مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ=11
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
اِعْصِفي يا رِياحُ
" اِعْصِفي يا رِياحُ مـِنْ حيثـُما شِئْتِ وَعفّي الطُّلـولَ والآثـــارا
وانسِفي يا رياحُ غايـةَ هـذا اللَّيْل حتّــى يحــورَ ليـلًا سِـــــرارا
وازْأري يا رياحُ في حَرَمِ الدَّهْـــر زَئِيـــرًا يُزَلْزِلُ الأَعْمــــــارا
اِعصِفي وانْسِفي كأنَّكِ سُخِّرْتِ خَبـالا يُســـــاوِرُ الأَقْــــــــدارا
اِعْصِفي وازْأري كأنَّكِ غَيْرى قَذَفَتْ حِقْدَهــا شَــــرارًا ونــــارا
اِعْصِفي كالجُنون في عَقْلِ صَبٍّ هَتَكَ الْغَيْظُ عَزْمَــهُ والوَقـــــارا
اِعْصِفي كالشُّقوق في مُهْجَةِ الأَعْمى تَخاطفْنَ حِسَّـهُ حَيْثُ سـارا
اِعْصِفي كالفناءِ يَنْتَسِفُ الأوكـار نسفـــًا ويَصْـــرَعُ الأطيــــارا
اِعْصِفي كالوفاءِ صادَفَهُ الغَدْرُ فأغضــى إِغضـاءةً ثم ثـــارا
اِعْصِفي كالضَّلالِ يَسْخَر من هادٍ أذَلَّ القفــار عِلْمــا وحـــارا
اِعْصِفـي كالأَسـى أفاقَ مِنَ الصَّبْرِ فلم يستطـعْ قرارا وفـــارا
اِعْصِفي وانْسِفـي فمـا أنتِ إّلانِعْمـة ٌ تُنْشِـئُ الخـرابَ اقْـتِـدارا
عالَمٌ لم يكُنْ ولا السّـاكنوهُ غيــرَ أشبـــاح نِقْمــةٍ تَتَبــــــارى
اِعْصِفي يا رياحُ غَضْبـى بإِعْصارٍ مِـنَ المَقْت جاحِمًا هَـدّارا
كيف أبْصَرْتِ ما طوَيْتِ مِنَ الدنيـا بليـلٍ وما اختـرقْتِ نَهــارا
اِشْهَـدي هلْ رأيتِ عَقـْلا ونُبْـلا أمْ جُنونًا يَؤمُّ خِزْيــًا وعــارا
وخَفايا مِنَ الخبائث تَسْعــى وحُقُودًا مِنَ الخَنـــــا تَتَمــــــارى
وأساطيرَ حَيَّةً ألْبَسَتْهــا قَيْنـَــــةُالدَّهْرِ ثَوْبَهـــــا المُسْتَعـــــارا
وأباطيـلَ دَلَّسَتْهـا أكاذيبُ فأضْحَتْ هُدًى وأمْسَتْ منـــــارا
وَمَطـايا تَخـوضُ في لُجَجِ الظُّلـْمِ بِرَكـْبٍ لا يَسْأمون السِّفارا
وأذِلاء يَشْمَخـُون منَ الكِبْر وهُمْ فـي القُيُودِ حَسرى أســارى
ودُمًى لمْ تَزَلْ تسيرُ اضطرارًا في غُرُور يَنْفِي المَسِيرَ اضْطِرارا
وَبَقـايــا فَـرائسٍ لـَمْ تكـَــدْ تنبـِضُ حتـّـــى أحَـدّتِالأظفــــــارا
وَدَنايا تختالُ فـي زُخْرُف البَطـْش تَخـالُ الأقـدار منها غَيارى
في حَياةٍ مَخْبولةٍ أسْكَـرتْها شَهَواتٌ تَبْقى وتُفْني السُّكـــارى
