفة الأولى جميعًا.
وقد كانت "المؤيد" ممتازة من بين الصحف المصرية بالدفاع عن الوطن والذود عن حقوقه، ومهاجمة الاستعمار في شتى أساليبه, فكانت قلب الوطن الخافق، ولسانه الناطق, ودأبت على مهاجمة الأجانب كلما وافتها الفرص والأسباب، وصوّرت ظلم الاحتلال للمصريين, وعسفهم بهذا الوطن المنكود، ولعل مما يحسن ذكره إيراد أبياتٍ من القصيدة الرائعة التي نظمها المرحوم حافظ بك إبراهيم, في رثاء صاحب "المؤيد" فما قاله في ذلك:
كم أرجفوا بعد موت الشيخ وارتقبوا ... موت "المؤيد" فينا شر مرتقب
وإن يمت تمت الآمال في بلد ... لولا "المؤيد" لم ينشط إلى طلب
صبابة من رجاء بين أضلعنا ... قد بات يرشف منها كل مغتصب
الم يكن لبني "مصر" وقد دهموا ... من ساحة الغرب مثل المعقل الأشب؟
كم أنبرت فيه أقلام, وكم رفعت ... فيه منائر من نظم ومن خطب
وكان ميدان سبق للألى غضبوا ... للدين والحق من داعٍ ومحتسب
فكم يراع حكيم في مشارعه ... قد التقى بيراع الكتاب الأرب
ومن أبلغ ما قيل عن "المؤيد" وصاحبه, قصيدة المرحوم الشيخ: محمد عبد المطلب, التي يقول في مطلعها:
وما ذرفت تلك العيون وإنما ... قلوب عليه بالوجيعة تفأد
بكت همة كانت مرامي مرامها ... تفوت مدى العيوق أو هي أبعد
نعم ملأت لوح الزمان مآثرًا ... لها الشعر يتلو والعظائم تنشد
مآثر تحيي منك ميتًا سودًا ... وليس من الموتى فقيد مسود
فكم موقف جَمِّ المخاوف قمته ... شديد القوى, والهول يرغي ويزبد
إذا الناس إما واجمٌ أو مدله ... وسيف الليالي للقضاء مجرد
وليل به تقع السياسة ساطع ... بهيم الليالي غيمه متلبد
كشفت نواحيه بأبيض لامعٍ ... من الرأي؛ إذ ضل الحليم المسدد
مواقف حزم معرب عنك صوتها ... وآيات عزم عن مضائك شهد
إلى أن يقول:
سل القلم الفياض هل لك بعده ... معين حجا يملي عليك ويرفد
عهدناه زخّار البيان بكفه ... معين المعاني والقرائح ركد
إذا صرفي القرطاس ظل لوقعه ... فؤاد الليالي راجفًا يترعدد
يشق ستور الغيب فهي مراقب ... لما في ضمير الكون والغيب مشهد
وكم أفزعت عرضًا تخر لعزه ... وجوه الدراري عانيات وتسجد
شباة لها تفري الخطوب وصولة ... لها البأس جند, والحقيقة منجد
إذا حميت بأساء خلت لعابه ... شواظًا على أعدائه يتوقد
وكم بين أثناء المؤيد آية ... يغور بها في العالمين وينجد
إذا الصحف العظمى تناقلن حادثًا ... له فيه عظمى ورأي مؤيد
تراءى لدار الوكالة البريطانية أن ساعد "المؤيد" قد اشتد، وأن خطرها قد تفاقم, فلم تطق صبرًا على أمرها, ولم تدعها تنفث في الناس أفكارها, فأمرت بمعنها من دخول السودان, وحوربت بشتى الأساليب, فكانت تمنع هنا وهناك دون علم إدارتها, فلا تصل إلى مشتركيها.
هبت على "المؤيد" رياح وأنواء كان من شأنها أن تعصف بها, ولكنها كانت تستمد من الأحدث قوةً, ولم يهن عزم صاحبها بما دبر له من كيد وعنت, وما ارتصد له من ضيق وعسف, بل كان يمضي في طريقه قدمًا.
هذا هو الاستعمار يضيق على "المؤيد" ويخلق لها المتاعب والعقبات, فيحرم إصدرها في السودان والشرق, ثم يحرض صحفه على مهاجمتها والنَّيْلِ منها, ويشيرها على الؤيد, فتكتب ملبيةً داعي الاحتلال ونداءه.
تلك هي "المقطم" بوق الاحتلال وداعيته, تعتبر صاحب "المؤيد" جاهلًا بآداب المناظرة, وتحمل على مصطفى كامل؛ لأنه دعا إلى تكريم "المؤيد"؛ لأنها أقدر الصحف على الإساءة إلى "المقطم" وأصحابه ثم هي توجه نظر الصحف الأوربية إلى ما تنشره "المؤيد" وتحكم إلى الرأي العام؛ ليحافظ على التقاليد الخديوية المشهورة بمنع التقسيم بين الرعية, وتشرح للصحف العربية خطر الدعوة إلى تبثها "المؤيد" وأذنابها من الصحف, وتلفت نظر صحيفة "الحقوق" إلى ذلك؛ إذ لا تجد جريدةً أخرى من الجرائد العربية التي انتصرت للمؤيد تستحق أن تذكر على مسمع من أهل الفضل والأدب".
كتبت "المقطم" ذلك, واحتفلت الصحف الأجنبية بما كتبته, وبذلت كبريات الصحف لذلك اهتمامًا بليغًا, ومن هذه الصحف: "لوبروجريه اجبسيان" التي ردت على الشيخ علي يوسف حملته, وهاجمت سياسة التعصب, وأغرت الحكومة بهذه الصحيفة؛ لأنها تدعو إلى التعصب الذي من شأنه أن يعرض الأمن للاضطراب, وحياة الأوروبيين للخطر؛ لأن الشيخ: علي يوسف, يدعو إلى أن يقوم قسم من الشعب بذبح القسم الآخر.
ولم تقتصر صحف الاحتلال على مهاجمة "المؤيد" فسحب, بل كانت تناهض الصحف الموالية لها مناهضة جاهدة, ومن هؤلاء صحيفة "المقياس" التي كانت تطبع في دار "المؤيد" وتكتب مقالاتها بوحي من الشيخ: علي يوسف, وأنصاره.
والحق أن "المقياس" كانت قاسيةً, صريحةً في عصبيتها للدين والوطن, وأنها سلّت أقلامها للنيل من "المقطم" وأصحابه, وحملت عليها حملةً شعواء, وأساءت إلى المسيحيين إساءات لا لبس فيها ولا إيهام؛ إذ نشرت مقالًا بعنوان: "يضرمون نار التعصب وينكرون".
ثم إن صحف الاحتلال تذكر ما تنشره "المقياس" من نثر وشعر تدعو فيه إلى أن يسل المسلمون سيوفهم, ويقتلون الكافرين لأنهم زلزلوا صروح دين المسلمين.
وقد حكى صاحب "مرآة العصر" أن قناصل الدول قرروا مرةً مخاطبة رئيس مجلس النظار, دولة رياض باشا في هذا الشأن، فأجابهم بما ينفي الريب, ثم حَدَثَ أن الحكومة أعادت إنشاء قلم المطبوعات في نظارة الداخلية مرةً ثانيةً, تحت رياسة أحد الأجانب, فكان يتعقب "المؤيد" في كل ما يصدر منه, ويناقش صاحبه الحساب على كل سطر يكتبه فيه.
وهناك عامل آخر غير الاستجابة لرغبات الاحتلال حمل "المقطم" ونظرئرها على مناهضة "المؤيد" والكيد له, وذلك هو حسدها على ما بلغته من مكانة, وما توالى لها من مجدٍ وشهرةٍ, ولعل مما يؤيد ذلك موقف "المقطم" من صاحب "المؤيد" في قضية الزوجية المشهورة, التي شغلت المجتمع المصريّ ردحًا من الزمن, وكانت مادةً خصبة للصحف والمجامع, وذلك أن الشيخ عليًّا يوسف, أراد أن يتزوج ابنة السيد عبد الخالق, شيخ السادات الوفائية, ورات هي هذا الرأي معه, وانعقد عزمهما على إتمام الزواج دون علم شيخ السادات الذي عارض الفكرة أشد المعارضة, ورأى الصحفي غير كفء لابنته؛ لأنه دونها حسبًا ونسبًا، وتَمَّ العقد كما يقضي بذلك الشرع, ولكن والد العروس أصر على إبائه, وثار على الواقع, فأقام الدعوى في المحكمة الشرعية؛ ليحال بين ابنته وزوجها؛ ولأنه يمتهن مهنةً لا يكرم بها صاحبها.