كلُّ شيءٍ مَسَّتـْهُ يَطغى فلا يَزْهَدُ طَبْعـــًا ولا يَعِفُّ اخْتيــــارا
اُذْكُري يا رياحُ كيـف تَدَسَّسْتِ إِلى مُضْمَــنِ الطَّوايـــا اقْتِســارا
كُنْتِ سِرَّ الأحياءِ طـُرًّا فمـا يملِكُ سـِــرٌّ عَنْ ناظرَيْكِ استِتــارا
مُنْذُ جاشَتْ في حَمْأةِ الكَوْن آمالٌ تُرَجّي أنْ تبلُـــغَ الأوْطـــارا
مُذْ تَهادَتْ غرائبُ المْزْنِ تَخْتال وتُهـْدي الظِّــلالَ والأََمْـطــارا
مُنْذُ باحَتْ بسِرِّهــا الزَّهْرَةُ الأولــى فأذْكَتْ في كُلِّ قَلـْبٍ أُوارا
مُذْ تسامَتْ فـي مَسْبَحِ الجَوِّ فَتْخاءُ ودارَتْ بلَهْــوِهـا حيثُ دارا
مُنْذُ ناحَتْ بشَجْوِها ذاتُ طَوْقٍ فاستجاشَتْ بنَوْحِهـا الأسْحارا
مُنْذُ حَنّتْ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَيْرى قَدْ أضَلَّتْ أتْرابَها والدِّيــــارا
مُنْذُ أوْفـى عَلى البِقاعِ أبونـا الشَّيخ حَيْران لا يُطيقُ اصْطبـارا
مُذْ ألمّــتْ بأمّنـا نَفْحــةُ الأُنْثــى فأغـْرَتْ بشَيْخنــا الأَخْطـــارا
مُذْ أصاخَتْ لكِ البـَرايا خُشُوعًا فَضّ فيهم حَنينُكِ الأســرارا
اُذْكُرِي كيف وانْظـُرِي كيف أضْحَوْا أعِبادًا رأيتِ أمْ فُجّارا
يَتَباغـَوْن قُدْرةً لَيـْسَ تَفْنـى ثـُــمّ يَفْنـَوْنَ عاجِزيـــنَ حَيـــــارى
أنْصِتي يا رياحُ صَرْخـةُ مَلْهوفٍ طَعينٍ أفْنى الليالـي انتظـارا
هامَ يَسْتَنْفِذُ الغيوبَ وحيـدا داميـاتٍ جِراحُــــهُ لا تُــــــوارى
كُلّما ظَـنَّ فـي دَواءٍ شِفـاءً عـاد داءً يُدْمِـي جـِراحـًــا عَـــذارى
أفِِراراً منَ الجـِراحِ تُداوِيهــــنَّ كَــلّا أيْقَنـْتَ ألا فِرارا
سِرْ جَريحا رَثًّا بآلامِكَ الظَّمأى وسائِـلْ إِنِ استطعت حِـوارا
غَرِقَ العالِمون في عَيْلـَمِ النـّور فأطْفـا جِهارَهـُـمْ والسـِّـرارا
شَرِقوا شَرْقـَةً بِما حَصّلوهُ ذَبَحَتْ علمهـُم فَغـاروا وغــارا
أيْنَ لا أيْن يا رياحُ أجيبي مَزِّقـي الحُجْبَ وانْـزِعي الأَسْتـارا
مـَنْ مُجيبٌ إِلاّكِ كـاهِنــــةَ الآبــاد فـــي هَيْكََلٍ تقـــــادَمَ دارا
شاد عُبـّادُه المحاريبَ إيمانـًا فَمَلّـــوا فـأعـْرضــــوا كُفّــــارا
سَكِروا فانْتَشَوْا فَهَبّوا يَزُفّـونَ إلـى هَيْكــــلِ البَقـــاءِ البـَــــوارا
أخُلـودًا وحِكْمةً أمْ ضَـلالا وأحـاديثَ تُضْحِـــكُ السّمّــــارا
مارِدٌ في الثَّرى تُقَلِّصُ عنهُ الشَّمْسُ يُمْسي ثَرًى يثورُ غُبارا
اِسْمعـي يا رياحُ مَنْ ذا يناديكِ وقَـدْ أرْخَتِ الدَّياجــي السِّتــارا
مُهْجَــةٌ تستغيثُ فـي دَغَـلِ الآثـام قــد أطبقَتْ عليهـــا شِفـــارا
قَدْ رماها الجبّارُ بالفَـزَعِ الأكبــرِ بالمــوتِ طاغِيـًـــا زَخّـــارا
بِلَهيبٍ يَنسـابُ رَهْوًا إذا ماخامَرَ النَّفـْــس أجَّ فيهـــا سُعـــــارا
فِتْنَـةٌ إِثْـرَ فِتْنَـــةٍ إِثـْــرَ أخْــرى هَدَّمَتْهـا وَدَكـّتِ الأَسـْــــوارا
كيفَ ترجو النجاةَ في مأزقٍ ضَنْكٍ وحيدًا لا تستطيعُ انتصـارا
تَبتغي ثُغْرَةً وكيف وهـل يَنْفَـعُ شيئا يا ضَلَّ ذاكَ اجْتــِـــرارا
أنتِ في حـَوزة الأثام تعيشيـــن فُــذُلا في الـرِّقِّ لا استِكْبـــارا
اِشْرَبي الكأسَ مُـزّةً لَـمْ تُشَعْشـَعْ ثـــمّ إياكِ أنْ تَميـدي خُمـــارا
اِغْدِري نافِقي أَضِلّي اسْتبدّي خالِطـي الِإثْمَ واحْمِلي الأَوْزارا
أنْتِ للبأسِ قد خُلِقْتِ فأيـنَ البأسُ إِنْ كُنتِ تفـزَعيــن حِــــذارا
هكذا الأَرْضُ فاذهبي أو أقيمي ليس يُغْني أنْ تَشمئــزّي ازوِرارا
سَـيِّدُ الجَــوِّ والجــَوارحِ بـــازٍ ساقَطَ الطَّيْـرَ داميـــاتٍ وطــارا
أَنْصِِتي يارياحُ ما أبْشَعَ الصَّوْتَ لَقَدْ سار في القُرُون مَســارا
أحَنينـًا أمْ صَرْخَةً أمْ أنينًا أمْ مُكـاءً أمْ عَوْلــةً أمْ جُــؤارا
أمْ تَهاليلَ عاكِفينَ على الأوثـانِ عَجّــوا لَهـا وَضَجّــوا اعْتـِــذارا
أمْ زُنوجا تَوالَغوا في الدَّمِ المَسْفوحِ دَفّـوا وهَلَّلــوا استبشــارا
أمْ مُسوخًا مِنَ العواطف تَعْوي سَخَـرًا مـِـنْ ريائهـا واحْتِقــــارا
أمْ كشيشَ الشَّحْنـاء هَمَّتْ وفَحَّتْ وتَنَزّى لُعابُها واسْتَطــارا
أمْ صَليلَ الأَحْقاد طاشَتْ عنِ الكَظْم فخاضَتْ إلى التَّشَفّي الغِمارا
أمْ هَزِيمَ اللّذّاتِ في صَخَبِ النَّشْـــوةِ هاجَتْ زَفيرَهـا الفَـــوّارا
أمْ وَغى السُّخرِيـاتِ فـي لَغَطِ الآلام تَسْتَصْرِخُ الدّموعَ الغِزارا
أمْ عَويلَ المُنـى البَوالي على أجْداثِ هَمٍّ مَضـى وأبْقــى تَبــارا
أمْ تسابيحَ خاشعينَ مِنَ التقـوى أسـَرّوا مـن خَشْيــةٍ إِسْـــرارا
أمْ تكاذيبَ بلْ تكاذيبُ هل تُبْصـِـــرُ إلا الهـُــداة والأَبـْـــرارا