كان لهذه القضية ضجةً في الصحف شغلت الأذهان, وكان للدفاع فيها حظ
ودعاه حبه للأدب, ونزوعه إليه, أن يختلف إلى مجالس العلماء والأدباء يسامرهم ويفاكههم, ويروي عنهم, وأن يغشى دور العليّة التي كان الأدباء والشعراء يحجون إليها, ثم طفق يرسل مقالاته إلى الصحف في ذلك الحين ولمّا نما هواه إلى الصحف, ساعد المرحوم "أحمد فارس الشدياق" في تحرير صحيفة "القاهرة" وكان يكتب أول الأمر على طراز الكاتبين في عصره؛ مقدمات طويلة تمهد بين يدي كل موضوع, ولولم تدع إليها حاجة الكلام, واحتفال بالمحسنات البديعية تستكره استكراهًا, ولو استهلكت الغرض المطلوب.
ثم مضى مع نهضة جمال الدين, وتوجيه المرصفي, يُدَرِّبُ قلمه, ويروّض بيانه, ويسلس أسلوبه, ويرسله جزلًا سهلًا لا عنت فيه, حتى استقام له أسلوبٌ رصينٌ منطلقٌ عُرِفَ به.
مجلة الآداب 1884م:
وبعد أن تهيأ للشيخ: علي يوسف, هذا القدر من الآدب, وعبّد له طريقه, ويسّرت مسالكه, لبَّى هوى الصحف في نفسه, فأنشأ صحيفةً علميةً أدبيةً سماها: "الآداب" وقد كانت هذه المجلة شيئًا مذكورًا في ذلك الحين, ولا سيما بعد أن دالت دولة صحيفة "روضة المدارس" التي كان يقوم على تحريرها صدور العلماء وأفذاذ الكتاب والشعراء، وفي السنة التالية لجريدته كَثُرَ إقبال الناس عليها, وعرف منشئها بمكانة مهَّدت له وضع جريدة "المؤيد" الغراء.
وأيّا ما كان, فإن "الآداب" لم تكن هي المديان الذي جُلّيَ فيه الشيخ: علي يوسف, بل كان ميدانه "المؤيد" أعظم صحيفة عربيةٍ في ذلك الزمان.
المؤيد 1889م:
كانت جريدة "المقطم" صحيفة الاحتلال في ذلك الحين, تُظَاهِرُ الإنجليز وتعاونهم، وتؤيد سياسة الاحتلال وتروجها، ولم يكن للأمة المصرية الإسلامية صحيفةٌ إذ ذاك ترفع صوتها، وتعلي كلمتها, وتنشر فكرها ورأيها, فتلك أقلام المصريين حبيسةً لا تجد مجالًا تصور فيها آمال الأمة وآلامها، ولا تجد متنفسًا لما يخالجها من كربٍ وحسرةٍ على المجد المغصوب, والموطن المنكوب.
لم يكن للوطنيين مَفَرٌّ من أن يتجهوا بتفكيرهم إلى إنشاء صحيفة وطنيةٍ تعبر عن إحساسهم وآمالهم, ويتخذونها منبرًا يذودون منه عن وطنهم وكرامتهم ودينهم وحقوقهم.
فاجتمع لطيف باشا سليم الحجازي وحسن باشا عاصم وإبراهيم بك الهلباوي, وغيرهم من الوطنيين النابهين, واستقَرَّ رأيهم على أن يعرض الأول فكرة إنشاء صحيفة على رياض باشا, وعلى أن تجاهد الاحتلال, وتنتهي الأحداث على رغم منه، وأعانها على ذلك وطنية هذه الحكومة وشعورها الغيور على مجد البلاد, فلم ير رئيس الحكومة مانعًا يحول دون إنشاء "المؤيد".
تقدَّم الشيخ: علي يوسف, ومعه صديقه الشيخ: أحمد ماضي, أحد رفاقه في الأزهر, فأنشأ صحيفة" المؤيد" وكان الشيخ: أحمد ماضي, معروفًا بالذكاء والنباهة، وفيه هوًى شديد إلى الكتابة والإنشاء, وكثيرًا ما كتب بصحيفة "الآداب" التي كان يصدرها صديقه الشيخ: علي يوسف، فلا عجب أن يشرك زميله في عمله الصحفيّ الجديد.
ولكن عقبةً أثيرت في طريق "المؤيد" وهي في مستهلِّ الطريق؛ إذ لم يلبث الشريكان أن اختلفا، ولا ينزل أحدهماعن الشركة إلّا على مال, والشيخ: علي يوسف, لا يجد من المال ما يسعفه، وهنا اهتزت أريحة -المغفور له- سعد زغلول باشا, فأعانه في حلكة اليأس, وأمده بما خَلَّصَ "المؤيد" له، ولما أتى صاحب "المؤيد" بمطبعة جديدةٍ من طراز فاخر، وعقد لذلك حفلًا رائعًا في دار "المؤيد"، خطب في الجمع, فأتى على سيرة هذه الحادثة, ونوّه بفضل سعد زغلول -المستشار بمحكمة الاستئناف- الذي أبى أن يسمع الخطبة إلّا واقفًا.
أغراض المؤيد:
صدرت المؤيد في أول ديسمبر سنة 1889م, ومن أهم أغراضها كما تقول: بَثُّ الأفكار المفيدة، والأخبار الصادقة، والمبادرة إلى نشر الحوادث الداخلية من باب الاعتبار والتحذير، أو الترويج والتبشير ... غير تاركةٍ شأن التجارة الداخلية والخارجية.... ومن واجباتها: نشر كل ما يهم الوطنيّ معرفته من الحوادث, معتمدةً في كل ذلك على البرهان القويّ, والسند المثبت,.. والخدمة الحقيقية, والبحث الدقيق، وإرسال النظر خلف كل سائحة.
وقد كانت "المؤيد" مؤيدة لحكومة رياض باشا, مواليةً له، ولا بدع في ذلك, فهو الذي ارتاح لإنشائها، وصرّح بها, وقد عملت على نشر الأغراض التي أنشئت من أجلها في رويِّةٍ وهوادةٍ، وبذلك ظفرت برضا المسلمين الوطنيين وبثقتهم.
أصبحت "المؤيد: ميدانًا للأقلام المشبوبة التي يجريها على صفحاتها زعماء السياسة والأدب والاجتماع، وجرى "المؤيد" إلى غاياته طلقًا يرفده.
بالمقالات الرائعة أبطالُ الراي والأدب والعلم؛ من أمثال الشيخ: محمد عبده، وسعد زغلوك بك، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، ومصطفى لطفي المنفلوطي، فتحي بك زغلول، وحفني بك ناصف, وإبراهيم اللقاني، ومحمد المويلحي، وإسماعيل أباظة, وعالجت هذه الأقلام, وعالج معها صاحب "المؤيد" هذه الموضوعات المصرية الإسلامية, في مقالاتٍ مسهبةٍ قد تبلغ الصحفة الأولى جميعًا.