قَدْ أرادوا أنْ يجتنوا ثَمَرَ الخَيْراتِ حُلْــوًا فصادفـــوهُ بـُــرارا
اُنْظُري يـا ريـاحُ يا وَحْشَةَ الطَّـرْفِ إذا دارَ يَمْنَــةً أو يَســــارا
ما الذي تُبْصِرين أشباحَ فانيـنَ مِرارًا تُرَى وَتَخْفـــى مِـــرارا
وُجِدوا ثُمَّ أوْجَدوا ثُمَّ بادُوا واحْتَذى نَسْلُهُمْ فـــزادَ انْتشـــارا
وَتَمـادى البقـاءُ فيهــمْ دَوالَيْك فشَـيْءٌ بَــدا وشَــيْءٌ تـَـــوارى
أوْغلوا فـي الحَيـاةِ جِيلا فجِيــــلا وتَجَلّــــى طَليقُهـم وأنـــارا
فَمَضَوْا يُبْدِعونَ في حَيْثُ حَلّوا وتَبـارَوْا حِضـارةً وابْتكـارا
ما كفاهُمْ ما بُلِّغـوا فاستطالوا ثَمُّ خـالوا فأسْرفــوا إِصـرارا
شُغِفوا بالخُلـود في هــذهِ الدُّنْيـــا فأعْطَتهـمُ الخُلـــود المُعـــارا
عَمَروا الأرضَ زينةً ومَتاعًا ثُمَّ نودوا كَفى البِـدارَ البِـدارا
ثـُمَّ مَرّوا أشباحَ فانيــن ما تملِكُ فــي حَوْمـَــةِ الزَّوال قَـــــرارا
لَمْ يكُنْ غَيْرَ خَطْفَةِ البَرْق إِذ تَبْني وتُعْلي ولَمْ يَكَـــدْ فانْهـــارا
ذَهَبَتْ ريحُهُـم وهَبَّتْ رِيــاحٌ فأقامَتْ علــــى القبـــور الدِّيــــارا
ضَلَّ هذا الإنسان يكدَحُ للخُلدِ وأقصى الخُلود كانَ فَصارا
اُنْظُري يا رياحُ ذا القَبَسُ الوَهـّــاج قدْ راوغ الفَناءَ اقْتِـــدارا
عاش تحتَ الأَطْباق دَهـْرا فدَهْــــرا يَتَلَوّى بثِقْلِهِـنّ انْبِهـــارا
كلَّما رامَ منفذا رَدَّدَتْـهُ فـي ظلامِ الأَعمــاق يَعْلـُــو صَغــــارا
لَمْ يَزَلْ دائبًا يُنَقِّبُ مُلْتــاعــًــا ويَحْتـال فـــي صَفـاهـــا احْتِفــارا
صَدَعَ الصَّخْرَةَ المُلَمْلَمَةَ الكُبْرى وأسْـرى حتى نما فاستطارا
ورَأى نُورَهُ فَجُنَّ مـن الفَرْحَـةِ أعْمـى رَأى الظَّلام نَهـــارا
أيُّ شَيْءٍ هذا وما ذاك بلْ هـذا وزاغَتْ لحاظُـه اسْتِكْبـــارا
قَدْ رأى عالمًا مَهولا مِـنَ المجهـول غَشـّاه نورُهُ فاسْتَنـارا
لَيْسَ يَدْري أهُـمْ عِدًى أم صديقٌ أيُبينونَ لو أرادَ حِـوارا
أمْ صُموتٌ لا ينطقـون ازْدراءً لغريبٍ عنهـمْ أســـاءَ الجـِوارا
واغِلٌ يَعْتَدي يُسائِل عَنْ أسرار خَلـْقٍ أجَـلَّ مـنْ أنْ تُـثارا
كيفَ غَرَّتْهُ نَفْسُهُ كيفَ ظنّ الغَيْبَ يُلْقـي لِثامَــــه والخِمـــارا
أمل باطِلٌ فلو أسْفَرَ الغَيْب لأَعْمـــى بنـوره الأنـْـــــوارا " .