وقد كانت "المؤيد" ممتازة من بين الصحف المصرية بالدفاع عن الوطن والذود عن حقوقه، ومهاجمة الاستعمار في شتى أساليبه, فكانت قلب الوطن الخافق، ولسانه الناطق, ودأبت على مهاجمة الأجانب كلما وافتها الفرص والأسباب، وصوّرت ظلم الاحتلال للمصريين, وعسفهم بهذا الوطن المنكود، ولعل مما يحسن ذكره إيراد أبياتٍ من القصيدة الرائعة التي نظمها المرحوم حافظ بك إبراهيم, في رثاء صاحب "المؤيد" فما قاله في ذلك:
كم أرجفوا بعد موت الشيخ وارتقبوا ... موت "المؤيد" فينا شر مرتقب
وإن يمت تمت الآمال في بلد ... لولا "المؤيد" لم ينشط إلى طلب
صبابة من رجاء بين أضلعنا ... قد بات يرشف منها كل مغتصب
الم يكن لبني "مصر" وقد دهموا ... من ساحة الغرب مثل المعقل الأشب؟
كم أنبرت فيه أقلام, وكم رفعت ... فيه منائر من نظم ومن خطب
وكان ميدان سبق للألى غضبوا ... للدين والحق من داعٍ ومحتسب
فكم يراع حكيم في مشارعه ... قد التقى بيراع الكتاب الأرب
ومن أبلغ ما قيل عن "المؤيد" وصاحبه, قصيدة المرحوم الشيخ: محمد عبد المطلب, التي يقول في مطلعها:
وما ذرفت تلك العيون وإنما ... قلوب عليه بالوجيعة تفأد
بكت همة كانت مرامي مرامها ... تفوت مدى العيوق أو هي أبعد
نعم ملأت لوح الزمان مآثرًا ... لها الشعر يتلو والعظائم تنشد
مآثر تحيي منك ميتًا سودًا ... وليس من الموتى فقيد مسود
فكم موقف جَمِّ المخاوف قمته ... شديد القوى, والهول يرغي ويزبد
إذا الناس إما واجمٌ أو مدله ... وسيف الليالي للقضاء مجرد
وليل به تقع السياسة ساطع ... بهيم الليالي غيمه متلبد
كشفت نواحيه بأبيض لامعٍ ... من الرأي؛ إذ ضل الحليم المسدد
مواقف حزم معرب عنك صوتها ... وآيات عزم عن مضائك شهد
إلى أن يقول:
سل القلم الفياض هل لك بعده ... معين حجا يملي عليك ويرفد
عهدناه زخّار البيان بكفه ... معين المعاني والقرائح ركد
إذا صرفي القرطاس ظل لوقعه ... فؤاد الليالي راجفًا يترعدد
يشق ستور الغيب فهي مراقب ... لما في ضمير الكون والغيب مشهد
وكم أفزعت عرضًا تخر لعزه ... وجوه الدراري عانيات وتسجد
شباة لها تفري الخطوب وصولة ... لها البأس جند, والحقيقة منجد
إذا حميت بأساء خلت لعابه ... شواظًا على أعدائه يتوقد
وكم بين أثناء المؤيد آية ... يغور بها في العالمين وينجد
إذا الصحف العظمى تناقلن حادثًا ... له فيه عظمى ورأي مؤيد
تراءى لدار الوكالة البريطانية أن ساعد "المؤيد" قد اشتد، وأن خطرها قد تفاقم, فلم تطق صبرًا على أمرها, ولم تدعها تنفث في الناس أفكارها, فأمرت بمعنها من دخول السودان, وحوربت بشتى الأساليب, فكانت تمنع هنا وهناك دون علم إدارتها, فلا تصل إلى مشتركيها.
هبت على "المؤيد" رياح وأنواء كان من شأنها أن تعصف بها, ولكنها كانت تستمد من الأحدث قوةً, ولم يهن عزم صاحبها بما دبر له من كيد وعنت, وما ارتصد له من ضيق وعسف, بل كان يمضي في طريقه قدمًا.
هذا هو الاستعمار يضيق على "المؤيد" ويخلق لها المتاعب والعقبات, فيحرم إصدرها في السودان والشرق, ثم يحرض صحفه على مهاجمتها والنَّيْلِ منها, ويشيرها على الؤيد, فتكتب ملبيةً داعي الاحتلال ونداءه.