عن شاكِرْ في " اعصفي يا رياح وقصائد أخرى "
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
اِعْصِفي يا رِياحُ
" اِعْصِفي يا رِياحُ مـِنْ حيثـُما شِئْتِ وَعفّي الطُّلـولَ والآثـــارا
وانسِفي يا رياحُ غايـةَ هـذا اللَّيْل حتّــى يحــورَ ليـلًا سِـــــرارا
وازْأري يا رياحُ في حَرَمِ الدَّهْـــر زَئِيـــرًا يُزَلْزِلُ الأَعْمــــــارا
اِعصِفي وانْسِفي كأنَّكِ سُخِّرْتِ خَبـالا يُســـــاوِرُ الأَقْــــــــدارا
اِعْصِفي وازْأري كأنَّكِ غَيْرى قَذَفَتْ حِقْدَهــا شَــــرارًا ونــــارا
اِعْصِفي كالجُنون في عَقْلِ صَبٍّ هَتَكَ الْغَيْظُ عَزْمَــهُ والوَقـــــارا
اِعْصِفي كالشُّقوق في مُهْجَةِ الأَعْمى تَخاطفْنَ حِسَّـهُ حَيْثُ سـارا
اِعْصِفي كالفناءِ يَنْتَسِفُ الأوكـار نسفـــًا ويَصْـــرَعُ الأطيــــارا
اِعْصِفي كالوفاءِ صادَفَهُ الغَدْرُ فأغضــى إِغضـاءةً ثم ثـــارا
اِعْصِفي كالضَّلالِ يَسْخَر من هادٍ أذَلَّ القفــار عِلْمــا وحـــارا
اِعْصِفـي كالأَسـى أفاقَ مِنَ الصَّبْرِ فلم يستطـعْ قرارا وفـــارا
اِعْصِفي وانْسِفـي فمـا أنتِ إّلانِعْمـة ٌ تُنْشِـئُ الخـرابَ اقْـتِـدارا
عالَمٌ لم يكُنْ ولا السّـاكنوهُ غيــرَ أشبـــاح نِقْمــةٍ تَتَبــــــارى
اِعْصِفي يا رياحُ غَضْبـى بإِعْصارٍ مِـنَ المَقْت جاحِمًا هَـدّارا
كيف أبْصَرْتِ ما طوَيْتِ مِنَ الدنيـا بليـلٍ وما اختـرقْتِ نَهــارا
اِشْهَـدي هلْ رأيتِ عَقـْلا ونُبْـلا أمْ جُنونًا يَؤمُّ خِزْيــًا وعــارا
وخَفايا مِنَ الخبائث تَسْعــى وحُقُودًا مِنَ الخَنـــــا تَتَمــــــارى
وأساطيرَ حَيَّةً ألْبَسَتْهــا قَيْنـَــــةُالدَّهْرِ ثَوْبَهـــــا المُسْتَعـــــارا
وأباطيـلَ دَلَّسَتْهـا أكاذيبُ فأضْحَتْ هُدًى وأمْسَتْ منـــــارا
وَمَطـايا تَخـوضُ في لُجَجِ الظُّلـْمِ بِرَكـْبٍ لا يَسْأمون السِّفارا
وأذِلاء يَشْمَخـُون منَ الكِبْر وهُمْ فـي القُيُودِ حَسرى أســارى
ودُمًى لمْ تَزَلْ تسيرُ اضطرارًا في غُرُور يَنْفِي المَسِيرَ اضْطِرارا
وَبَقـايــا فَـرائسٍ لـَمْ تكـَــدْ تنبـِضُ حتـّـــى أحَـدّتِالأظفــــــارا
وَدَنايا تختالُ فـي زُخْرُف البَطـْش تَخـالُ الأقـدار منها غَيارى
في حَياةٍ مَخْبولةٍ أسْكَـرتْها شَهَواتٌ تَبْقى وتُفْني السُّكـــارى
كلُّ شيءٍ مَسَّتـْهُ يَطغى فلا يَزْهَدُ طَبْعـــًا ولا يَعِفُّ اخْتيــــارا
اُذْكُري يا رياحُ كيـف تَدَسَّسْتِ إِلى مُضْمَــنِ الطَّوايـــا اقْتِســارا
كُنْتِ سِرَّ الأحياءِ طـُرًّا فمـا يملِكُ سـِــرٌّ عَنْ ناظرَيْكِ استِتــارا
مُنْذُ جاشَتْ في حَمْأةِ الكَوْن آمالٌ تُرَجّي أنْ تبلُـــغَ الأوْطـــارا
مُذْ تَهادَتْ غرائبُ المْزْنِ تَخْتال وتُهـْدي الظِّــلالَ والأََمْـطــارا
مُنْذُ باحَتْ بسِرِّهــا الزَّهْرَةُ الأولــى فأذْكَتْ في كُلِّ قَلـْبٍ أُوارا
مُذْ تسامَتْ فـي مَسْبَحِ الجَوِّ فَتْخاءُ ودارَتْ بلَهْــوِهـا حيثُ دارا
مُنْذُ ناحَتْ بشَجْوِها ذاتُ طَوْقٍ فاستجاشَتْ بنَوْحِهـا الأسْحارا
مُنْذُ حَنّتْ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَيْرى قَدْ أضَلَّتْ أتْرابَها والدِّيــــارا
مُنْذُ أوْفـى عَلى البِقاعِ أبونـا الشَّيخ حَيْران لا يُطيقُ اصْطبـارا
مُذْ ألمّــتْ بأمّنـا نَفْحــةُ الأُنْثــى فأغـْرَتْ بشَيْخنــا الأَخْطـــارا
مُذْ أصاخَتْ لكِ البـَرايا خُشُوعًا فَضّ فيهم حَنينُكِ الأســرارا
اُذْكُرِي كيف وانْظـُرِي كيف أضْحَوْا أعِبادًا رأيتِ أمْ فُجّارا
يَتَباغـَوْن قُدْرةً لَيـْسَ تَفْنـى ثـُــمّ يَفْنـَوْنَ عاجِزيـــنَ حَيـــــارى
أنْصِتي يا رياحُ صَرْخـةُ مَلْهوفٍ طَعينٍ أفْنى الليالـي انتظـارا
هامَ يَسْتَنْفِذُ الغيوبَ وحيـدا داميـاتٍ جِراحُــــهُ لا تُــــــوارى
كُلّما ظَـنَّ فـي دَواءٍ شِفـاءً عـاد داءً يُدْمِـي جـِراحـًــا عَـــذارى
أفِِراراً منَ الجـِراحِ تُداوِيهــــنَّ كَــلّا أيْقَنـْتَ ألا فِرارا
سِرْ جَريحا رَثًّا بآلامِكَ الظَّمأى وسائِـلْ إِنِ استطعت حِـوارا
غَرِقَ العالِمون في عَيْلـَمِ النـّور فأطْفـا جِهارَهـُـمْ والسـِّـرارا
شَرِقوا شَرْقـَةً بِما حَصّلوهُ ذَبَحَتْ علمهـُم فَغـاروا وغــارا
أيْنَ لا أيْن يا رياحُ أجيبي مَزِّقـي الحُجْبَ وانْـزِعي الأَسْتـارا
مـَنْ مُجيبٌ إِلاّكِ كـاهِنــــةَ الآبــاد فـــي هَيْكََلٍ تقـــــادَمَ دارا
شاد عُبـّادُه المحاريبَ إيمانـًا فَمَلّـــوا فـأعـْرضــــوا كُفّــــارا
سَكِروا فانْتَشَوْا فَهَبّوا يَزُفّـونَ إلـى هَيْكــــلِ البَقـــاءِ البـَــــوارا
أخُلـودًا وحِكْمةً أمْ ضَـلالا وأحـاديثَ تُضْحِـــكُ السّمّــــارا