تلك هي "المقطم" بوق الاحتلال وداعيته, تعتبر صاحب "المؤيد" جاهلًا بآداب المناظرة, وتحمل على مصطفى كامل؛ لأنه دعا إلى تكريم "المؤيد"؛ لأنها أقدر الصحف على الإساءة إلى "المقطم" وأصحابه ثم هي توجه نظر الصحف الأوربية إلى ما تنشره "المؤيد" وتحكم إلى الرأي العام؛ ليحافظ على التقاليد الخديوية المشهورة بمنع التقسيم بين الرعية, وتشرح للصحف العربية خطر الدعوة إلى تبثها "المؤيد" وأذنابها من الصحف, وتلفت نظر صحيفة "الحقوق" إلى ذلك؛ إذ لا تجد جريدةً أخرى من الجرائد العربية التي انتصرت للمؤيد تستحق أن تذكر على مسمع من أهل الفضل والأدب".
كتبت "المقطم" ذلك, واحتفلت الصحف الأجنبية بما كتبته, وبذلت كبريات الصحف لذلك اهتمامًا بليغًا, ومن هذه الصحف: "لوبروجريه اجبسيان" التي ردت على الشيخ علي يوسف حملته, وهاجمت سياسة التعصب, وأغرت الحكومة بهذه الصحيفة؛ لأنها تدعو إلى التعصب الذي من شأنه أن يعرض الأمن للاضطراب, وحياة الأوروبيين للخطر؛ لأن الشيخ: علي يوسف, يدعو إلى أن يقوم قسم من الشعب بذبح القسم الآخر.
ولم تقتصر صحف الاحتلال على مهاجمة "المؤيد" فسحب, بل كانت تناهض الصحف الموالية لها مناهضة جاهدة, ومن هؤلاء صحيفة "المقياس" التي كانت تطبع في دار "المؤيد" وتكتب مقالاتها بوحي من الشيخ: علي يوسف, وأنصاره.
والحق أن "المقياس" كانت قاسيةً, صريحةً في عصبيتها للدين والوطن, وأنها سلّت أقلامها للنيل من "المقطم" وأصحابه, وحملت عليها حملةً شعواء, وأساءت إلى المسيحيين إساءات لا لبس فيها ولا إيهام؛ إذ نشرت مقالًا بعنوان: "يضرمون نار التعصب وينكرون".
ثم إن صحف الاحتلال تذكر ما تنشره "المقياس" من نثر وشعر تدعو فيه إلى أن يسل المسلمون سيوفهم, ويقتلون الكافرين لأنهم زلزلوا صروح دين المسلمين.
وقد حكى صاحب "مرآة العصر" أن قناصل الدول قرروا مرةً مخاطبة رئيس مجلس النظار, دولة رياض باشا في هذا الشأن، فأجابهم بما ينفي الريب, ثم حَدَثَ أن الحكومة أعادت إنشاء قلم المطبوعات في نظارة الداخلية مرةً ثانيةً, تحت رياسة أحد الأجانب, فكان يتعقب "المؤيد" في كل ما يصدر منه, ويناقش صاحبه الحساب على كل سطر يكتبه فيه.
وهناك عامل آخر غير الاستجابة لرغبات الاحتلال حمل "المقطم" ونظرئرها على مناهضة "المؤيد" والكيد له, وذلك هو حسدها على ما بلغته من مكانة, وما توالى لها من مجدٍ وشهرةٍ, ولعل مما يؤيد ذلك موقف "المقطم" من صاحب "المؤيد" في قضية الزوجية المشهورة, التي شغلت المجتمع المصريّ ردحًا من الزمن, وكانت مادةً خصبة للصحف والمجامع, وذلك أن الشيخ عليًّا يوسف, أراد أن يتزوج ابنة السيد عبد الخالق, شيخ السادات الوفائية, ورات هي هذا الرأي معه, وانعقد عزمهما على إتمام الزواج دون علم شيخ السادات الذي عارض الفكرة أشد المعارضة, ورأى الصحفي غير كفء لابنته؛ لأنه دونها حسبًا ونسبًا، وتَمَّ العقد كما يقضي بذلك الشرع, ولكن والد العروس أصر على إبائه, وثار على الواقع, فأقام الدعوى في المحكمة الشرعية؛ ليحال بين ابنته وزوجها؛ ولأنه يمتهن مهنةً لا يكرم بها صاحبها.
كان لهذه القضية ضجةً في الصحف شغلت الأذهان, وكان للدفاع فيها حظ


تعليق