مارِدٌ في الثَّرى تُقَلِّصُ عنهُ الشَّمْسُ يُمْسي ثَرًى يثورُ غُبارا
اِسْمعـي يا رياحُ مَنْ ذا يناديكِ وقَـدْ أرْخَتِ الدَّياجــي السِّتــارا
مُهْجَــةٌ تستغيثُ فـي دَغَـلِ الآثـام قــد أطبقَتْ عليهـــا شِفـــارا
قَدْ رماها الجبّارُ بالفَـزَعِ الأكبــرِ بالمــوتِ طاغِيـًـــا زَخّـــارا
بِلَهيبٍ يَنسـابُ رَهْوًا إذا ماخامَرَ النَّفـْــس أجَّ فيهـــا سُعـــــارا
فِتْنَـةٌ إِثْـرَ فِتْنَـــةٍ إِثـْــرَ أخْــرى هَدَّمَتْهـا وَدَكـّتِ الأَسـْــــوارا
كيفَ ترجو النجاةَ في مأزقٍ ضَنْكٍ وحيدًا لا تستطيعُ انتصـارا
تَبتغي ثُغْرَةً وكيف وهـل يَنْفَـعُ شيئا يا ضَلَّ ذاكَ اجْتــِـــرارا
أنتِ في حـَوزة الأثام تعيشيـــن فُــذُلا في الـرِّقِّ لا استِكْبـــارا
اِشْرَبي الكأسَ مُـزّةً لَـمْ تُشَعْشـَعْ ثـــمّ إياكِ أنْ تَميـدي خُمـــارا
اِغْدِري نافِقي أَضِلّي اسْتبدّي خالِطـي الِإثْمَ واحْمِلي الأَوْزارا
أنْتِ للبأسِ قد خُلِقْتِ فأيـنَ البأسُ إِنْ كُنتِ تفـزَعيــن حِــــذارا
هكذا الأَرْضُ فاذهبي أو أقيمي ليس يُغْني أنْ تَشمئــزّي ازوِرارا
سَـيِّدُ الجَــوِّ والجــَوارحِ بـــازٍ ساقَطَ الطَّيْـرَ داميـــاتٍ وطــارا
أَنْصِِتي يارياحُ ما أبْشَعَ الصَّوْتَ لَقَدْ سار في القُرُون مَســارا
أحَنينـًا أمْ صَرْخَةً أمْ أنينًا أمْ مُكـاءً أمْ عَوْلــةً أمْ جُــؤارا
أمْ تَهاليلَ عاكِفينَ على الأوثـانِ عَجّــوا لَهـا وَضَجّــوا اعْتـِــذارا
أمْ زُنوجا تَوالَغوا في الدَّمِ المَسْفوحِ دَفّـوا وهَلَّلــوا استبشــارا
أمْ مُسوخًا مِنَ العواطف تَعْوي سَخَـرًا مـِـنْ ريائهـا واحْتِقــــارا
أمْ كشيشَ الشَّحْنـاء هَمَّتْ وفَحَّتْ وتَنَزّى لُعابُها واسْتَطــارا
أمْ صَليلَ الأَحْقاد طاشَتْ عنِ الكَظْم فخاضَتْ إلى التَّشَفّي الغِمارا
أمْ هَزِيمَ اللّذّاتِ في صَخَبِ النَّشْـــوةِ هاجَتْ زَفيرَهـا الفَـــوّارا
أمْ وَغى السُّخرِيـاتِ فـي لَغَطِ الآلام تَسْتَصْرِخُ الدّموعَ الغِزارا
أمْ عَويلَ المُنـى البَوالي على أجْداثِ هَمٍّ مَضـى وأبْقــى تَبــارا
أمْ تسابيحَ خاشعينَ مِنَ التقـوى أسـَرّوا مـن خَشْيــةٍ إِسْـــرارا
أمْ تكاذيبَ بلْ تكاذيبُ هل تُبْصـِـــرُ إلا الهـُــداة والأَبـْـــرارا
قَدْ أرادوا أنْ يجتنوا ثَمَرَ الخَيْراتِ حُلْــوًا فصادفـــوهُ بـُــرارا
اُنْظُري يـا ريـاحُ يا وَحْشَةَ الطَّـرْفِ إذا دارَ يَمْنَــةً أو يَســــارا
ما الذي تُبْصِرين أشباحَ فانيـنَ مِرارًا تُرَى وَتَخْفـــى مِـــرارا
وُجِدوا ثُمَّ أوْجَدوا ثُمَّ بادُوا واحْتَذى نَسْلُهُمْ فـــزادَ انْتشـــارا
وَتَمـادى البقـاءُ فيهــمْ دَوالَيْك فشَـيْءٌ بَــدا وشَــيْءٌ تـَـــوارى
أوْغلوا فـي الحَيـاةِ جِيلا فجِيــــلا وتَجَلّــــى طَليقُهـم وأنـــارا
فَمَضَوْا يُبْدِعونَ في حَيْثُ حَلّوا وتَبـارَوْا حِضـارةً وابْتكـارا
ما كفاهُمْ ما بُلِّغـوا فاستطالوا ثَمُّ خـالوا فأسْرفــوا إِصـرارا
شُغِفوا بالخُلـود في هــذهِ الدُّنْيـــا فأعْطَتهـمُ الخُلـــود المُعـــارا
عَمَروا الأرضَ زينةً ومَتاعًا ثُمَّ نودوا كَفى البِـدارَ البِـدارا
ثـُمَّ مَرّوا أشباحَ فانيــن ما تملِكُ فــي حَوْمـَــةِ الزَّوال قَـــــرارا
لَمْ يكُنْ غَيْرَ خَطْفَةِ البَرْق إِذ تَبْني وتُعْلي ولَمْ يَكَـــدْ فانْهـــارا
ذَهَبَتْ ريحُهُـم وهَبَّتْ رِيــاحٌ فأقامَتْ علــــى القبـــور الدِّيــــارا
ضَلَّ هذا الإنسان يكدَحُ للخُلدِ وأقصى الخُلود كانَ فَصارا
اُنْظُري يا رياحُ ذا القَبَسُ الوَهـّــاج قدْ راوغ الفَناءَ اقْتِـــدارا
عاش تحتَ الأَطْباق دَهـْرا فدَهْــــرا يَتَلَوّى بثِقْلِهِـنّ انْبِهـــارا
كلَّما رامَ منفذا رَدَّدَتْـهُ فـي ظلامِ الأَعمــاق يَعْلـُــو صَغــــارا
لَمْ يَزَلْ دائبًا يُنَقِّبُ مُلْتــاعــًــا ويَحْتـال فـــي صَفـاهـــا احْتِفــارا
صَدَعَ الصَّخْرَةَ المُلَمْلَمَةَ الكُبْرى وأسْـرى حتى نما فاستطارا
ورَأى نُورَهُ فَجُنَّ مـن الفَرْحَـةِ أعْمـى رَأى الظَّلام نَهـــارا
أيُّ شَيْءٍ هذا وما ذاك بلْ هـذا وزاغَتْ لحاظُـه اسْتِكْبـــارا
قَدْ رأى عالمًا مَهولا مِـنَ المجهـول غَشـّاه نورُهُ فاسْتَنـارا
لَيْسَ يَدْري أهُـمْ عِدًى أم صديقٌ أيُبينونَ لو أرادَ حِـوارا
أمْ صُموتٌ لا ينطقـون ازْدراءً لغريبٍ عنهـمْ أســـاءَ الجـِوارا
واغِلٌ يَعْتَدي يُسائِل عَنْ أسرار خَلـْقٍ أجَـلَّ مـنْ أنْ تُـثارا
كيفَ غَرَّتْهُ نَفْسُهُ كيفَ ظنّ الغَيْبَ يُلْقـي لِثامَــــه والخِمـــارا
أمل باطِلٌ فلو أسْفَرَ الغَيْب لأَعْمـــى بنـوره الأنـْـــــوارا " .
عن شاكِرْ في " اعصفي يا رياح وقصائد أخرى "
